الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

تفسير سورة طه (86- 114) / محاسن التأويل


الحمدُ للهِ الذي بنعمتهِ تتمُّ الصالحات وأشهدُ أن لا إله إلا الله ربُ الأرضِ والسماوات وأشهدُ أن سيدنا ونبينا مُحمدٌ عبدهُ ورسولهُ أتمّ الله بهِ النبوة وختم الله بهِ الرسالات وصلى الله وسلم وأنعم وبارك عليهِ وعلى آلهِ وأصحابهِ وعلى سائرِ من اقتفى أثرهُ واتبع منهجهُ بإحسانٍ إلى يوم الدين .
 فمازلنا معشر الأحبة في قول الله -جل وعلا- في سورة "طه" (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) وهذا الخبرُ مُفرعٌ على ما قبلهِ وهو أن موسى -عليهِ الصلاة والسلام- أخبرهُ الله -جل وعلا- وهو عند جبل الطور بأن قومه قد فُتنُوا من بعدهِ وأنهم عبدوا العجل بناءً على أمرٍ أو إشارةٍ أو دلالةً من السامري - وحتى يكون المنهجُ لديكم واضحاً ، بعض الآيات في القرآن يحسُنُ ذكر إجمالها والإنسانُ إذا فقِه مُجمل القضية يقدر بعد ذلك على أن يفُك ألفاظ القرآن - وعلى هذا قال اللهُ -جل وعلا- (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) إلى قولهِ تبارك و تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) إنما هو حدثٌ تاريخي جملتهُ عبادة بني إسرائيل للعجل . وتمُرّ معك (يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) على لسان هارون وقول السامري (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) وقول غير ذلك . لذلك إذا كان الإنسانُ لم يفقه القضية أصلا والقصة جُملةً لن يستطيع أن يفهمها كحروف حتى يستوعب القضية أين كانت لذلك سأسردُ أنا القصة مُستغنيا بها عن قضية فك الآيات آية واحدة . إنما على إيحاء القرآن ، من القرآن نفسهِ نأخُذ القصة ونحاول أن نستعين ببعض المُعطيات التاريخية قدر الإمكان مع التحرُز على أن الغيب لا يُدرك بالعقل فما سكت اللهُ عنهُ غيباً لا نستطيع أن نقتحمهُ نحن بتأويلاتنا العقلية هذا أمرٌ يجب التحرُز منه .
 نقول : الله -جل وعلا- أخبر موسى أن السامري أضلّ قومهُ فعبدوا العجل، وهذا الخبرُ جاء من الله فرجع موسى إلى قومهِ ، وصف الله حالته بأمرين (غَضْبَانَ أَسِفًاوالغضب: حدّة تكون في النفس غير مقرونة بخوف إذا رأى الإنسان شيئاً يسوؤه ، فلمّا رجع موسى -عليه السلام- بهذهِ الحالة هذا معنى غضب وأسف بمعنى أن هذهِ الحدّة كما أنها مقرونة بما حصل لقومهِ مقرونة بالحزن لما وصلوا إليهِ و لهذا عبّر القرآن بكلتا الحالتين غضبان في ذات اللهِ ، وأسفاً على قومهِ فهو مُغضب في نفس الوقت حزينٌ جداً للطريق الذي سلكهُ قومُهُ . موسى -عليه الصلاة والسلام- جعل أخاهُ هارون بعده في بني إسرائيل وذهب لمُلاقاة الله ، وقد مرّ معنا في اللقاء الماضي أنهُ سألهُ ربُهُ (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى) في هذهِ الفترة جاء السامري . من السامري؟ قلنا أنه من مُبهمات القرآن ونعني أنه لم يأتِ تفصيلاً دقيقاً عن سيرته وظاهرُ الأمر أنه رجُل من بني إسرائيل ، هذا السامري أبصر جبريل -على الأظهر- (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) فُسّرت الرسول بجبريل ، رأى جبريل وهو على فرس يُقال له حيزون ،، يُقال إن جبريل عندما كان يجري على هذهِ الفرس كان لا يطأُ على مكان إلا يحيا -يَنبُت- ففطن السامريُ لهذا الأمر الذي أعطاهُ الله -جل وعلا- لفرس جبريل فقبض قبضة -ولا تُسمى قبضة إلا إذا كانت ملئ اليد يعني مقبوض عليها- واحتفظ بها لنفسه ثُم كأنه وضعها في مكان آمن حتى انتهز فُرصة غياب موسى في جبل الطور ووضع أخاهُ هارون خليفةً عليهم ، في هذه الفترة جاء السامريُ لبني إسرائيل ودخل عليهم من باب الخطيئة كما يُريُدهُ الناس عندما يأتون إلى شخصٍ يُريدون أن يُوظفوهُ فيما يُريدون يأتون إليهِ من باب الخطيئة من باب الخطأ ، فأخبرهم أنهُم حملوا أوزارً -آثام- سببُها أنّهم لم يردّوا زينة القوم ، مَن القوم ؟ الأقباط سُكان مصر الأصليين هؤلاء بني إسرائيل كانوا يعيشون على مقربة من الأقباط في مصر كانوا خدم لهم وجيران ويحدُث من الخدم والجيران نوعٌ من العلاقات ، فبعضُ بني ِإسرائيل كان يُعطي بعضُ القبط كان يُعطي ذهبهُ وزينتهُ لبني إسرائيل إمّا يحتفظ بها ، أو بعثهُ في مُهمّة ، أو كان خادما عندهُ ، المُهمّ تحصّل بني إسرائيل على مجموعة من الحُلي التي ليست لهُم مُلكاً في الأصل فلمّا تجاوزوا البحر أتاهُم السامريُ من هذا الباب إن هذهِ الزينة التي تملكونها وتحملونها إثمٌ ولهذا قالوا (حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ) والأوزار: تُطلق على الذنوب والمعاصي فلابُد أن تتخلصوا منها فسألوه كيف نتخلص فأتى لهُم بقاع -بأرض- وأمرهُم أن يُلقوا ما جمعوا من حُلي فيها فتكون من هذهِ الحُلي ذهبٌ كثير فجاء السامريُ بالقبضة التي قبضها التي تدب فيها نوع من الحياة نسبياً مع هذا الذهب مع قُدرتهِ على صناعة التماثيل فأخرج لهُم العجل ، والعجلُ: صغارُ البقر -كما هو معلوم- وصوتهُ يُسمّى خوار. لكن قال بعضُ أهل العلم -أفراد منهُم- قالوا: إنّ هذا العجل كان فيهِ روح ، وهذا بعيد جداً لأنهُ لا خالق إلا الله ، ومن قواعد العلِم -وهذا مرّ معنا كثيراً- : أن الإنسان يأخُذ الأمر اليقيني ثُمّ يصدِمُ بهِ الشيء المُتشابه ، فالمُتشابهة لا يقدر أن يقف أمام الشيء اليقيني ، المُتشابه لا يقف أمام المُحكم ، فمِما نستصحبهُ هنا مُحكماً أن الله -جل وعلا- لا خالق غيرهُ ومُحال بأن يقدر السامريُ بأي قُدرة على أن يخلُق شيئاً ، حتى قول الله -جل وعلا- على لسان عيسى (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) قالوا أنهُ ما مُجرد أن يطير إلا يقع حتى يُميز خلقُ الله عن خلق عيسى . فالمقصود أن السامري بما أعطاهُ الله من قُدرة في صناعة التماثيل والذهب معدنٌ أصيلٌ كما هو معلوم مع تلك القبضة مزج بعضها في بعض ولا ندري كيفية العجل على هيئتهِ العامة على هيئتهِ التفصيلية لكن نعلم نقول كما قال الله (جَسَدًا) تدلُ على أنهُ لا روح فيهِ . لأنهُ مرّ معنا أن أُسلوب القرآن إذا تكلم عن اللحم والدم والشيء المُجسم إذا كان مقروناً بالروح يُعبّر عنهُ بأنهُ جسم قالوا عن طالوت (بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)  قال الله عن المُنافقين (تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) . وإذا عبّر القرآن بالجسد فإنهُ يتكلم عن من لا روح فيهِ والمقصُودُ أن هذا العجل أخرجهُ لهُم السامري فلمّا أخرجهُ لهُم كما قال الله -جل وعلا- (فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) وفي اللقاء الماضي أنا نطقتُها فقالَ -طبعاً هذا خطأ سبقُ لسان- لكن (فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) فبيّن لهُم أن موسى عليه السلام -هذا بزعم السامري- ليعرف ربهُ نسي ربهُ فذهب يبحث عنهُ في مكانٍ آخر أو قال لهُم إن موسى نسي أن يُخبركُم أن هذا إلهكُم وكلا الأمرين كُفر . فُتن بنوا إسرائيل بالعجل فأخذوا يطوفون حولهُ ويتراقصون ومن هُنا أخذ بعض عُلماء أهل  السُنة أن ما يصنعهُ بعض المتصوفة من التطواف والرقص لا أصل لهُ بل إنهُ مأخوذٌ عن العبادة الكُفرية لبني إسرائيل ولم يُنقل فيهِ أثرٌ صحيحٌ صريح عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- وكفى بعبادة النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابهِ عبادة .
 موضع الشاهد : هذا الأمرُ حدث على مرأى من عيني هارون وموسى إلى الآن -يا بُني-غيرُ موجود ، فلمّا راءهُم هارون ازدحمت في ذهن هارون قضيتان :
القضية الأولى : أنهُ كان بإمّكانهِ -عليه السلام- أن يُنكرِ عليهم إنكاراً ينجمُ عنهُ أن يأخُذ المجموعة التي لم تؤمن -الفرقة التي لم تؤمن- فيذهب ويتبع موسى وهذا غلب على ظنّ هارون أنهُ لو فعل هذا لتشتت بنوا إسرائيل الباقون وتفرّقوا فإذا عاد موسى لا يجدُ طريقةً لجمعهِم حتى يرُدهُم إلى الحق .
والأمر الثاني : أن يُبقي الأمر على ما هو عليهِ و يُنكر بقوة عليهم ويُحاول أن يأخُذ ويُعطي معهُم حتى يأتي موسى فيُبيّن لهُم لأن السامري اتكأ على  غياب موسى فإذا جاء موسى لم يبقى للسامريّ حُجة [واضح] هذا الذي أراده هارون -فيما أفهمهُ أنا من القرآن- [واضح] وإن لم يُصرّح بهِ أحد لكنّهُ لما حصل هذا أنكر عليهم موسى وقد أنكر عليهم هارون وقد برّأ اللهُ -جل وعلا- بنصّ كتابهِ ساحة هارون قال اللهُ -جل وعلا- (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) فبدأ بالتخلية وهو  (فُتِنتُم بِهِ) ودعا إلى التوحيد (رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ) ودعا إلى الرسالة (فَاتَّبِعُونِي) ودعا إلى الشريعة ، كُلها أجملها -عليهِ الصلاةُ والسلام- لم يرتدع بنوا إسرائيل فرجع موسى بعد أن أخبرهُ الله، لمّا رجع موسى -عليه الصلاة والسلام- بعد أن أخبرهُ الله وكفى بتعليم اللهِ علما لكن كما قال نبيُنا -صلى الله عليه وسلم- فيما روي عنهُ في المُسندِ وغيرهِ (ليس الخبرُ كالمُعاينة) فلمّا راءهُم على هذهِ الحال يعبدون العجل غضباً للهِ ولأنهُ رسولٌ مُلئ قلبهُ توحيداً لا يُتصور أن يرى أحدً يعبدُ غير الله ألقى الألواح ولم يُلقِ الألواح زُهداً في الألواح أو استخفافاً بكلام اللهِ مُحال أن يفعل هذا آحادُ الناس من الصالحين فكيف يُنسب إلى أولياء اللهِ ورُسلهِ لكنهُ فعلها ممّا أصابهُ من الحنق والغضب أن يرى أحدً يعبدُ غير الله ، أن يرى أحدً يعبدُ غير الله فألقى الألواح توجّه مُباشرةً إلى أخيهِ . صوّر الله هذا الموقف والحدة في موسى أنهُ كان يأخُذُ برأس أخيهِ ويجّرهُ إليهِ كان الموقف صعباً على هارون لكنّ هارون كان حليماً والعربُ تقول " إذا عزّ أخوك فهُن " وحياتك مع أصدقائِك ورُفقائك ومن تُحبهم ويُحبّونك إذا غلب عليك الظنّ أنهم شدوا ـ بالعامية ـ أرخي أنت يقولُ مُعاوية " لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت إذا أرخوها شددتها وإذا شدوها أرخيتُها ــ وفي روايةٍ أنهُ قال ـ أعيشُ معهُم كالحمام إذا وقعوا طرت وإذا طاروا وقّعت " المقصود لجأ هارون لا إلى مُناكفة أخيهِ وصدّهِ لجأ إلى استلطافهِ وأخذ يبحثُ عن ألفاظ تُحرك العاطفة في قلب أخيهِ وهارون وموسى أخوان شقيقان لكنّهُ قال لهُ (يَا ابْنَ أُمَّ) وقولهُ (يَا ابْنَ أُمَّ) أثرُها في النفس أكثر من قولهِ يا أخي وإنّما ذكّرهُ بالرحم العظيم الجامعِ بينهُما وهي الأُم (لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ) قال العُذر الذي قُلناهُ من قبل (إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) أي لم تسمع قولي ولم تُطعني في أمري . ينبغي أن تعلم كذالك أنّ موسى لم يشُكّ لحظة أبداً في أخيهِ أنهُ عبد العجل لكنّهُ كان يتكلم عن سياسة أخيهِ في الموضوع فقولُ موسى كما قال الله لأخيهِ (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) لا يقصدُ منهُ عصيت أمري في العبادة مُحال لأن هارون نبيٌ  مثلُ موسى لكن عصيت أمري عندما قُلتُ لك (وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) اُخلفني في قومي أصبح زعيماً لهُم قائداً لهُم ريثما أعود هذا الذي خشي موسى أن يكون هارون قد فرّط فيهِ . وهذا أرجوا أن تنّتبهُوا لهُ جيداً لماذا؟ قال بعضُ أهلِ الفضل وصرّح بهِ الطاهر بن عاشور -رحمهُ الله- في التحرير والتنوير قال " إنّ الحفاظ على العقيدة أفضلُ من الحفاظ على جماعة المُسلمين لأن مصلحة العقيدة لا ترقى إليها شيء وإنّ هارون جانبهُ الصواب في الصنيع الذي فعلهُ " .
ونحنُ نقول : إنّ قول طاهر بن عاشور رحمهُ الله " إنّ مصلحة العقيدة لا يرقى إليها شيء" هذا مُتفقون عليهِ فلا توجد مصلحة أعظم من مصلحة العقيدة ولا توجدُ مفسدة أعظم من مفسدة الشرك لكن مُحال أن يُقال إن هارونَ جانبهُ الصواب لأمرين :
- لأننا نقول إنّ الله أمر جُملةً -نبدأ بالأدلة العامة- باتباع هدي الأنبياء فقال (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) فيدخُلُ ضمنهُم هارون لزاماً ولم يستثني اللهِ حالةً لهارون في حين أن الله أستثنى حالةً ليونس قال -جل وعلا- (وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) فهذهِ الحالة استثناها الله ليونس وبقي يونس في الجُملة يُهتدى بهِ إلا في حالة خُرُوجهِ مُغاضبا ، أمّا هارون فلم يستثني اللهُ -جل وعلا- من هديهِ شيء ، هذا واحد .
 - ثاني شيء نقول لا يُعقل في أمر ديني أن يرى أحدٌ من الناسِ في أمرِ شرعي يهتدي برأيً لم يهتدِ إليهِ رسول ، لا يُعقل أن يُقبل أن يهتدي من آحاد الناس عالمٌ أو غيرهُ إلى أمرِ لم يهتدِ إليهِ رسول. ونقولُ إن هارون كان يعلمُ أن مصلحة العقيدةِ لا يرقى إليها شيء لكنهُ هو لم يُفرط في جانب العقيدة وإنّما الآلية التي يُحافظُ بها على جانب العقيدة مسألة سياسية وهي أنهُ أبقى على قومهِ مُجتمعين ريثما يعودُ موسى كما بيّنا في الأول لعلمهِ -عليهِ السلام- أن السامري اتكأ على حُجة أن موسى غائب فأخذ يقولُ ويُشيعُ في بني إسرائيل أن موسى نسي فإذا جاء موسى سيُبطل هذهِ الحُجة التي قالها السامري وهذا عينُ ما وقع بعد رجعة موسى هذا عينُ ما وقع بعد رجعةً موسى. فنقول: إن تدارُك هارون للقضية كان صائباً ولهذا لم يذكُر اللهِ تعنيفاً لهارون بل إنّ الله ذكر تراجُع موسى بقولهِ (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي) استغفر لهُ ولأخيهِ ممّا يدلُ على أن موسى تراجع عن الحدّة التي أصابتهُ في التعامُل مع أخيهِ هارون عليه السلام . هذا مُجمل القضية .
 بعد أن تأكد موسى أن الأمر ما زال في قبضتهِ وأن بني إسرائيل لم تتفرق لجأ إلى السامريُ يُحاكمه (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) يسالُهُ فقال السامريُ ما ذكرناهُ لكُم من أنهُ قبض قبضة وأنهُ جمع وما إلى ذالك . موسى معروفٌ بحدّتهِ مرّ معك كثيراً وأنت تدرُس القرآن والسُنّة حدّة موسى في ذات اللهِ ومنها ما حصل معهُ مع الخضِر ومنها الموقف الذي بين أيدينا من مُجازاتهِ لأخيهِ لكنّهُ قال للسامري (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ) قالوا -أي أهلُ العلم- جُملة في معناها : "أن الله جل وعلا حكم على هذا الرجُل الضال بأن لا يكونُ فيهِ أُنسٌ مع الغير فيستوحش من الناس ولا يكونُ مُخالطة لهُ وأنهُ يبقى ما بقي من حياتهِ يعيشُ طريداً شريداً لا يأنسُ بالخلق" هذا جُملة ما قالهُ .
 وبعضُ الناس من المُتأخرين ممّن لهُم دراية بالتاريخ يقولون ، والوجهُ الذي اتكؤا عليهِ صحيح لكن لا يلزم من الوجه الذي اتكؤا عليهِ أن يكون إذا كان صحيحاً أن تكون النتيجة صحيحة لأنّني أقول دائماً أن قضية الغيب تبقى غيباً ، قالوا : "إنّ الله -جل وعلا- أراد أن يُبقي على حياة السامري ولهذا لم يُعنّفهُ موسى (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ) طبعاً السابقون كانوا يقولون إن الموعد يوم القيامة لكنّ هذا فيهِ نظر لأن هذا الموعد لا يختصُ بالسامري وحده فقالوا أن القضية قضية الدجال وأن السامري هو الدجّال وأن الله أذن لهُ أن يبقى ويعيش ولم يُسلّط عليهِ عبدهُ موسى حتى تبقى حياتُهُ فإذا بقيت حياتُهُ الموعد الذي لنّ يُخلفه هو وقتُ خروجهِ لناس ثُمّ وقتُ هلاكهِ على يد عيس ابن مريم .
 أقولُ مُعقباً -والعلم عند الله- : هذا القولُ فيهِ وجهٌ -حظٌ كبيرٌ- من النظر لكنّ من الصعب تبنيهِ والجزم بهِ لعدم وجود ما يدعمهُ من الأثر ، فيهِ حظٌ كبيرٌ من النظر لكنّ من الصعب الجزمَ ـ اسم لكنّ ـ وتبنيَهُ لعدم وجودِ ما يدعمهُ من الأثر لكنّ أقول إن العقلية التي تنتبهُ لمثل هذا عقليةٌ مُؤهلة أن تنظُر في كلام اللهِ ، مثلُ هذهِ العقلية العقليات عقليات مؤهلة أن تنظُر في كلام الله وهذا من العلم الذي تجري فيهِ أقدامُ العُلماء هذا واحد .
 والأمرُ الثاني : يُسمّى من مليح القولِ لا من متين العلم.
 هذهِ جُملة ما ذكرهُ الله جل وعلا عن السامري . قبل أن أتجاوزها ثمّة فوائد يجبُ استنباطُها من هذا الحدث التاريخي الذي مرّ ببني إسرائيل:
 أولُها وأعظمُها : أن الله إذا أراد ضلالة أحد غشي على أبصارهِ وحرمهُ من استعمال عقلهِ و إلا يا أُخي ترى من المُحال أن يُقال أن قوماً يُنجيهُم الله ويرون البحر يبس وتمشي أقامهُم عليهِ ثُمّ بعد هذا كُلهِ يأتون إلى عجلٍ لهُ خوار يعبدونهُ من دون اللهِ ، هذا من أعظم الدلائل على أن المسألة لا ترجعُ إلى العقل وإنّما هي هداية من الله ونور يضعهُ الله -جل وعلا- في قلب من في قلب من يشاء .
 الأمرُ الثاني : أن الناس الذين ينصُرُ الله بهم دينهُ تختلف مشاربُهم ، تختلفُ قُدراتُهم فموسى فيهِ الغضب والحدّة وقد نفعت الدين نفعاً عظيماً ، وهارون -عليه السلام- كان فيهِ شيء من اللين والرفق وقد نفعت الدين نفعاً عظيماً كما كان في الفاروق والصديق -رضي الله تعالى عنهُما- فإن الصديق كان فيهِ لين والفاروقُ كان فيهِ شدة ولمّا كان الصديقُ -رضي الله عنهُ- يستشيرُ الناس في أمر الفاروق يخشون من شدّتهِ فكان يقولُ لهُم إن الذي دفعهُ إلى هذا أنهُ يجدُ فيّ ليناً في ذات الله . والمقصود عندما تُحاكمُ شخصين فلا تنظُر من هذهِ الزاوية الضيّقة فتقول إن فُلاناً قويٌ في ذات اللهِ جبّار وتتّهمُ الآخر بالضعف لكن الدين يُنصر بالشخص الضعيف كما يُنصر بالشخص القوي ، وأحياناً نحتاجُ إلى الحدة والغضب ، وأحياناً نحتاجُ إلى الحلم واللين ، وأحياناً نحتاجُ إلى دُعاء ذالك الرجُل العاجز ، وأحياناً نحتاجُ إلى حلم الحليم ، وأحياناً نحتاجُ إلى استنباط الفقيهِ ، فالدينُ من حيث الجُملة ينصرهُ الله جل وعلا بهؤلاء كُلهم كما نصر الله دينهُ بنبييهِ موسى وهارون رغم اختلاف شخصيتهما اختلافاً كثيراً .
 الأمرُ الرابع وهذا مرّ معنا عرضاً : أن الإنسان لا يُحاولُ أن يُصادم أصحاب الرئاسات وأن المركب الواحد لا يحتملُ أكثر من قائد ولا بُد للعاقل أن يتغاضى عن أمور إذا أراد للمركب أن تسير لكن الإلحاح على المطالب والإصرار على الزعامة والتنافُس في الدُنيا هذا الذي يُذهب المركب الإسلامي ويجعلهُ عُرضةً لغرضهِ . لكن من جعل الله -جل وعلا- بُغيتهِ ورضُوان الله -جل وعلا- غايتهُ هان عليهِ كُلُ ذلك في سبيل إعلاء دين الرب تبارك وتعالى لكنّهُ كذلك ينبغي أن يُعلم أن دين الله -جل وعلا- أجلُ وأعظم من أن يُتخذَ غرضاً لدُنيا .
 الذنوبُ والخطايا التي تكونُ للعبدِ -ولابُد منها- يجبُ أن تُوظف توظيفاً صحيحاً فلا يأتينّك أحد ينتهزُ فيك ماضيك وبعضَ خطاياك فيُوظفُك إلى ما يشاء وما يبتغي وما يُريد من باب أن ذلك كفّارةً لما قدّ عملّت ، وإنما الإنسانُ يعلم أن الذنوبَ والمعاصي ليس لها إلا التوبة وقد مرّ معنا في اللقاء الماضي في سورة طه نفسها (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) هذا جُملة ما يُمكن أن يُقال عن قصةِ موسى مع السامري . عبادة العجل من أعظم ما أقترفهُ بني إسرائيل ولهذا أمرهُم اللهُ -جل وعلا- بالتوبة وجعل توبتهُم أن أقتلوا أنفُسكُم .
 ثُمّ قال الله تبارك وتعالى ، اُختلف هل هذا من كلامِ موسى أم من كلام اللهِ تذييلا (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) وشتّان ما بين الخالق وبين سائر المخلوقين (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) ثُمّ قال الله لنبيهِ (كَذَلِكَ) أسلوبٌ عربيٌ في الربط بين الجُمل (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ) فما خبر موسى إلا جملة أخبار قصصناها عليك أيها النبي الكريم (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ) و"قد" للتحقيق (مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا) وهو القرآن وسائرُ ما أوحى الله -جل وعلا- إلى نبيهِ (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا) هذا الذكرُ إمّا أن يُقبل وإمّا أن يُعرض عنه فذكر اللهُ أولاً من أعرض عنه (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ) أي هذا الذكر (فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا*خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا)  قُلنا الوزر أصلاً تحمُّل الثقل وقُلنا أن كلمة وزير مأخوذة من أن الوزير يحملُ الثقل عن الأمير فالله -جل وعلا- يُخبر أنهُ ساء حملاً من أتى بذنوبهِ وإعراضهِ عن اللهِ -جل وعلا- (وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا) أين يكونُ يوم القيامة؟ (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ) هذهِ مرّت كثيراً وهي ظاهرةُ الألفاظ والنافخُ في الصور اسرافيل (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) المجرمون هُنا الكُفّار ، (زُرْقًا) قال العُلماء: أي زُرق العيون ، وقيل : زُرق الأجساد عموماً ، لكنّ الأول أظهر  (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا*يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا*نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا) هذا ما يكونُ يوم القيامة من تخاصُم الناس وتساؤلهم عن ما مضى وإخبارُ الله -جل وعلا- عن ما يُقال في ذلك اليوم ما بين أهلُ الكُفرِ وغيرهم .
 ثُمّ قال الله -جل وعلا- (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا*فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا*لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا) هذهِ إحدى آياتُ السؤال في كلامِ ربنا الكبير المُتعال وآياتُ السؤال مُتعدّدة في القرآن جاءت في القرآن المكي والقرآن المدني وقد أفرد لها الشيخ عطية محمد سالم كتاباً خاصاً أسماهُ (آياتُ السؤالِ والجواب في آيات الكتاب) فمنها ما كان يتعلقُ بالتشريع كالسؤال عن المحيض ، والسؤالِ عن أموال اليتامى ، والسؤالِ عن الأهلّة ، والسؤالِ عن الخمر . ومنها ما يتعلّقُ بالأمور الغيبية وما سيقع كهذهِ الآية (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ) أو قولهِ -جل وعلا- (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) وبكُلٍ أجاب الله . نقول: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) ما الجبال؟ الجبال خلقٌ من خلق اللهِ عظيمُ الهيئة ولأنهُ عظيم لفت الله الأنظار إليهِ (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) والله -تبارك وتعالى- إذا استقرّ في الأذهان عظمة شيء يربطهُ بعظمتهِ فأين ربط الله عظمة الجبال بعظمتهِ ؟ ربطها لمّا تكلم عن قضية نسبة الولد (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا*لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا*تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا*أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) فهي على عظمتها تخرّ إذا بلغها أن أحدً من الخلقِ زعم أن للهِ صاحبةً أو ولد فربطها -جل وعلا- بعظمتهِ هذا واحد . ثُمّ لعظيم خلقتها بيّن اللهُ -جل وعلا- أنّها من جُملة من يعبدُهُ (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) وهذا عموم ثُم ذكر لها خصوصاً (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ) ذكر -جل وعلا- تسخيرها لدواد -عليهِ السلام- أنها تُسبحُ معهُ صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ . هذا من جُملة كيف يربطُها الله جل وعلا بذاتهِ العلية.
 كذلك استقرّ في الأذهان أن الجبال شيءٌ عظيمٌ حتى في اللُغة فمن أراد أن يمدح أحدً شبههُ بالجبل، يقولُ الفرزدق في ردّهِ على جرير:
فَـاِدفَع بِـكَفِّكَ إِن أَرَدتَ بِناءَنا ** ثَـهلانَ ذا الهَضَباتِ هَل يَتَحَلحَلُ.
 يقول لهُ إذا أردت أن تهدم ما بناهُ أجدادي فإن صنيعك كمن يأتي إلى ثهلان -جبلٌ عظيم كبير في الحجاز- فاهدمه ، حرّكهُ بيدك فلن تستطيع فمقامُ أجدادي وما دونُهُ مثلُ هذا الجبل. ويقولُ آخر :
كُنَّا جِبَالاً فَوْقَ الجِبَالِ و رُبَّمَا ** سِرْنَا على مَوْجِ البِحَارِ بِحَارَا
 فكُنا جبالاً في الجبال الثانية -الجبال المعروفة- وكُنا جبال أي ثابتين راسخين .
 ويقول حسّان : "شماريخُ رضوى عزّةً وتكرُما"
و"رضوى" جبال ما بين المدينة و العيص بعد ما تنتهي من ينبُع النخل تأتيك على شمالك -إن لم أنسى- وقد رأيتُها عالية شاهقة جداً وهي كالشماريخ تماماً كأن حسّان يرسمُها رسماً لا يصفُها وصفاً . والمقصودُ أن الجبل استقرّ في الأذهان علو هيئتهِ ولهذا لمّا ربطهُ الله بعظمتهِ وفُتن الناسُ فيهِ قُلنا جرت سُنةُ الله في خلقهِ يقول -عليه الصلاةُ والسلام- في ذلك القعود الذي سبق ناقتهُ (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعهُ) [رواه البخاري] أن أي شيء يرتفع يخفضهُ الله . العامة يقولون كُل شيء لهُ سبع ، لهُ سبع يعني لهُ آفة تُذهبُ هيبتهُ ، فبعض طلبة العلم مثلاً تُفتن بعالم فيُريك الله ضعفهُ في جانب مُعين والبُخاريُ يقول -رحمةُ الله تعالى عليهِ- لمّا ذكر أظنّهُ ذكر أحد عُلماء الحديث قال" ما استصغرتُ نفسي إلا بين يديهِ" وهذا الذي استصغر البُخاريُ نفسهُ بين يديهِ يقيناً أنهُ استصغر نفسهُ مع غيرهِ فالله لا يجعلُ لأحدٍ كمالاً مُطلق فالعامة يقولون "إن لكُل شيءٍ سبع" يعني آفة، ويقولون إن سبع الجبال الليل ، لماذا ؟ لأن الجبل على عظمتهِ وارتفاعهِ لا يُرى في الليل فكأنهُ غير موجود فيجعلون الليل آفة أو سبعا على الجبال في كلامهُم العادي هذا كلام العامة .
 يقول ربُ العالمين (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ)  وبدهيٌ أن يسأل القُرشيون نبيهُم عن هذهِ الجبال العظيمة (فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) وهذا إخبارٌ بالنهاية لا إخبارٌ بالبداية لأن الجبال مرّ ذكرُها في القرآن مراحل عديدة : الله يقول (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) ، وقال (فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا) ، وقال (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) فذكر لها أحوالاً وأطواراً لكن هنا حتى يُنهي الأمر معهم فذلك الشيءُ الشامخ لا يذهبُ إلا بالنسف (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا*فَيَذَرُهَا) أي الجبال (قَاعًا صَفْصَفًا) والقاع بُقعة من الوادي معروفة (صَفْصَفًا*لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا) عوجاً أي ميلاً يعني هذهِ البُقعة ، (وَلا أَمْتًا) الأمت: -على الصحيح- النتوء الشيء الظاهر الذي ينتأ في الجسد ، فهذهِ الجبال من شدّة أنها نُسفت حتى حجارة منها ملساء اجتمعت بعضُها على بعض فتكوّن شيئا ناتأً في الأرض لا يوجد لا يبقى شيء (لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا) متى هذا يا ربُنا -وهذا هو القرآن وعظمتهُ يتبعُ بعضُهُ بعضا- متى هذا يا ربُنا ؟ (لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا*يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ) الله يتكلم عن شخصية تدعو ، الداعي (إسرافيل) ماذا يقول ؟ أيتُها العظامُ البالية أيتُها الأوصالُ المُتقطعة إنّ الله يدعوكنّ لفصل القضاء (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ) لماذا لا عوج لهُ؟ لأن أهل الموقف هذهِ أول مرة يُحشرون لا يُوجد أحد مُميز بعلم يدري أين أرض الموقف فكُلهُم أستوُو في عدم علمهُم بالموقف فلابُد لهُم جميعاً أن يستوُو في إتباعهم للداعي (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) . يقولون أن طه حُسين يقول عن بعضِ شعرِ شوقي : إنّني لا أستطيعُ أن أشرحهُ ــ على أنهُ كان يُوصف بأنهُ عميد أدب العرب- فيقول إذا شرحتهُ فككتُ طلامسهُ وألفاظهُ ذهب رونقهُ وأنت تفهمهُ كشعر أكثر مما تفهمهُ من شرح. إذا قيل هذا في كلام مخلوق فكيف يُقال بمن علّم شوقي البيان ، بمن أنزل القرآن ، بكلام الله -جل جلالهُ؟! فهذهِ (وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) والله لا أجدُ شيئا أُبينُ فيهِ مُراد الله وإنما هيبتُها في قراءتها (فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) هذهِ تكفيك ، وقدّ فُسر الهمس بأنهُ وقع أقدامهُم ولا يُقالُ وقعُ نعالهم لأنهُم يخرجون حُفاة لكن وقعُ أقدامهم ، فُسّر بما فُسّر لكن الهيبة التي تقع في النفس لا يعلمُها إلا الله -جل وعلا- هذا موقف غيبي قادم (فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) . (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) ، (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) بيان علم الله وقدّ مرّ معنا كثيرا ، (يَوْمَئِذٍ لّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ) لماذا تكلم عن الشفاعة هُنا ؟ لأن الإنسان جُبلُوا أنهُم في حال الضيق يفزعون إلى غيرهم وهذا أمرٌ بدهيٌ مجبولٌ عليه النفس فإنّ المرء منّا اليوم يدخلُ دائرةً حكومية فإذا استعصى عليهِ مُنالهُ بدأ يبحثُ عن زيدٍ أو عمرٍ ليُحقّق لهُ مقصوده ، وليس هُناك كرب أعظم من كُرب يوم القيامة ، ولا انقطاع أعظم من الانقطاع الذي يكون يوم القيامة فقال الله -جل وعلا- (يَوْمَئِذٍ لّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ) يقطعُ السبيل على من يُفكّر في الشفاعة ثُم يستثني رحمةً وقدرا (إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا) فذكر -جل وعلا- شرطي الشفاعة (إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا*يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) أنا قدّمت وأخرت في الآيات عُّذراً.
 ثُمّ قال الله : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ) وجوهُ من؟ وجوهُ الخلائق كُلها (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) وقد قال بعضُ أهلِ العلم : إنّ (الحي ،القيوم) أسمانِ مُتلازمان هُما اسمُ الله الأعظم قال بهذا طائفة ، وقد ورد هذا الاسمُ الكريمُ المُتلازم في القرآن ثلاث مرات :
- ورد في صدر آية الكُرسي (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
- وورد في فاتحة آل عمران (الم *اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
- وورد في هذهِ الآية الكريمة التي بين أيدينا (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ)
وقد قال جمعٌ غير قليلٍ من أئمة الدين بأنهُ اسمُ الله الأعظم والعلمُ عند الله .
 (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) الظُلم إذا قالهُ الناسُ اليوم ينصرف على الجبروت ، ينصرف إلى سلب أموال الناس، وهذا حق لكن إياك أن تصرفهُ في هذا الموقف صرفاً أولياً للتعلّقُ مع الناس لماذا؟ لأن هذا يُنافي أصلاً فهمُك للقرآن لأن الله -جل وعلا- مُحال أن يذكُر الله -جل وعلا- هذهِ المُقدّمة في العظمة كُلها وخشعت الأصواتُ للرحمن ولا شفاعة إلا لمن أذن لهُ الرحمن ، وعنت الوجوهُ للحي القيوم ثُمّ يتكلمُ عن قضية أن عبداً ظلم عبداً لكن لا يُوجدُ ظلم أعظم من أن تجعل للهِ نداً وقد خلقك فأوّل ما يُصرف (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) إلى من ؟ إلى أهل الإشراك (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا). ثُمّ قال الله : (وَمَن يَعْمَلْ) شرطية، (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) فالإيمان مُتلازم مع العمل الصالح وقد يعملُ الإنسانُ عملاً صالحاً من حيثُ الجُملة لكنهُ غيرُ مؤمن كما يصنعُ بعضُ الغربيين بعضُ الكفرة من الرفق بالحيوان أو من قضية إغاثة الملهوف فهذا لا ينفعُ يوم القيامة.
(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) لا يخافُ ظُلماً لأن الله -جل وعلا- نزّه نفسهُ عن الظُلم لأن الله تبارك وتعالى نزّه نفسهُ عن الظُلم . وقد جاء في الخبر الصحيح أن النبي -صلى الله عليهِ وسلم- ضحك كما في حديث علي -رضي الله عنه- قال: (قُلنا يا رسول الله ممّا تضحك؟ قال: أضحكُ من مُجادلة العبد ربهُ فإنهُ يقولُ يوم القيامة لا أقبلُ إلا شاهدً من نفسي فيُختمُ على جوارحهِ على لسانه فتشهدُ عليهِ جوارحهُ فإذا شهدت عليهِ جوارحهُ خُلّي بينهُ وبين الكلام فيقولُ سُحقا لكُنّ وبُعدا فعنكُنّ كُنت أُناضل) يعني عنكُنّ كُنت أُدافع . قال بعضُ أهلُ العلم: حتى جوارحهُ التي كانت لهُ في الدُنيا عوناً لهُ على المعصية لما رأت يوم القيامة كانت شاهداً عليهِ عند ربهِ فجوارحهُ قدّمت عظمة الله على علاقتها بصاحبها . ولهذا قال الله -جل وعلا- (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وقد اختلف العُلماء في السبب الذي من أجلهِ يُختمُ على الأفواه فقال بعضُ أهل الفضل ويُنسب هذا إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن السبب أنهم ينطقون بكلمة الكذب أنهم ينطقون بكلمة الكذب قال الله -جل وعلا- عنهُم أنهُم قالوا (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فإذا قالوها يُختم على أفواههم . وقيل أسبابٌ أُخر في سبب أن الله -جل وعلا- يختمُ على أفواههم فقيل : أن شهادة غير الناطق يعني الجوارح أعظم من شهادة الناطق أي من شهادة جارحة اللسان . وقيل غير ذلك .
 نعودُ إلى الآية قال الله -جل وعلا- (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) فلا يُزادُ عليهِ ما لم يعملهِ ولا يُنقص منهُ ما قد عملهِ فالظلمُ هُنا يُفسّر بالزيادة وقد فسّرناهُ بالزيادة ليُقابل كلمة هضم وهو النقص (فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) .
 (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) بلسانٍ عربيٍ مُبين كما هو معلوم (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ) والوعيدُ مُقابلها الوعد والوعدُ يكونُ في الخير ويكونُ في الشر والوعيدُ لا ينصرفُ إلا في الشر وقولُ الله -جل وعلا- (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ) أي أن تخويف الله -جل وعلا- لعبادهِ لم يأخُذ منهجاً واحداً وإنما أخذ عدةً طرائق فتارةً يذكُرُ الله أفرادً أهلكهُم كالنمرود وقارون ، وتارةً يذكُرُ أُممً أبادها كقوم ثمود وقوم عاد ، وتارةً يذكُرُ الله -جل وعلا- إخبارهُ بما أعد لأهلِ معصيتهِ وغير ذلك ممّا صرّف الله -جل وعلا- فيهِ من الوعيد كُلُ ذلك تذكرةً للعباد وتبصرةً للحاضرِ والباد قال سُبحانهُ (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) "لعلّ" هذا التصريف يكونُ سبباً في أوبتهِم إلى ربهم -جل وعلا- . ولمّا كانت الأمور لا يُمكن أن تقوم إلا بمشيئة الواحد القهّار قال -جل وعلا- بعدها (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) وهذهِ من أعظم آيات القرآن ثناءً على الله قالها اللهُ هاهُنا ،، وقالها -جل وعلا- في آخرِ سورة المؤمنون ، وقالها في غير ما موضع ، فتعالى اللهُ الملك الحق عمّا يصفهُ الواصفون ممّن انتقصوا ربهُم -جل وعلا- لكن يُستثنى من هذا ما وصف اللهَ بهِ عبادهُ الصالحون فوصفُ العباد الصالحين لربهِم غيرُ داخلين في الاستثناء (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) ثُمّ قال اللهُ لنبيهِ (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) وقد كان جبريل يُملي على نبينا -صلى اللهُ علية وسلم- القرآن فكان لهذا القرآن حلاوةً في قلب هذا النبي الكريم يخافُ أن يتفلّت فيُسرع في الاستجابة لجبريل فأخبرهُ الله -جل وعلا- هُنا وأخبرهُ في القيامة (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) أي في صدرك (وَقُرْآنَهُ) أي في قراءتهِ عليك (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) أي تأويلهُ سيأتيك ظاهراً بيناً في الدُنيا والآخرة .
 قال الله (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي ) ومرّ معنا أن كلمة "رب" إذا جاءت في صيغة دُعاء لا تكونُ مُلازمةً للياء لكن "زدني" جاءت بالياء هذهِ ياء المُخاطب والنون التي أصلُ الفعل "زد" والضمير الياء هذهِ العرب تُسمّيها نون الوقاية تُسمّيها نون الوقاية . ويقولون إن الفعل لا يقبلُ الكسر النُحاة يقولون الفعل لا يقبلُ الكسر وياء المُخاطبة لا بُد لمن التحق بها أن يكونَ مُكسوراً فلو تكلّمت عن هذهِ الكُتب التي بين أيديكُم ونسبتها إلى نفسك تقول هذا كتابي فالباء لحقها الكسرُ لاتصالها بالياء سواءً كانت محل جر أو لم تكُن في محل جر فالياء قوية لا تقبلُ من يلتصق بها إلا أن يكونَ مكسورا ، والكسرُ من خصائص الأسماء لكنّهُ ليس من خصائص الأفعال فلمّا ألتصق الفعل بالياء احتاروا لا الياء ترضى أن يقبل معها أحدٌ غيرُ مكسور ولا الفعلُ يرضى بأن يكون مكسوراً فجاءوا بهذهِ النون فجعلوها بين الاثنين ــ هذهِ فائدة نحوية ــ جعلوها بين الاثنين وسمّوها نون الوقاية ويقصدون بتسميتها نون الوقاية أنها وقت الفعل الكسر "زدني" . هذا توضيحٌ لأنهُ يمرّ معك كثيراً في القرآن ومن حقك حتى تفهم القرآن أن تفهم طريقة العرب في كلامهِم . ــ حتى تثبُت المعلومة ــ هذا كوب ليس بينهُ وبين هذهِ المائدة -إن صح التعبيرُ- حاجز فلو أردنا أن نقي هذهِ المائدة ما يعلقُ بها من الكوب نأتي بشيء منديل أو ما شابههُ نضعه ثُمّ نضعُ الكوب عليهِ فهذا ما وُضع وقى المائدة ما يتعلّقُ بها من أثر الكوب ــ حتى تثبُت المعلومة ــ فلهذا تُسمّى نون الوقاية هذا العلاقة النحوية .
 أما العلاقة العامة فإن الله يقولُ لخيرِ خلقهِ (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) العلم نور وفضلٌ من الله -جل وعلا- محض ولهُ شروط ، شروط تتعلّق بالآخرة هذا ليس مجالُ الكلام فيهِ لأن هذا كُلُ امرئٍ حسيبُ نفسهِ من أراد بالعلم وجه الله أو لم يُرد به وجه الله .
 لكن العلم حتى يملكهُ الإنسان لابُد فيهِ من أمور:
 1\ عدم التفريط في علوم الآلة هذا أهم مُقتضياتهِ أهمُ مُقتضياتهِ عدم التفريط في علوم الآلة لأن من فقد علم الآلة لن يصل إلى مُبتغاه ، عدمُ التفريط في علوم الآلة مع -وهذا مُهم- عدم الإغراق في علوم الآلة لأنها وسيلة وليست غاية عدم الإغراق في علوم الآلة هذا مُهم جداً .
2\ الأمرُ الثاني : عدم احتقار أيُ شخصٍ أن تأخُذ عنهُ علماً من حيث المعلومة نفسها ، من حيث المعلومة نفسهِا فإجلالُك لغيرك يُبنى على أمورٍ عدة أما قبولُك للمعلومة ليس لهُ علاقة بذات الشخص ، ليس لهُ علاقة بذات الشخص قال -صلى الله عليهِ وسلم- لأبي هُريرة (صدقك وهو كذوب) فأقرّهُ على المعلومة التي منحها إياهُ الجني أن من قرأ آية الكُرسي لا يزالُ عليهِ من الله حافظ مع أن القائل جنيٌ -سرّاق- لكن لا علاقةً لنا بالقائل العلاقةُ لنا مُهمّة جداً بقضية المعلومة .
 3\ من شروط تحصيلهِ :أن العلم يُجمع بمعنى أنهُ لابُد من مراحل حتى يصل الإنسانُ إلى كثيرٍ من بُغيتهِ لا إلى كُل بُغيتهِ إلى كثيرٍ من بُغيتهِ . قال الشافعيُ : "وصُحبة أُستاذٍ وطول زماني" فلا يُمكن أن يطير أحدٌ قبل أن يُريّش فيأخُذهُ الإنسان على تأوده على مهل .
4\ لابُد في العلمِ -وأنا أتكلم من غير ترتيب- لا بُد في العلم من المُراجعة لأن علم الأنبياء وحي لا يحتاجون فيهِ إلى مُراجعة أما نحنُ معشر المُتعلمين فلابُد فيهِ من المُراجعة والمُدارسة والمُذاكرة والعرض حتى يثبُت في القلب والعقل .
 ــ هنا فائدة : يقولون إنّ المأمون سابع خُلفاء بني العباس قال لأبي عليُ المِنقري يا أبا علي فيك ثلاثةُ عيوب ، قال وما هي؟ قال إنك تلحنُ في كلامك ، وتكسرُ الشعر ولا تُقيمهُ -هذهِ اثنتان- ولا تُجيدُ الكتابة . فقال يا أمير المؤمنين أما اللحنُ فرُبما سبق لساني منهُ شيء ، وأما الكتابةُ والشعر فلا حاجة لي بهما فإني رأيتُ الله نزّه نبيهُ عن الكتابة ونزّه نبيهُ عن الشعر . فقال المأمون : يا أبا علي كُنتُ أظنُ أن فيك ثلاثة عيوب فإذا هي أربعة الثلاثة التي ذكرت وجهلُك ، ثُم قال لهُ: يا جاهل إن عدم فهم الشعر وعدم القراءة والكتابة في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- فضيلة حتى لا يشُكنّ احدٌ في وحيهِ الذي أعطاهُ اللهُ إياه ، أما في غيرهِ فهي منقصة ، عدمُ فهمهِ لشعر أو عدمُ إجادتهِ للقراءة والكتابة فهي في حقهِ منقصة لأن الإنسان إذا كان لا يفقهُ الشعر ولا يُجيدُ القراءة والكتابة أنى لهُ أن يتعلّم لابُد أن يكون هذا مهونٌ في الأمر فهي في حق غيرهِ منقصة وفي حقهِ -صلوات الله وسلامه عليه- فضيلةِ (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) .
 استطراد آخر: من التكلُف قال بعضُ الناس -عياذاً بالله- الرسول كان يعرف يكتُب، قيل لهُ والله يقول (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) قال ما هي مُشكلة كان الرسول يكتُب بشماله ، فهذا نوعٌ من العنت حتى يخرُج منها لكن الله أراد نفيُ الكتابة بالجُملة. والمقصود: أن العلم كما ذكرنا يحتاجُ إلى مُراجعة ويحتاجُ إلى أخذٍ وعطاء.
5\ كذالك يحتاجُ العلم -وهذهِ يعني مُهمّة جداً في القضية- إذا تبنيت رأيا لا تجلب على خصمك فيهِ بخيلك ورجلك فرُبما تراجعت عن هذا القول ذات يوم فاترُك لنفسك في الحياة كُلها خط رجعة تؤبُ إليهِ إلا في مسائل العقائد فالعقائد مبنية على اليقينيات لكن في المسائل الفقهية والأخذ والعطاء اجعل لنفسك خط رجعة فرُبما مع المُدارسة والأخذ والعطاء يتبينُ لك خلاف الذي توصّلت إليهِ .
 الكلامُ في العلم أمرهُ طويل لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقولُ (إن الملائكة لتضعُ أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) فإذا كانت ملائكةُ الرحمن ترضى عنمن خرج قصداً في طلب العلم فهذا دلالةٌ على فضلهِ وسموهِ كقصدٍ في ذاتهِ. لكن إذا جئنا في الأشياء الروحانية الإيمانية فإنّ ما أجمل العلم أن يدُلَ على الله وإنما العلمُ الخشية كما قال الحسنُ البصريُ -رحمهُ الله- وهو مأخوذٌ من قول الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) .
زادني اللهِ وإياكُم تبصرةً بما نقولُ ونسمع ،وفقنا الله وإياكُم لما يُحبُ ويرضى ، وألبسني اللهِ وإياكُم لباسي العافية والتقوى ، وصلى اللهُ على مُحمدٍ وعلى آلهِ والحمدُ لله رب العالمين.
---------------------------------------------
/ التفريغ النصي من مكتبة الشاملة (بتصرف يسير)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق