الاثنين، 28 ديسمبر 2015

الحلـقـ الرابعة والعشرون ـة / إما الإصلاح والنجاة وإما الهلاك


سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :

 يقول الله جل وعلا -تأملوا هذه الآية- : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } يُقال لهم : اهتدوا، ارجعوا إلى الله، حكِّموا شريعة الله، أقيموا التوحيد، أقيموا مبدأ الولاء والبراء يقولون : { إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } هذا هو الهدى القرآن، التوحيد، الإيمان { نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } ماذا كانت نتيجتهم ؟
هل عاشوا في الأمن؟
هل استقروا ؟
 لا ، النتيجة على مر العصور { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أُعجِبوا بما لديهم من دنيا، فرعون يقول : { هَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } هؤلاء تجبى إليهم ثمرات كل شيء فماذا كانت { حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ } والله هذه الآية تهزّ ، بقاء النِعمة، بقاء الخير بالاستجابة لأمر الله ، تحقيق الأمن { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ } ماذا حدث ؟
{ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }
{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } على مستوى الأمة، على مستوى الدولة، على مستوى المجتمع، على مستوى الأسرة، على مستوى الفرد، اجعل هذه الآية نصب عينيك 
{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ } 
( ما نقص مال من صدقة)
{ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } 
{ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }
كما في هذه الآية في سورة النحل { كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }
أحبتي تأملوا فيما يُحيط بنا، انظروا إلى بلاد كيف كانت نضرب المثل في الأمن والرزق كيف تحولت لا يأتي فقط من يقول قَدَر نعم نعرف أنه قدر كوني { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمُ } البُعد عن منهج الله، البعد عن تحكيم شريعة الله، التفلُّت كما يريد العلمانيون الليبراليون المنافقون، يريدون أن يفلِّتوا بلادنا مِما قامت عليه وما تحالف عليه الإمامان محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود رحمهما الله على الكتاب والسنة هذه حقيقة يبينها الله سبحانه وتعالى لما قال : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } يبين الله جل وعلا سنة كونية وقَدَرا أيضاً شرعية يقول الله جل وعلا : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }
وقفة مهمة جداً { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } اليوم يجب أن ننتبه لهذه الحقيقة إما النجاة والإصلاح { ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } وإما الهلاك -والعياذ بالله- فهذه معاني عظيمة تُبيّنها هذه الآية ونجمع بينها كما قال الله سبحانه وتعالى : { إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } حتى لو كان صالحاً في نفسه فسكوته عن الحق، عدم قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المكر هذا ظلم فإنه يُعَاقَب بعد ذلك، ثم بعد ذلك لا يمنع أن تتمتع بما أعطاك الله جل وعلا { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } هكذا { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } الإسلام لا يعارض أن يكون الإنسان يتمتع بالطيبات في حدود ما تجاوزتك إسراف أو مخيلة، البعد عن الإسراف كما يقع البعض، فتمتع بما أتاك الله سبحانه وتعالى لكنها في النهاية متاع كمتاع الراكب ، أنت عندما تريد أن تذهب مثلاً لمكة- لبلد- تأخذ معك متاع، المتاع ليس هدفاً لذاته إنما هو يوصلك للغاية التي أنت تريدها هو متاع { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فهذه حقائق يبينها الله جل وعلا في هذا القرآن ويبين لنا كيف نتعامل معها وكيف نتعامل مع الدنيا كما سيأتي بإذن الله كيف { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } أي اجعل الدنيا كأنها محل من ينسب إليك .
 هنا معنى جميل جداً أنبه إليك بعض الناس إذا جاءته نِعم -وقد سمعت هذا بأذني- وأعطاه الله من هذه النِعم قال : هذا دليل على رضا الله عنا ، سواء على مستوى الفرد يقول يرى أن الله أغناه يقول هذا دليل على أن الله راضٍ عني، أو على دليل المجتمع أو الدولة الله راضٍ عنا، لا .. يَرُدُّ عليهم القرآن ويبين أن هذا متاع يُعطاه المؤمن والكافر ، لما قال إبراهيم عليه السلام يدعوا ربه في مكة قال : {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } فقال الله جل وعلا : { وَمَنْ كَفَرَ } أي سيرزق المؤمن والكافر لكن الكافر فيُمتِعه الله متاع قليل ثم يظطره إلى عذاب النار ، إذاً دعوى أن هذا الرزق دليل على رضاء الله عنا، قد يكون استدراج فلا يخدعنك الشيطان، الميزان الحقيقي هو: إيمانك بالله سواء كنت غنياً أو فقيراً ، إذا مدّ الله لك في الغِنى وشكرت نعمة الله فأبشر ويزيدك الله جل وعلا من هذا الخير وإلا قد يكون وبال عليك وعلى من معك.
 هذه المعاني إذاً نعيش معها -أيها الأخوة- ونتدبرها تدبراً حقيقياً نستطيع أن نتعامل مع هذا الواقع وكلٌ منا يُحاسب نفسه هل قام بأمر الله جل وعلا ؟ هل شكر نعمة الله جل وعلا ؟ هل أدى حق الله جل وعلا ؟ إننا نحتاج في هذا الشهر الكريم بصفة خاصة ودائماً وأبداً أن نحاسب أنفسنا ونحن نسمع هذه الآيات نخاف { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } واللهِ عندما يرى الإنسان هذه النِعم العظيمة يرى الأسواق تُجبى إليه ثمرات كل شيء بينما نرى يُتخطف من حولنا والله إننا نخاف { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ } كما في سورة العنكبوت، نحن في بلد آمن وأرزاق وخير والعالم يُتخطف من حولنا الفتن والحروب والقلاقل ليس بيننا وبين الله حسب ولا نسب، إن حافظنا على الأسس التي قامت عليها هذه البلاد في التوحيد والإخلاص الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فأبشروا بالخير وإلا فإنني أخشى { حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ } هكذا يفسر الله لنا الآيات حتى نعقِل، حتى نتفكر، حتى نتدبر، فيا أخوتي الكرام كلٌ منكم ينظر إلى نفسه ماهو دورك في المُحافظة على ديننا وعلى قيمنا وعلى أخلاقنا ؟
كل من ارتكب إثماً فإنه يُسارع للهلاك ، أنا لا أقول وأحكم عليه لكنه إثم مع إثم ومعصية مع معصية حتى قد يتطبَّع بعض المجتمعات بالمعاصي فتحِل العقوبة بطرت معيشتك، أما إذا كنت تحافظ على دينك، على عقيدتك، وإذا وقعت في معصية تتوب إلى الله جل وعلا تؤوب إلى الله جل وعلا وتستغفر الله جل وعلا هذا سُنة الله جل وعلا في البشر، لسنا معصومين ( لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ثم يستغفرون ) المهم أن نستغفر وأن نعرف إذا ارتكبنا أو ارتكب أحدنا معصية يبادر بالتوبة الصادقة حتى نحافظ على أنفسنا، على ديننا  على عقيدتنا، على أمننا، على مجتمعنا، ونحافظ على هذا الأمن العظيم الذي نعيشه وإلا فإننا نخشى كما بين الله جل وعلا وحذَّرنا فلا عذر لأحد انتبه إلى بيتك، انتبه إلى أسرتك، يا أخي الكريم تحكيم شريعة الله ليست فقط على مستوى الدولة حتى على مستوى الفرد حتى على مستوى الأسرة هل أنت تُحكِّم شريعة الله في بيتك هذا أمر عظيم الحديث عنه يطول.
 أسال الله جل وعلا أن يبارك فينا وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين ويوفق ولاة أمورنا لما فيه خير وصلاح ، وأن ينصر المجاهدين أينما كانوا وينصر المجاهدين الصادقين المخلصين أسال الله أن ينصرهم في الشام وفي العراق وفي فلسطين وفي كل مكان أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلى الله على محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق