الاثنين، 22 يونيو 2026

اسم الله (المتكبر) / من كتاب فقه الأسماء الحسنى

قد ورد هذا الاسم في موضع واحد من القرآن وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر : ٢٣]. 
و «المتكبر» اسم يدلُّ على وصفه سبحانه بالتكبر والكبرياء، والتاء في «المتكبر» ليست تاء التعاطي والتكلُّف، وإنما هي تاء التفرد والاختصاص، فالكبرياء وصفه سبحانه الذي لا يليق إلا به، ولذا سيأتي ذكر الوعيد الشديد للمتكبرين، وعقوبات الله لهم المعجلة والمؤجلة. 
قال قتادة: «هو الذي تكبر عن كل سوء»، وقال أيضا: «الذي تكبر عن السيئات»، وقال أيضاً: «الذي تكبر عن كل شر»
وقال مقاتل: «المتعظم عن كل سوء»
وقال أبو إسحاق السبيعي: «الذي يكبر عن ظلم عباده»
وقال ميمون بن مهران: «تكبر عن السُّوء والسيِّئات، فلا يصدر منه إلا الخيرات». 
وجماع ذلك: أنَّ هذا الاسم يدل على تعالي الله عن صفات الخلق، وتعظمه سبحانه عن مماثلتهم أو أن يماثلوه، ورفعته سبحانه عن كل نقص وعيب، فهو المتكبر عن الشر وعن السوء وعن الظلم وعن كل نقص، وهذا متضمن ثبوت الكمال له سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله.
والتكبر لا يليق إلا به سبحانه؛ لأنه وحده الملك وما سواه مملوك، وهو وحده الرب وما سواه مربوب، وهو الخالق وحده وما سواه مخلوق، وهو وحده المتفرد بصفات الكمال والجمال والعظمة والجلال، كما كان يجمع ذلك رسول الله الله في تسبيحه لربه سبحانه في ركوعه وسجوده حيث كان يقول: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة».
فالمنزه عن النقائص الذي له الملك والتصرف والتدبير والعظمة في أسمائه وصفاته وأفعاله هو وحده المتكبر لا شريك له.
وأما العبد المخلوق فمقامه العبودية والخضوع والذل والانكسار والركوع والسجود للكبير المتعال العظيم ذي الجلال، ولعل في هذا سرا من أسرار ذكر الله بالتكبير عند الخفض للركوع والخفض للسجود، وذكر كبريائه سبحانه وعظمته حال الركوع والسجود.
وأما ـ والعياذ بالله - إذا استكبر العبد ولا سيما عن الغاية التي أوجد لأجلها وخلق لتحقيقها، وهي عبادة الله وإفراده وحده بالذل والخضوع والانكسار؛ فإن الله يعاقبه بأعظم العقاب، ويخزيه في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر سبحانه في مواضع عديدة من كتابه العزيز أنواع العقوبات التي يُحلها بالمستكبرين:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: ٦٠] ، أي : صاغرين ذليلين
وقال تعالى : ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للْمُتَكَبِرِينَ ﴾ [الزمر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ ﴾ [الزمر : ۷۲]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٦]
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: ٤٠].
وذكر سبحانه في كتابه العزيز نماذج من المستكبرين من الأشخاص والأمم، وبيّن ما أحل بهم في الدنيا من العقاب، وما أعد لهم في الآخرة من النكال، وذلك لتستبين سبيل المجرمين، وليكون في ذكر حالهم عظة للمتعظين، وعبرة للمعتبرين.
فذكر سبحانه إمام المستكبرين إبليس عدو الله وعدو دينه وعدو عباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ ص: ٧٤]، وذكر فرعون وتكبره على الحق هو وجنوده، قال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [القصص : ٣٩].
وذكر سبحانه من المتكبرين الوليد بن المغيرة معاند الحق والمبارز الله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء المعاندين المستكبرين، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا*وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا*وَبَنِينَ شُهُودًا*وَمَهَدتُّ لَهُ تَمهِيدًا* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ*كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا*سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا* إِنَّهُ فَكَرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثِرُ* إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ*سَأُصْلِيهِ سَقَر﴾ [المدثر : ١١ - ٢٦].
وذكر أيضًا تكبر الأمم الماضية على الحق، فقال عن قوم نوح عليه السلام ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَارًا* وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٦ - ٧] ، وقال عن قوم هود عليه السلام : ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [فصلت: ١٥]، وقال عن قوم شعيب عليه السلام:  ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشْعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَرِهِينَ ﴾ [الأعراف: ۸۸]، وقال تعالى عن قوم صالح عليه السلام: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ*قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي ءَامَنتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦].
وعجبا ثم عجبا من هؤلاء الطغام سفهاء العقول والأحلام كيف رضوا لأنفسهم الاستكبار عن عبادة الواحد القهار، والاستنكاف عن الإخلاص للعزيز الغفار، ثم صرفوا عبادتهم وذلهم وخضوعهم لحجر من الأحجار، أو شجرة من الأشجار، أو لأي مخلوق ليس له إلا الذل والافتقار، فلا إله إلا الله كيف ذهبت عقولهم عن الحق والهدى، وعميت أبصارهم عن النور والضياء، وسبحان الله ما أشنعها من حال، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزمر: ٤٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوا الهَتِنَا لِشَاعِر مجنُونِ ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء: ٤٦].
أَلا ما أسفهها من عقول، نعوذ بالله من الضلال، ونسأله سبحانه أن يرزقنا الذل لجنابه، وأن يُعيذنا من سبيل المستكبرين، فهو وحده تبارك وتعالى المانّ والمعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق