الاثنين، 17 أغسطس، 2015

( تفسير سورة الأنعام من الآية (١٣٦ إلى نهاية السورة )/ دورة الأترجة

د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري


 بسمِ الله الرَّحمن الرحيم
 الحَمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين وصلَّى الله وسلَّم وبَارك على سيِّدنا ونبيِّنا محمد وعلى آله وصَحبه أَجمعين .
نُكمل في هذا المَجلسِ ما بَدأناه في تَفسير سورة الأنعام، وقد وقَفنا عِند قول الله تعالى (وجعَلُوا لله ممّا ذرأَ من الحرثِ والأنعامِ نَصِيباً) المقطع الأوّل:
قال الله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧))
 بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
 تقدَّم مَعنا في المَجالس السَّابقة الحديثُ عَن سبب تسمية سورة الأنعام بهذا الاسم وفي هذه الآيات التِّي معنا الآن أيضاً عَودةٌ إلى هذا المعنى، وهو أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُخبِرُنا عَن وقُـــوعِ المُشركين في الشِّرك وتحريـمهم وتَحليلهم بِغيرِ مَا أحلَّ الله وما حَرَّم الله فيما يتعلَّقُ بالأنعام وذَبِحها وأكلِ لُحومِها ونحوِ ذلك فيقول الله سبحانه وتعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ) يعني وجعل هؤلاء المشركون (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا)
(ذَرأَ) يعني خلق (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ) (مِنَ الْحَرْثِ) أيّ من الثِّمار التّي تَنبُت من آثار الحرث (وَالْأَنْعَامِ) الأنعام المقصود بها الإبل والبقر والغَنم والمعز.
(فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) أَيّ جعلوا نصيباً من هذه الأنعام ونصيباً من هذا الحَرث ومن هذه الثّمرة قالوا هذا لله، وجعلوا نصيباً آخر فقالوا هذا لآلِهتنا.
(فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ) أيّ للأصنام والآلهة (فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ) كيف؟
 يعني إذا أصابَ -مثلاً- الجُزء الذِّي خصَّصَه هؤلاء المُشركون لآلهتهم أصابَهُ شيءُ مَرض .. هَلاك. قالوا نأخذ من الجُزء الذِّي خَصَّصناه لله ونضَعَه لهذه الآلهة لأنَّ الله غَنيّ وليس بحاجةٍ لها، فهم يُعاكِسُون أنفسهم بأنفسهم، وإذا أُصيبَ الجُــزء الذِّي خصَّصُوه لله بآفةٍ أو شيءٍ من ذلك فإنَّـهم لا يأخذُون ممَّا خَصَّصوه لآلهتهم شيء ويعيدونه هنا. وفي هذا إقرارٌ منهم بأنَّ الله غنيٌّ عن ما يفعلونه،
فالفِطرة – سبحان الله العظيم- تُنازِعُهُم، الفِطرة التّي رَكَزَها الله في الخَلق من فطرة التَّــوحيد والإيمان باللّه سبحانه وتعالى تُنازِعُهُم حتّى في مثل هذه القَضَايا، ولا شَكّ أنَّ هذا من شِركهم، ومن كَذِبِهم على الله سبحانه تعالى لأنَّهم يُخصِّصون شيئاً من هذه الذَّبائح للآلهة وهذا أمرٌ حرَّمه اللهُ سبحانه تعالى عليهم.
 قال (وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) أيّ بئسَ هذا الحُكم، وبئس هذا المَنهج الذِّي يَسيرون عليه فإنَّ ليس فيه من العَدل وليس فيه إنصاف.
وقد يقول قائل : هل هُم في الأصل يَذبــَحُون لله،ويُخصِّصُونَ لله شيء؟
 الجواب: هُم بقِيَت فيهم بقيّـــةٌ من دينِ إبراهيم عليه الصَّلاة والسّلام من الذَّبح لله ونحو ذلك لكنَّهم يُشركُون مع الله غيره فَلِذَلك حَبطِت هذه الأعمال التِّي يعملُونـَها.
ثم قال (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ) يعني وكذلك زيّنَ الشُّركاء (لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) الفاعل:هو قوله (شُرَكَاؤُهُمْ) أيّ هؤلاء الشُّركاء الذّي يُشرِك بهم هؤلاء، زُيَّن لهم ماذا؟ قــَتل أولادهم خَوفاً من الفَقر ونحو ذلك، ولذلك حرَّم الله سبحانه وتعالى ذلك عليهم قال (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقُهم وإيَّاكم) لأنَّ بعضهم كانَ يَلجأ إلى قتلِ ابنه خَوفاً من الفقر، فحرَّم الله ذلك عليهم، وذكرَ الله أنَّ المُشركين قد زُيَّن لهم قتلَ أولادهم وظنُّوا أنَّ ما هُم فيه من الفقر أو نحو ذلك هو بسبب هؤلاء الأولاد قال (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) ونظامُ الكلام (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ شُركاؤُهم) فيكونُ الشُّركاء هُنا فاعل (لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ)  (قتل أولادهم) مفعول به أيّ زيَّنُوا قتل أولادهم ، لماذا؟ قال الله (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أيّ ليُوقِعُـوهم في الخُسران والرَّدَى ولِيَخلِطوا عليهم دِينهم بالبَاطل ويُشَّوِّهُوا دينهم ويُوقِعُوهم في الشِّرك بالله سبحانه تعالى قال الله  (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ).
تُلاحِظُون أنَّ الله سبحانه تعالى يُكرِّر هذا المعنى (ولو شاء الله لآمن من في الأرض) (ولو شاء الله ما أشركوا) ولو شاء .. ولو شاء إشارةً أيُّها الإخوة إلى أنَّ ما فيه النّاس من الكفر والتَّكذيب والضَّلال هو بِقَدرِ الله سبحانه وتعالى الكوني ولِحكمةً أرادها الله سبحانه وتعالى ابتلاءً لهم وابتلاءً بهم، وابتلاءً للمؤمنين في دعوتهم، وابتلاءً للأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام في دعوةِ هؤلاء. فهذه سُنَّةُ الله سبحانه وتعالى في خَلقه. وينبغي للمؤمن أن يتعامل مع هذه القَضَايا وِفقَ هذه القَواعد التّي يُبيِّنها الله، الله سبحانه وتعالى لو شاء لآمن من في الأرض كُلُّهم جميعاً ولا كان في حاجة  رُسل ولا شيء ولكنَّ الله أراد:
 أن يَبتَلِيَ الرُّسُل هل يُبَلِّغون؟
ويبتلي الأقوام هل يُصَّدِقون أو يُكذِّبُون؟
 ويَبتَلِيَ الذِّين آمنوا هل يَدعُون إلى الله ويَصبِرون إذا أُوذُوا في سَبيله؟
 ولذلك تجدون البَلاء منصوصٌ عليه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة: في سورة العنكبوت عن الابتلاء ( آلـم.أَحسِبَ النَّاس أن يُترَكُوا أن يَقُولوا آمنّا وهُم لا يُفتنون* ولقد فتَّنا الذِّين من قبلهم فَلَيعلّمنَّ الله الذِّين صَدَقُوا وليعلَّمنَّ الكاذبين) فلابُدّ من الاختبارات، فاختبار وراء اختبار وبعضُها أقسَى من بعض، ويكون اختبارُ المَرء وابتلاؤه على قدر إيمانه، ولذلك يكون أشدُّ النّاس بلاءً الأنبياء عليهم الصَّلاة والسّلام ثُمَّ الأمثل فالأمثل، ولذلك النَّبي صلى الله عليه وسلّم كان يُثَبِّت أصحابه ويقول لهم إنّكم قومٌ تستعجلون – عندما شَكُوا إليه ما هم فيه من الظُّلم والتَّعذيب- قال: (إنكم قوم تستعجلون لقد كَان يُؤتى بالرَّجل ممَّن كان قبلكم يُــمشَطُ ما بين جِلدِه وعَظمه بالأَمشاط فَمَا يَصُّدُهُ ذلك عَن دينه) الله أكبر، ماذا تعرَّضَ لهُ الواحد منَّا في سبيل الله سبحانه وتعالى ؟! والواحد منَّا يتقاعس عن الصَّلاة مع الجماعة، ويتقاعَس عن ركعات السُّنن الرَّاتبة، ويتقاعس عن المُبادرة إلى الصّلاة في أوّل وقتها ويُريد الفِردوس الأعلى، وهذا الحقيقة من تقصيرنا ومن التَّــفريط .
 قال (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ولا تأخذُك الحَسرة والشَّفقة عليهم فَهُم قوم قد ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بذلك.
/ ثُمَّ يَذكُر الله من شِركِ هؤلاء المُشركين في الأنعام فيقول: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ) اُنظُر كيف يُقسِّمون (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) هذه -كما ذكر ابن عبَّاس- يقول "من أراد أن يَعرِفَ ضَلال العرب فليقرأ الآيات بعد الثَّلاثين والمائة من سورة الأنعام" حتى تَرى سَفَاهة المُشركين من العَرب وسخَافة عقولهم. فانظر ماذا يَصنعون. ويُقسِّمون الأنعام ويقولون هذه مُحرَّمة لا نركبُها، وهذه محرّمة لا نأكلُ من لَحمها (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ) حِجرُ : معناه محرَّمة مَحجُورة، كما قال الله في سورة الفرقان ( ويقولون حِجراً محجوراً) (لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ) وهذا بغير أَمرٍ من الله سبحانه وتعالى وإنَّـما بأهوائهم وشهواتهم كما قال في سورة المائدة (ما جَعَلَ الله من بحيرةٍ ولا سَائِبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حَامٍ) هذه هيَ نفس المعاني التِّي يذكُرها الله هُنا.
 البحيرة: قالوا هي النَّاقة التِّي تَحمِل عشرة أبطن أو بطون فيَشُّقُون أُذنها ويتركونها فيقولون هذه لا تُركَب ولا تُحلَب وتُصبح محرّمة فيُهدرون بذلك الأموال على غير وجهها. (ولا سَائِبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حَامٍ) والحَام: وهو الذَّكَــر الذّي يَــحمُون ظَهره عن الرُّكوب ويتركُونه هَكذا. وليس هذا من بَاب تقديـم الهَـدي إلى الكعبة -مثلاً- كما يفعل المسلمون يُهدُون إلى الكعبة فينحرونَـها ويُطعِمُون الفُقراء، وإنـَّما يتركونـها ويُسيِّبونها هكذا من بَاب إهدارِ المَال والجَاهلية. فالله سبحانه وتعالى يَذكُر هنا ويقول (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا) أَيّ لا تُركَب مِثل الحَام (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) تهديدٌ لهم.
 انظر أيضاً إلى تحكُّمِهِم في الأنعام -وهذا من أَسباب تسميَتِها بسورة الأنعام أنَّه قد دخل الشِّرك في هذا الباب- فيذبـَحون لغيرِ الله، ويُـحرِّمون ما لم يُحرِّم الله ويُحلِّلُون ما حرَّم الله وهكذا.
 (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا) جاهليّةَ، يقولون الذِّي تَلِدُهُ هذه الإبل أو هذه البَقَر خالصة للأولاد الذُّكور فقط (وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) أيّ على الإناث. وهَذِه نَزعةٌ جاهلية ما زالت في بَعض النَّاس اليوم، بعض النّاس اليوم يُوصِي للأبناء ويَحرِم البنات -مثلاً- فهذه من بقايا هذه الجَاهلية. فهؤلاء يقولون هذه الأنعام أربعين .. خمسين -مثلاً- جُزءٌ مُحدَّد منها سواءً من الإبل أو من البَقر ما تَلِدُه هذه الإِبل أو هذه البـَقر خالص للأبناء أما البنات فلا يدخلن في ذلك.
 (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً ) فإذا وُلِدَ ميّتاً أو كانَ ميتة يُريدون أن يقتَسِمُوها فهم فيه شركاء قالوا هذا  أَعطُو البَنات منه لا إشكال في ذلك. فهذا من أخلاق الجاهلية وظُلمِهمالجاهلية  الذِّي كان سائداً قبل النَّبي صلى الله عليه وسلّم.
وهذه المُفتَرَض أن تُبرَز اليوم، كيف أنَّ الإسلام جاء لإنصاف المرأة، فالمرأة في الجاهلية كانت مُضطَهَدَة كثيراً، والإِسلام جاء لِرَفع مَكانتها وإعطائها حقَّها وهذا من ذلك.
 قال الله سبحانه وتعالى (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً) أيّ هَذا الخارج من بطون هذه الأنعام ميتة (فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ) أيّ الأبناء والبنات.
(سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) أيّ سوف يُـجَازيهم الله على كذبهم هذا وافترائهم، والوَصف هنا هو الكذب
(إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) وانظروا كيف تكرَّرَت (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) في أكثر من موضع  فالله سبحانه وتعالى لا يَحكُم بهذه الأحكام ولا يُقرِّر هذه العقوبات إلاّ لحكمته سبحانه وتعالى وعِلمه.
ثم يقول (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) يُقرِّر الله سبحانه تعالى أنَّ ما كان يفعله أهلُ الجاهلية من قتل أبنائهم بغير حـَقّ إمَّا خَشية الفقر والإِملاق ونحو ذلك، أو لِغَيرِ ذلك من الأسباب، فإنَّهُم كانُوا في ضَلال وما كانوا على هِدايَة، وأنَّهم أيضاً في تَحريـِمهم ما رزقهم الله من الأنعام بغير حقّ أنّهم كانوا في ضَلال أيضاً. ثمّ يذكرُ الله سبحانه وتعالى أدِّلةً من أدِّلة رُبُوبيّته لاحِظُوا أنَّـه سبحانه وتعالى يذكُر أدّلة من أدلة الرُّبوبية ثمّ يذكر الآلهة واستحقاقِه للعبودية، ثمّ يذكر أيضاً أدِّلةً أخرى ويُعقِّب عليها باستحقاقه للأُلوهية، فَالاستدلال هُنا - في سورة الأنعام- الاستدلال بالرُّبوبية على الأُلوهية في سورة الأنعام كثيرٌ جِدًّا.
/ (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ) الجنَّات : هي البساتين. المَعروشات : هي التي  تنتشر على الصُّخور كالعنب، وبعض النباتات تنتشر وتكون مُتَسَلِّقَة على الجُدران فهذه يسَمُّونها العَريش. وغيرَ مَعروشات: أيّ لها جذوع .
/ (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين) اُنظُروا إلى هَذِه الآية العظيمة التي يـَمتَّن الله فيها بِخَلقه لهذه النَّباتات (المعروشات وغير المعروشات) والمعروشات -كما قلت لكم- هي التّي تنتشر على سطح الأرض وتذهب يميناً ويساراً مثل العِنب يُعتبَر من المعروشات.
(وَالنَّخْلَ) أَيّ هو الذّي أنشأهُ وخَلقَه (وَالزَّرْعَ) ما يُزرَع أيضاً من كُلِّ الفواكه يَدخل في الزَّرع.
 (مخْتَلِفًا أُكُلُهُ) يعني مَا أكثرَ الأنواع والأصناف التِّي يأكُلها البَشر من هذه المَزروعات يَدخلُ فيها أشياء َكثيرة ، مختلفاً أُكُلُه : أيّ طعمُهُ.
 (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) أَيّ خَصَّ الله أيضاً الزَّيتون والرُّمّان لــِمَا فيهما من الفَضَائل، وهذا من بَاب التَّخصيص بعد التَّعميم.
 (مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) يعني تتشابه هذه الأشجار في وَرَقَها ..في لَونِـها .. في طَعمها، وأَيضاً تَختلف فتَجد أحياناً نباتات مُتشابهة مع أَنَّها مختلفة من حيث النُّوع، مثلاً شجرة رُمَّان، وشجرة مثلاً خُوخ أو نحو ذلك تجد فيه تشابه في بعضها -في أَوراقها- وإن كانت مختلفة من حيث الطَّعم ومن حيث اللُّون إلخ. وتجد أيضاً نباتات مع أنّها من فصيلةٍ واحدة مثل النّخيل نفسه ولكنّه يتفاوت من حيث الثَّمر مع أنّه يُسقى بماءٍ واحد وكُلُّ هَذا من دلائل عظَمَته سبحانه وتعالى ومن دلائل رُبوبيّته وخَلقه، وهذا أيضاً يستلزم ألوهيّته وهو أنّه هو المستحقّ للعبادة.
 (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) أيّ هذه النَّباتات وهذه المَزروعات كلوا من ثمره. وتُلاحظون أنّ الحَلال أوسَع من الحرام. الحَلال كثيرٌ جِدّاً والأصل في النَّباتات وفي الأَطعمة الحِلّ، والحَرام مُفَصَّل، ولذلك قال الله (وقد فصَّل لكم ما حرَّم عليكم) الذِّي حرّم عليكم واضحٌ ومُحدَّدٌ .أمّا الحَلال فهو الباقي. وهَذا من سَعَة رحمةِ الله سبحانه وتعالى.
تذكُرون أنَّ الله تعالى قال في سورة المائدة ( يا أيُّها الذين آمنوا أوفوا بالعُقُود أُحلّت لكم بـهيمة الأنعام) ما العَلاقة بين الأمر بالوفاء بالعقود وبين تَحلِيل بهيمة الأنعام – فكَأنَّ النَّاظر إلى هذه الآية من أوَّل وَهلة يرى أنَّ العلاقة بعيدة، لكن العلاقة قويّة جِدّاً.
أنّ الله قال أوفوا بالعقود أيُّها المؤمنون فإنَّ وفَاءكُم بالعقود والتزامكم بها سَوف يُوسِّعُ لكم دائرة الحلال ويُضيِّق دائرة الحرام. بِخلاف اليهود الذَّين أكثروا من نقضِ العُهُود والعُقُود فضَيَّقَ الله عليهم دائرةَ الحلال وحرَّم عليهم أشياء هي حلالٌ لغيرهم.
 فكذلك هنا (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) وهذه الآية تَدُلُّ على وجوب الزّكاة في الخارج من الأرض بِنصَابِه المَعروف. (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين) نهيٌ عن الإسراف، والإسراف هو: مُجاوزة الحدّ المأذون فيه، وهذا من كمَال الشريعة - أيُّها الإخوة – أنَّك حتى ولو كان عندك مالٌ كثير فلا تُسرِف ولذلك ورد في الأثر "لا تُسرِف وَلَو كُنتَ على نـَهرٍ جارٍ" مع أنَّ هذا ليس مَظَّنة الإسراف ولكن حتى في هذا الموطن فلا تُسرف، وهذا تعليمٌ لنا، فكيف إذا كُنت تَـجلِب المَاء من مكان بعيد وتخسر الأموال الطَّائلة حتى تُحلِّيه، فهذا من باب أولى.
قال الله (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين) وهذا أسلُوبٌ بليغ، وهذا موجود في القرآن الكريم بكثرة (إنه لا يحب المسرفين) (إنّه لا يُحب الظَّالمين) (إنّه لا يُحبُّ الكافرين) وغيره. هذا كُلُّه في تبغيض هذه الأمور وهذه الأخلاق.
 (إنّه لا يُحِبُّ المُسرفين) وإذا كنت مؤمناً فإنك تحرص على أن تتجنَّب ما لا يُحبّه الله وتحرِص على ما يُحبّه الله سبحانه وتعالى .
 / ثمّ قال (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) أَيّ وأنشأ لكم من الأنعام حمُولة وفرشاً. فالـ (حَمُولَةً) الحَمُولة: هي الأنعام التّي يُركَب عليها مثل الإبل، والبِغَال، والحَمير والأَحصِنَة. (وَفَرْشًا) الفَرش هُو: ما يُذبَح ويُؤكل. سمّاه الله فرشا قالوا: لأنّه يُفرَش ويُذبَح.
 قال الله (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
ما أجمل هذه الآية أيُّها الإخوة، انظروا بعد أن ذكر الله صنيعَ هؤلاء المشركين وأنَّهُم يُحرِّمون ما أحلَّ الله لهُم في هذه الأنعام، وأنَّهم يذبحونها ولا يذكُرون اسم الله عليها. كُلّ هَذه التَّصرفات تصرُّفات مُحرَّمة وما أنزل الله بها من سلطان، فما المطلوب يا ربّ؟
قال أنتم في سَعَة وأنتم قد أَحللنا لكُم ما حرَّمنا على غيركم، وقد وسَّعنا عليكم فقال (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فهُو رزقٌ من الله (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) ما أجمل هذا التعبير الشَّيطان هو الذِّي يصنع كُلّ هذا: هو الذِّي جَــرَف المشركين إلى ما هم فيه ، هو الذِّي زيَّــن لهم قتل أولادهم سَفَهاً بغير علم، هو الذِّي جعلهم يُحرِّمُون ما في بطون هذه الأنعام، وهو الذِّي جعلهم يُخصِّصون ما في بطون هذه الأنعام للأبناء دون البنات وهكذا، فقال (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) ولم يقل ولا تتَّبعوا الشَّيطان لأنَّ الشَّيطان أيُّها الإخوة ذكّي، وداهية، لا يطلب منك أنَّك تدخل في الكُفُر مباشرة لأنّه يعلم أنّه سيصدمك بهذا الطّلب، ولكنّه يُزيِّن لك البَاطِل خُطوةً .. خُطوة، وكَذلك يَصنع حتّى أتباع الشّيطان خُطوةً .. خُطوة، ولذلك الله دائماً يُحذِّر (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) فحذَّرنا الله سبحانه وتعالى من اتِّباع خُطُوات الشَّيطان ولم يُحذِّرنا من اتّباع الشَّيطان، وهذا فيه إشارةٌ إلى أنَّ الإنسان ينبغي عليه أن يكون حَذِراً أشدَّ الحَذَر من أيّ شُبهة تَجعلُه يضَع قدمَه على طريق الشَّيطان، لا تتهاون في المَعاصي وفي الصَّغائر فإنَّـها بابٌ إلى الكبائر، لا تتهاون في الشُّبهات فإنّها سوف تأخُذُك إلى المحرِّمات الواضحات وهكذا، فلذلك قال (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وقال في آيةٍ أخرى (ومن يتَّبِع خُطُوات الشّيطان فإنّه يأمُرُ بالفحشاء والــمُنكر) مَن هو الذِّي يأمُر بالفحشاء والمنكر، الشَّيطان أو الذِّي يتبّع خطوات الشَّيطان؟
 الجواب: الآية تـحتمل معنيين:
 المعنى الأوَّل: ومن يتَّبِع خطوات الشيطان فإنَّ الشَّيطان يأمر بالفحشاء والمنكر والذّي يتبّعه يُصبح يأمُر بالفحشاء والمنكر مثله .
المعنى الثّاني: أو (ومن يتّبع خُطُوات الشّيطان) فإنّه يُصبح يأمُر بالفَحشاء والمنكر كما قال الشّاعر:
وكُنتُ اِمـــــــرءاً من جُــــــندِ إبـــــليس ** فارتقَى  بــــــِيَ الحال حتَّى صَارَ إبليسَ من جُندي
 فكذلك هنا يقول الله سبحانه وتعالى (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) في تحريمه وفي تحليله، ما أحلّ الله، وما حرّم الله. يعني هؤلاء المُشركين لم يكونوا بهذه الطَّريقة ولكن مع الزَّمن أصبحوا يعبُدون الأصنام ويسجدون لها من دون الله، قبل أن يأتي عمرو بن لُحيّ بالأصنام، ما كانوا يعبدون الأصنام ولا يعرفونـها لكن تطَّورت المسألة خُطوةً خُطوة حتى جاء بالأصنام ثمّ بدأوا يستوردونـَها بكميات كبيرة، ثمّ بدأوا يصنعونها -صار فيه تصنيع مَـحلِّي للأصنام- حتّى أصبح كُلّ واحد في بيته صنم. ثمّ أصبح بعضهم أيضاً يُصنِّع أصنام خفيفة للسَّفر (عَجوة). ولذلك يقولون – لست متأكّداً هل هو عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أم غيره- أنّه يضحك يوماً فقالوا له: ما الذّي يُضحِكُكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: تذكَّرتُ صنماً كنتُ أعبده في الجاهليّة من عجوة ، فلمّا جُعت أكلته. فانظر إلى سَفاَهة الجهل والشّرك وخُذلانِ المُشرك.
قال الله (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) أيّ الشيطان، وهذه أيُها الإخوة، بالرّغم من التَّحذيرات الشَّديدة لنا في القرآن الكريم، مع أن القرآن الكريم مليء بالتّحذير من الشَّيطان ( إنّ َالشيطان لكم عدّوٌ فاتخِّذوهُ عدُّواً إنّما يدعُو حِزبه ليكونوا من أصحاب السّعير) وبالرَّغم من ذلك تجدنا -للأسف الشّديد- لا نستجيب لهذا النَّهي ويتبَّع كثيرٌ منّا الشَّيطان كما قال الــمُثـقَّــب العــَبدي في نُونيته – وهو شاعِرٌ من الجاهليّة- :
إلى عَمرٍ ومن عَمرٍ أَتـَـتـَـنـي ** أَخِي النَّجَداتِ والحِلمِ الرَّصِين
 فإمَّــا أن تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ ** فأعرفَ مِنكَ غَـــثِّي من سَمِيني
 وإلاَّ فـــــــاطَّــــرحــني واتــَّــــخـِــذنــِـي ** عَـــــدُّواً أتـَّقــِــــيكَ وتتّـــَــقِيني
 فيطُلب منّه أن يكون واضحًا، إمَّا أن تكون أخي بِحَقّ فأعرف أتعامل معك وإلاَّ فاطَّــرحني واتَّخذني عدُّواً أتقّيك وتتقيني.
 الشيطان الله سبحانه وتعالى بيَّن لنا أنَّ الشَّيطان عَدُوٌّ لنا (إنَّ الشيطان لكم عدّوٌ فاتخّذوه عدُّواً) ولكن نَحن نرفض ونتّخذه صديقاً، وكثيرٌ منَّا فعلاً يستجيب للشَّيطان فيما يأمرُه به كأنَّه هو الوَليّ الذِّي أَمره الله باتّباعه.
/ ثم يقول الله سبحانه وتعالى (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) يأتينا الآن تفاصيل الأنعام التّي مرّت بنا: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) أيّ هذه الأنعام ثمانية أزواج .(مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ) يعني الذّكر والأنثى ، (الضَّأن) الخروف والنَّعجة (وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) التَّيس والعَنز.
(قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ما عندكم علم وأنتم تُحرِّمون بغير دليل وهذا خطابٌ للمُشركين (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ) النَّـاقة والجَمَل (وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) البَقرة والثُّور.
(قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ) هذا طبعاً سؤال استنكاري للمُشركين، يعني أنتم يا هؤلاء المشركون الذِّين تُحرِّمون هذه الأجناس وتُحلِّلون بـِهَواكم دون دليل، ودون حُجَّة، من أين أتاكم هذا التَّحريم وهذا التّحليل؟!
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا) هل الله وصّاكم الله بهذا، وتشهدون على أنَّ الله قد وصّاكم بهذا؟! أيضاً هذا غير صحيح.
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
انظروا لهذا التَّعقيب:  أنّ الله سبحانه وتعالى يقول ليس هناك وصيَّة من الله. ليس هناك تشريعٌ من الله بما تفعلونه من التّحريم والتّحليل في هذه الأنعام، وإنَّما هُو افتراءٌ مَحضٌ على الله سبحانه وتعالى فيقول (فَمَنْ أَظْلَمُ) أيّ لا أحد أظلم (مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) 
ثم يقول (قُلْ لَا أَجِدُ) يا مُحمَّد (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ) أيّ من القرآن (مُحَرَّمًا) أيّ لا أجِد في القرآن الكريم طَعَاماً مُحرَّماً عليكم (عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) يعني على أيّ واحد ممن يأكل هذا الطعام إلا أشياء محدودة (إِلَّا أن يكون مَيْتَةً) هذا مُحرَّم . (مفعول به) ، (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) فهُو مُحرَّم، (أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) نَجس فهو مُحرَّم أيضا (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أيّ ذُبِح على غير اسم الله فهُو مُحرَّم. ( إلاَّ أن يكونَ مَيتةً أو دَمَاً مَسفُوحاً أو لحم خِنزيرٍ أو فِسقاً أُهِلّ لغير الله) مَعطوفة على ما سبق. (فإنَّه رِجس ) هذا وَصلٌ فقط (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فمن اُضطُّر إلى أَكل شيءٍ من هذه المُحرّمات بشرطين: غير بَاغٍ: أيّ متجاوز لحدّ الضرورة والحاجّة. ولا عادٍ: أيّ يأكُل المحرّم وهو يجد في الحلال مَندُوحة.
(فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ماذا تُريدون أكثر من هذه السَّعَة ، أليسَ كذلك؟ فالله سبحانه وتعالى وسَّع عليكم الحَلال وضيَّق الحرام، حتّى هذا الحرام الذّي ضيَّقَه الله سبحانه وتعالى أباحَه لكم في حال الضَّرورة، ماذا تريدون أكثر من ذلك؟؟
 ثمّ قال يصِفُ لنا حالَ اليَهُـود لأنَّهم كانوا أصحاب نقضٍ للعُهود ولا زالوا ينقضون العهود إلى قيَام السَّاعة.
 قال (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا) أيّ على اليهود، قارِنُوا بين المسلمين وبين اليهود، كيف وسَّعَ الله على المسلمين لأنّهم أهل وفاء بالعُهُود، واستجابة وانقياد لأمر الله وأمر رسوله، وضيّق الله على اليَهُود لأنّهم ضيَّقوا على أنفسهم .
قال (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) أيّ كُلّ حيوان من ذوات الظُّفُر فهُو مُحرَّم عليهم.  (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) أيّ البَقَر والغَنم محرَّم عليهم أن يأكلوا شحومهما (إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) أيّ الشَّحم الذّي يختلط بالظُّهُور فهذا معفُّوٌ عنه (أَوِ الْحَوَايَا) الأَمعاء، فَمَا يَختلطُ بها من الشَّحم أيضا معفُوٌ عنه، لاحظوا الآن أصبحت بالعكس، فالمؤمن الآن (حلال الذَّبيحة كاملة ، الدَّم المسفوح حرام لكن الدَّم الذّي يبقى في العُروق فهذا لا بأسَ بِه. هؤلاء قد حَرَّم عليهم الشُّحُوم إلاَّ ما كانَ في إخراجه مَشَّقة شديدة ممّا يختلط بالحَوايا والباطن أو كان بالظُّهور.قال (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) لاحِظُوا كم سيكون في ذلك من المشَّقة حتّى يُنَقِّي الذّبيحة من الشُّحوم.
(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ) لماذا ياربّي كل هذا التّضييق على اليهود؟
قال (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ) بسبب بَغيهم وظُلمهم وتجاوزهم ونَقضِهم (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) يعني ما ظلمناهم،وإنا لصَادِقُون فيما قرَّرنا أوفيما فعلنا بهم.
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ) يا محمد (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) أيّ فإن كَذَّبك هؤلاء المُشركون فيما جئت به يا محمّد فأعرض عنهم وقل لهم: ربُّكم ذو رحمةٍ واسعة فمن شَاَء هَدَى ومن شَاء أضَلّ ولا يُرَدُّ بأسُهُ إذا أراد بأحَدٍ سوءاً عن القوم المجرمين.
  (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ )
 المُشركون يقولون للنَّبي صلى الله عليه وسلّم، نحن لو شاءَ الله ما أَشركنا، فنحن في شِركنا إنَّما هو بأمر الله، وبقضاء الله، يحتَّجُون بـِهذا عَلى صِحة ما هم فيه من الشِّرك. طبعاً كلامُهم هذا له جانبٌ صحيح وجانبٌ باطل وهم يُريدون به الجَانب البَاطل. ولذلك ردَّ الله كلامهم. فهم يقولون (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا) وفعلاً صحيح لو شاء الله ما أشركوا، ولكن لأنَّ الله يعلم من عُتُوِّهم وعِنَادهم وتكذيبهم أنَّهم لن يُؤمنوا ولذلك كَتَبَ الله عليهم الكُفر وحرَّم عليهم الإيمان.
 (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) أيّ كُلّ الذِّي نفعله بمشيئة الله، ولكنَّهم يقولون ذلك من باب إثباتِ أنَّـهم على حقّ، وأنّـَهم على خير فيما يفعلون فقال الله (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أيّ كذلك كانت حُجَّةُ المكذِّبين الكافرين المعاندين من قبلهم من الأُمم، كانُوا يقولون أنَنّا نكفُر ونُكذِّب بمشيئة الله وتقديره لنا، ونحنُ لا ذَنب لنا، يقولون هذا من باب الاحتجاج على ما هُم فيه من الباطل، والتَّكذيب، والله سبحانه وتعالى لِعلمِه بِعُتُّوهم وكَذبِهِم عاقَبَهُم بـِحرمَانهم من الإيمان، وكتب عليهم الكُفر والموت عليه.(حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) أيّ عَذَابـَنا.
 (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ) أَيّ أنتم أيُّها المُشركون تتّبعون الظَّن، والوَهم وليس عندكم من دليل وحُجّة ولا بُرهان. وسُورةُ الأنعام -كما قلنا- هي سورة الحُجّة والبُرهان وهؤلاء المُشركون لا بُرهانَ لهم ولا حُجّة، وسـَفسَطَة. وهذا هو شَأنُ المكذِّبين – أيُّها الإخوة – في كُلِّ زمانٍ ومكان. تأمّلوا اليوم في الكُّفَار من اليَهُود والنَّصارى، والمِلَل المُنحرفة (الرَّافضة، الشُّيُوعية، المُلحدين وغيرهم) استَمِعُوا إلى حُجَجِهِم وأَدِّلتهم على صِحة ما هم فيه تجد أنَّها كُلُّها حُجَج باطلة. ويأتي بعد ذلك فيقول (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) الحُجَّة الحقيقيّة والبرهان الحقيقيّ قد جاءَت به الأنبياء والمُرسلون عن الله سبحانه وتعالى، وما أنتم فيه يا أيُّها المشركون المكذِّبون من حُججٌ باطلة وداحضة وغير مقنعة.
(فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) أيّ لو عَلِمَ الله فيكم خيراً لهَدَاكم أجمعين،ولكن الله قد عَلِمَ فيكم من العِنَاد والكُفر ما يحولُ بينكم وبين الاستجابة والإيمان.
 قال الله ( قُل هَلَّم شُهداؤكم ) أيّ قُـل يَا محمد لهؤلاء المشركون أَحضِروا شهداؤكم (الذِّين يَشهدون أنَّ الله حرَّم هذا) أنتًم تقولون حرَّمنا هَذه على أزواجنا وهذه مُـحرَّمة على الأبناء وغيره، فَأتُوا بشهود يشهدون على هذا، أن الله حرّم هذا.
ولكن المُشكلة أنَّك تجد من المُكذّبين الظَّالمين من يشهد فيقول الله سبحانه وتعالى ( فإن شَهِدوا فلا تشهد معهم ) لأنَّ هؤلاء يستمرؤن الكَذِب، ويستَّحِلُّون الكذب على الله.
  (ولا تتبّع أهواء الذّين كذَّبُوا بآياتنا لا يُؤمنون بالآخرة وهم بربِّهم يَعدِلُون) وهذا الخِطاب للنَّبي صلى الله عليه وسلّم وحَاشَاه عليه الصَّلاةُ والسَّلام أن يتَّبِع أهواء هؤلاء المشركين الذين (لا يُؤمنون بالآخرة وهم بربِّهم يَعدِلُون)  يعدلون: أيّ يجعلون مع الله آلهةً أخرى، تُعادِلُه، أيّ يُساوون. ولذلك قال ( الحمدُلله الذّي خَلَقَ السَّموات والأرض وجعل الظُّلمات والنُّور ثمّ الذّين كفروا بربّهم يَعدِلون) .أيّ يساوُون به غيره، ويَجعلون له عديل أيّ مَثِيل،وهي مأخوذة من عِدل البعير وهو التَّوازن الذِّي يكون في حِملِ البعير فَهَذا هو العَدل.ولذلك يقول الله (ولا يُؤخَذ منها عَدلٌ) أي فِديةٌ يوم القيامة. إلى هُنا نهاية المجلس الأوَّل .. ونكمل بإذن الله في المجلس الأخير من (سورة الأنعام) وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  المجلس الثّاني والأخير من مجالس تفسير سورة الحُجّة والبُرهان (الأنعام)
بِسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ لله ربِّ العَالمين وصلَّى الله وسلّم وبَارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 هذا هو المجلس الأخير من مجالس تفسير سورة الأنعام, أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعني وإيَّاكم بما قُلنا، وأن يَجعله حُجَّةً لنا لا حُجَّة علينا, وأن يزيدنا به إيماناً ويقيناً, إنَّه سميعٌ عليم.
يقول الله عزَّوجل في الآيات التي وقفنا عندها (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) قد ختمنا الحديث عن هذه الآية وتلاحظون أيّها الإخوة  تَكَرُّر كلمة الحُجَّة والمُحَاجَّة في سورة الأنعام (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) التي بدأنا بها حديثنا ، وقال الله بعدها: (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ) ، ثم قال: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)  ثم يقول هنا (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)
 هذا كُلُّه يؤكّد موضوع سورة الأنعام وأنَّها لتقرير التوحيد والاحتجاج على المخالفين في هذا الأمر العظيم، وهي حُججُ قوية مؤثّرة، مُقنعة، احتجَاجَات عقلية، واحتجَاجات في غَايَة الوُضوح والبَيان يدعونا الله سبحانه إلى التَّفقُه فيها والتأمُّل والتَدبُّر فيها لكي يكون المُسلم على بَيِّنة أولاً فيما يعبُد الله تعالى به وفيما يدعو النَّاس إليه .
 المَقطع الأوّل:
(قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (152))
 بسم الله الرحمن الرحيم
(قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) هذه الآيات من أعظم الآيات في سورة الأنعام وهي آية مشهورة ذكر الله سبحانه وتعالى فيها المُحرَّمات، فالله سبحانه تعالى يقول للنَّبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المشركون الذِّين حرَّموا ما أحلَّ الله لهم، حرَّمُــوا بعض الأطعمة وحرَّمُوا بعض الأنعام دون دليل ودون حُجَّة، اللهُ سبحانه وتعالى يا مُحمَّد (له الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) وقُل لهم يا محمد تعالَوا إذا كنتم تريدون فِعلاً المُحرَّمات التي حرّمَها الله تعالى فتعالَوا أتلُ عليكم هذه المحرَّمات، هذه المحرِّمَات الحقيقية وليس أن تُحرِّم لي الجَمل الذِّي لهُ عشرةُ أَبطُن أو النَّاقة التي وَلَدَت دون دليل ودون حجّة  فيقول: (قُلْ تَعَالَوْاْ) هذه دعوةٌ لهم للاستماع (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ) أي أقرأ عليكم وأتلُ عليكم (مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) آية الوصَايا العَشَر في سُورة الأَنعام
 الوصيِّة الأولى: (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) والسُّورة كُلّها -كما قلنا- تتحدث عن العقيدة والتوحيد ونبذ الشِّرك ولذلك قدَّمه الله (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) ،والشِّرك ظُلمٌ عظيم قال الله (إنَّه من يُشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواهُ النَّار) والآيات التي تَدُلّ على تَحريم الشِّرك كثيرةٌ جِدَّاً . ولذلك من أَهمّ مقاصد القرآن الكريم التِّي جاءَ القرآن من أجلها: النَّهيُ عن الشِّرك والدَّعوةُ إلى التَّوحيد . ولذلك يَنبغي أيُّها الإخوة أن لا نتساهل في هذه المسألة (التَّوحيد والعقيدة) فإذا رأيتَ أحداً يُشرِك أو يقع في الشِّرك ولو في كلمة- بعضُنا يتساهل- مثلاً الحَلِفُ بغير الله ولو كانت تجري على اللِّسان فلا تتساهل فيها مع النَّاس، ولا تُجامِل فيها أَحداً ولكن بأسلوبٍ لَطيف وبأسلوب مُهذَّب إنهَ عن هذا الشِّرك لأنَّكم لاحظتم إبراهيم عليه السَّلام كيف رفَعَ الله شأنه في الدُّنيا والآخرة، أليس كذلك؟ رفعَ الله شأنَه رَفعاً عَظيماً , وكُلُّ المواقف التِّي كانت تَدور حول قِصَّةِ إبراهيم هي مُحاربته للشِّرك والأصنام والتَّكسير لها. وهذا يَدُّلُنا – أيُّها الإخوة- على خُطُورة الشِّرك وأنَّه أعظمُ الذُّنوب على الإطلاق لا تَساهُلَ فيه، لا تقول هذا يَسجد لعلّه لا يقصد  بعض الناس يَسجد للقَبر فإذا أردت أن تناقشه يقول لا يقصِد بأنّ يسجد للقبر .هذه ليس فيها التماسٌ للأَعذار الواهية وإنَّما الشِّرك شِرك ، وأيُّ مظهرٍ من مظاهر الشِّرك يجب أن يكون في غاية الحَساسية وأن يُحذَّر منه.
 الوصيِّةُ الثانية: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فالآن يقول (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ولم يَقُل "ولا تَعُقُّوا الوالدين" وإنَّما قال: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فغيّر الأسلوب لماذا؟
قال العلماء لِسَبب: وهو أنَّ عُقُوقَ الوالدين، لا يَكفِي في بِرِّ الوالدين أنَّك تنهاهُ عن العُقوق فتقول للشَّخص لا تَعُقَّ والديك, فكأنَّ نهاية برِّك لوالديك أنَّك تكفيهم شَرّك ولا تعقّهم، بل حقُّهُم أعظمُ من ذلك أليس كذلك؟ حقُّهم ليس أن لا تعقّهم وإنَّما أن تبرَّهم غايَة البِرّ بل ليس البرَّ فقط وإنّما الإحسان وهو ما فوقَ البِرّ. ولذلك قال الله تعالى: (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فجاء التعبير بذلك فلم يقل هُنا ألا تُشركوا به شيئا ولا تعقّوا الوالدين وإنما (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فلا يكفي في بِرِّ الوالدين عدم عقوقهما، وإنَّما لابُدَّ من الإحسان إليهما، وهذا أسلوب رائع جداً.
 الوصيِّةُ الثَّالثة: عاد إلى الصيغةِ نفسها (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) أيّ لا تقتلوا أولادكم بسبب الإملاق , والإملاق هو الفقر، ثم قال: (نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) وفي آية أخرى قال: (نحن نرزقهُم وإياكم) ســـؤال :ما الفرق بين الآيتين؟
 الجواب: في آية الإسراء قال الله ( ولا تقتلوا أولادكم خَشيةَ إملاق نحنُ نرزُقُهُم وإيَّاكُم إنَّ قتلَهُم كانَ خِطئاً كبيراً) فقال هُنا خشية إملاق: أيّ شيءٌ لم يُتُوَقَّع ولم يأتي بعد قال (نحنُ نرزُقُهُم وإيَّاكُم) أيّ نرزُقهُم (هُم) وإيَّاكُم، فرِزقُ الأولاد مضمُونٌ قبل رِزقِكم.
 أمّا في آية الأنعام قال الله (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نحنُ نرزُقكُم وإيَّاهُم) فأنتم في فقرٍ أصلاً فلا تقتلوهم من إملاق نحن نرزقكُم  فرزقكُم مضمونٌ وإيَّاهم .أرأيتم بلاغة القرآن الكريم .
 الوصيِّةُ الرَّابعة: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) الــفَواحش: كُلُّ ما فَحُش ذِكرُه، يدخل فيه فواحشُ الرِّبَا، والزِّنا, والفَاحش كل ما يُستفحَش ذِكرُه ويُستقبَح.
(وَلاَ تَقْرَبُواْ) فلم يَقُل ولا تفعلوا الفواحش بل قال :(وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ) كما قال: (ولا تقربوا الزنا) وهذا فيه إشارة إلى النَّهي عن أسبابه, ليس النَّهي عن الفاحشة نفسها لا، النَّهي عن أسباب الفاحشة التي سوف تكون ذريعةً للوقوع في الفاحشة (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) وهذا نهيٌ يشمل كُلّ فاحشة .
 الوصيِّةُ الخَامسة: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ) نهيٌ عن قتل النَّفس بغير الحقّ، وقتل النفس بحقّ نصَّ الله عليه وهو أنه لا يُستحلَّ دمُ امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث - وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم (الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المُفارِق للجماعة) أيّ أنَّ الحُدود التي أجاز الله فيها قتل النفس للإمام -ضيِّقة جداً- لحُرمة الدم .
 ثم قال جَلَّ جلاله: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أيّ هذه المُحرَّمات وهذه الوصايا التي مرّت هي وصايا الله تعالى لكم لعلّكم تَعقِلُونها، وتعملون بها. طبعاً هنا قال: (لعلَّكم تعقلون).  وقال في الآية التي بعدها ( لعلَّكم تذكّرون).  وقال في الآية الثالثة (لعلَّكم تتَّــقون) قال المُفَسِّرون: أنَّ ما ذكره الله تعالى في الآية الأولى لا يَحتاج الانتهاء عنه إلاَّ إلى الرُّجوع إلى العقل لأنَّ كُلَّ هذه الأفعال التي تُفعَل مُنافيةً للعقل. فالشِّرك بالله منافيّ للعقل كيف تشرك بالله الذِّي رزَقَ وخَلَق وأَعطى ثُمَّ تَعبُد غيره.
 كيف تعقَّ والديك وهم أصحاب الفضل عليك، أين العقل؟!
ثم قتل الأولاد, ما ذنبهم؟
ثم الوقوع في الفواحش, فالعقل السَّليم ينهى عنها.
 ثم أيضاّ قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ أيضاً العقل يحجُزُ عنها. فناسَب أن يُختم الآية بالتذكير بالعقل فيها .
 ثم جاءت الوصايا الأخرى:
 الوصيِّة السَّادسة: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أيضاً من المُحرّمات أن يقرَبَ وليَّ اليتيم أو غيره مَال اليتيم على وجَه الإفساد والظُّلم والأخذ بغير حَقّ (إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) إلاّ على وجه الإصلاح لِمَال اليتيم لأنَّ اليتيم لا يستطيع أن يُدافِعَ عن نفسه ويحفظ ماله، ولذلك قد يتساهل بعضُ النَّاس فيقع في هذا فيأخذ مال اليتيم ظُلماً وعدواناً، فلذلك حافظَ اللهُ على مالِ اليتيم ومنعَ عنه الأيدي وكفَّها فقال: (إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلماً إنَّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) تهديدٌ شديد,هذه نُصرةٌ لليتيم المِسكين، وهذا التَّهديد الشَّديد قد يَدفع حتى المُصلِح في أن لا يتدخَّلَ في مال اليتيم فالله تعالى يقول: (إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ولذلك قال في آية البقرة (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تُخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المُفسِدَ من المُصلح) فهذه أمورٌ متَّصلة بالقلوب والله يعلمُ النِّيات، ووليّ اليتيم إذا عَمِلَ في حقّ اليتيم كما يعمل في حقّ ولَدِه تماماً فسيُحافِظ على ماله, قد يدخُل وليّ اليتيم في صفقة فيخسر لكنَّه غيرُ مُفرِّطٍ فلا شيء عليه . لكن الذِّين يأكُلونَ أموال اليتامى ظُلماً هؤلاء الذِّين توعّدهم الله بالنَّار وسيصلون سعيرا فقال (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ) واليتيم هو: من فَقَدَ والده وهو دون البلوغ من البَشر ولذلك اليتيم إذا كبُر وبَلغ انتفَى عنه وصفُ اليُتم ولذلك قال (وابتَلُوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) أيّ وصلوا إلى مرحلة التَّصرُف.
قال (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) أيّ حتَّى يبلُغ سِنَّ الرُّشد والتَّصَرُف، فادفعوا إليهم أموالهم.
الوَصيِّة السَّابعة: قال: (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) هَذا مُحرَّم أم مدعُوٌ إليه؟
في الآيات السَّابقة يقول الله (قُل تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) هذا واضح. قال (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) (ولا تقربُوا الفواحش ما ظَهَر منها وما بطُن) ( ولا تقتلوا النَّفس التِّي حرَّم الله إلا بالحقّ) (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ) فهذه مُحرَّمات.
 أمّا في هذه الآية فقال الله (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) فما معناها؟ 
هذا تحريمٌ للتَّطفيف، والبَخس في المَكاييل والموازيين ولكنَّ الله أراد سبحانه وتعالى مثل ما ذكَر في (بِرّ الوالدين) بقوله (وبالوالدَّين إحساناً) فلا يكفي أنّك تكون لستَ بغشَّاش حتى تكونَ تاجراً ناجِحاً , بل يجب أن تكون تاجِراً وفيٍّا، وصَادقاً, ولذلك لم يقل (ولا تبخسوا) وإنَّما قال: (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) ما أجمل هذه الوصَايا يأتيك في بعضها بالنَّهي ويأتيك في بعضها بالأمر , التي بالنَّهي يكفي فيها الامتناع (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ) خلاص، لكن (وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) لا.. التَّاجِر النَّاجح .. الصَّادق .. المؤمن لا يكفي فقط أن لا يغشّ الناس وإنَّما يُوفِي الكَيل، ويزيد في الكَيل، ويزيد في الميزان، ويُعطي النَّاس أكثر مما يستحقون, ويتعامل مع النَّاس باللُّطف،ما أجمل هذا التَّوجيه .
(وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) القِسط العدل . قد يقول قائل: المِيزان دقيق فأحياناً موازين الذهب (بالمِلّغرام ) قال الله : (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) نحن نأمُركُم، بالوفاء بالكَيل والميزان والقسط في ذلك صحيح ، لكن أيضاً لا نُكلِّفُك الشَّطَط -لا تكن مُوسوس- وتقول يمكن أنِّي زدتُ قليلا أو أنقصَتُ قليلا، لا.. (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) أنت تجتهد فيما أَمَرَك الله به، وسَتجِد - بإذن الله- عاقبةَ ذلك.  الوصيِّة الثَّامنة: قال (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) الله ما أصعب هذه الوصيّة الأَمر بالعَدل -في القول والفِعل- العدل في القول ما كُلّ أحد يستطيعُه ولذلك قال الله في سورة المائدة -كما تقدَّم- (يأيُّــها الذِّين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) يعني قُلِ الحقّ ولو كان على قريبٍ لك، أو على ابنك، أو على نفسك، من منَّا يُطبِّق هذه الوصيّة ؟ قليل، أليس كذلك؟ فلا نُبرِّئ أنفسنا من الظُّلم والمُحاباة والميل إلى القريب، والميل إلى الابن، والميل إلى الصَّديق. نسأل الله أن يتُوبَ علينا. فهي أشد ولاشك ولذلك قال (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) حتى ولو كان ذا قُربى فاعدلوا. اُنظُر ما أقصر هذه الحروف لكن تأمّلوا في حقائقها تجد أنّها صعبة جداّ، وتنفيذها صعب, ولا يصبِر على العمل بهذه الوَصايا إلا من وفَّقَهُ الله سبحانه تعالى. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
 الوصيِّة التَّاسعة: ثم يقول: (وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ) ماذا تركت هذه الكلمة؟ لم تترُك شيئاً إلا دخَل فيها (وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ) ما هُوَ عهد الله؟
ما أخذه الله علينا من العُهُود والمواثيق الصَّلاة، الزكاة، الحجّ، الصِّيام، الصِّدق, كُلّ هذه قد أخذ الله علينا المواثيق فيها (وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ) تأمَّل نفسك كيف أنت مع عهود الله ومواثيقه, هل أنت تَفِي بها أو لا؟
(ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) لاحظوا (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) هنا تأمّلوا في الوَصَايا التي سَبَقتها تجد أنّها وصايا مُكرَّرة يكفي للمؤمن فقط أن يتذكرها، هو بحاجة فقط إلى أن يُذكَّر بها وهي < النّهي عن قُــربان مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن - الوفاء بالكيل والميزان - العَدل في القَول والعَمل والفِعل - الوفاء بالعهد والذِّي عاهد الله عليه> .
 الوصيِّة العاشرة: ثم قال الله سبحانه وتعالى في الوصية العاشرة -أفردها في آية- (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) الوصيِّة بالتوحيد واتِّباع هذا الطريق المستقيم (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) طريق الإيمان، وطريق التوحيد، وطريق الأنبياء والرُّسل طريقٌ واحِد -مستقيم- والنَّبي صلى الله عليه وسلم رسَمَ خَطاًّ فقال هذا الإسلام أو هذا الصِّراط المستقيم ثُمّ رسم خُطوطاً جَانبية وقال هذه (سبُل الشَّيطان) فالله تعالى يقول: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبعوه) هذه الوصيِّة العاشرة: (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) هذه أعظمُ وصيِّة في هذه الوصايا وهي الوصية بالتوحيد) .
هذه الحقيقة – أيُّها الإخوة- فالآيات التي مرّت آيات عظيمة وهي ترسم منهج الحياة للمسلم وللبشرية كُلَّها ولو تأمّل الإنسان ما هو فيه من النِّعمة أنّ الله هَدَاه لهذه الأمور والإيمان بها، والانقياد لها، والاستجابة، والصَّبر على ذلك كُلِّه لَعَلِم أنّه في نعمةٍ عظيمة.
 وتأمَّلوا في الآيات التي – مرَّت معنا- في سورة المائدة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) .
ثم يقول الله تعالى للنَّبي صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ*وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) يذكُرُ الله للنَّبي صلَّى الله عليه وسلم أنَّ الله تعالى قد فصَّل لكَ هذه الآيات يا مُحمَّد في القُرآن , وقد ذكرنا لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام في التَّوراة مثلها (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أيّ التَّوراة (تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ) أيّ موسى عليه السَّلام في بلاغِ قومه ، والنَّقل عن الله فقد أحسنَ في هذه التوراة، وأحسن في نقله عن الله، وأحسنَ في بلاغِهِ قومه، وبلَّغَهُم، وأقام عليهم الحجّة (وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ) من الأحكام التي يحتاجُها بنو إسرائيل.
 (وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) ولكنَّهُ لم يــُؤمِن بــِه من قومه إلاَّ القليل وكــَفــَر أكثرُهُم بهذا الكتاب الذِّي جاءَ به وحرّفوه. (وَهَـذَا كِتَابٌ) أيّ وهذا القرآن الكريم كتابٌ (أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) وقد تقدَّمَ معنا في الآيات السَّابقة المقصود (بالمُبَارَك) أيّ كثيرُ البركةِ، وكثيرُ الخير (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) حتى لا تقولوا (إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) أيّ حتى لا تقولوا أيُّها المشركون (إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ) أيّ الكتاب السَّماوي المُقدَّس (عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) وهُم اليَهُود والنَّصارى (وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) أيّ أنَّ الله أنزَلَ عليكَ يا مُحمَّد هذا الكتاب العظيم حتى لا يعتذر قومُك فيقولوا لم يأتِنا كتاب،ليس عندنا كتابٌّ سماوي كما أُنزل على اليَهُود وعلى النَّصارى (وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِين) نحنُ في غفلةٍ، وفي جَهلٍ بما أنزلَ اللهُ على الأنبياء السَّابقين مــُوسى وعِيسى.
 (أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) أيّ حتى لا يكونَ لكم عُذرٌ بعدم نزول الكتاب فهذا القُرآن الكريم فيه تفصيلٌ لِكُلِّ شيء, وهو قَطعٌ لحُجَّتِكُم إذا احتَجَجتُم وطبعاً أنا أُكَرِّر وأَقول سُورة الأنعام هي إقامة للحُجَّة  فالله تعالى يقول هنا: نحنُ قد أنزلنا عليكَ القرآن يا محمَّد حتى لا يَحتَجَّ المُشركون بأنَّهم لم يَبلُغُهُم الحَقّ، أو لم يبلغهم الكِتَاب، أو لم يبلغهم البَيَان، أو لم يبلغهم البُرهَان. فهذا قد فصَّلناهُ لكَ تفصيلاً .
قال: (فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) في هذا القرآن (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) أي لا أحدَ أظلمُ ممن كذَّب بآياتِ الله الظَّاهرة (وصَدَف عنها) أيّ مالَ عنها وأَعرَضَ عَنها وصرَف غيرَهُ عنها  فمعنى صَدَفَ: انحرف- وانصرف وصرفَ غيره.
 (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا) يَنحرفون عن آياتنا ويَصُدُّون عنها (سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ).
 ثم يقول الله مُخاطِباً هؤلاء المشركين ماذا ينتظرون يا مُحمَّد فلقد أقمنا الحُجَّة عليهم وأرسلناك إليهم وبيَّنا، وآتيناك من المُعجزات ما يكفي فيقول: (هَلْ يَنظُرُونَ) أيّ هل ينتظرون (إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ) أيّ هل ينتظرون الملائكة يَنزِلــُون عليهم حتى يُؤمِنوا (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) سُبحانه وتعالى أَوْ (يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) التِّي لو أنزلها لا ينفعُ بعدها إيمان مثل: خروجُ الشَّمس من مَغرِبها أو الدَّابة وما ذكَره الرَّسول صلى الله عليه وسلم من علامات السَّاعةِ الكبرى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) يقول: إذا ظَهَرت بعضُ آيات ربِّك التي هي من علامات السَّاعةِ الكبرى فلن ينفعهم إيمانهم , لماذا؟
لأنَّه إيمانُ الخائف الذَّليل وليس إيمانَ المؤمن المُصدِّق، ولذلك طبعا إذا رأى النَّاس الشَّمسَ تخرج من مغربها هذه آية عظيمة ومُخيفة كُلِّ النَّاس يقولون أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله خلاص ما عاد ينفع -انتهى الوقت- ولذلك فرعون لمَّا أدركَهُ الغرق قال: (آمنت أنه لا إله إلاّ الذَّي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المُسلمين) وانظُر إلى هذه العبارة: فلم يَقُل :آمنت بالله واكتفى بذلك بل قال آمنت أنَّه لا إله إلاّ الذَّي آمنت به بنو إسرائيل فانتهى الوقت ولم ينفعُه ذلك. قال الله (آلآن وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين) فكذلك هنا قال: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ) يعني أن لم تكن آمنت قبل هذه الآية (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ) وهذا غايةُ التَّحدي من النَّبي صلى الله عليه وسلم للمُشركين والذي يُلقِّنُهُ هذا الله جَلَّ جلاله أيّ يا محمد قل لهم (انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ) تربَّصُوا ونحن نتربَّص، انتظروا ونحن سننتظر ونرى.
ثم قال سبحانه وتعالى في ختامِ هذه السُّورةِ العظيمة وهي آياتٌ عظيمة لعلَّنا نتوقف معها قليلاً ونختم:
 (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)
يشيرُ الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات إلى أنَّ دينَ الأنبياءِ واحد عليهم الصَّلاة والسَّلام وقد ذكرهم الله تعالى في المواضع التي مرَّت معنا عندما ذكر إبراهيم ثم ذكر نُوحاً وموسى وعيسى ثم قال (أؤلئك الذين هَداهُمُ الله فبِهُداهم اقتده).
  يقول هنا (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ) أي تفرَّقُوا في دينهم وأصبحوا شيعاً وأحزاباً متفرِّقة مُتناحرة، هؤلاء يا محمد (لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) وما أكثر التَّفرُق في الدِّين اليوم، طوائِف، وفِرق، ومِلل تفرّقوا وانحرفُوا عمَّا أمرنا الله به سبحانه وتعالى من الوحدة والتَّوحيد. فقال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ) لاحظوا ما قال تفرّقوا في دينهم  قال: (فَرَّقُواْ دِينَهُمْ) يعني اتَّخذوا هذا الدِّين فرّقوه  كما قال: (الذين جَعَلُوا القرآنَ عِضِين) كأنهم قسَّمُوه أجزاءً، (وَكَانُواْ شِيَعًا) متفرقة ( لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) يعني أنت بريءٌ منهم.
(إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) هذا فيه وعيد وتهديد لهؤلاء الذين تفرَّقوا في دينهم.
(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) هذه قاعدة من قواعد القرآن (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) ما أجمل هذه القاعدة الربانية عدل، ليس عدل فقط بل فضل (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا) فقط (وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) يعني فضل في الحسنات وعدلٌ في السيئات.
 (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي) قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنا على بيِّنة ممَّا أقـُول، الله سبحانه وتعالى قد هَدَاني لهذا الدِّين (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي) ولاحظوا أنّه يُكرِّر كلمة ربِّي في مثل هذه المَواطن للإشارة إلى أنَّ الذِّي أعطاني هذه البَيِّنات وأنزل عليَّ هذا الكتاب هو ربِّي الذِّي هُو ألطَفُ بي وأرحمُ بي من نفسي.
(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا) أيّ أقصد بهذا الصراط المستقيم ديناً (قِيَماً) أيّ ديناً قيِّم الشَّرائع.
 (مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) نرجع إلى إبراهيم عليه الصَّلاةُ والسَّلام مرةً أخرى (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يؤكِّد هذا – ما ذكرناه في أوَّل المجالِس- أنّ إبراهيم عليه السلام عندما قال (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) هذا لم يكن من إبراهيم أبداً على وجه الاعتقاد . وهنا سائلٌ يقُول: أنَّ إبراهيم قال في كلامه (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) فكأنَّ هذه تــُوحي أنَّ إبراهيم كانَ في ضَلال.
 الجواب: لا، أبداً . ولكن هذا من تَمامِ ذكائه عليه السَّلام أنَّه لِشِدَّة تنزُّلِه معهم أشعَرَهُم أنّه كأنّه فِعلاً معهم وأنَّه يشعرُ بالحَيرة التي يشعرون بها لكن في واقع الأمر أنَّه لم يكن مُكذِّباً ولا مُحتاراً أبداً، ولذلك قال هنا حتى ينفي من يقع في ذهنه شيء من هذا المعنى قال (حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أيّ ما كان في يوم من الأيام داخِلاً في المشركين.
 سائل يسأل ويقول: طَلَبُ إبراهيم عليه السلام أن يُريه الله سبحانه تعالى كيف يُحيِ الموتى هل كان هذا الطَّلب قبل هذه الحادثة أو بعدها؟
الجواب: لا أدري لكنه لا تنَاقض بين هذا وهذا، فإبراهيم عليه السلام عندما سأَل الله أن يُريَه كيف يحي الموتى قال له الله (أو لم تؤمن) قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي فقال: فخذ أربعة من الطَّير وأجابه إلى سؤاله.
أيضا لعلَّني أستدلّ به على أنَّ إبراهيم عليه السلام كان خليلَ الرَّحمن فهذا السُّؤال قد يُثيرُ الغضب ولذلك نوح عليه الصلاة والسلام عندما سأل الله سؤالاً في ابنه ولم يكن سُؤالاً مباشراً وإنَّما فيه تعريض (َقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) ما قال يا ربِ أنت وعدتني أن تُنجّي أهلي وإنّ ابني سيغرق، بل قال: (إنّ ابني من أهلي وإنّ وعدك الحقّ) (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) الكلام شديد (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) فلاحظوا هنا أسلوب مع إبراهيم، وأسلوب مع نوح عليهما السلام تجد سؤال إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) فأجابه.
(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أيّ قُل يا محمد إنَّ صلاتي التي أصلّيها (ونُسكي) أيّ ذبيحتي التي أذبحها, (ومحيَاي) أيّ كل حياتي ومماتي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أيّ كل حياة الإنسان لله صلاته لله .. ذبيحته لله وهذا ردٌّ على المُشركين الذين لا يذكرون اسم الله على الذَّبيحة ويذبحون لغير الله (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أيّ هذا أمر الله (وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) المستجيبين لهذا الأمر.
 (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا)
لاحِظوا: • يقول الله تعالى في سورة الأنعام في آية (14) (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ) فهذا توحيد المحبَّة.
- ثم يأتي في الآية رقم (164) هنا فيقول: (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وهُو ربُّ كُلِّ شيء) توحيد الرُّبوبية.
- وهناك آية أخرى فيها توحيدُ الألوهية.
 فتجد أنَّها ثلاثُ آيات في سورة الأنعام تؤكِّد على أنواع التَّوحيد الثَّلاث ( توحيد المَحبَّة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية)  فهنا يقول: (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) استدلال بتوحيد الرُّبُوبية على استحقاق الله للعبادة والألوهية
 (وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا) أيّ كُلَّ عمل تَعمَلُه كُلُّ نفس. (َولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) تزرُ يعني تَحمل لأنَّ الوِزر هو الحِمل، والوزير سُمِيّ وزيراً لأنه يَحمل عنك الحِمل فلذلك قال: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) فالهَدف من الوزير أن يكون عون للمَلك وإذا كان الوزير ضعيف أصبحت مشكلة، والمؤازر الذي يُعين ويَنصر.
فيقول هنا (ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ) أيّ لا تحمِلُ نفسٌ حِملَ نفسٍ أخرى (كُلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة) (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ) هذا هو معنى الخليفة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) يعني يخلُفُ بعضُهُم بعضاً في الأرض, وليس المقصود خليفةً عن الله في الأرض، بعضهم يقول الإنسان هو خليفةُ الله في أرضه, هذا غير صحيح.
الخليفة لا يكونُ إلا عن شخصٍ يذهب ويغيب فيخلُفُهُ هذا والله تعالى لا يغيب فقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ) أيّ يَخلُفُ بعضُكُم بعضاً.
 (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) لماذا يا رب؟ قال: (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) يرفع الله بعضنا على بعض في هذه الدنيا حكمةً من الله سبحانه وتعالى. قال: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) ولذلك قال الله تعالى في سورة الزخرف: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
 (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) لاحظوا كيف أنَّه قدَّم (سريع العقاب) لأنَّه جرى الحديث في هذه السُّورة العظيمة- نحن الآن في نهاية السُّورة - كيف تحدَّث الله في سورة الأنعام عن تاريخ المشركين، وتاريخ المؤمنين، تحدَّث عن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام وما دعَوا إليه من التَّوحيد, وتحدَّث عن المُشركين وما دلَّهُم الشَّيطانُ عليه من الشِّرك والانحراف والتَّكذيب والعــُدوان والعُـــتــُو.
كيفَ ذكر الله سبحانه وتعالى حُجَج المشركين وأبطلها، وكيف ذكر الله سبحانه وتعالى حُجَج المرسلين وأيَّدها، تلاحظون أدِّلة الكافرين ما أوهنها، وأدلة المُرسلين عليهم الصَّلاةُ السلام ما أقــواها وما أوضحها. وقد ذكرت لكُم في مجلسٍ سابق كتاباً لابن الوزير اليماني استخرجَه من حُجَج القرآن وقال هذه أفضل من حُجج اليونان والمَنطق فسمّى كتابه (ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان) كتاب قيّم, وكتاب (مَناهِج الجَدَل في القرآن الكريم) لشيخنا الأستاذ الدُّكتور زاهر بن عوَّاض الألمعي كتاب قيّم فيه الكثير من التَّفصيل في الحُجج التي ذكرها الله للجَدَل ومجادلة الكافرين والمُكذِّبين في القرآن الكريم .
 ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ) يا مُحمّد (سَرِيعُ الْعِقَابِ) . (إنّ ربَّك) الربوبية دائماً مقترنة بالعطف والشفقة فيقول الله (إِنَّ رَبَّكَ ) العَطُوف الشَّفيق (سَرِيعُ الْعِقَابِ) وهَذا لَها معنى ودِلالة، بالرغم من أنّ الله سبحانه تعالى الرَّحيم بكم فهُو أيضاً شديدُ العقاب فانتبه وكُن على حَذر (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال في سورة الحجر (نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) وقال هنا بعد أن ذكر المشركين وما قالوه قدَّم سريع العقاب فقال: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
وهذه آخرُ آيةٍ في سورة الأنعام، وهي آخرُ آية في هذا الرُّبع من القرآن الذِّي استمعتم إليه في هذه الدورة (دورة الأترجّة ) هذه الدَّورة المُباركة التي أسأل الله سبحانه أن يُبارك لنا ولكم فيها، وأن يجعل ما تعلَّمناه فيها في موازين حسناتنا، وأن يشكر سعيَ الإخوة الذِّين شاركوا في هذه الدورة، والذِّين قاموا عليها، وتعبوا من أجل نجاحها، وأسأل الله أن يجزيكم خيراً أنتم أيضا فأنتم مادَّة الدورة وسبب نجاحها بحضوركم وحرصكم مع عِلمي بالمشقة التي يتكبَّدها كل واحد منكم لأنَّ البقاء الطَّويل متعب جداً لكن أسأل الله أن تَجِدُونَهَا في صَحائِف أَعمَالِكُم الحسنة يوم القيامة.وصلَّى الله وسلَّم على سيِّدنا ونبيِّنَا مُحمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحانك اللهُم وبحمدك نشهد أن لا إله إلاّ أنت نستغفرك ونتُوب إليك.
-----------------------------------
مصدر التفريغ ملتقى التفسير (بتصرف يسير)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق