الجمعة، 13 سبتمبر، 2013

تفسير سورة المَائدة من الآية ( 82 -108) / من دورة الأترجة

د.مساعد بن سليمان الطيّار





 بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الحَمدُ لله ربِّ العالمين،والصَّلاة والسَّلام على أَشرف الأنبياء والمُرسلين نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه والتَّابعين أمَّا بعد :

 فَفِي هذا اليوم يومُ الخَميس أُكملُ معكم ما انتهى إليه أخي الدُّكتور عبدالرَّحمن الشِّهري بالأَمس القَريب حيث وَقَفَ على سُورة المَائدة عند الآية الحَادية والثَّمانين،وسَنبتدء- إن شاء الله- بالآية الثَّانية والثمانين ثم نأخذُ أيضا جُزءاً من سُورةِ الأنعام.
 كنتُ قد رتَّبت اللِّقاء على طريقة بناءً على أنَّ المسألة فيها مَجالٌ للاجتهاد لكنَّ الأُخوة حبَّذُوا أن نكون على نفس المَنهج والطَّريقة، ولعلَّ فيما اختاروه خَيراً لأنِّي كنت قد فَهمتُ أنَّ القَاعِدة : لِكُلِّ شَيخٍ طريقة، فرتَّبت اللِّقاء على  أن نَقرأ الغَـريب في جَميع المَقطع الذِّي سنُناقِشُهُ هذا اليوم كامِلاً.   ثم بَعد ذَلك نأخُذ التَّفسير الإجمالي كاملاً.  ثم نأخُذ بعض أمثلة لِتحرير التَّفسير وخِلافات المُفسِّرين من خلال أمثلة في تفسير ابن جرير الطَّبري في نَفس المَقطع.  ثُمَّ بعد ذلك تَعليقات عامَّة على مَوضُوعات سُورة الأنعام، وبعض اللَّطائف، والفَـوائد، والاستنباطات .
 نفس ما ذكرتُ لكم سنأخذه، ولكن بنفس الطَّريقة والمَنهج في التَّقسيم، فالخِلاف سيكونُ في قضية التَّقسيم فقط، ولهذا سَنسِير على نفس طريقة الإخوة في التَّقسيم،ونَفس الأَفكار التي ذكرتُها لكُم إن شاء الله سنأخذها معاً،ولعلَّنا نَبتدء بِمَا يتعلَّق بِقَضيِّة (غَريب القرآن) ودَعُونا نأخُذ مُقدِّمة مُوجَزَة فيما يتعلَّق بِهذا المَوضوع وهو من أوائلِ ما يَجِب على طَالِبِ علم التفسير أن يَعلمَه وهو جَانب : غَريب القرآن أو معرفة دِلاَلات مُفردات الألفاظ، لأنَّه لا يُمكن لِكَائِنٍ من كان أن يعرف المَعنى دون أن يعرفَ دِلالة اللَّفظة في لُغةِ العَرب، ولهذا نجد أنَّ ابن عباس رضي الله عنه كان يقول "كنتُ لا أَعلمُ ما فَاطِرَ السَّمواتِ والأَرض حتى اختصمَ إليَّ أعرابيان في بِئر فقال أحدهما أنا فَطرتُها أيّ ابتدعتُها" فَفهِمَ معنى دِلالة فاطر السَّمواتِ والأرض بناءً على هَذا الكلام العَربيّ الذِّي سَمِعَهُ من هَذَا الأَعرابي. فَإذاً مَقام ما يُسمَّى بغريبِ القرآن أو مُفردات ألفاظ القرآن هو أوَّلُ مقامٍ من مَقامات علم التَّفسير يجبُ على قارِئِ التَّفسير أن يُتقِنَه وأن يَفهمه. طبعاً هناك مسائل مرتبطة به، لكن نحن نأخذه على أنَّه قضية مُنتهية وإلاّ قد يَرد هناك خِلاف في مَدلول الأَلفاظ ماذا يفعل طالب العلم حينما يأتيه هذا الخِلاف في المَدلول؟ لعلَّنا نأخذ مثالاً إن تَمكنَّا إن شاء الله في القِراءة التَّطبيقية على بعض خِلافات المُفسِّرين من خلال تفسير ابن جرير، سنأخُذ أحد الأَمثلة ونُناقِشُها إن شاء الله.
 هُنَاك مسائل كما قلتُ لكم كثيرة فيما يتعلَّق بقضيِّة الغَريب، ولكن لعلَّنا نَبدأُ بما يَتعلَّق بِغريب هذه الآيات. والطَّريقةُ المَوضُوعة أَمَامكم هي فِكرةٌ من الأَفكار وهي : وَضعُ الكَلمة الغَريبة مكانها في الآيات، طَبعاً باعتبار أنَّها تُقرَأ لا عَلَى أنَّها آيةٌ مُنزَلَة، وإنَّما تُقرأ على أنَّها تفسير فَمَا يَحتاج إلى تَفسيرٍ يُفسَّر وما لا يَحتاج إلى تَفسِيرٍ لا يُفسَّر، ولهذا هَذه الطَّريقة هي أشبَه بالتَّرجمة، فَأنتَ في مِثل هَذه الطَّريقة تكون مُبيِناً عن المَعنى المُرَاد باللَّفظة فقط، فاللَّون الأحمر الذِّي أمامكم هُوَ إشارةٌ إِلى الكَلمة القرآنية – بَدَلاً عن الكلمة القُرآنية -التي تحتاجُ إلى بَيان، وما عَدَاها فقد تُرِك في الآية كَما هُو لم يُغيَّر، فنحن سَنقرأ الآن على أنّها نصٌّ مَكتوب، لا على أنَّها آيات بحيثُ يَتبيَّن للطَّالب كيف يُمكن أن يَفهم دِلالة المُفردة التي ينتَـقِل منها إلى المعنى الإجمالي .
/ قراءة من كتاب كلمات القرآن:
 بِسم الله الرَّحمن الرَّحيم،الحمدُ لله ربِّ العالمين،والصَّلاة والسَّلام على أَشرف خَلقِ الله أجمعين. اللَّهُم فَقهنا في الدِّين، وعلِّمنا التَّأويل،اللَّهم اغفر لنا ولِشيخنا أجمعين .
قال الله عزَّوجل: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَمتلئُ بالدَّمْعِ فتَصُبُّه مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)).
 تعليق الشِّيخ :
 تُلاحِظـُون الآن أمامنا فقط تفسيراً لمعنى لفظة (تَفيضُ).لـو أردنا أن نأخُذ تَدريباً، وقُلنا لِكُلِّ واحد منَّا ما هي الألفاظ الغَريبة عليك في هذا النَّص؟
 ستجِد أنَّ الألفاظ الغَريبة عند فلان غير الألفاظ الغَريبة عند فلان، فمثلاً أحدُهم سيقول:  ما معنى (قِسِّيسِّين) ؟وآخر يقول ما معنى (رُهبَان)؟ وآخر سيقول ما الفرق بين (قِسِّيسين ورُهبَان)؟ معنى ذلك أنَّ مسألة الغريب نِسبية وليس المَقصود هُنا أن نأخذ جميع ما يتعلَّق بالغريب؛لأنَّ الوَقت ضيِّقٌ جِدّاً، لكن هي مُجرَّد تَدريب على فِكرة الغَريب.
لاحِظ الآن إذا قرأتَ هذا النَّص "وإِذا سَمِعُوا ما أُنزِلَ إلى الرَّسُول ترى أعينَهُم تَمتلئُ بالدَّمع فتَصُبُّه ممَّا عَرَفُوا مِن الحَقّ" الآن الجُملة مُتناسقة أو فيها نُبُوء؟ الجُملة مُتناسقة ، المَطلب الذِّي نَحتاجه في هذه الطريقة هو: أن تَسبِكَ عبارةَ الغَريب بحيث أنَّها تتناسق مع الكلام . وهذا هو الآن الفِكرة المعروضة عندنا،طبعاً هذا اجتهاد سَريع لم يُراجَع، لكن مُمكن أنّه لو وَقَعَ فيه أيُّ إشكال يُمكن أن يُعدَّل. وهذه اللَّبِنة الأُولى التي يُمكن أن نفهم بها المَعاني،وسنقف – إن شاء الله - عند هذه اللَّفظة (تَفيضُ من الدَّمع) في آخر الوَقت في بعض كُتُبِ غريب القرآن، أو كتاب نموذج، لكي نَنظر كيف تَعامَلَ مع لفظةِ (تفيضُ من الدَّمع) وكيف عرَّفها .
 قراءة من كتاب كلمات القرآن :
(وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88))
تعليق الشِّيخ : لاحِظُوا الآن هذا المَقطع الطَّويل ليس فيه بالنَّسبة لنا أيُّ كلمةٍ غريبة،طبعاً نحن مُعتمدِين على كتاب (كَلِمات القرآن) لِحَسنِين محمد مَخلوف، هذه الجُملة من الآيات لَيسَ فِيها شَيءٌ يَحتاج إلى بَيان بناءً على هذا الكتاب، المَعاني الآن من جهة الألفاظ واضحة ، ما هُو الشَّيء الذِّي نَجده غيرَ واضحٍ في هذه الآية؟ مثلاً: قد يقول قـَائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) ما هِيَ الطَيِّبات التِّي أحلَّها الله؟ هُنا الآن المَسألة ليست مُرتبطة باللَّفظة من جِهة دِلالتها اللُّغوية،ولكنَّها مُرتبطةٌ باللَّفظة من جِهة المُراد بها، يعني ما المراد بِها في هذا السِّياق؟ ؛لأنَّ الدِّلالة اللُّغَوية واضِحَة جداً معنى (تُحرِّمُوا) ومعنى (الطَّيبات) واضح، لكن مَا هي الطَّيبات؟ فهذه قضيِّة خارج النَّص لا تُؤخَذ من المُفردة نفسها وإنما تُؤخذ من مصدرٍ آخر فتأتي قضية بيان الشَّريعة  إمَّا من القُرآن ، وإمَّا من السُّنة ، وإمَّا من الإِجماع، وغير ذلك .
قراءة من كِتاب "كلماتِ القُرآن" : لا يُؤاخذِكُم اللهُ بالحَلِفِ الذِّي تَعتقدون صِدقَهُ، والأَمرُ بِخلافِه أو ما يَجري على اللِّسَان مِمَّا لا يُقصَد به اليَمين،ولكن يُؤاخِذكُم بما وثقتُمُوها بالقَصد والنِّية فكفَّارَتُهُ إطعامُ عشرةِ مساكينَ من أوسطِ ما تُطعِمُونَ أَهلِيكُم أو كِسوَتُهُم أو تحريرُ رقبةٍ فَمَن لَم يَجِد فصيامُ ثلاثةِ أيَّام ذلكَ كفَّارةُ أَيمانِكم إذا حَلفتُم واحفظوا أَيمانكم كذلك يُبيِّن الله لكم آياته لعلَّكُم تَشكُرُون.
 تعليق الشِّيخ : قولُهُ (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) إذاً المُفَسَّر عندنا الآن قولُهُ (بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) فاللَّــغو: أن يَحلِف عَلى شَيءٍ يَعتقد صِدقَهُ والأمر بِخلافه،وهذا الأمر رَاجِعٌ إلى نِيَّتِــــه بحيث يَعتقد أنَّه صَادق في هذا، ولكنَّ الوَاقع خِلافُه، أو ما يَجري على اللِّسان مِمَّا لا يُقصَد به اليَمين،وهَذا يَكثُر فمثلاً تقول (لا والله) (بلى والله) كما قالت عَائِشة رضي الله عنها "وهو قولُ الرَّجل :لا والله ، وبَلى والله، وأمثالها". فهذا كثير يُسمَّى لَغـوّ أيّ لا معنى له،ولا يُعقَد عَليه أيّ شيء. (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ) أيَّ:وثقتُمُوها بالقَصدِ والنِّيَة، فإذا قلت (لا والله) وأنت قاصِدٌ الحَلف فيكون هذا إذاً يَمين، ولكن إذا قلت (لا والله ما رأيتُه اليوم)، وأنت لا تَقصد الحَلف وإنَّما هو ممَّا يَجري على اللِّسان فهذا يُسمى لَغو يَمين، فإذاً افترق لغُو اليَمين عن غيره بقضيِّة النِّـــــيـــة والقَـــصد. فإذا نَظرنا إلى النَّص يَتبيَّن لنا المعنى العام للآية.فكأنَّ الدِّلالة اللُّغوية هنا تَبيَّنَ بها المَعنى تبيُّنًا كَامِلاً لا نحتاج فيه إلى مَصدر آخر، لكن أحياناً تتبيَّن الدِّلالة اللُّغوية ولكن نحتاج أيضاً إلى مصدر آخر لنبحث عن المُراد، ما المراد به في هذا السِّياق؟ هنا عندنا تَبيُّنٌ كَامِل للدِّلالة من جِهَة، وللدِّلالة السِّيَاقية من جهة أخرى.
قِـراءة من التَّفسير المُيسَّر( التّفسير الإجمالي) : "يَا أيُّها الذِّين آمنوا إنَّما الخَمرُ والمَيسرُ والحِجارةُ التِّي حَولَ الكَعبة تُعظِّمونها والأقداح التي تَطلبُون بها عِلمَ ما يُقسَّمُ لكم خبيثٌ قَذِرٌ نجسٌ من عَمَلِ الشَّيطان فاجتنبوه لعلَّكم تُفلحون. إنَّما يُريدُ الشَّيطانُ أن يُوقِعَ بينكم العَداوةَ والبَغضاء في الخَمر والمَيسِر ويَصُدَّكُم عن ذكر الله وعن الصَّلاة فهل أنتم مُنتَهُون.وأَطِيعوا الله وأطيعوا الرَّسُول واحذروا فإن تولَّيتم فاعلموا أنَّما على رسُولِنا البلاغُ المُبين.ليس على الذِّين آمنوا وعملوا الصَّالحات إثمٌ وحَرَجٌ فيما شَرِبُوا أو أَكلُوا المُحرَّم قبل تحريمه إذا ما اتَّقوا وآمنوا وعملوا الصَّالحات ثُمَّ اتَّقُوا وآمنوا ثم اتَّقُوا وأَحسَنُوا والله يحب المُحسنِين. يا أيُّها الذِّين آمنوا لَيَختبرنَّكم ويمتحننَّكم بشيء من الصَّيد تَنالُه أيديكم ورِماحُكُم ليِعلمَ اللهُ من يَخافُهُ بالغَيب فمن اعتدى بعد ذلك فَلَهُ عذابٌ أليم. يا أيُّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصَّيد وأنتُم مُحرِمُون بِحَجٍّ أو عمرة ومن قَتَلَهُ منكم مُتعمِّدًا فجزاءُ مثلُ ما قتل من الإبل، والبقر،والضَّأن، والمَاعِز. يَحكُمُ بِهِ ذَوى عَدلٍ منكم هَديًا واصِلَ الحَرَمِ فيَذبح به أو كفارةٌ طعامُ مساكينَ أو مُعادِلَ الطَّعامِ ومقابُلُه صِياماً، لِيَذُوقَ ثِقلَ فِعلِه وسوءَ عاقبةَ ذَنبِه، عفا الله عما سَلَف ومن عادَ فينتقم الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام. أُحِلَّ لكم صيدُ البحر وطعامُهُ متاعاً لكم وللمُسَافِرين وَحُرِّمَ عَليكم صيدُ البَرِّ مادُمتم حُرُماً واتَّقوا الله الذِّي إليه تُحشرون".
 تعليق الشيخ : عندنا الآن المَقطع الأوَّل، وبعضُ المُفردات التي احتاجت إلى بَيَان -كَمَا قُلتُ لكم هذا بناءً على كتاب (كَلِمَات القُرآن) للشِّيخ حَسَنِين مَحمَّد مَخلُوف -رحمه الله- ولو رَجَعنا إلى كتابٍ آخر في غريب القرآن واعتمدناه قد يزيد عندنا كلمات، ويَنقُص كلمات. وكما قلنا قضيِّة الغَريب نِسبية، وهذه فائدة نستفيدُها في أنَّ كُلَّ واحدٍ منَّا لو احتاج أن يَعرِفَ الغريب،فالغَريب الذِّي عندك، غير الغريب الذِّي عند فلان، فتحتاج إلى أنّك تُقيِّد ما هي الألفاظ الغريبة عندك . فمثلاً: كلمة: (لَنبلونَّكم) – وإن كان من رأيي ألا نَضعها- لأنَّها صارت كلمة معروفة ومُتداولة. فمعنى: (لنبلونَّكم) أيّ :لنختبرنَّكم أو ليمتحنَّنكم. لكنَّ الشِّيخ - رحمه الله تعالى – وضَعَها،ونحن وضَعناها بناءً على وَضعِهِ فقط،وإلا كانت (قِسِّيسينَ ورُهباناً) -بالنَّسبة لي- أولى أن تُبيَّن من أن تُبين كلمة (لَنَبلُونَّكم) مثلاً. فإذاً صَارتِ المَسألة هنا عندنا نسبية في قَضيِّة دِلالة الألفاظ.
 السُّؤال الآن الذِّي نحتاج إليه وتأخذونه كتفكير، وواجب فيما بعد : مَا مِقدَار فَهمُكَ للآيات من خِلال تَبيُّن هذه المُفردات ؟ فَتَضعها عندك وتنظُر هل تَبيَّن المَعنى أولم يتبيَّن؟ تنظُر كم نسبة تبيُّن المعنى عندك؟ ثُمَّ بعد ذلك إذا جِئنا إلى الدَّلالات السِّياقية التي سَنقرأها الآن – إن شاء الله - من خلال التَّفسير المُيَّسَر تنظُر حينما تقرأ مع هذه المُفردات لأننَّا سنقرأ آية آية،هل استوعبت الآن المعنى من جهة الأَلفاظ ومن جهة السِّياق أو لا؟
 نأخذ نموذجاً في الآية الأولى من خلال التَّفسير المُيَسَّر :
 آية ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً ) "لَتجِدَنَّ - أيُّها الرَّسول- أشدَّ النَّاس عداوةً للذِّين صَدَّقوك، وآمنوا بك، واتَّبعوك, اليهودَ; لِعنادهم, وجُحُودِهِم, وغَمطِهِم الحقّ, والذِّين أشركوا مع الله غيره, كَعبَدة الأوثانِ وغيرهم, ولَتِجِدنَّ أقربَهُم مودةً للمُسلمين الذِّين قالوا: إنَّا نصارى , ذَلِكَ بأنَّ منهم عُلماءَ بِدينهم مُتزَهدِينَ، وعُبَّادًا في الصَّوامِع مُتَنسِّكِين, وأنَّهُم مُتواضِعُونَ لا يَستكبرون عن قَبُول الحقّ, وهَؤلاء هُمُ الذِّين قَبِلوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, وآمنوا بها".
 تعليق الشيخ: لاحِظُوا الآن لَو أَردنا أَن ننظُر في طَريقة التَّفسير الذِّي هو المعنى الإجمالي ، لمَّا قَالَ (لَتِجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاس عَداوةً) أضافُوا لنا "أيُّهَا الرَّسُول" على أنَّ المخاطب أولاً بهذا القرآن هو محمد صلى الله عليه وسلم ،(أشدَّ النَّاس عداوةً للذِّين آمَنُواْ) قال "صَدَّقوك، وآمنوا بك) فأضافوا لفظة التَّصديق للإشارة إلى أنَّ أصلَ الإيمان هو التَّصديق، (اليهود) وبيَّنَوا السَّبب الآن "لِعِنَادِهِم، وجُحُودِهم، وغَمطهم الحقّ" والذِّين أشركوا مع الله غيره، فَبَيَّنُوا معنى الإشراك "كَعَبَدة الأَوثان وغيرهم" (وَلَتَجِدَنَّ أقربهم مودةً للذِّين آمنوا) للمِسلمين،هُم قالوا هُنا كأنَّه تفريقٌ للتَّفسير فقط، "الذِّين قَالُوا إنِّا نَصَارى ذلِكَ بأنَّ مِنهُم عُلماءَ بِدينهم مُتزهِدِين" فبيَّن لنا الآن معنى القِسِّيسين وهُم العُلماء، والمُتَزهِدِّين العُبَّاد الذّين هُم الرُّهبَان. مُتزهدِّين وعبَّادًا في الصَّوامِع مُتنَسِّكِين،وأنَّهم مُتواضِعُون لا يَستكبرون عن الحَقّ وهؤلاء هُمُ الذِّين قَبِلُوا رِسَالةَ محمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا بها، بناءً على هذا التَّفسير الجُملي يَتَبيَّن لنا المعنى . فظهر لنا المعاني اللَّفظية (غريب القرآن) والمعاني السِّياقية، والرَّوابط أو المَحذوفات التِّي في النَّص أيضاً أَضَافُـوها بحيث اكتمل عندنا الآن من خِلال النَّظر في هذا السِّياق (المعنى الجُملي أو المَعنى الكامل) لهذه الآية. ولاحِظُوا الآن أنَنَّا نتكلَّم عن التَّفسير الذِّي هو بَيانٌ للمعاني، ولا نتكلَّم عن ما وَرَاءَ التَّفسِير، إنَّما هُو الآن ما هو المَعنى الذِّي أراده الله، وكثيراً ما أُنبِّه على أنَّ هذه القضية مع الأسف مع أَهميتها البَالغة إلا أنّ من يطلب علم التفسير يَغفَل عن هذه المرحلة، هَذِه المَرحلة هي المُبتدأ، وهي المُنتهى. فهي المبتدأ من ناحية أننَّا أخذنا نتيجة ممَّا عَمِله مَن قبلنا، وأَخذنا الثَّمرة عندهم، وأخذنا المَعاني وانتهينا، فهي بِالنسبة لنا الآن مُبتدأ، وإذا تقدَّمنا في علم التفسير شيئًا بعد شيء ستكُون قضية المُبتدأ هذه، هي المُنتهى مرة أخرى،بمعنى: أننَّي حينما أطِّلع على خِلافات المُفسِّرين فأنا الآن سأُعالِج التَّفسير،وخِلافات المُفسِّرين وقد أَصِل إلى معنىً غير المَعنى الذي اختاره هؤلاء. ففي أوَّل الأمر أنا لأنه ليس لَديَّ بضاعةٌ في التفسير، آخُذ ما انتهى إليه من كَتَبَ واختصر في التفسير، فإذا قَوِيَ عُودِي في التَّفسير، وعَرفتُ مَناهج المُفسِّرين، وعرفت منهج التفسير، وعرفت كيفية التَّعامل مع اختلاف المُفسِّرين، يُمكن أن أُرجِّح فيما ما رَجَّح هَؤلاء فيَتغيَّر عِندي المَعنى. وهذا بإذن الله في اللِّقاء الأخير لعلنا نذكر مثالاً يتبيَّن فيه الخِلاف بين المَعاني في قضيِّة الاختيار، فإذاً قضيِّة المعنى، وتحرير المَعنى هي المُبتدأ وهي المُنتهى في علم التّفسير،وبعض طُلاَّب عِلمِ التَّفسير يَجهل هَذِه القضيِّة فَيَبحث دائماً عن الغَرائِب، والمُشكِلات، واللَّطائف والنِّكات ويَـنسى هَذِه القَضِيَّة، فإذا قلتَ له بيِّن لنا المَعنى تَجِدهُ لا يستطيع أن يُـوضِّح المَعنى تَوضيحاً تامَّاً، صحيح أنَّه ليس في كُلِّ القُرآن لكن في بعض المَواطن خاصَّة إذا كانت مَواطن شَائِكة تحتاج إلى إبراز المَعنى بطريقةٍ بالكتابة، أو التَّعبير، فتحتاج إلى نَوع من احتراف في اختيار الأَلفاظ، ولِبَيَان المعاني.
 قراءة من التّفسير المُيسَّر: آية (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) "ومما يَدُلُّ على قُربِ مَودَّتِهِم للمسلمين أنَّ فريقًا منهم وهُم وفدُ الحَبَشَة لمَّا سَمِعُوا القُرآن فَاضَت أعينُهُم من الدَّمع فَأيقَنُوا أنَّه حَقٌّ مُنزلٌ من عِند الله تعالى, وصَدَّقوا بالله واتَّبعوا رسوله, وتضرَّعُوا إلى الله أن يُكرِمهُم بِشَرف الشَّهادة مع أمَّة محمد عليه السَّلام على الأمم يوم القيامة".
تعليق الشيخ : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) كأنّه يقول أن الآية هذه هي نتيجة للآية السَّابقة أو دليلٌ عليها، أن مما يَدُلُ على قُربِ مودَّتهم للمسلمين، يعني قُرب هؤلاء النَّصارى للمُسلمين أنَّ فريقاً منهم وليسَ كُلَّ النَّصارى، وإنَّما بعضُ النَّصارى إذا سَمِعُوا ما أُنزل على الرَّسول صلى الله عليه وسلم فاضَت أعينُهم من الدَّمع، وضَربُوا لهُم نَموذجاً بأهل الحبشة ولهذا قال وصَدَّقوا بالله، واتَّبعوا رسُولَه، وتضرَّعُوا إلى الله، بأن يُكرمهم بِشَرف الشَّهادة مع أمة محمد عليه الصّلاة والسَّلام، وعلى الأُمم يوم القيامة.
 السُّؤَال الآن : هل بقي في النَّص شيءٌ نَشعر أنَّه يحتاج إلى بيان من جهة المعنى ؟ لا.
 قال هنا (بعض) لِكَي يُخرِج لفظة (أنَّ فريقا منهم) لعلَّنا نذكرها في الفوائد إن شاء الله، نَعم هي تُشكل قضيّة أنَّ النَّصارى الآن أعداء، ومنذ أن ابتدأ الإسلام وأعداؤُه الحَقيقيون هُمُ النَّصارى، أو الذِّين استمروا معهم في العَدَاء.
 قراءة من كتاب كلمات القرآن : آية (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) تفسيرها: قالوا: وأيُّ لومٍ علينا في إيماننا بالله, وتصديقنا بالحقّ الذِّي جاءَنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عندالله, واتِّباعنا له, ونرجُو أن يُدخلنا ربُّنا مع أهل طاعته في جنَّته يوم القيامة، فجزاهُمُ الله بما قالوا من الاعتزاز بإيمانهم بالإسلام, وطَلبِهم أن يكونوا مع القوم الصَّالحين, جناتٍ تجري من تَحت قُصُورها، وأشجارها الأنهار, ماكثين فيها لا يخرجُون منها, ولا يُحوَّلون عنها, وذلك جَزاء إحسانهم في القَول والعمل.
تعليق الشيخ : فقط هنا نقف عند قوله "ماكثين فيها" لاحِظُوا الآن بناءً على النَّص الذي عندنا، فالشِّيخ حسنين –رحمه الله - لم يتعرَّض لقول (خالدين) وهُنا الآن قالوا (ماكثين) فكأنَّهم فَسَّرُوا الخُلُود بالمُكُوث فهذا لاشَكّ أنَّه نوع من الإضافة. فإذا نظرنا من جهة المعنى هل بقيَ شيءٌ في الآية تُحِسّ أنَّه مازال غامضًا من جهة المَعنى وليست من جهة المُشكلات مثل ما ذَكر الأخ في قضية النَّصارى، نجد الآن النَّصارى فيهم إشراك،وفيهم عَداوة، هَذه مسألة ليست في بيان المَعنى مُباشرة لأنَّ المعنى الآن: أنَّ الله سُبحَانه وتعالى يُخبِر أنَّ بعض النَّصارى فيهم هذه الصِّفة وسنأتي إلى البعض الآخر،عندما نتكلَّم عن قضية مسائل الآية أو الفوائد المتعلَّقة بالآيات.
 قراءة من التّفسير المُيسَّر -التَّفسير الإجمالي- : (والذِّين جَحَدُوا وَحَدانية الله،وأنكروا نُبوّة محمد صلى الله عليه وسلم,وكذَّبوا بآياته المُنزَّلة على رُسُلِه,أولئك هم أَصحاب النَّار المُلازمون لها).
 تعليق الشِّيخ : عندنا (المُلازِمُون لَها) أخذوها من لفظة أصحاب؛ لأنَّ الصَّاحب هو المُلازم فإذًا عبَّروا عن الأصحاب بالمُلازِمُون.في الأولى عند ذكر أهل الجنَّة قال (خَالدين فيها أَبداً) فعبَّروا عن الخُلود بالمُكوث ،والأصحاب هنا: باللُّــزوم ؛ فأخذوا من لفظة الأصحاب دلالة اللُّـــزُوم،وأَخَذوا من لفظة الخُلُود دلالةَ المُكوث.
قراءة من التّفسير المُيسَّر -التّفسير الإجمالي- : يَا أيُّها الذِّين آمنوا لا تُحرِّموا طيِّبات أحلَّها الله لكُم من المَطاعم، والمَشَارِب،ونِكاح النِّساء فتُضيِّقُــوا ما وسَّع الله عليكم، ولا تتجاوزُوا حُدودَ ما حرَّم الله إنَّ الله لايُحِبُّ المُعتدين.
تعليق الشيخ : هذا أشبه ما يكون تفسيراً لفظيِّاً، ليس فيه أيُّ إضافة، فالآية هي نفسُ المَعنى لكن هم أضافوا فقط طيِّباتٍ أحلَّها الله لكم (من المَطاعِم، والمَشارب) فأضافوا أنواع الطَّيبات في النَّص .
 قراءة من التَّفسير المُيسَّر -التّفسير الإجمالي- : وتمتَّعُوا - أيُّها المُؤمنون- بالحَلال الطَّيِّب ممَّا أَعطاكم الله وَمَنحكُم إيَّاه, واتَّقُوا الله بامتثال أوامره,واجتناب نواهيه; فإنَّ إيمانُكُم بالله يُوجِب عليكم تقواه ومراقبته. لا يعاقبُكُم الله - أيُّها المُسلِمُون- فيما لا تَقصدون عَقْدَه من الأيمان, مثل قول بعضكم: (لا والله)،(وبَلى والله) ولكن يُعاقبكُم فيما قصدتَم عَقدَه بِقُلوبِكُم, فإذا لم تَفُوا باليمين فإثم ذلك يمحوه الله بما تُقدِّمونه مما شَرَعه الله لكم كفارةٌ من إطعام عشرة محتاجين لا يملكون ما يكفِيهم ويَسدَّ حاجتهم ، لكل مسكينٍ نصفُ صاع من أوسط طعام أهل البلد, أو كسوتهم, لكل مسكين ما يكفي في الكِسوة عُرفًا, أو إعتاقِ مملوك من الرِّق, فالحالف الذِّي لم يَفِ بيمينه مُخيَّر بين هذه الأمور الثلاثة, فمن لم يجد شيئًا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام. تلك مُكفِّراتُ عدم الوفاء بأيمانكم, واحفظوا - أيُّها المسلمون- أيمانكم باجتناب الحلف, أو الوفاء إن حلفتم, أو الكفارة إذا لم تَفُوا بها. وكما بيَّن الله لكم حكم الأيمان والتَّحلل منها يُبيِّن لكم أحكام دينه; لتشكروا له على هدايته إيَّاكم إلى الطَّريق المُستقيم.
 تعليق الشيخ : (أو) هذه للتَّرتيب أو للتَّخيير فأيُّها فَعلت فقَد وفَّيت في كَفَارة الحَلف.
لاحظوا الآن هذا في الحقيقة نموذج من النَّماذِج التي تَدُل على حسن الصياغة، وإبراز تمام المعنى فعلى وجازة التَّعبير تَجِد أن هذا نموذج من نماذج التفسير المُتقَنَة المُحرَّرة بحيث أنك إذا قرأت يتبيَّن لكَ المعنى تامَّاً. لاحظوا في قوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) لو نظرَنَا الآن إلى الدِّلالة اللُّغوية نجد أنا عندنا دلالة موجزة قد يكون الشِّيخ حسنين ذكَر نوع لم يَذكروه هم لكن في النهاية ما ذكروه مُتكامل من جهة صياغة المعنى، بحيث أنّ أيّ قارئ يقرأ هذا النّص يجد أن المعنى عنده متكامل ويَفهم مُراد الله سبحانه وتعالى ، ( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) ما هو لغو اليَمين ؟ -بناءَ على ما ذكروه- قال فيما لا تقصدون عقده من الأيمان مثل قول بعضكم : لا والله، وبلى والله وتَركُوا النوع الأول من اللّغو الذي ذكره الشيخ : قال ولكن يعاقبكم فيما قَصدتُم عقدَه بقلوبكم، هذا الآن ما يؤاخِذ به الله سبحانه وتعالى ،الآن إذا قرأنا هكذا أصبح المعنى واضحاً جِدّاً،ثم قالوا : "فإذا لم تُفُوا باليمين فإثمُ ذلك يمحوه الله بما تُقدِّمُونه ممَّا شَرَعَ الله لكم كفارة إطعام عشرة محتاجين". لاحظوا الآن فَسَّروا (المساكين) قَال عشرة مُحتاجين لا يملكون ما يكفيهم ويسُّدُ حاجتهم وهذا بيان لمعنى المسكين ، لكل مسكين نصف صاع من أوسط طعام أهل البلد من أوسط ما تطعمون أهليكم بيَّنُوه لنا, (أو كسوتهم) لكل مسكين ما يكفي في الكِسوة عُرفًا أيّ ما تعارف عليه الناس, أو إعتاق مملوك من الرِّق, فالحالف الذي لم يفِ بيمينه مخيَّر بين هذه الأمور الثلاثة بينوا أن " أو" هنا للتخيير, لكن هنا لك مجال أن تُبدع في قضية التعبير، كيف؟ الآن لو جئنا إلى "فالحالف الذي لم يفِ بيمينه مُخيّر بين هذه الأمور الثلاثة" الجملة هذه يمكن واحد يُبدع في أنّه يجعلها في مكان آخر فمثلاً لما نأتي (فهو مخيَّرٌ في الكفارة أن يُطعم عشرة مساكين إلى آخره) بحيث أنك اخترت العبارة وبيّنت المعنى أيّ اختصرت العبارة وبينت المعنى، لكن هم لأنَّهم اجتهدوا في أن يكونوا مرتبطين بالنص القرآني تركوها في هذا المكان وجاءت بهذا الطُّول لكن الذِّي سيفسر تفسيرا إجماليا ولم يرتبط بجُمل الآيات فيمكن أن يختصر هذه العبارة بسطر يأخذها بكلمتين بحيث أنّه يختصر التعبير ويكون قد أدّى المعنى كما قلت لكم ممَّا شرع لكم فهو مخير في الكفارة من إطعام عشرة مساكين إلى آخره يكون تبيَّن أيضًا المعنى . بعد ذلك ذكروا في خاتم الآية وكما بيَّنوا لكم إلى آخره ، المقطع الذي يجب أن ننتبه له دائما وهذه فائدة ننتبه لها: أنَّ أحكام الله سبحانه تعالى دائمًا فيها تعليل خصوصًا قضية الأحكام الشرعية وهذا الجانب -يعني الأحكام الشرعية- جانب مهم يُنتبه له لعلنا نأتي إليه في الفوائد في أن الله سبحانه وتعالى حينما يأتي بالقضايا الشرعية يربطها في كثير من الأحيان بأسمائه أو بعض صفاته يعني يكون مربوطًا بالإيمان لأنَّ المقصود الكُلِّي من الأعمال هو تحقيق الإيمان التام والعبودية التامة لله سبحانه وتعالى ولهذا نجد كثيرا أنَّ هذه الأحكام الشرعية تُربَط بأسماء الله تعالى أو ببعض صفاته ولعلنا نقف عندها إن شاء الله من خلال حديثنا عن بعض الفوائد بإذن الله .
قراءة من كتاب كلمات القرآن:  يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إنَّما الخمر: وهو كل مسكر يغطي العقل, والميسر: وهو القمار, وذلك يشمل المراهنات ونحوها, مما فيه عِوض من الجانبين, وصدٌّ عن ذكر الله, والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها, وما يُنصب للعبادة تقربًا إليه, والأزلام: وهي القِداح التي يَستقسم بها الكفار قَبل الإقدام على الشيء, أو الإحجام عنه, إنَّ ذلك كله إثمٌ مِن تزيين الشَّيطان, فابتعدوا عن هذه الآثام, لعلكم تفوزون بالجنة.
 تعليق الشيخ : أيضًا هذه من الأمثلة الجيِّدة في قضية بيان المعنى، وإضافة قضايا للدلالات. لاحظوا الآن في التفسير اللَّفظي قال: والحجارة التي حول الكعبة تعظمونها، والأقداح التي تطلبون بها علم ما يُقسَم لكم (خبيث قذر نجس) لكن أنت قد ما تكن تعرف فكرة الأقداح هذه ماهي؟ الميسر كيف طريقته ؟ في هذا البيان الآن سيكون أكثر إيضاحًا أمامك لأنه هنا قال لك بعد ما ذكر الخمر والميسر الذي هو القمار الذي يشتمل على المراهنات إلى أن قال والأنصاب قال وهي الحِجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها هذا نوع من أنواع الأنصاب وما يُنصب للعبادة تقربًا إليه يعني الأصنام التي تنصب للعبادة أو الأحجار التي تُنصب للعبادة كل هذه أنصاب ففسَّر لنا الحجارة هذه ، قال بعد ذلك والأزلام وهي الأقِداح التي يَستقسم بها الكُفَّار قبل الإقدام على الشيء أو الإحجام عنه يعني هي ماذا؟ أزلام كانوا يُدخلونها في كيس ثم يٌدخل يده ويُخرج منه فإذا خرج له اذهب ذهب وإذا خرج له لا تذهب لا يذهب ، هو نوع من التَّشاؤم والطيرة فالله سبحانه وتعالى حرَّم هذا العمل فهُم الآن يأخذون قِسمتهم -يعني قَدَرَهم- بهذه الطريقة يعني يستكشفوا و يستشفوا القَدر بهذه الطريقة التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها وبيَّن أنها كُلَّها من تزيين الشيطان، قال :فابتعدوا عن هذه الآثام, لعلَّكم تفوزون بالجنة فبيَّنوا معنى الفلاح أنه الفوز بالجنة.
قراءة من التّفسير المُيَّسر : إنَّما يُريد الشَّيطان بتزيين الآثام لكم أن يُلقِيَ بينكم ما يُوجد العَداوة والبغضاء, بسبب شُربِ الخمر ولعبِ المَيسر, ويصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة بغياب العقل في شرب الخمر, والاشتغال باللَّهو في لعب الميسر, فانتهوا عن ذلك وامتثلوا -أيها المسلمون- طاعة الله وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما تفعلون وتتركون, واتقوا الله وراقبوه في ذلك, فإن أعرضتم عن الامتثال فعملتم ما نُهيتم عنه, فاعلموا أنَّما على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين. ليس على المؤمنين الذِّين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك، إذا تركوها واتَّقُوا سخط الله وآمنوا به وقَدَّموا الأعمال الصالحة التي تَدُلَّ على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله -عز وجل- وإيماناً به حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه وكأنهم يرونه وإن الله تعالى يُحبّ الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة . يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه, ليبلونكم الله بشيء من الصيد يقترب منكم على غير المعتاد حيث تستطيعون أَخْذَ صغاره بغير سلاح وأخذ كباره بالسلاح; ليعلم الله علمًا ظاهرًا للخَلق الذين يخافون ربهم بالغيب, ليقينهم بكمال عِلمه بهم, وذلك بإمساكهم عن الصَّيد, وهم مُحرمون. فمن تجاوز حَدَّه بعد هذا البيَان فأقدم على الصيد -وهو مُحْرِم- فإنه يستحق العذاب الشديد. يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تقتلوا صيد البَرِّ, وأنتم محرمون بحج أو عمرة, أو كنتم داخل الحرم ومَن قتل أيَّ نوعٍ من صيد البرِّ متعمدًا فجزاء ذلك أن يذبح مثل ذلك الصيد من بهيمة الأنعام: الإبل أو البَقر أو الغنم, بعد أن يُقَدِّره اثنان عدلان, وأن يهديَه لفقراء الحرم, أو أن يشتري بقيمة مثله طعامًا يهديه لفقراء الحرم لكل مسكين نصف صاع, أو يصوم بدلا من ذلك يوماً عن كل نصف صاع من ذلك الطعام, فَرَضَ الله عليه هذا الجزاء; ليلقى بإيجاب الجزاء المذكور عاقبةَ فِعْله. والذين وقعوا في شيء من ذلك قبل التحريم فإن الله تعالى قد عفا عنهم, ومَن عاد إلى المخالفة متعمِّدًا بعد التحريم, فإنه مُعَرَّض لانتقام الله منه. والله تعالى عزيز قويٌّ منيع في سلطانه, ومِن عزَّته أنه ينتقم ممن عصاه إذا أراد لا يمنعه من ذلك مانع. أحل الله لكم -أيها المسلمون- في حال إحرامكم صيد البحر وهو: ما يُصاد منه حيًّا, وطعامه: وهو الميت منه; من أجل انتفاعكم به مُقيمين أو مسافرين, وحرَّم عليكم صيد البَرِّ ما دمتم محرمين بحج أو عمرة. واخشوا الله ونَفذُّوا جميع أوامِره, واجتنبوا جميع نواهيه; حتى تظفَروا بعظيم ثوابه, وتَسْلموا من أليم عقابه عندما تُحشرون للحساب والجزاء.
 لعلنا نقف عند هذا إن شاء الله ونكمِل إن شاء الله في اللِّقاء القادم وسنستمر على هذا المنهج ثم نختِم إن شاء الله كما ذكرت لكم ببعض الأمثلة التي نننتقل فيها إلى قضية التطبيق في استخراج أو تحرير المعنى ،الفكرة كما ذكرت لكم هي بيان الغريب من جهة وبيان المعنى السياقي من جهة ولعلَّنا في اللِّقاء القادم نكمل هذا بإذن الله تعالى.

 المجلس الثاني: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العَالمين،والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ،نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وقفنا عند الآية (السَّادسة والتسعين) من سورة المائدة وأخذنا ما فيها من الغريب والمعنى الإجمالي ونكمل الآن المقطع الثاني ونأخذ ما فيه من الغريب والمعنى الإجمالي .
 قراءة من كتاب كلمات القرآن : بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيم.. والصلاة والسلام على أَشرَفِ خَلقِ الله أجمعين،اللهم اغفر لنا ولشيخنا أجمعين . تفسير الآية السابعة والتسعين جعل الله الكعبة جميع الحرم وهو المراد بالكعبة قِوامًا لمصالحهم ديناً ودنيا والأشهر الحرم الأربعة وما يهدى من الأنعام إلى الكعبة وما يُقلد به الهدي علامة له ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم .
 تعليق الشيخ : الآن سُنمازِج بين الآية في الغَريب والآية في التَّفسير المُيَسَّر وكما ذكرتُ لكُم الغريب هذا من كتاب "كلمات القرآن " لحسنين محمد مخلوف رحمه الله تعالى.
 جعل الله الكعبة قياماً للنَّاس بيَّن لنا أنَّ الكعبة ليس المراد بها الكعبة فقط بل المُراد الحَرَم طبعاً هذا فيه خلاف ، ثم قال قياماً أي قواماً لمصالحهم :أي مصالح الناس ديناً ودنياً يعني أن القيام والقوام في مصالح الدِّين والدُّنيا ، ثم ذكر والشَّهر الحرام أي أنه جنس الشَّهر الحرام وليس شهراً واحد لأنَّ الأشهر الحُرُم هي أربعة فإذًا قال الشهر الحرام كأنَّ المراد أن ( أل) في الشهر الحرام أيّ جنس الشَّهر الحرام، والهدي أَيّ ما يُهدَى من الأَنعام إلى الكعبة ، وما يُقلَّد به الهدي علامة القلائد التِّي هي القلائد إلى آخر الآية. هذا بالنسبة لنا لو تأمَّلناه يُعطِينا الآن يُمكن أن نقول نسبة ثمانين بالمائة من وضوح المعنى أو أَكثَر. نأخذ التفسير الإجمالي لها وننظر تمام المعنى بعد ذلك.
 قراءة من التَّفسير المُيسَّر -التفسير الإجمالي- : اِمتنَّ الله على عِباده بأن جَعل الكعبة البيت الحرام صلاحًا لدينهم, وأمنًا لحياتهم; وذلك حيث آمنوا بالله ورسوله وأقاموا فرائضه, وحرَّم العدوان والقتال في الأشهر الحُرُم (وهي ذو القعدة وذو الحِجَّة ومُحرَّم ورجب) فلا يعتدي فيها أحد على أحد, وحرَّم تعالى الاعتداء على ما يُهدَى إلى الحرم من بهيمة الأنعام, وحرَّم كذلك الاعتداء على القلائد وهي ما قُلِّد إشعارًا بأنه يُقصَد به النُّسُك; ذلك لتعلموا أنَّ الله يعلم جميع ما في السَّموات وما في الأرض ومن ذلك ما شَرعه لحماية خلقه بعضهم من بعض, وأنَّ الله بكل شيء عليم فلا تخفى عليه خافية.
تعليق الشيخ: أضيف عندنا الأشهر الحُرُم ما هي؟ فذكروا لنا أنَّها: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد، وواحدٌ فَرد وهو رجب،أيضاً ما ذكروه في الأَنواع الثَّانية كُلَّها مذكورة عند المُؤلف ففقط عندنا إضافة قد يقول قائِل ما هي الأشهر الحُرُم؟ فيكونوا بيَّنوا لنا الأشهر الحرم. بهذا نُلاحظ أنَّ البيان الآن عندنا بالنسبة لنا تمّ، هل بقي شيء في الآية يحتاج إلى بيان أو إضافة من جهة المعنى؟ طبعًا ليس هناك ما يحتاج إلى بيان معنى أو إضافة . لكن لاحظ مثلا لو قال قائل (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ) أنا أريد أن أبحث موضوع كون البيت الحرام قِيامًا للنَّاس ، كيف يكون قياماً للناس؟ وأن الله سبحانه وتعالى ربطَ حياة الناس ودينهم بهذا البَيت مع طبعًا مع ما نُشاهده من ضَعف المُسلمين فهذا يكون موضوع من خلال هذه الآية ،مهما استوعبت في مَوضوع هذه الآية واستوعبت في قضيِّة كون البيت قياماً للنَّاس فهذا شيء داخل في باب الاستنباطات والفوائد وليس في بيان المعنى مباشرةً وإنما سيدخل فيه باب من أبوب الاستنباطات الكثيرة في إظهار أنواع وأجناس كون هذا البيت قياماً للنَّاس في حياتهم وفي دينهم.
 قراءة من كتاب كلمات القرآن: اِعلموا أن الله شديد العقاب وأنَّ الله غفور رحيم وما على رسولنا إلا البلاغ المبين والله يعلم ما تبدون وما تكتُمون، قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله لعلكم تفلحون.
قراءة من كتاب التّفسير المُيسّر -التّفسير الإجمالي- : اعلموا - أيُّها الناس- أنَّ الله جل وعلا شديد العقاب لمن عصاه, وأن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب. يُبيِّن الله تعالى أن مَهمَّة رسوله صلى الله عليه وسلم هِدَايَة الدَّلالة والتبليغ, وبيد الله -وحده- هداية التوفيق, وأنَّ ما تنطوي عليه نفوس النَّاس مما يُسِّرُون أو يُعلنُون من الهداية أو الضَّلال يَعلمُه الله. قل أيُّها الرَّسُول: لا يستوي الخَبيث والطَّيب مِن كل شيء, فالكافر لا يُساوي المؤمن, والعاصي لا يساوي المُطيع, والجاهل لا يساوي العالم, والمُبتدع لا يُساوي المُتَّبِع, والمال الحرام لا يساوي الحلال, ولو أعجبك -أيُّها الإنسان- كثرةَ الخبيث وعدَدَ أهله. فاتَّقوا الله يا أصحاب العُقول الراجحة باجتناب الخبائث, وفِعل الطيبات; لتفلحوا بنيل المقصود الأعظم, وهو رضا الله تعالى والفَوز بالجنة.
 تعليق الشِّيخ: لاحِظوا المعنى عِندنا اتَّضح لكن يَبقى كما قُلتُ لكم يكون هناك مسائل مثلاً (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ) هذه قاعدة،وهذه القَاعدة وهذا النِّبراس مُهمّ جداً للمؤمن في حياته خاصَّة من يُنصِّب نفسه داعيةً إلى الله، إمَّا أن يَكون داعية إلى الله بالعِلم -أي العالِم-، أو يكون من يُصلِح بين النَّاس اجتماعياً ، أو من اُصطِلُح عليه اليوم باسم (داعية) من الوُّعَاظ وغيرهم ممَّن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى ، هذه القضِّية وهي ما على الرسول إلا البلاغ (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ) هي قضية مُهمة جدا لأنَّ فيها مَسَائل كثيرة جدًا، وخَلفها معاني بعض من يَتعاطَى الدَّعوة أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يغفل عنها . الآن (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ) مَا هِيَ مُهمَّتُك أنت في الدَّعوة؟ أَن تُوصِلَ هذه الدَّعوة إلى المَدعو، لكن إدخال هذه الدَّعوة في قَلب المَدعو فليست من خَصائصك أصلا. فإذا كان الرَّسول صلى الله عليه وسلم وهو الرَّسول صلى الله عليه وسلم وهو أشرف من وطء الأرض وكُلٌّ يتمنى رؤيته ولُـقياه رآهُ من رآه وكفر به ، فما بالُك بغيرهم من الكُّفَار الذين لم يروه فبعض النَّاس من شدة حرصه تجد أنه يُلزم المدعو ويُثقل عليه بدعوى أنه يدعوه إلى الله سبحانه وتعالى وهو في الحقيقة يستخدم أسلوب من أساليب التَّنفير وهو لا يَشعُر لأن إذا عرفت أنك ما عليك إلا البلاغ خلاص تُوصل رسالة يافلان هذا حكم الله وانتهى ،هو رجل كامل العقل له كامل التَّصرف إن أطاع فله الجنة وإن عصى فالله سبحانه وتعالى حسيبه فأنت لست مُطالَباً بما وراء ذلك. لأننَّا نستطيع أن نبيِّن للدُّعاة ما هو العمل الذين يقومون به ، هو قضيِّة البَلاغ فقط ، ما عدا البلاغ وهو إدخال الإيمان إلى القلب أو أَن يُضغَط على المَدعو في أنه يُلزم أن يفعل هذا ،هذا ليس من الواجبات عليك بل قد يكون من الصَدّ عن دين الله كما نعلم من خلال الوقائع لأنَّه ليس لأن معك الحق يَلزمُك أن تكون قاسياً وأن تكون شديدا وأن تكون عنيفًا بحيث تقول لا والله أنَّي معي الحق رغمًا عنك لابد أن تتَّبعني يعني بعض الناس هكذا طريقته في الدَّعوة ،مادام معي الحق -طبعًا هو يَدِّعي ذلك- فرغمًا عنك لابد أن تتبعني لماذا لا تطيع ؟ أنت تخالف سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، أنت مبتدع ويبدأ يُلقي عليه هذه التُّهم ولا هو يدري أنه أصلاً قد أخطأ في تَصوُّر المسألة وهذا يقع عند بعض من يَدعُو إلى الله سبحانه وتعالى.
أيضا لاحظ (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) كيف أنَّهم نوَّعوا لنا أنواع من الأعمال ، من الخبيث والطَّيب يعني مقابلات أي لا يستوي الجاهل والعالم ، لا يستوي المُبتدع والمُتِّبع ، لا يستوي المَال الحَلال والمَال الحرام ، فعندنا جانب من الخبيث وجانب من الطَّيب لا يمكن أن يستويان وهذا قد نصَّ الله عليه في كثير من الآية (لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) والواقع الذي نعيشه اليوم هو واقع كثرة الخبيث وكثرة أهله ،ولهذا التَّمسك بالقُرآن، وقراءة القرآن بتدبر ومحاولة معرفة تأثيره على القلب وتطبيقه في الواقع يُريح الإنسان كثيرا ، يريح المسلم لأنه عنده نبراس عنده شيء يَهديه عنده منارة يستنير بها . غيركم -يا أخوة- من الكفار ليس عنده أي شيء إن لم يعطيه الله سبحانه وتعالى عقلاً يحكمُه ويمنعه من بعض الأشياء وإلا فهو في ضلال والعقل لا يُعطي كل شيء -كما نعلم- ، فأنتم الآن أمامكم نبراس واضح جداً جداً ، تقرأ الآية وتعرف أنها تنطبق على مِئات الوَقائع الموجودة اليوم وأنت مُرتاح تعرف نتائج هذه الأمور تستطيع أن تجزم يقينًا أنَّ هَذا مُؤدَّاه كذا لماذا ؟ لأنَّ سنة الله سبحانه وتعالى كما أثبتها في القرآن هي هذه السُّنة "الباغي سَيَجِد جَزاءه وعقابه"، نجزم يقيناً أن من تعرَّض للمسلمين في هذه السنوات الماضية وأهلك ديار المسلمين بالقتل، والتشريد، والدَّمار، والضَّياع أن الله سبحانه وتعالى لن يتركه ، ونعلم يقينًا أننَّا سنرى شيئًا من ذلك فِيه وفي أهله بل وفي دَولته يقينًا ولكن من أين جئنا بهذا اليقين ؟ جئنا به من كتاب الله سبحانه وتعالى، فحينمَا نقرأ القرآن بهذا سنجد ولله الحمد والمِنَّة نبراس واضح جداً ليس عندنا فيه أَيّ مَجَال للشَّك إطلاقاً بل هو تمام الثِّقة لأنه كلام الله سبحانه وتعالى.
 قراءة من كتاب كلمات القرآن : "يا أيُّها الذِّين آمنوا لا تَسأَلُوا عن أشياء إن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وإن تَسألُوا عنها حين يُنزَّلُ القرآن تُبدَ لكُم عفَا الله عنها والله غفورٌ حَليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كَافرين. ما جعل الله من النَّاقة تُشَّقُ أذنها وتُخلَّى للطَّواغيت إذا وَلَدَت خمسة أبطن آخرها ذكر، ولا ناقة تُسيَّبُ للأَصنام لنحوِ بُرءٍ من مَرضٍ أو نَجاة في حَرب، ولا النَّاقةُ تُترَك للطَّواغِيت إذا بكَّرت بأنثى ثُمَّ ثنَّت بأُنثى ، ولا الفحل لا يُركَبُ ولا يُحمل عليه إذا لَقِحَ ولدُ وَلَدِهِ. ولكن الذِّين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا كَافِينا ما وجدنا عليه آباءنا ولو كان آباءهم لا يعلمون شيئًا ولا يَهتدون.
قراءة من التَّفسير المُيسَّر -التّفسير الإجمالي-: يا أيُّها الذِّين صَدَّقوا الله ورَسُولُه وعَمِلُوا بِشَرعِه لا تسألوا عن أشياء من أمور الدِّين لم تـُؤمَرُوا فيها بشيء كالسُّؤال عن الأمور غير الواقعة, أو التي يترتب عليها تشديدات في الشَّرع, ولو كُلِّفتموها لشقَّتْ عليكم, وإن تَسألوا عنها في حياة النّبي صلى الله عليه وسلم وحين نزول القرآن عَليه تُبيَّن لَكُم, وقد تُكلَّفُونها فتعجَزُون عنها, تَركَهَا الله مُعافيًا عبادِهِ منها. والله غفور لعباده إذا تابوا, حليم عليهم فلا يُعاقبهم وقد أنابوا إليه. إنَّ مثل تلك الأسئلة قد سألها قومٌ مِن قَبلكم رُسَلَهم, فَلمَّا أُمِروا بها جَحدوها, ولم يُنفِّذُوها, فاحذروا أن تكونُوا مثلهم. ما شَرَعَ الله للمُشركِين ما ابتدعُوه في بهيمة الأنعام مِن تَرْك الانتفاع ببعضِها وجعلها للأصنام, وهي: البَحيرة التي تُقطَع أُذُنُها إذا وَلَدَت عددًا من البُطون, والسَّائبة وهي التي تُترك للأصنام, والوصِيلة وهي التي تتصِّل ولادتُها بأنثى بعد أنثى, والحَامي وهو الذَّكر من الإِبل إذا وُلِد من صُلبِه عددٌ من الإبل, ولكن الكُفار نسبوا ذلك إلى الله تعالى افتراءً عليه, وأكثر الكافرين لا يَميزُون الحَقَّ مِنَ البَاطِل. وإذا قيل لهؤلاء الكفار المُحرِّمين ما أحل الله: تعالَوا إلى تَنزِيل الله وإلى رسوله ليتبيَّن لكُم الحلال والحرام, قالوا: يكفينا ما ورثناه عن آبائنا من قَول وعمل, أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم لا يَعلُمون شيئًا أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه, ولا يهتدون إليه؟ فكيف يتَّبعُونهم, والحالة هذه؟! فإنَّه لا يتبُّعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلا.
تعليق الشيخ: من الفوائد في هذا المقطع :لاحظوا في قول الله سبحانه وتعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ) هذه قضيَّة مرتبطة بما يُمكن أن نُسميِّه بأحوال العرب أوعادات العرب أو تاريخ العرب. لو نحن تأمَّلنا الآن وعَمِلنا استقراء بين المُتَشَّرعين -ممن لهم علاقة بالعِلم الشَّرعي- لو عملنا نوع من الأسئلة السَّريعة التي يُستكشَف بها مَدَى ثقافَة الشَّخص في قضِّيةٍ ما، سَتجد أنَّ عندنا ضَعفًا شَديدًا جداً في معرفة أَحوال العرب وهذا أنا أعتبره من النَّقص الذِّي يَجب أن يُتمَّم. لماذا؟ لاحظُوا أنَّ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ماذا يَقُول ؟ قال: (إنَّما بُعثتُ لأُتَمَم مكارم الأخلاق) فكيف أعرف أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم تمَّم مكارم الأخلاق وأنا لا أعرف ما هي الأخلاق التِّي كان عليها العرب من الأَخلاق الحسنة والأخلاق غير الحسنة،فالعَرب كان عندهم أخلاق حسنة وهي كثيرة جداً وكان عندهم أخلاق رَديئة، فالرَّسول صلى الله عليه وسلم جاء ليُتَمَّم مكارم الأخلاق ليس كما يُصوَّر أحيانًا عند بعض الكُتَّاب أنَّ العرب كانوا أهل جاهلية جهلاء وأنّهم كانوا يَفعلون وكان الواحد منهم يأتي إلى التَّمر فيَصنع منه إلهاً ثم يأكلُه،هذا نعم كان يُفعل عندهم وكان يفعله أفراد منهم لا نُنكر هذا، لكن ليست هذه هي الصُّورة الوحيدة لهم. تصوير أنَّ العرب كانوا كذلك فقط هذا تقصيرٌ في فَهم تاريخ العرب، وتقصيرٌ في فهم أيضاً مَا يَرتبط به من الآيات؛ لأننَّا نحن الآن أمام آيات تَحكي لنا البَحيرة، والسَّائبة، والوَصِيلة، والحَام، ولــــَو رجعتم إلى عُلماء اللُّغَة الذِّين يُتوَّقَع منهم أن يكون عندهُم معرفة بهذه الأمور ستجدُون خلافاً في تفسير هذه الكلمات ما هي. طبعا ًكَمَا تُلاحِظُون يُوجد تَقارُب في المعنى لكن أيضًا هناك خلاف في بعض هذه المفردات لا يمكن أن تعرف هذه إلا من خلال معرفة عادات العرب ومعرفة تاريخ العرب. هذا مَلحظ مُهمّ جداً ننتبه له كما ذكرت لكم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليُتَمَّم مَكارم الأخلاق فمعنى ذلك أنَّ العرب كان عندهم من مكارم الأخلاق الشَّيء الكثير ،فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم لتتميمه وليس كما يُصوَّر لنا أنَّهم في جاهلية جهلاء ، نعم في جاهلية في جزء من حياتهم لكن أيضاً كان عندهم خيرٌ يجب أن يكون عندنا عدل ونحن نُنَاقِش هذه القضية .
 قضية أخرى أيضاً مرتبطة بالآيات- وكما تُلاحظون نحن نأخذ مقاطع فقط- في قوله سبحانه وتعالى (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) الآن لمَّا جاؤا في التَّفسير الميسر يُبيِّنُون المَعنى في هذه الآية ماذا قَالُوا؟ لاحظوا العبارة "قالوا وإن تَسألوا عنها في حياة رسول صلى الله عليه وسلم" معنى ذلك أنَّ السُّؤال الآن عن القضية من جِهَة الشَّرع لا تَنطبِق عليها هذه الآية ، فلا يَأتي واحد مثلاً يسأل عن حُكم الله في قضية ما ويستدل مُستدِل بهذه الآية يقول (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ) لماذا؟ لأنَّ الوَحي انقطع، فَسُّؤال السَّائل عن القَضيِّة الشَّرعية حقّ ولا يَدخُل تحت هذه الآية ، لكن أحياناً -وهذه مَسألة أخرى- قد يَستشهد شخص بحالة ما بهذه الآية من بَاب مُشَابهة هَذهِ الحَالة لمعنى هذه الآية فقط: مثلاً: مُدرِّس يسأل مديره يا فلان يوم الأربعاء نحضُر أو لا نحضر -آخر يوم في الدَّوام وسلَّمنا الشَّهادات وكل شيء،طبعا المدير مسؤول فماذا يقول له ،يقول له أُحضر ،يعني لو سَكَت لسُكت عنه مثلا فيأتي مدرس آخر يقول :(لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) هذا الاستشهاد ،هذا الأسلوب صحيح لكن بشرط انطباق هَذِه الحادثة على المَعنى الذِّي جاء في الآية، وبِشَرط أيضاً ألا يكون في أمرٍ فيه هُزء أو في مَوطن فيه سُخرية أو هَزل ، ويكون فيه انطباق ومُقايسة .وهذا قد استخدمه السَّلف في غير ما موطن ، من الصَّحابة والتَّابعين وأتباع التابعين وغيرهم أي أنَّهم كانوا يستخدمون هذا الأسلوب فيكون كأنَّ جملة هذه الآية مثل مُطلق المَثَل الذي يُمثَّل به على شيء ما وموضوع هَذا يطول ولكن أشرت به من باب الفائدة فنستدل بعمل الصحابة على جوازه فكون الصحابة فعلوه دلَّ على الجواز، وهذه كفائدة علمية.
 قراءة من كتاب كلمات القرآن: آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) يا أيُّها الذِّين آمنوا أَلزموها واحفظوها من المعاصي لا يَضُركم من ضَلَّ إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم سافرتم بها فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهُمَا من بعد الصَّلاة فيُقسمان بالله إن ارتبتم لا نأخذ بقَسَمنا كَذِبًا عرضاً دنيوياً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنَّا إذًا لَمِن الآثمين فإن عُثِرَ على أنَّهما استحقا إثمًا فآخرانِ يَقُومَانِ مَقامهما من الذِّين استحقا عليهِمُ الأقربَان إلى الميِّت الوارثانِ له فيُقسمان بالله لشهادُتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنَّا إذًا لمن الظَّالمين ذلك أدنى أن يأتوا بالشَّهادة على وَجهها أو يخافوا أن تُردَّ أيمانٌ بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لايهدي القوم الفاسقين .
 قراءة من التَّفسير المُيسَّر -التّفسير الإجمالي- : يَا أيُّها الذِّين صَدَّقوا الله ورسُولُه وعملوا بشرعه ألزِموا أنفسكم بالعمل بطاعة الله واجتناب معصيته, وداوُموا على ذلك وإن لم يَستجب النَّاس لكم, فإذا فعلتم ذلك فلا يَضُركم ضلال مَن ضلَّ إذا لزِمتم طريق الاستقامة,وأَمرتم بالمعروف ونهيتم عن المُنكر إلى الله مرجِعُكم جميعًا في الآخرة, فيخبُركم بأعمالكم, ويجازيكم عليها. يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا قَرُب الموت من أحدكم فلْيُشْهِد على وصيته اثنين أَمينين من المُسلمين أو آخرَين من غير المسلمين عند الحاجة وعدم وجود غيرهما من المُسلمين, تُشهدونهما إن أنتم سافرتم في الأرض فحلَّ بكم الموت, وإن ارتبتم في شهادتهما فَقِفُوهُما من بعد الصَّلاة -أيّ صلاة المسلمين- وبخاصة صلاة العصر- فيُقسمانِ بالله قسمًا خالصًا لا يأخذانِ به عَوضًا من الدُّنيا, ولا يُحابيان به ذا قرابة منهما, ولا يكتمانِ به شهادةً لله عندهما,وأنَّهما إن فَعَلا ذلك فهُمَا من المُذنبِين ، فإن اطَّلع أولياءُ المَيِّت على أن الشَّاهدَينِ المَذكورين قد أثِما بالخيانة في الشَّهادة أو الوصية فليقُم مقامهما في الشَّهادة اثنان من أولياء الميِّت فيُقسمانِ بالله لَشهادتنا الصَّادقةُ أولى بالقَبُول من شهادتهما الكاذبة,وما تجاوزنا الحقَّ في شهادتنا إنَّا إن اعتدينا وشهِدنا بغير الحقّ لمن الظَّالمين المُتجاوزين حدود الله ذلكُم الحُكم عند الارتياب في الشَّاهدين من الحَلِف بعد الصلاة وعدم قبول شهادتهما, أقربَ إلى أن يأتوا بالشَّهادة على حقيقتها خَوفًا من عذاب الآخرة, أو خَشيةً من أَن تُرَد اليمين الكاذبة من قِبَل أصحابِ الحقّ بعد حلفهم, فيفتضح الكَاذب الذِّي رُدَّت يمينُه في الدنيا وقت ظهور خيانته. وخافُوا الله - أيُّها الناس- وراقبوه أن تحلفوا كَذبًا, أو تقتطعوا بأيمانكم مالاً حرامًا, واسمعوا ما تُوعظون به. والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته.
 تعليق الشِّيخ : في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) هذه الآية أيضاً وَقع فيها خلاف في معناها بين السَّلف، وتعرفون كلام أبي بكر الصديق وهو من أشهر ما قيل في هذه الآية وهو أحد معاني الآية الوَارِدَة في قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) وأنا أعتبرها من الآيات المُشكلة فمن كان عنده حلقة في التفسير أو أراد أن يُدرِّب الطلاب على استكشاف المعنى من خلال الخِلاف ، هذه الآية من الآيات التي تَصلُح لأنها آية مُشكِلة في الفَهم ، وعبد الله بن مسعود يقول لم يأتِ تأويلُها بعد وليس قَصدُه أنَّه لم يأتِ تأويلهُ بعد أنَّ معناها لا يُعلَم ، لا ، معناها معروف لكن (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)  لم يأتِ بعد لأنَّ الإسلام كان مُنتشراً فكأنَّه يقول وقت تطبيق هذه الآية ليسَ هو الوقت الذِّي كان يعيشه عبد الله بن مسعود إنَّما سيأتي فيما بعد ، بناءً على ظاهر الآية أنَّ الإنسان يَلزَم نفسَهُ إذا كَثُرَ الخَبَث وهذا أحد معاني الآية . والمعنى الآخر للآية هو المعنى الوَارد عن أبي بكر الصديق. والآية كما نعلم إذا كان فيه مجال في الدَّرس الأخير إذا كان للآية أكثر من دلالة صحيحة وليس بينهما تعارُض فالآية تُحمَل عَليها فتُنَزَّل على هذا المَعنى تَارة وعلى ذلك المعنى تَارَة على حَسَب مُناسبة تَنزِيل الآية على هَذه المَعاني، لكن من باب الفائدة كما قُلت لكم أنَّ هذه الآية تُعتبر مُشكِلة.
 أيضًا الآية التي بعدها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) بعض العلماء عدَّها أشكل آية في القرآن أيّ الآية المشكلة رقم واحد في القرآن هي هذه الآيات التي هي آية الشَّهادة هذه. وهي صَعبة. عند مَن تَحرَّت عنده من العُلماء لا يَعُدَّها من المُشكِل وهذا يرُدُّنا أيضاً إلى قضية النِّسبية التي ذَكرناها في قضية غريب القرآن فبعض العُلماء يَعُدّ آية من الآيات على أنَّها من المُشكِل وبعض العُلماء يَنفي أن تكون من المُشكل ، فمن عَدَّهَا من المُشكِل فَهُو نَظَرَ إلى نَفسه ومن نَفى عنها الإشكال فهو نظَر أيضاً إلى نفسه إذاً فهي قضية نسبية. فمثلاً مَكيّ بن أبي طالب يَعُدّ هذه من الآيات المُشكلة وتجد أنّ ابن عطية يعترض عليه في أنَّها ليست من الآيات المُشكلة فنقول هي مُشكلة بالنسبة لمكيّ وليست مشكلة بالنِّسبة لابن عطية. فإذا صارت القضيّة فيها بهذا الشَّكل.
عندنا طبعاً في هذه الآيات - نفس الفكرة التي ذكرتها لكم قبل قليل- في قَضِيَة رَبط الوَعظ بالحُكم الفِقهي وهذه الآية نَازِلة على سَبب ولهذا ذكرُوا بالأخَصّ صلاة العصر لأنَّ سبب النُّزول الوارد أن هؤلاء وقفوا بعد صلاة العصر عند الرَّسول صلى الله عليه وسلم وشهدوا بهذه الشَّهادة. فاختاروا صلاة العصر بناءً على الوَاقِعة التي حَدثَت وليس هذا بلازم لكن لمُوافقته لِمَا حَصَل في عهد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم.
 هَذا تَقريباً الفَوائد المُتعلقة بهذه الآيات وهي (آيات أحكام). والآيات فيها إشكال كثير وكذلك يُستنبط منها أحكام كثيرة مُتعلِّقَة بقضيِّة الوَصيِّة والشَّهادة خصوصا إذا كان المُوصي قد أوصى ثم مات ولم يَشهد وصيته إلا اثنان فكيف يُعالِج هذا الموضوع خصوصًا إذا ظهر كَذِب هذين الاثنين ماذا يُعمل ؟سيُبدَل هذان الشاهدان بشاهدين آخرين، ثم أيضا إذا كان أحد الشُّهود أو الشُّهود كانوا كفاراً فما الحكم؟ كل هذا عَالجَهُ العُلماء من خلال هذه الآيات لِمَا وَقَعَ من خِلاف بينَ العُلماء في هذا الموضوع المُتعلِّق بهذه الآيات. أسئلة مُوجَّهَة للشِّيخ:
/ السُّؤال الأوَّل: أحسن الله إليكم: في قوله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) وفي الآية الأخرى يقول الله تعالى (لا يُؤاخِذكُم الله باللَّغو في أَيمانِكُم) فهل لفظةُ "اللَّغوِ" في كِلا الآيتين بِمَعنىً واحد؟
 الجواب : لا. لأنَّ اللَّغو في الآية الأولى  (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) بمعنى البَاطل، واللَّغو في الآية الثّانية (لا يُؤاخِذكُم الله باللَّغو في أَيمانِكُم) وهو ما يَلغُو به الإنسان، ويتكلَّم به ولا يَقصِدُه. فبينَهُمَا فَرق .
 وهنا فائدة مُهمَّة: وهُوَ ما يُمكن أن نُسميِّه بِعلم الوُجُوه والنَّظَائِر، فاللَّغو وَرد في القرآن في مواطن،في مَوطن وجَدنا اللَّغو أنَّه بمعنى:
- ما يقولُه الإنسان (لا والله).(وبلى والله) أو ما يقصد فيه الحَلِف يقيناً لكنَّه يظن أنّه على كذا ويكون الأمر بخلافه.هذا لغو.
- اللَّغو بمعنى الباطل  (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ).
 إذاً صار عندنا الآن من وجوه (اللَّغو) في القُرآن أكثر من وجه، إذا قلت لكم  (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) فاللّغو هنا بمعنى الباطل، نظيرُها قوله تعالى (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) فاللّغو في (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) نظير (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) فصار اللغو في هذه الآية وفي الآية الأخرى نظير بمعنى مثيل، شبيه، لكن اللغو في هذه الآية وتلك الآية غير اللغو في آية (لا يُؤاخِذكُم الله باللَّغو في أَيمانِكُم) هذا يسمى (الوَجُوه والنَّظائر) . فالوجُوه: اللّغو بمعنى (لا والله) (وبلى والله) ، اللَّغو بمعنى الباطل. والنَّظائر: أن يأتي في الوجه الواحد أكثر من آية (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) نظيرها (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ).
/ السُّؤال الثاني: الاستدلال بقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ).
 الجواب: الذي اعترض عليه أبو بكر الصِّديق في أنَّ ما استدل بها على ترك النَّهي عن المنكر أنَّه أخطأ فاستدل بها هذا لا يكون إلا في آخر الزمان إذا فسَد الناس انتهى الأمر هناك الذي قال عنه ابن مسعود لم يأت تأويلُها بعد، أما والإسلام قائم فلا يَصح أن تُحمل وهو رأي أبو بكر الصديق، والآية كما قلت لكم لها أكثر من محمل.
 السُّؤال الثَّالث: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) هل يُفسَّر :الإيمان بالتَّصديق ؟
نعم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) تفسيرها يا أيُّها الذِّين صدَّقُوا لكن الإيمان لا يساوي التَّصديق مساواة تامّة، ليس مرادفاً مُرادَفة تامَّة للتَّصديق لأنَّه لابد فيه من زيادة إما زيادة طمأنينة كما أشار إليها الخليل بن أحمد قال: "الإيمان تصديق مع طمأنينة" ، فليس مطلق التصديق إيمان ،ويمكن أن نقول كل إيمان تصديق وليس كل تصديق إيمان، فالتَّصديق أخصّ من الإيمان ،فالإيمان لا بد له من زيادة معنى الطمأنينة والثقة في الأمر، أمَّا مُطلق التصديق فلا، وهذا ما أوقع الفرق لمَّا جعلوا الإيمان مطلق التصديق فقط ونسوا الفروق بين المعاني، والعجيب تجد أن بعضهم ممن يذهب إلى فروق المعاني إذا جاء عند هذه لأجل القضية العقدية ، يقول الإيمان هو مُطلق التَّصديق فقط يعني أنه يساوي التَّمام وإذا جاء يحرِّر في قضية لغوية - مثل السيوطي- تجده يتكلم عن الفروق اللغوية يحرر في الفروق اللغوية فلماذا عندما جئت إلى الإيمان لم تُفرِّق بينهما، بل جعلتهما مترادفين؟ هذا يدل على إشكالية الاعتقاد، أنَّ الاعتقاد أحياناً يؤثر على القضية العلمية .
السؤال الرابع: ما معنى الخَطأ في الدِّلالة والمَدلُول مع ضرب المثل؟
 دائماً الخطأ في الدِّلالة والمَدلول قاعدتها "أيّ كلام باطل لا يدل عليه القرآن فإنَّ ربطه بآية من الآيات هو خطأ في الدلالة وفي المدلول" مثال:  الأصل عدم جواز الرَّقص للرِجال ونقصد به الرَّقص المعروف - بغضِّ النَّظر عن رقص الحرب- مثل ما يفعله بعض الصوفية فإنّهُم يرقصون على نغمات على أشياء ويدَّعُون أنَّه من الدِّين وهذا ما استدل به بعض الصوفية المُتقدِّمين - قبل القرطبي- في قوله سبحانه وتعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) في أمر الله لأيوب عليه الصلاة السلام ، طيب (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) بمعنى اضرب برجلك الأرض ، هم جعلوا معنى اضرب برجلك استدلوا بها على جواز الرقص.
والسؤال الآن هل الرقص جائز قبل ؟ فما دام الرقص غير جائز فإن ربطُه بالقرآن أيضا خطأ لأنَّ القرآن لا يَدُلُّ عَلى باطل مطلقا فهذا يكون خطأ في الدَّليل والمَدلول. إذا قاعدة الخطأ في الدِّلالة والمَدلول: أن يكون الكلام بذاته باطل غير مقبول في الشريعة فلمَّا تربطه بالآية يكون خطأ في الدليل والمدلول.
ولعلنا نقف عند هذا الحدّ .سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
لحفظ المقطع الصوتي :






-----------------------------------------------
مصدر التفريغ : ملتقى أهل التفسير -بتصرف يسير-

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق