الاثنين، 8 يونيو، 2015

وقفة مع قوله تعالى (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا) د.خالد السبت

د. خالد السبت
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ..
أيها الإخوان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أيها الأحبة لازلنا مع هذا الجزء الثاني من هذه السورة ونواصل هذه الوقفات وقد ذكرنا اثني عشرة وقفة فيما يتعلق بهذا الجزء من السورة وفي هذه الليلة أكمل ذلك فالوقفة الثالثة عشرة مع قوله تبارك وتعالى:
 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
الله عز وجل ينهى أهل الإيمان وخصّهم بهذا الذِّكر والخطاب لأنهم المتأهلون للقبول فهم الذين أعلنوا الإذعان والاستسلام، ومن شأن من أعلن الإذعان والاستسلام أن يتقبّل عن الله. فالله ينهى عباده من أهل العبودية الخاصّة أعني المؤمنين ينهاهم عن اتباع خطوات الشيطان،والمراد بخطوات الشيطان هو اتباع ما يمليه الشيطان ومالايأمر به وما يزينه من المنكر وما يُزينه من الباطل والفاحشة . هذه خطوات الشيطان.
وهذا التعبير له دلالة خاصّة إذ أنه يدلّ على أن الشيطان لا يزال بالعبد شيئا فشيئا حتى يُوقِعه في الفخّ. فهذه هي خطواته أيها الإخوة، هي مسالِكُه وطرائِقه التي يُزيّن بها المعصية لبني آدم، فالله ينهى عن اتباعها (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) والأصل أن النهي للتحريم.
خطوات الشيطان هذه أيها الإخوان ليس لها حدّ وإنما يتفنن بها فهو يأتي لكل عبد بحسبه، فإذا كان العبد يميل إلى الشدّة دخل عليه من هذا الباب من باب الإغلاظ على أهل الباطل والإغلاظ على أهل المُنكر والإغلاظ على أعداء الله عز وجل فيتجاوز الحدّ الذي ينبغي أن يقف عنده ، وإذا وجد في قلبه ميلا إلى التعبد فإنه يدخل عليه من هذا الباب فيقع العبد في شيء من الغلو والابتداع في دين الله عز وجل فيبالغ كما جاء أقوام إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم رجال يسألون عن عبادته فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها -رأوها قليلة- فقال أحدهم في الحديث المعروف أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر أصوم ولا أُفطِر، وقال الثالث لا أتزوج النساء، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وإذا رأى في العبد ميلا إلى ملاذّ الدنيا من جهة العمران والمساكن دخل عليه من هذا الباب (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف:٣٢] فيلِج على العبد من هذه الناحية حتى يشغله عمّا هو بصدده فيكون شُغله في ثوب يلبسه وسيارة يركبها وبيت يسكنه.
وإذا رأى في قلب العبد ميلا إلى العلم دخل عليه من هذا الباب فأشغله بهذا العِلم عمّا هو بصدده من العمل فيكون طالبا للعلم من أجل العلم فقط ولا يُرى لذلك أثر على سمتِه ودلِّه وأخلاقه وأعماله وعباداته وقيامه بأمر الله عز وجل بالأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وهكذا لربما أدخله في أمور في العلم لا ينبغي له أن يدخل فيها، الدخول في الدقائق والأمور التي لا يحسُن الاشتغال بها ولم نُكلّف البحث عنها كما وقع لطوائف من هذه الأمة فضلوا بسبب هذا. بل لربما دخل على العبد من ناحية العلم بأن يُبرر لنفسه اتباع خطوات الشيطان ومسالك الشيطان فإذا وقع في شيء مما لا يليق أن يُواقِعه قال هذا من اللّمم ( إِلَّا اللَّمَمَ ) وإذا وقع في فاحشة قال (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا ) [آل عمران:١٣٦] فيُزيّن لنفسه الوقوع في الفواحش ويقول أنا لا أُصِّر على ذلك واستغفر الله بعدها. فالعِلم أيها الإخوان مطلوب ولكنه كالمطر، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال (وإن مِما أنبت الربيع ليقتل حبطا أو يُلِم إلا آكلة الخُضرة) فهذا الربيع ، هذا المطر يُخرج ألوان الزينة الأرضية من أنواع النباتات التي تأكلها الدواب ولكن هذا الربيع مع أنه خير إلا أنه يقتل بعض هذه الحيوانات وذلك إذا أخذ الإنسان العِلم بغير طريقه الصحيح ووظّفه توظيفا يُبرر لنفسه فيه اتباع الرُّخص -رُخص الفقهاء- والخروج عن طاعة الله عز وجل فإن ذلك العِلم يكون ضارّا له ولذلك فإن الفقيه إن لم يكن قد زمّ ذلك بتقوى الله عز وجل فإنه يُفسِد إفسادا لا نظير له مِما يُفسِده الجُهّال لأن الفقيه يُبرهِن لهم على صِحة هذه المسالك التي يُفتي بها الناس وهي مِما يُسخِط الله عز وجل.
وهكذا أيها الإخوان في ألوان الانحرافات التي يُزيّنها الشيطان للإنسان، النظر طريق وخطوة من خطوات الشيطان، القضايا الكبار -الفواحش .. الموبقات- جعل الله عز وجل دونها سياجا، فالإشراك بالله عز وجل جعل الله حوله سياجا:
 البناء على القبور يؤدي إلى الشِرك فنهى الشارع عنه
 الكتابة على القبور يؤدي إلى تقديسها وتعظيمها فهو خطوة فنهى الشارع عنه
الصلاة إلى القبور قد يؤدي إلى عبادتها فنهى الشارع عنه ولو كان لله عز وجل.
وهكذا فيما يتعلق بالتصاوير حيث إن قوم نوح قد عبدوا هؤلاء الأوثان من دون الله عز وجل بسبب فتنة التصاوير فحرّمها الشارع لأنها من ذرائع هذا الإشراك فهي خطوة من خطوات الشيطان.
فالشيطان يأتي إلى الإنسان ويقول نحن لا نعبد صاحب هذا القبر ولكن ينبغي أن نضع له قبرا يليق بمنزلته، أو نكتب عليه شيئا يُعرِّفنا به من أجل زيارته، أو أن نصوِّر هذه التصاوير من أجل الذكرى، ثم لا يزال الشيطان بابن آدم شيئا فشيئا حتى يُوقِعه فيما نهاه الله عزوجل عنه.
 وهكذا أيها الإخوان فيما يتعلق بالزنا جعل الله عزوجل حوله سياجا:
نهى عن إطلاق الأبصار لأن البصر بريد القلب فهو مقدمة للزنا لأن الإنسان ينظر أولا ثم يعْلَقُ ذلك في قلبه ثم يبدأ هذا القلب يشتغل بالأفكار والخواطر والإرادات حتى يُحقق مطلوبه من هذه الشهوات التي كان مبدؤها النظر. فالنظر خطوة من خطوات الشيطان لا يجوز للإنسان يقول أنظر ثم أنظر، أنظر .. لأنظر، أنظر لمجرد الإطلاع ولربما جاء إنسان وقال انظر لما يقول هؤلاء تحقق مِما يقولون، أنت إنسان قد أعطاك الله عزوجل العقل افتح هذه المواقع في الإنترنت التي يُقال فيها ألوان الفواحش، افتح هذه القنوات انظر إليها مرة لتكون على دراية بما يدور في واقع كثير من الناس، لتكون على معرفة بما يُدبِّره أعداء الإسلام لأبناء المسلمين، ثم ينظر فتكون هذه النظرة مصيبة لسويداء قلبه ولا يستطيع بعد ذلك أن يتخلص من آثار هذه النظرة فيمرض قلبه ويكون شُغلُ هذا القلب هو التفكير بالشهوات والفواحش وتطلُّبِها والبحث عنها، ولربما أورثه ذلك إدمانا حتى يصير ذلك شُغلُه وديدنه فهو لا يفكر إلا فيه ولا يقرأ إلا في هذه الأمور ولا يُشاهد إلا ذلك ولا يقضي وقته إلا في البحث عنها حتى لربما أن بعضهم ضيّع حقوق عياله وأهله -فيما نسمع- وصار عبدا لهذه المشاهد التي ينظر إليها عبر هذه الشاشة. هذه خطوة من خطوات الشيطان.
وكذلك حرّم الله عزوجل -وهو من جُملة هذا السياج على الزنا- حرّم على النساء الخضوع في القول ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب:٣٢] .
وحرّم عليهن ابداء الزينة والتبرُّج والاختلاط، وحرّم عليهن الضرب بالأرجل -كما سيأتي- لتُسمع الزينة الخفية.
وحرّم على المرأة أن تخرج متطيبة متعطرة لأنه يوجد عند الإنسان في حاسة شمِّه أمور تتعلق بتحريك غريزته الجنسية -كما هو معروف- وهذا أمر يُقرِره الأطباء في عصرنا الحاضر، فنهى المرأة أن تخرج مُتعطرة لئلا تتحرك الغرائز، وحرّم الغناء لأنه يُنبت النفاق في القلب وهو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- "المُغني مُؤذن الزنا" فالمرأة إذا سمعت المُغني يغني لربما أثّر ذلك في نفسها وحرّكها وجذبها إلى مالا يليق، وهكذا الرجل.
فأقول: الإسلام حرّم هذه الأمور جميعا وهكذا في سائر الأبواب. وكم من إنسان قد غفل عن هذا الجانب واتبع النفس هواها فنظر ونظر أو سافر ليتعرف -بزعمه- ولينظر وليقف على الأمور بنفسه فكان ذلك سببا لوقوعه على أمّ رأسه. وقد قيل: من عرّض نفسه للفتنة أولا لم ينجُ منها آخرا. فلا يصح بحال من الأحوال أن يجعل الإنسان نفسه عُرضة لكل آسِرٍ وكاسِر.
وهكذا في باب الشبهات لربما يجلس الإنسان ويقول لنسمع ما يقول هؤلاء من أصحاب الشبهات، لربما في وقت مضى لا يستطيع كثير من العامّة أن يصلوا إليهم لأنهم يعيشون في بيئة طيبة ولكن في هذا الوقت صار الواحد يستطيع أن يصِل إلى كل ضلالة في الوجود بكل يُسرٍ وهو داخل بيته، عن طريق الإنترنت يدخل إلى أي موقع لأي فرقة ضالة ويستطيع أن يسمع بأذنه وأن يقرأ .
كما أنه يستطيع أن يفتح قناة من هذه القنوات وينظر إلى المناظرات مع أهل الضلال ولربما كان لبعضهم لسان يُزيّن فيه الباطل ويُلبِّس الحق فيقع ذلك في قلبه فتقع الشُّبهة ولا تخرج منه، ولربما كان الردّ أضعف من الشُّبهة. فكم من إنسان دخل في هذا الباب من الشُّبهات فصار ذلك سببا لضلاله وغوايته، وكم من رجل -كما حفظ لنا التاريخ- ذهب إلى آخر قال من أجل أن أصُدّه عن هذا الباطل فجلس معه وكلّمه فما زال به حتى صار على مِلته ، واقرؤا ترجمة عِمران بن حِطّان في المرأة التي كان يُحبها من الخوارج، ثم بعد ذلك أراد أن يتزوجها من أجل أن يردّها عن قول الخوارج فصار من كبار قادتهم. وهناك أمثلة أخرى أيها الإخوة كلها في ذلك.
هذه هي خطوات الشيطان ومن ثَمّ فلا ينبغي للإنسان أن يُطلِق نظره ولا يُرخي سمعه ولا يذهب برجله إلى حيث تكون هلكته (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء:٣٦] لا تتبع ما ليس لك به عِلم فكل شُبهة وشهوة داخلة في هذا المعنى فالسلامة كل السلامة أن ننأى بأنفسنا عن مواطن الشهوات وعن مواطن الشبهات (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) هذه هي النتيجة، الذي يتبع خطواته ويُطيعه فإنه لا يأمره بالخير والمعروف وطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يأمره بمعصية الله ومعصية رسوله ومقارفة الفواحش والمنكرات (فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) والفحشاء هي: كل ذنب عظُم وإن كانت أكثر ما تُطلق -في عُرف الاستعمال- على ما يتعلق بالزنا وما في معناه. والمُنكر: أعمّ من ذلك إذ أن المنكر يشمل المُنكرات بجميع أنواعها الصغار والكبار، وأما الفحشاء فإنها في عظائم المُنكر.
وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقولون : ربما يكون التفريق بين الفحشاء والمُنكر هنا مع أنهما من باب المُنكر أن الفحشاء تتعلق بالشهوة، هي نوع من المنكر له ارتباط بالشهوة ومُحرِّكه الشهوة. أما المنكر فإنه أعمّ من ذلك.
فإذا ذُكر المنكر وحده فالمراد به جميع المنكرات بما فيها الفواحش، وإذا ذُكرت الفحشاء فهي في عظائم المُنكر بما فيها الزنا ومافي معناه . هذا هو وجه الجمع بين الفحشاء والمُنكر والفرق بينهما.
والله عزوجل قد يقرِن بين المُنكر وبين غيره، وبين الفاحشة وبين غيرها كما يقرِن أحيانا بين المعروف وبين غيره كما قال الله عزوجل (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) [النساء:١١٤] فالصدقة والإصلاح بين الناس كلها من المعروف فهي من أبعاضه وأجزائه ولكنه خصّها لمعنى يتصِل بها. وهكذا في مثل قوله تبارك وتعالى في هذه الآية (فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ). وهكذا في قوله تبارك وتعالى عند ذِكر الفواحش بأنه ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي فذكر مع الفحشاء المُنكر والبغي ، والمقصود بالبغي هو: المظالم والشرور والآثام المُتعدية إلى المخلوقين. الأذى المُتعدي إلى الناس هذا كله من البغي.
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) هذه هي الوقفة الرابعة عشرة
 يؤخذ من هذه اﻵية : 
أولا: أن اﻹنسان لا يُزكي نفسه ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) [النساء:٤٩] فأنكر عليهم هذه التزكية ونهانا عن تزكية الأنفُس وقال (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) [النجم:٣٢]. هذه هي القضية الأولى ألاّ يُزكّي الإنسان نفسه.
والقضية الثانية وهي: أن هذه الآية تدل على أن موانع التزكية من القوة بحيث تتعذر التزكية معها لوﻻ فضل الله عز وجل على اﻹنسان، وموانع التزكية كثيرة جدا مما يجذب اﻹنسان إلى اﻷرض وإلى الشهوات ﻷنه مجبول على الميل مع الهوى ومحبة هذه الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ)  فإذا كانت هذه الموانع والجواذب قوية جدا والله عز وجل يقول (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا) فينبغي على اﻹنسان أن يجاهد الهوى وأن يُجاهد النفس في سبيل الرُقي بها والترفع عن الشهوات ومعافسة اﻷهواء والمنكرات.
المسألة تحتاج إلى مجاهدة فلا يزكو اﻹنسان ويرتفع بسهولة وإلا صار الناس جميعا أزكياء. ألا ترون الناس كما أخبر الله عز وجل في الأعمّ الأغلب ممن يتبعون الشهوات وممن أطاعوا الشيطان وقد صدّق عليهم ظنه في ذلك فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، فهؤلاء القِلة هم الذين جاهدوا نفوسهم والله عز وجل يقول (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا*وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا*وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا*وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا*وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا*وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا*وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) ثمانية أقسام على قضية واحدة ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) فعلّق الفلاح بتزكية هذه النفوس (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) فنهي النفس عن الهوى هو حقيقة التزكية، فحمل النفس على طاعة الله عز وجل يحتاج إلى صبر على الطاعة ويحتاج إلى صبر على فطام النفوس عن أهوائها وشهواتها وملذاتها ، وقد قال النبي ﷺ كما في حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه ( اللهم آتِ نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها) فإذا كان النبيﷺ وهو من هو يدعو ربه أن يؤتي نفسه تقواها وأن يُزكيها فنحن من باب أولى. والحديث مُخرَّج في صحيح مسلم.
ونأخذ من هذه الآية قضية ثالثة وهي :
 / أن من تزكية النفوس العفو والصفح عن المسيئين ، وذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في هذه القصة -قصة الإفك- حلف أﻻ يصِل مِسطح رضي الله تعالى عنه وذلك أنه وقع مع من وقع في قضية اﻹفك وتكلّم مع من تكلّم وكانت جدته خالتة ﻷبي بكر الصديق. فمن تزكية النفوس العفو عن اﻹساءة وصلة من قطع الرحم والتجاوز عن الزﻻت واﻷخطاء. وأما من أراد أن يقف مع كل خطأ وزلة فإنه ﻻ يكون قد حقق التزكية المطلوبة في نفسه ﻷنه يريد أن ينتصر لنفسه في كل مقام فهو بهذا يكون يدور مع نفسه حيث دارت وينتصر لها.
ونأخذ من هذا قضية رابعة أيضا وهي:
/ أن من تزكية النفوس عدم اتباع خطوات الشيطان .
ونأخذ قضية خامسة وهي:
/ أن من تزكية النفس أن يتباعد المؤمن عن كل سليل تتحقق فيه إشاعة الغاحشة في الذين آمنوا، في الحديث في المجالس وترديد القصص والحكايات، أو بنشر الصور، أو بنشر المقاﻻت أو بكتابتها التي تسوِّغ اﻻختلاط والسفور أو تروج البرامح الهابطة أو أن يُجري لقاء مع أحد الساقطين الذين هم في أحطّ الدركات حيث عرضوا أنفسهم ﻷمور غير ﻻئقة يشاهدها ملايين البشر ثم يأتي بعد ذلك إنسان يجري لقاء مع هذا يرفعه به ويذيع ذكره وكأنه قد قام بإنجاز حقق فيه انتصارا لأمة محمد ﷺ  .
وهكذا كل سبيل يتحقق فيه إشاعة الفاحشة فإنه سلوكه يتنافى مع التزكية المطلوبة سواء كان ذلك بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر.
وأمر سادس نأخذه من هذه الآية وهو:
/ أن من التزكية إمساك اللسان، أن يكف اﻹنسان لسانه عن الوقوع في أعراض الناس سواء كان ذلك بقذفهم أورميهم بالفواحش أو تضليلهم من غير برهان أو سوء الظن بإخوانه المسلمين اتباعا للظنون الكاذبة التي ﻻ يجوز له أن يتبعها. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق