‏إظهار الرسائل ذات التسميات في رحاب قصار السور. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في رحاب قصار السور. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

غريب القرآن / سورة القدر



----------------------------------------------------------
السراج في بيان غريب القرآن / د.محمد بن عبد العزيز الخضيري

اقرأ المزيد...

تفسير سورة الإخلاص


د.محمد بن عبد العزيز الخضيري



 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد ..
 مشاهدي الكرام مازلنا نتحدث في هذه السور العظيمة التي جعلها الله -عز وجل- نورا وهدىً لعباده المؤمنين ، وقد جُعلت هذه السور في آخر كتاب الله -عز وجل- لتكون دانية القطاف لمن أراد أن ينتفع بها ويستفيد منها ، ولتكون مركزا يتعلمه كل أهل الإسلام ، من كان صغيرا ، ومن كان لا يُحسن القراءة والكتابة ، من كان يشق عليه حفظ القرآن ومن دخل في الإسلام حديثا ، تبقى هذه السور سورة مكتملة ذات أربع آيات أو ثلاث آيات ، أو خمس آيات ، يسهل على الإنسان حفظها ، فيها عددٌ من المعاني التي هي من المعاني الضرورية المهمة .
 اليوم معنا أحبتي الكرام سورة عظيمة ، سورة تعدل ثلث القرآن ألا وهي سورة الإخلاص أو يقال لها سورة الصمد ، هذه السورة مشاهدي الكرام ذكّرتكم فيما مضى حين تحدثنا عن سورة الكافرون بأن هاتين السورتين تسميان سورة الإخلاص ، وذلك لأن من قرأهما وآمن بما فيهما وصدّق فقد صار مخلصا لله -عز وجل-  موحدا لله تمام التوحيد ، ففي سورة الكافرون إخلاص العبادة لله ، لا يعبد المرء المسلم غير الله -عز وجل- لا يصرف شيئا من عبادته لأحدٍ سوى الله ، فلا يذبح لغير الله ، ولا يصلي لغير الله ، ولا يحج لغير الله ، ولا يطوف لغير الله ، ولا ينذر لغير الله ، ولا يستغيث بغير الله ، ولا يستعين بغير الله ... إلخ ما هنالك .
 وهذه السورة سورة الصمد أو سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) جاءت بالتوحيد المعرفي ، التوحيد العلمي الذي فيه الإقرار بربوبية الله -عز وجل- وبأسمائه وصفاته .
قد تسألوني كيف صارت تعدل ثلث القرآن ؟
فأقول لكم : هذه السورة العظيمة ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها تعدل ثلث القرآن ، جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم يقول له مخبرا عن جاره الذي يقوم الليل بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) بها يقوم وبها يركع ويسجد ، يعني أنه يصلي الليل كله بهذه السورة كأنه يتقالّها ، يقول إنها سورة ذات أربع آيات ، لا تستحق كل الشأن ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- مبيّنا عِظَم شأنها : (إنها تعدل ثلث القرآن) .
لقد سلك العلماء مسالك شتى في بيان كيف أن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن ، ومن أعدل الأقوال وأفضلها : أن القرآن مشتمل على أمور ثلاثة : أخبار وقصص ، توحيد ، أحكام . لو نظرت إلى موضوعات القرآن كلها وجدت أنها تدور حول هذه المحاور الثلاثة ، إما أن تكون قصص أو أحكام تتعلق بحياة المسلم وعباداته ومعاملاته أو توحيد لله -عز وجل- ، وهذه السورة قد جاءت بخلاصة التوحيد ، فهي توحيد لله في ألوهيته ، في ربوبيته ، في أسمائه ، في صفاته ، ولذلك صار من قرأها كأنما قرأ ثلث القرآن . كان أحد الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- أميرا لأصحابه في الغزو فكان يُصلي بهم فإذا صلى قرأ الفاتحة ثم قرأ سورة ثم قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في كل ركعة يختم قراءته بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، فلما جاء أصحابه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا : يا رسول الله إن فلان يفعل كذا وكذا ، يسألونه عن حكم ذلك ، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال : سلوه لمَ يفعل ذلك ؟ فسألوه فقال : إن فيها صفة الرحمن وإني أحب أن أقرأها ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : (أخبروه أن الله أحبه بحبه إياها) .
 إذا فمن قرأها وأحبها وأحب ما فيها من صفة الرحمن أحبه الله .
 وهل يُشرع لنا أن نفعل مثل فعل ذلك الرجل ؟
نقول : من وقع في قلبه من المحبة لها ومحبة صفة الرحمن فيها مثلما وقع للرجل فإنه يُشرَع له أن يفعل ذلك ، وأما من لم يقع في قلبه ذلك فلا يفعل ، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل هذا الشيء ولم يأمر أمته به ، ولم يفعله أحد من الصحابة فيما نعلم .
 مشاهدي الكرام: دعونا نستمع إلى هذه السورة وننصت لها خاشعين ، يقول الله -عز وجل :
 هذه أربع آيات في هذه السورة العظيمة التي جاءت بالتوحيد العلمي المعرفي ، التوحيد الذي يجب على كل مسلم أن يصدق به و يجزم به جزما تاما . أتدرون ما سبب نزول هذه السورة ؟ سبب نزولها : كما ذكر كثير من المفسرين أن المشركين جاؤا للرسول -صلى الله عليه وسلم- فقالوا : يا محمد إنسب لنا ربك ؟ يعني اذكر لنا نسَب الله ؟ من أبوه؟ تعالى الله عما يقولون علوا كبير ، فأنزل الله -عز وجل- الجواب على ذلك في هذه السورة بأن الله أحدٌ صمد (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) . كيف يقال انسب لنا ربك ؟! وذكر بعض المفسرين : أن اليهود لما قالوا عزير ابن الله ،  وقالت النصارى المسيح ابن الله ، وقالت المجوس الشمس والقمر بنات الله ، وقال بعض المشركين من العرب الملائكة بنات الله ، أراد الله -عز وجل- أن يرد عليهم جميعا بهذه السورة مع قِصر ألفاظها ، إلا أنها مشتملة على أهم المعاني ، إنه توحيد الله -عز وجل- وإفراده في ربوبيته ، في ألوهيته ، في أسمائه وصفاته .
 مشاهدي الكرام : هذه السورة لها فضائل ، ولها مواضع تُقرأ فيها .
 أما فضائلها فقد تقدم شيءٌ منها ، ومن فضائلها : أنها -أحبتي الكرام- من قرأها عشر مرات بُني له بيت في الجنة كما ورد ذلك في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وتُقرأ هذه السورة في مواطن متعددة في اليوم والليلة لأنها إعلان بالتوحيد لله ، فالمسلم يجدد توحيده آناء الليل وأطراف النهار ، وذلك أن المسلم يحتاج إلى تجديد التوحيد لئلا يتعلق قلبه بغير ربه سبحانه وتعالى ، فهي تُقرأ في أذكار الصباح و المساء ، إذا جلست بعد صلاة الفجر لتقرأ أذكار الصباح ، أو بعد صلاة العصر لتقرأ أذكار المساء فإنك تقرأ آية الكرسي و تقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وتقرأ المعوذتين ، تقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين ثلاث مرات في الصباح وفي المساء ، فإنها كما ثبت في الحديث تكفيك كل شيء ، كفاية لك من كل سوء وبلاء وشر وهمّ ومصيبة ، وأيضآ تُقرأ عند النوم ، إذا أخذت مضجعك فترفع كفّيك هكذا ثم اقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و ( قُل أعوذ برب الفلق ) و ( قُل أعوذ برب الناس ) وأنت تنفث في يديك ، تنفث: أي تُخرج هواءً من فمك على يديك ، فإذا انتهيت من قراءتها في المرة الأولى فامسح على رأسك وما استقبلت من جسدك وعلى ما استطعت من بدنك ، تفعل ذلك مرةً ثم ثانية ثم ثالثة يحفظك الله بها من كل شر وسوء ومن كل شيطان .
و تُقرأ أيضا هذه السورة في ركعتي الصبح عندما تقوم لتصلي الفجر فإنه يُسنّ لك على وجه التأكيد أن تصلي ركعتي الفجر فتصلي تقرأ في الركعة الأولى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وهذه ذكرناها عند تفسير سورة الكافرون ، وتقرأ معها في الركعة الثانية (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لتجمع نوعي التوحيد ، توحيد العبادة وتوحيد الربوبية والأسماء و الصفات . و تقرأها أيضا عند الوتر، إذا صليت الوتر فإنك في الركعات الثلاث تقرأ في الركعة الأولى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) وفي الركعة الثانية (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الركعة الثالثة تقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) .
 والآن مشاهدي الكرام : ألا تسألون أنفسكم لماذا يُشرَع لنا أن نقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) في ركعتي الصبح و في صلاة الوتر ؟
فأجيب على ذلك و أقول لكم : إننا نقرأها في هذين الوقتين لأن حياة المسلم بينهما ، كيف ذلك؟ إذا قام المسلم في الصباح فإنه يعلن التوحيد لله -عز وجل- فيقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ،وإذا أراد أن يبيت أو ينام و يختم يومه وليلته فإنه يقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ليعلن بالتوحيد لله -عز وجل- ، فيصبح يوم المؤمن كله دائرٌ بين توحيد و توحيد ، البداية بالتوحيد والختام بالتوحيد ، وأسأل الله أن يختم حياتي وحياتكم بالتوحيد فنموت على لا إله إلا الله ...آمين .
 وأيضا تُقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) -مشاهدي الكرام- في أدبار الصلوات المكتوبة ، فإذا سلّمت من صلاتك المكتوبة وذكرت الأذكار المشروعة قلت سبحان الله والحمد لله والله أكبر كل واحدة ثلاثا وثلاثين وختمت المائة بقولك لا إله الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وقرأت بعد ذلك آية الكرسي ، من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من الجنة إلا أن يموت ، يعني ما بينه وبين الجنة إلا أن يموت ، ثم تقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) فإذاً يقرأها الإنسان خمس مرات وفي الصباح وفي المساء وعندما يأخذ مضجعه ، ويقرأها في صلاة الوتر ، ويقرأها في صلاة الصبح أو في ركعتي الصبح ، هذه قرابة تسع مرات يقرأها المسلم في اليوم و الليلة . إذاً هي سورة عظيمة ، سورة مهمة ، سورة ينبغي لنا أن نتوقف عند معانيها .
 يقول الرب سبحانه وتعالى : (قُلْ) يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك هذا السؤال الذي يدل على نقص عقولهم عندما قالوا انسب لنا ربك ؟ (قُلْ) لهم (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أي واحد في أسمائه ، وواحد في صفاته ، وواحد في ربوبيته ، وواحد في ألوهيته لا شريك له ، ولا ند له ، ولا نظير له ، ولا مثيل له (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) . وهذا التوحيد يجب عليّ وعليك وعلى كل مسلم أن يُقِر به إقرارا جازما لا يصيبه أدنى شك ، فأنت تؤمن بأن الله واحد في ربوبيته لا يشاركه أحد بشيء من أفعاله ، فالرزق و الخلق والتدبير والتصرف والإحياء والإماتة ، ورزق العباد بالغيث والولد ونحوها كل ذلك من عند الله وحده ، وليس عند أحد من العباد فيه شيء ، فانتبهوا أحبتي الكرام ، نجد بعض المسلمين الآن يعتقد أن الولي الفلاني بيده التصرف في الكون ، وأن الولي الفلاني هو الذي أعطاني الولد ، أو هو الذي أنزل علينا هذا الغيث ، أو هو الذي أجاب دعائنا عندما اضطررنا ، فقل هذا قدْح في توحيد الربوبية .
وكذلك عندما يتوجّه المسلم بشيء من أعماله وعباداته إلى غير الله -عز وجل- من ذبح أو نذر أو صلاة أو دعاء أو غيرها فقد أشرك مع الله غيره ، (اللَّهُ أَحَدٌ) واحد في كل هذه الأمور ، واحد في أفعاله ، واحد في أسمائه ، واحد في صفاته ، حتى هذه الأسماء التي سمّي بها نفسه ويُسمى بها بعض المخلوقين ، ويُوصف بها بعض الخلق ، لا يستوي فيها الرب -سبحانه وتعالى- وعباده ، بل الرب سبحانه وتعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، أما نحن فصفاتنا مهما كنا صفات نقص ، فيها النقص ، فيها العجز يعني يتخللها العجز والنقص من كل جانب ، قال الله -عز وجل- مؤكدا هذا المعنى (اللَّهُ الصَّمَدُ) أحدٌ وهو الصمد ، ما معنى الصمد ؟ الصمد -مشاهدي الكرام- هو: الذي تصمد له الخلائق بحاجاتها ، هو السيد العظيم في سؤدده ، الذي يحتاج إليه خلقه ولا يحتاج إليهم في شيء ، يصمدون إليه و يلجؤن إليه في طلب حاجاتهم ، الجميع محتاج إليه وهو غنيٌ عنهم ، وقد ورد في بعض التفاسير أن معنى الصمد : أي الذي لا جوف له ، أو الصمد : الذي لا يأكل ولا يشرب ، أو الصمد : الباقي ، أو الصمد : الذي لم يلد و لم يولد ، وكل هذه التفاسير معناها ومُؤداها أن الله غنيٌ عن خلقه ، وأن الله -سبحانه وتعالى -ليس بحاجة إلى أحد بل كل خلقه مفتقرون إليه ، يطلبون منه قضاء الحوائج و هو غني عن الخلق .
 ثم قال : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) كيف تسألون عن نسب الله ؟ فالله -عز وجل- واحد ، هو الأول فليس قبله شيء ، وهو الآخِر فليس بعده شيء ، وهو الظاهر فليس فوقه شيء ، وهو الباطن فليس دونه شيء ، هو الله سبحانه وتعالى الواحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، الولادة صفة نقص لأنها لا تكون إلا عن حاجة أما الله -سبحانه وتعالى- فهو الكامل ، فهو (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) ، وهذا فيه الرد على اليهود ، الرد على النصارى ، الرد على مشركي العرب ، الرد على كل من نسَب لله -سبحانه وتعالى- صاحبة أو ولدا .
 ثم قال الله -عز وجل- (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) أي ليس لله نظيرٌ أبدا ، ليس لله مثيلٌ أبدا ، لا يشبه الله أحدا ، لا يشبه أحدٌ ربنا سبحانه وتعالى في شيء ، لم يكن له كفو ولا نظيٌر أبدا . وتأملوا -مشاهدي الكرام- كيف جاءت هذه الآية على هذه السورة لأنه لو جاء الكلام على ترتيبه المعتاد لقال : ولم يكن أحدٌ كفوا لله ، لكن ليكون الكلام على أتمّ وجوه الحصر والاختصاص جاء الكلام بهذه الطريقة (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) أي من أجل أن يُعرف أن الله -عز وجل- لا يشركه أو لا يكون له أحد شريك له في كل هذه الأمور . مشاهدي الكرام هذه إلماحة عن هذه السورة الكريمة التي تٌعرفنا بربنا ، وتُقرر لنا أعظم قضية في هذا الكون ، القضية الكبرى التي خُلق الناس من أجلها إنها قضية توحيد الله عز وجل ، توحيده في ربوبيته ، في ألوهيته ، في أسمائه في صفاته .
لحفظ الملف الصوتي :




------------------------------------------------------
قامت بتفريغ الحلقة أخت في الله جزاها الله خيرا وبارك فيها  
اقرأ المزيد...

غريب القرآن / سورة العلق



---------------------------
 السراج في بيان غريب القرآن 
اقرأ المزيد...

غريب القرآن / سورة التين



---------------------------
السراج في بيان غريب القرآن 

اقرأ المزيد...

الأحد، 3 مارس 2013

تحري الإخلاص في تدبر سورة الاخلاص

د. عائشة القرني

 بسم الله الرحمن الرحيم { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }.
 1- في معنى قوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أي قل قولاً جازماً به معتقداً له عارفاً بمعناه : (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وهذه الكلمة هي حقيقة الإسلام ، و "قل" تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم ، وخطابٌ من الله عز وجل يأمره فيه بوصفِه سبحانه بأكمل الصفات، وأبلغ العبارات .
 2- في الآية : أن من أهم أبواب الدعوة إلى الله : تعريف الناس بالتوحيد .
 3- ( الأحد ) هو المنفرد بالكمال الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، ولفظ "أحد" أدق من لفظ "واحد" فهو لا شيء غيره ولا أحد سواه ، فهو المتفرد بالألوهية فلا يستحق العبادة سواه ، وهو المتفرد بالربوبية فلا يخلق ولا يرزق إلا هو جل وعلا، وهو الواحد في أسمائه وصفاته فليس كمثله شيء .
 4- إن الاعتقاد الجازم بهذه الآية يثمر خلوص القلب من كل شائبة ، ومن كل تعلق بغير الواحد الأحد ، الذي لا يشاركه شيء من خلقه لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه، ولا في أحكامه وتدبيره ، فهو جل وعلا واحد لا مثيل له ولا نظير .
 5- { اللَّهُ الصَّمَدُ } أي : المقصود في جميع الحوائج ، فالصمد مأخوذ من المصمود ، ومعناه : المقصود ، فهو المقصود وحده جل في علاه ، يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم فالخلق كلهم مفتقرون إليه ، لا يُقضى أمر إلا بإذنه ، وهو السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه ، والعظيم الذي قد كمل في عظمته ، والحليم الذي قد كمل في حلمه ، والعليم الذي قد كمل في علمه ، والحكيم الذي قد كمل في حكمه. 6- إن صفة الصمدية التي وصف الله بها نفسه كفت الإنسان اللجوء لغيره والاحتياج لسواه، فإذا كان كذلك ، فلماذا يلجأ الإنسان لغير الله تعالى في طلب الحاجات؟ أو التعلق بغيره في الملمات ، ولا يعني هذا أن لا يتخذ العبد من الأسباب في الدنيا ما يتحصلُ به على المطلوب ، ولكن لا ينبغي تعلق القلب بها ، أو الاعتماد على هذه الأسباب في جلب نتائجها .
 7- إذا أيقنت أن الله قاضي حاجاتك ، وأنه المقصود في الرغائب ، المستغاث به عند المصائب ، الذي يسد حاجة من صدق في اللجوء إليه ، الذي يرزق في العاجل والآجل ، الذي يشفي من الأسقام والأمراض ، فإنك تلجأ إليه ، وينطرح قلبك بين يديه ، فالعبد الذي تعرف على ربه الصمد قد أشرق في قلبه معرفة إلهه ومولاه ، فأثمرت تلك المعرفة إيماناً كاملاً ويقيناً صادقاً .
 8- في قوله تعالى : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } حقيقة ثابتة أبدية أزلية صفتها الكمال المطلق في جميع الأحوال ، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ، وليس شيء يموت إلا سيورث ، والله عز وجل لا يورث ولا يموت.
 9- في الآية قدَّم قوله : { لَمْ يَلِدْ } على قوله: { وَلَمْ يُولَدْ } وذلك لأن المشركين ادعوا أن له ولداً، سبحانه وتعالى عما يصفون ، فمشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله ، واليهود قالت : عزير ابن الله ، والنصارى قالت : المسيح ابن الله ، ولم يدّعِ أحد أن له والداً ، فلهذا بدأ بالأهم فقال : { لَمْ يَلِدْ } ثم أشار إلى الحجة فقال: { وَلَمْ يُولَدْ }.
 10- في قوله تعالى : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } نفي الشبيه والنظير لا في أسمائه ولا في أوصافه ولا في أفعاله تبارك وتعالى , ولا في خلقه، ولا في تدبيره، ولا في حكمته، ولا في مشيئته، ولا في علمه، ولا في ألوهيته ولا ربوبيته، ولا في أي شيء من صفاته وأسمائه، بل له الكمال المطلق فهو مالك كل شي وخالقه ، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه .
 11- إن من أعظم قضايا التوحيد الإيمان بصفات الله جل وعلا‏ ، ‏فالإيمان بصفات الله سبحانه وتعالى هو أكبر قضية من قضايا العبادة والإيمان ، وهذه السورة تشتمل على صفة الله تبارك وتعالى كما جاء في الحديث‏ :‏ أن‏ ‏{ قل هو الله أحد‏ }‏ تعدل ثلث القرآن، وليس فيها إلا صفة الله سبحانه وتعالى‏ ، وهل الإيمان إلا امتلاء القلب بنور صفات الله وإشراقه بمعرفة إلهه ومولاه‏؟‏‏!‏.
 12- هذه السورة تضمنت إثبات الكمال لله جل وعلا ونفي النقائص عنه ، قال تعالى :{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } ، وقال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } . وهذا هو مدار توحيد الأسماء والصفات ، فتوحيد الأسماء والصفات أن يُثبت العبد الكمال لله، وأن ينفي النقص عن الله جل وعلا . 
فقوله سبحانه : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ } فيه إثبات الكمال لله
وقوله سبحانه : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } فيه نفي النقائص والعيوب عن الله جل وعلا .
 13- هذه السورة مشتملة على عقيدة التوحيد ، ولهذا لابد أن يكون لهذه السورة أثر في قلب قارئها ، وذلك باستشعار عظمة الله كما يليق بجلاله وعلو شأنه وذاته ، فالقلب إذا خلص واستشعر ذلك تحرر من جميع القيود ، وتحرر من الرغبة في غير الله ومن الرهبة من غيره، وهذا هو منهج عبادة الله وحده ،ومنهج الاتجاه إليه وحده في الرغبة والرهبة ، في السراء والضراء ، في النعماء والبأساء .
 14- إن استشعار القلب لوحدانية الله يخلصه من التعلق بالخلق ، ومن الخوف منهم ، ومن الرجاء لهم ، ومن هنا ينبثق منهج كامل للحياة قائم على ذلك المنهج .
 15- إذا استقر هذا الشعور في قلب العبد أثناء قراءة هذه السورة وغيرها من السور التي تصور هذه الحقيقة ، فستصحبه هذه الحقيقة ليصل القلب إلى درجة اليقين بالواحد الأحد والتعلق به والتوكل عليه والمحبة له وهذا هو تحقيق معنى لاإله إلا الله .
 16- استحضار كل ذلك يسكب في قلب العبد الطمأنينة ، ويجعله يعرف الملجأ الوحيد الذي يطلب عنده ما يرغب ، ويتقي عنده ما يرهب ، ويسكن تجاه المؤثرات والأسباب الظاهرة ، ويرد الأمر إلى مشيئة الله وحده .
 17- في هذه السورة منهج للتحرك والعمل لله وحده ابتغاء وجهه ، فالله سبحانه وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان يقصد به وجهه خالصًا، فالرياء وحب السمعة تفسد العمل الصالح ، والإخلاص هو الأرضية التي ينبني عليها كل عمل ، وقد سميت هذه السورة بالإخلاص لأنها تُخلِّص صاحبها من الشرك الأكبر والأصغر .
 18- على المسلم أن يتحرَّى الإخلاص في كل أعماله، ويكون ذلك قبل البدء في العمل وأثناء العمل وبعده، فأما قبل العمل، فإنه يبحث في نيته هل يقصد من هذا العمل رضا الله فحسب، أم أنه يبتغي منه - فضلاً عن ذلك - مدح الناس والثناء عليه، فإذا وجد خللاً في نيته، فلا يصرفه ذلك عن الإقبال على عمله، وإنما عليه أن يصحح نيته ويجعلها لله تعالى وحده ، ويجتهد في تحقيق ذلك ، فالعمل الذي يشوبه الرياء أو عدم الإخلاص مردودٌ على صاحبه .
 19- في هذه السورة منهج للتلقي عن الله وحده ، تلقي العقيدة والقيم والشرائع والقوانين ، فكما تبدو صورة التوحيد الخالص في هذه السورة فلابد أن يكون لها آثار في حياة المسلم ، فالانحرافات التي أصابت أهل الكتاب من قبل , والتي أفسدت عقائدهم وتصوراتهم وحياتهم، نشأت أول ما نشأت عن انطماس صورة التوحيد الخالص ، ثم تبع هذا الانطماس ما تبعه من سائر الانحرافات .
 20- في السورة تقرير حقيقة التوحيد بصورتها هذه في القلوب ، فعندما نقرأ تلك السورة لابد من استحضار أنها ليست كلمات تُحفظ أو ألفاظاً تُقرأ وتُجود فحسب ، وإنما هي عقيدة تستقر في القلب تصور هذه المعاني بتعمقها للحياة كلها وقيام الحياة على أساسها .
 21- كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ، ثم نفث فيهما ، وقرأ فيهما ، " قل هو الله أحد " و " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، يبدأ بهما على رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك ثلاث مرات . رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها . وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَاحِلَتَهُ فِى غَزْوَةٍ، إِذْ قَالَ : يَا عُقْبَةُ قُلْ فَاسْتَمَعْتُ ثُمَّ قَالَ: «يَا عُقْبَةُ قُلْ». فَاسْتَمَعْتُ فَقَالَهَا الثَّالِثَة َ، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ ؟ فَقَالَ: «(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)». فَقَرَأَ السُّورَةَ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَرَأَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَقَرَأْتُ مَعَهُ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَرَأَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) فَقَرَأْتُ مَعَهُ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: «مَا تَعَوَّذَ بِمِثْلِهِنَّ أَحَدٌ». رواه النسائي وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم‏:‏ 7950
اقرأ المزيد...

الجمعة، 22 فبراير 2013

وقفات مع سورة العاديات

د. ناصر العمر




 سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

 إخوتي الكرام: اليوم مع سورة عجيبة أكاد أجزم أن كثيرا منكم وهو يقرأها يقف يتساءل عن معانيها . (وَالْعَادِيَاتِ) سميت سورة "العاديات" ، وسُميت سورة "والعاديات" وهي مكية بقول الجمهور القول الأصح .
/ (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) تأملوا العاديات هي الخيل التي تُغير على العدو ، تعدو عدوا . 
وقيل : إنها الإبل في مشيها وبخاصة في الحجّ . ولكن القول الراجح والذي عليه أكثر المفسرين أنها في الخيل .
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) لها صوت ، والـ"الضبح" هو صوتها ، أو نفسها ومعروف أن الخيل لها نفس عجيب وبخاصة إذا عدت وإذا سارت .
/ (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) أي توري وتقدح في النار . هذا معنى عظيم ودقيق ، بعض الأحجار إذا ضرب بعضها بعضا أخرجت نوعا من النار فكذلك الخيل إذا سارت ومرت على بعض أنواع الحجارة وبالذات في الليل قد يكون لها نور ، طبعا هو في الليل أو في النهار لكن يُرى في الليل أكثر من النهار .
/ (فَالْمُغِيرَاتِ) أي تغير على العدو . (صُبْحًا) أي في الصبح .
/ (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) أي أثارت الغبار . "النقع" الغبار حين تسير في الوادي . عندما ترى الخيل وهي تمشي سترى أثرها وترى غبارها .
/ (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) أي في وسط العدو وفي جمع العدو توسطنه . ورد قول عن ابن مسعود -رضي الله عنه- ولا أدري عن صحة نسبته أنهم في مزدلفة لأن اسمها جمع  . ولكن سياق الآيات يدل على ما ذكرت .(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) أي في وسط العدو.
/ ثم بعد ذلك ، بعد كل ذلك (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) الإنسان الكافر ويقع أيضا جزء منه في العاصي ، معاصي عظيمة (لَكَنُودٌ) جحود يجحد نِعم الله عليه هذا من معاني كنود ، فإذا تأمل نفسك(إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) لجحود لا يعترف بِنعم الله -جل وعلا- ومع ذلك (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) لأنه لا يستطيع أن يُنكرها .
/ (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) حب المال ، حب المناصب ، حب الشُهرة . "شديد" .
/ (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) سبق أن مرّ معنا (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) هو تأكيد الحقيقة يرِد في أساليب متعددة والحقيقة واحدة . أفلا يعلم هذا الذي يجحد ويُنكر نعمة الله عليه (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) وخرج الناس من قبورهم .
/ (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) ما يُكنه ، الناس لا يعلمون ما في صدرك لكنه هنا يُحصّل . 
هذه آيات - أيها الإخوة- مؤثرة . 
/ (إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) عليم - سبحانه وتعالى- بكل ذلك .
    كل هذه السيرة بعد هذه الأقسام العظيمة يؤكد هذه الحقيقة (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ*وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ)  سيشهد . قيل : إن الله -جل وعلا- على ذلك لشهيد ، وقيل : إنه هو على ذلك شهيد أي سيشهد هو على هذا الأمر ، تشهد عليه جوارحه .
(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ) النِعم ، المال( لَشَدِيدٌ) تأتي النتيجة كما ذكرنا قبل قليل(أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) .
إذا السورة جاءت فيها ثلاثة مقاطع :
المقطع الأول : هذه الأقسام (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا* فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا* فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) 
ثم المقطع الثاني : (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ*وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ*وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)   
المقطع الثالث : (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) نعم (إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) إذا كان يريد هذا الشيء ، يريد أن يجحد هذا الشيء لأنه كنود ، جحود إلا من وفقه الله فالله -جل وعلا- خبير بعمله .
وهنا نأتي لهذه الوقفة التي نختم بها هذه السورة وهي وقفة عظيمة جدا ، ما هي ؟
(أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) أُخرج ما في صدره ، لاحظ المناسبة بين إخراج الإنسان من قبره وخروج الناس من قبورهم هناك أيضا خروج آخر ، إخراج ما في القلب ، هذا القلب ، هذا الصدر طبعا المراد به القلب لأنه في الصدر فيُعبر عنه بالقلب أو الصدر ، تأملوا في سورة الطارق (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) فهو تحصيل ما في الصدر .
أخي الكريم ، في هذا الشهر الكريم أيها المُحِب : ألست تتزين أمام الناس في صلاتك والمناسبات حتى لا يرى الناس منك شيئا يسؤك ( إن الله جميل يحب الجمال) (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) لكن :
 هل أنت تُزين قلبك لأن الله مُطلع عليه ؟
هل أنت الآن في هذه اللحظة تحب أن يطّلع الناس على ما في قلبك ؟ 
هل كل ما في قلبك مما يسُرك ولا يهمك لو انتشر ؟ 
والله سينتشر ، والله سيُخرج ، (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) هنا يوم العرض الأكبر على الله فهيئ نفسك ، هذا الذي تُكنه في قلبك من عمل القلب المؤاخذ عليه لأن أعمال القلوب فيها شيء لا يؤاخذ عليه الإنسان من الخواطر والوساوس العارضة التي لا تؤثر ويدفعها ويُجاهد نفسه بدفاعها ، ولكن هناك اعتقادات من عمل القلب غِلّ ، حسد ، بغضاء للمؤمنين ، وغيرها مما هو في داخل هذه القلوب . طهّر قلبك ، زكِ قلبك ، اقرأ سورة النور ستجد في سورة النور تزكية لهذا القلب ، تجد آيات في القرآن تُطالب بتزكية القلب حتى إذا عُرض يوم القيامة فإذاك تفرح بما عُرض ، لا تجد في قلبك إلا ما يسرك . تصور حالك هذا الذي في القلب الآن إن كان فيه - وحاشاكم من ذلك وحفظكم الله - ما يسؤك تخلص منه الآن . القلب ممتحن (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) . ألست تغسل وجهك خمس مرات ؟ ألست تغسل يدك عدة مرات ؟ ألست تتجمل في المناسبات ؟ هل أنت تتعاهد قلبك كما تتعاهد ملابسك؟ هل أنت تتعاهد قلبك كما تتعاهد وجهك الذي أمام الناس ؟ 
لو اكتشفت في يوم من الأيام وقد ذهبت لمناسبة كبيرة ولما رجعت اكتشفت أن في وجهك شيئا يسيرا قد لا يلتفت إليه كثير من الناس لحزنت ولربما تمنيت أنك ما حضرت هذه المناسبة . لو اكتشف البعض أن في ثوبه من خلفه نقطة دم أو سواد لربما غضب على أهله أو على بعض من معه لماذا لم تخبروني ، طيب قلبك لا أحد يطّلع عليه إلا أنت وقبل ذلك وبعده الله - جل وعلا- إذا أنت الذي يجب أن تُطهّر هذا القلب ، يجب أن تراجع هذا القلب ، أن تنظف هذا القلب أكثر مما تنظف عينيك ، كما تنظف وجهك حتى تلقى الله  وهو قلب سليم (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) فإبراهيم -عليه السلام- يشهد الله له (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وهو أسوة لنا عليه السلام فلذلك الله الله في العناية بالقلوب ، طهّروا قلوبكم في هذا الشهر الكريم وزكوا هذه القلوب ونظفوها مما يسؤكم ومما لا تحبون أن يُرى يوم القيامة ، املؤها بحب الله ثم بحب الناس والإحسان إليهم ، املؤها بالتوحيد ، بالعقيدة الصافية ، بالعمل الصالح ، أزيحوا ما فيها من ظلمات حتى تبرز يوم القيامة وتُبلى السرائر ويُحصل ما في الصدور بما تُحب . طهّر الله قلوبنا وقلوبكم وحفظنا وإياكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .      
اقرأ المزيد...

الأحد، 11 نوفمبر 2012

تفسير سورة النصر

د.محمد بن عبد العزيز الخضيري



أحمد الله إليكم ، وأصلي وأسلم على الهادي البشير والسراج المنير محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن سار على منهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين ، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)اليوم موعدنا مع سورة عظيمة ، يحفظها - بحمد الله - أكثر المسلمين ، وهي سورة فيها معاني جليلة ، وحِكم ربانية عظيمة دعونا نتأمل هذه السورة الكريمة ، إنها سورة النصر .
 السورة التي قال العلماء فيها ومنهم حبر الأمة وترجمان القرآن إنها آخر سورة أُنزلت على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وتأملوا إنها آخر سورة أُنزلت وليست آخر آية ، لأن آخر آية موجودة في سورة البقرة يقول الله - عز وجل - (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) وهي الآية التي قبل آية الدين ، يعني قبل نهاية السورة بوجهين ، هذه الآية هي آخر آية أُنزلت من القرآن ، وأما السورة التي معنا فهي آخر سورة أنزلت من القرآن .
 والعلماء رحمهم الله كانت لهم عناية تامة فيما أُنزل من كتاب الله - عزّ وجل - ، أول ما نزل ، وآخر ما نزل ، وما نزل في الشتاء وما نزل في الصيف ، وما نزل بمكة ، وما نزل بالمدينة ، وما نزل في الليل وما نزل في النهار ، وما نزل في الحضر ، وما نزل في السفر ، وهذا لم يحصل لكتاب على وجه الأرض منذ خُلق آدم إلى يومنا هذا إلا للقرأن الكريم يقول ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - "والله ما من سورة أُنزلت إلا وأنا أعلم أين أُنزلت ، وما من آية نزلت إلا وأعلم في أي شيء نزلت ولو أن رجلا أعلم مني بشيء من كتاب الله لضربت إليه أكباد الإبل حتى آتيه وأتعلم منه " أو كما قال - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - إن هذا يدل على أن الصحابة كانوا معنيين بالقرآن ، مهتمين به وقد جعلوه دستور حياتهم .
 دعونا نقف مع هذه السورة ولكن بعد أن نقرأها ونتلوها :

 
هذه هي سورة النصر ، هذه السورة أُنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيام التشريق ، أي في اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر من شهر ذي الحجة في حجة الوداع التي كانت في العام العاشر ، أُنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أُوتي من الحكمة والفهم التام العظيم أن نفسه قد نُعيت إليه ، يعني أن هذا دلالة على أن أجله قد قرُب ، ولذلك لما أُنزلت هذه السورة دعا ابنته فاطمة فقال : يا بنيتي قد نُعيت إليّ نفسي ، فبكت ثم ضحكت ، فسُئلت : لِم بكيتي ؟ ولِم ضحكتي ؟ قالت : بكيت عندما قال نُعيت إليّ نفسي ، قالوا : ولِم ضحكتي ؟ قالت : لأنه قال لي : أبشري فإنك أسرع أهلي لحوقا بي فضحكت .
/ هذه السورة عندما تتأملها تجد أنها تقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فتح الله عليك وجاء الله بالخير إليك وهذا نصر الله سبحانه قد نزل ، وقد دخل الناس في دين الله أفواجا فاستعدّ للقاء الله بكثرة التسبيح والاستغفار فإن الله توّاب رحيم .
 وهاهنا قصة طريفة يحسُن بي أن أذكرها لكم لتعلموا أن فهم القرآن درجات ومراتب . كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يُدخل أشياخ بدر ويجتمع إليهم ، وكان يُدخل معهم ابن عباس ، وكان ابن عباس شابا صغيرا فكأن بعضهم قد وجد في نفسه ، قالوا كيف يدخل هذا الغلام معنا فنحن أشياخ ولنا أبناء مثله فلم لا يُدخلهم معنا ؟ فأراد عمر أن يُريهم ، قال ابن عباس : فدعاني ذات مرة فعلمت أنه لم يدعني إلا لشيء أراده من هذا الباب . قال : فلما اجتمعوا قال ما تقولون في قول الله - عزّ وجل - (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) ؟
قالوا : أُمرنا في كتاب الله إذا نصرنا الله وفتح علينا أن نستغفره ونتوب إليه أي أن نُكثر من استغفاره وذكره وشكره لما أنعم به علينا . فقال عمر : ما تقول فيها يا ابن عباس ؟ قال : قلت أقول فيها هذا أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كيف يكون أجل رسول الله ؟ يعني إذا فتح الله عليك يا محمد وجاءك نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجا فاستعد للقاء الله فإن أجلك قد دنا وموتك قد قرُب .فقال عمر : والله ما أعلم منها إلا ما تعلم .
 أرأيتم أحبتي الكرام كيف فهم ابن عباس وفهم عمر منها ما لم يفهمه بقية الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ، وفهم الصحابة الذي فهموه ليس فهما خاطئا بل هو فهم صحيح لكن الذي فهمه ابن عباس وابن عمر أزيد منه وأعظم وأعمق ، ولذلك نحن نقول من فتح الله عليه فتحا ومن نصره الله على عدوه فليشكر نعمة الله بكثرت التسبيح والصلاة ، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما فتح الله عليه مكة صلى ضحى ذلك اليوم - كما في حديث أم هانئ - ثمان ركعات ، صلى ثمان ركعات يُسلّم من كل ركعتين - عليه الصلاة والسلام - وقد سمّى بعض العلماء هذه الركعات ركعات الفتح أو صلاة الشكر ، وثبت ذلك عن عدد من الصحابة كما ثبت عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - عندما فتح المدائن صلى شكرا لله - سبحانه وتعالى - وهكذا أنت كذلك إذا أنعم الله عليك بنعمة فبادر إلى الصلاة واشكر نعمة الله .
 / يقول الله - عز وجل - (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ، إذا جاء نصر الله الذي ينصر به عباده ، عباده الذين ينصرونه فيفعلون ما أمر الله به ويدينون لله بالدين القيّم ، والفتح كفتح مكة ، والفتح المقصود به هنا هو فتح مكة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما زال يُقارع المشركين ويُقاومهم ويجاهدهم حتى فتح الله عليه في العام الثامن وكان الفتح فتحا عظيما ، لماذا كان فتحا عظيما ؟
لأن العرب كلها قد حطت أنظارها على أهل مكة وقالوا هؤلاء هم قومه ، هؤلاء هم أهله وهم أدرى الناس به فمتى آمنوا به آمنّا به ومتى غلبوا وانتصروا عليه كفانا الله شره فالله - سبحانه وتعالى - نصر رسوله فمن حين أن خرج من المدينة إلى أن رجع إليها لم يكن هناك فرق إلا ثمان سنوات ، الله أكبر هذا هو الانتصار الحقيقي وهذا هو الفتح الأكبر . وهنا أحبّ أن أرفع لبسا قد يقع في أذهانكم ففي سورة تُسمّى سورة الفتح يقول الله - عز وجل - فيها (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) أتدرون ما هو ذلك الفتح ؟
 إنه صلح الحديبية فذلك الصُلح سماه الله فتحا لأن ذلك الصُلح كان فيه من الخيرات والثمرات والبركات والانتصارات ما لا يعلمه إلا الله ، أتدرون كيف كان ذلك ؟
 لما عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية مع أهل مكة وكانت بنود وشروط هذا الصلح جائرة في حقه عليه الصلاة والسلام ومع ذلك قبِل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه رأى فيها مصالح لم يرها المشركون بل ولم يرها كثير من أصحابه - رضوان الله عليهم - قبِل النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الشروط وكان من ضمنها ايقاف الحرب بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل مكة عشر سنين فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خلال هذه المدة سيتفرغ لبقية قبائل العرب وكان أول شيء بدأ به بعد صلح الحديبية أن غزى خيبر ولما غزى خيبر غنِم منها أموالا كثيرة لأنها مدينة يهودية أو دار لليهود فغنم النبي - صلى الله عليه وسلم - منها زروعا وثمارا وأراضي وأموالا كثيرة جدا فتقوى بها - عليه الصلاة والسلام - ولم يلبث المشركون بعد عامين تقريبا إلا وقد نقضوا بنود الصلح فاعتدوا على حلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني خزاعة فعند ذلك استحقوا الجزاء فغزاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش قوامه عشرة آلآف جندي مسلم فما شعُر أهل مكة إلا ورسول الله قد أطاف بهم من كل جانب فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ولم يلقَ بها حربا وكانت فتحا فتحا .
 / قال الله - عز وجل - (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) لما فُتحت مكة أذعن أهل مكة ثم أسلموا ، فلما أسلموا وهم سادة العرب ، وهم رؤوس الناس جاء العرب كلهم مسلمين ودخلوا في دين الله أفواجا ولذلك كان الفتح في العام الثامن لم يأتِ العام العاشر حتى جاء العرب من كل أنحاء الجزيرة مذعنين مستسلمين ، مسلمين داخلين في دين الله أفواجا أي جماعات إثر جماعات قال الله - عز وجل -(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) أي إذا وقع هذا يا محمد وحصل لك ذلك الفتح وذلك النصر ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فأكثر من التسبيح بحمد الله والاستغفار ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول السورة يُكثر من التسبيح والاستغفار حتى قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها وأرضاها - "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ، قالت يتأول القرآن" يعني يأخذ بما جاء في القرآن فيعمل به في ركوعه وفي سجوده وقد كانت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - تلاحظ بعد نزول هذه السورة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكثر من التسبيح بحمد ربه فلا يكاد يفتر لسانه عن قوله (سبحان الله وبحمده اللهم اغفر لي ، سبحان الله وبحمده اللهم اغفر لي ) وهكذا ينبغي مني ومنك أن نُكثر من التسبيح بحمد الله والاستغفار لماذا ؟ لأنك إذا سبحّت الله نزهته أي نفيت عنه كل نقص ومشابهة للمخلوقين ، وإذا حمدت الله أثبت له كل كمال سبحانه وتعالى يستحقه ويليق به ، إذاً ، إذا قلت "سبحان الله وبحمده" أثبت له كل كمال وقبل ذلك نفيت عنه كل نقص وهذا غاية التنزيه والتعظيم والحمد والتمام والكمال لله عز وجل .
 ثم جاء من بعد ذلك الاستغفار ، والاستغفار طلب العفو والمغفرة من الله - سبحانه وتعالى - وتعرفون في اللغة العربية يُقال المِغفر وهو شيء يُوضع على رأس المحارب يتقي به المحارب ضربات السيوف والسهام التي يمكن أن تقع على رأسه ، فالمجاهد يضع المِغفر ليتقي بها ضربات السيوف وأنت أيضا تستغفر لتتقي آثار الذنوب فإذا قلت "استغفر الله" أنت تطلب شيئين انتبه لهما : الشيء الأول أنك تطلب من الله - سبحانه وتعالى أن يعفو عنك ويسامحك عن ذلك الذنب ، والشيء الثاني هو أنك تطلب من الله أن يستر هذا الذنب عليك فلا يُؤاخذك به .
 هكذا مشاهدي الكرام نحن بالاستغفار نطلب الأمرين ، والاستغفار نوعان : استغفار كاذب ، واستغفار صادق أما الاستغفار الكاذب فهو ذلك الذي يقوله الإنسان بلسانه وهو مقيم على المعصية لا يُغارد منها شيئا ، وأما الاستغفار الصادق فهو الاستغفار الذي يتراجع فيه الإنسان عن ذنبه ويتوب إلى ربه ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول موصيا أصحابه (أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله واستغفره في اليوم مئة مرة) وقال ابن عمر إن كنا لنعُدّ للنبي - صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد يقول سبعين مرة "استغفر الله وأتوب إليه اللهم اغفر لي" أو كما قال - رضي الله عنه وأرضاه .
 إذا لابد لنا من ذلك ولنعلم أن ربنا توّاب أي كثير التوبة على عباده ويفرح بالتوبة من عبده إذا تاب إليه يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم على ناقته في أرض فلاة فأضلها وعليها طعامه وشرابه حتى أيس منها فاستلقى في ظل شجرة ينتظر الموت ثم نام ثم قام فوجدها مربوطة عنده فقام فقال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ) هذه أبلغ ما يكون من الفرح عند الناس لأن الرجل قد انتظر الموت وأيس من الحياة فجاءته الحياة ، فالله يفرح بتوبتك أشدّ من فرح هذا الرجل بناقته التي عليها حياته . وهكذا يجب علينا أن نجتهد في التوبة وأن نعلم أن ربنا سبحانه وتعالى يفرح بتوبتنا بل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل .
 / هذه السورة تضمنت عددا من المعاني :
 الأول : أن لله نصرا ينصر به عباده ، ينصر به من نصره .
 الثاني : أن من أنعم الله عليه بنعمة فليبادر إلى الإكثار من ذكر الله واستغفاره قدر ما يستطيع.
 الثالث : أن من أعظم النِعم التي ينبغي أن يفرح بها المسلم دخول الناس في دين الله أفواجا ، فتلك نعمة عظيمة (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.
 الرابع : أنه إذا أنعم الله عليك بنعمة فبادر لشكر الله ولا تؤجل أو تؤخر ، صلِ ركعتين أو أربعا أو ستا أو ثمانيا ، حسبما يتسع له وقتك وتقدر عليه ، فتُبشر بالنجاح أو تُبشر بالولد أو تُبشر بالسلامة من المرض ، بادر إلى الصلاة شكرا لله - عز وجل - فإن الصلاة من أعظم ألوان الشكر .
بهذا نصل إلى نهاية حلقتنا على أمل اللقاء بكم في حلقة قادمة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

لحفظ الملف الصوتي :





اقرأ المزيد...

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

(فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى)

قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) [الأعلى:9]
هذا وعد من الله لأهل خشيته أنهم سيذكرون وينتفعون من كتابه أعظم انتفاع.
 والتذكر المراد هنا يشمل ثلاثة أمور:
الأمر الأول : التذكر الذي يحمل على محبة الله ، ومحبة لقائه والتقرب إليه من تذكر صفات الله وكرمه وفضله وإحسانه فإن العبد إذا عظمت محبة الله تعالى في قلبه أحب ما يُذكّره به ومن أحب ذكر الله أحبَّ الله له أن يتذكر ، ومن كره ذكر الله كان جزاؤه من جنس عمله إلا أن يعفو الله عنه ويتوب عليه.
 وصدق المحبة يحمل على الخشية من الانقطاع عن الله والحرمان من رضوانه، ولذلك إذا بلغهم من نصوص الكتاب والسنة أن من عقوبة بعض الذنوب أن صاحبها لا يكلمه الله ولا ينظر إليه أورثهم ذلك خشية خاصة يجدونها في قلوبهم لما وقر فيها من معرفة الله ، واليقين بأن الحرمان من تكليمه والنظر إليه عقوبة عظيمة لا يحتملها من صدقت محبته لله .
الأمر الثاني : التذكر الذي يحمل على الرجاء في فضل الله وحسن ثوابه؛ فإنه إذا تذكر ما أعده الله لعباده من الثواب والفضل العظيم دعاه ذلك إلى الازدياد من الأعمال الصالحة لما يرجو من حسن ثوابها. وصدق الرجاء يحمل على الخشية من فوات ثواب الله وفضله.
الأمر الثالث : التذكر الذي يحمل على الخوف من الله تعالى والخوف من سخطه وعقابه ، وهذا ما يزجره عن ارتكاب المحرمات والتفريط في أداء الفرائض . والخوف الصادق يحمل على خشية التعرض لسخط الله وعقابه.
 وهذه الأمور الثلاثة (المحبة والرجاء والخوف) هي أركان العبادة، وعليها مدراها، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالخشية كما سبق بيانه، وبهذا تعلم شيئاً من الفرق بين الخشية والخوف، وأن خشية العبادة لها لوازم تعبدية من المحبة والخوف والرجاء.
 قال ابن كثير: "وقولُه: (سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى) . أي: سَيَتَّعِظُ بما تُبَلِّغُه يا محمدُ مَن قَلْبُه يَخْشَى اللَّهَ ويَعْلَمُ أَنَّه مُلاقيهِ". فالذي تقوم في قلبه خشية العبادة لله تعالى من محبته والتذلل له والتعظيم والانقياد والرغبة والرهبة ورجاء لقائه وفضله العظيم والخوف من سخطه وعقابه والخوف من أن يتخلى عنه ربه ووليه إذا هو ارتكب ما يسخطه، من قام في قلبه هذا المعنى كان من أكثر الناس حظاً وانتفاعاً بالقرآن العظيم ، لأنه يقرأ القرآن ويسمعه وقلبه متطلع إلى مزيد من الهدى ليتعرف به على أسباب التقرب إلى الله تعالى والفوز برضوانه وفضله العظيم والسلامة من سخطه وعقابه. ومن كان هذا حاله فهو موعود بما يسره ويرضيه، من الهداية لما يقربه إلى الله تعالى ويدنيه ، ويسعده في الدنيا والآخرة ولا يشقيه ، وتأمل وصف الله تعالى لحال أهل خشيته عند تلاوتهم وسماعهم لآيات الله تتلى عليهم ومعرفتهم بأنهم هم المعنيون أولاً بما فيه من العبر والبينات، قال الله تعالى: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
___________________________________________________________________
مسائل التفسير المستخلصة من دورة في شرح ثلاثة الأصول للشيخ عبد العزيز الداخل / من الدرس الثامن : بيان معنى العبادة وأنواعها
اقرأ المزيد...

الاثنين، 2 يوليو 2012

وقفات مع سورة العاديات | الشيخ وليد الرشودي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه وأزواجه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد :
 أقف معكم وقفات عُجلى مع سورة عظيمة - وكل سور القرآن عظيمة - مع سورة العاديات التي ما من مُصلي يمُنّ الله عليه بالتوفيق والسداد ويُلهمه اللطف والرأفة ويدخل المسجد إلا ويسمع هذه السورة في الأسبوع مرة أو مرتين .

 

 يقسم الله تعالى - ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته - وليس للمخلوق الضعيف أن يقسم إلا بالله - جل وعلا - . يُقسم بمخلوق فيه من الآيات الباهرة والنعم الظاهرة ما هو ملوم للخلق الذين عاشوا مع تلك الدابة المعلومة وهي الخيل فيقول الله - عز وجل - : (وَالْعَادِيَاتِ) أي أقسم بالعاديات وهي التي تعدو عدوا بليغا قويا يصدر عنه " الضبح " وهو صوت نفسها في صدرها (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) هذا الضبح صوت الحشرجة ، قوة النفس الذي يصدر في الخيل حينما تعدو سريعا فتتقدم على سائر الدواب التي تشاركها ، فلا البغل يدركها ولا الإبل يستطيع أن يلحقها فضلا عن الحمار أن يلحق بركبها .
(وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) " العاديات " الخيل تعدو بسرعة " ضبحا " تميزت لنا أنها هي الخيل لصوت يصدر من صدرها .
/ (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) " الموريات " بحوافرها تطأ الحجارة فتقدح الحجارة ، تخرج نار ، شرر من شدة هذه الحوافر سرعتها ، عدوها وقوة ضربها على الأرض تضرب بالحجارة فيضرب الشرر ، تخيل لو تضرب حجرين لتقدح بينها كذلك حافر الخيل يضرب بالحجارة فيخرج منه الشرر من سرعة وقوة ضربها لتلك الحجارة .
 / (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) تحمل الرجال فيُغيرون على الأعداء ، يهجمون عليهم (صبحا) أغلب الحروب والغارات تكون في الصباح ، لا تكون في الليل لأنه لا مصابيح لا قنابل ذكية ، لا جرائم أمريكية تدمر الكون وإنما هي حروب كانت تُعرف يُغيرون على الناس في الصباح , وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرؤوف الرحيم في هديه في القتال أنه لا يُباغت القوم فإذا طلع الفجر فإن سمع أذانا ترك وإن لم يسمع أذانا أغار على القوم (صبحا) في الصباح على الأمر الغالب .
 / (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) حين يقدمن للمعركة وتكون هي شجاعة تحمل الراكب فتجعله في الوسط فتثير الغبار ، يثور الغبار في وسط المعركة .
/ (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) حملت المحمول في وسط الجمع ، في وسط الجموع بكل شجاعة واستبسال . هذه الخيل التي تميزت بهذه الميزات : العدو السريع ، قوة الضرب في الأرض فتقدح الأرض شرار ، وتغير في الصباح ولا يهمها الراحة ، ثم تثير النقع وهو الغبار في وسط المعركة لا تأبه بمن يُجابهها أو يقابلها . هذه الأقسام المتتابعة عند قوم عرفوا الخيل ، عرفوا قوتها وعرفوا مكانتها ، وعرفوا بركتها ، يُقسم الله تعالى لهم بها .
س: ما المقسم عليه ؟
ج : (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) المقسم عليه أنا وأنت ، ومعنى (كنود) : منوع للخير الذي عليه لربه فالله تعالى أنعم ، تفضل ، بسط في الرزق ، في العافية ، في الأمن ثم بعد ذلك أنا وأنت الواجب علينا تجاه هذا الرب الكريم نمنعه ، نحول بيننا وبين أنفسنا من أن تتمكن من تؤدي الواجب لله عليها ، (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) جبلته لا تسمح بأداء ما عليه من حقوق سواء في حق الله - جل وعلا - ثم في حق والديه ثم في حق صحبته ، ثم في حق وطنه ، ثم في حق مجتمعه لا يؤدي الحق الذي عليه . يطالب بحقه لكن الحق الذي عليك "كنود" لا تبادر به لا توفيه - هذا على الغالب - .
/ (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) شهيد على أعماله ، لا يمكن أن تجحد أنت أنك لا تؤدي الحق الذي عليك ، تعال وانظر لحالك مع الصلاة هل إذا قال المؤذن " حي على الصلاة حي على الفلاح " أجبت الداعي وبادرت أم أنك تتبع الأقوال الشاذة والفتاوى الرخيصة من يخرج لك ويُبارد في تضليل عباد الله بالاستخفاف في أمر الصلاة وفي صلاة الجماعة وتقول هناك أقوال لأهل العلم دون السبر والغوص في حقيقة هذه الأقوال وتمييز حقها من باطلها في قضايا الشهوات ، في قضايا الشبهات ، في قضايا الانغماس في كثير من المحرمات .
 أين حق الله عليك في المنع ؟ أين حق الله عليك في الإتيان بالواجبات التي أمرك الله بها ، حاسب نفسك وانت شهيد على ذلك، (إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) لكن اسمع (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) خرجنا من قبورنا وثار علينا الغبار الذي كما كان نقعا توسطت به تلك الخيل كذلك نخرج يوم القيامة ولى رؤوسنا التراب .
 / (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) خرج المكنون ، الذي كان مخبواء خرج وبان وعُلم أننا لم نؤدِ الحق الذي أوجبه الله تعالى علينا .
 / (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) خبير بما استتر في الصدور وبما أكنناه ، ولماذا تأخرنا عن الواجب ولماذا أقدمنا على الحرام ، هل هناك ما يعوق ، هل هناك ما يؤدي أم أنه تزيين الهوى والنفس والشيطان .
 نسأل الله تعالى أن يُعيننا على أنفسنا وأن يثبتنا وإياكم على الحق وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
اقرأ المزيد...

الأربعاء، 27 يونيو 2012

تفسير سورة الماعون

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :
ما زلنا نتحدث في هذه السور العظيمة التي حملت معاني كبيرة وكريمة ، واليوم وصل بنا المطاف إلى سورة الماعون ، هذه السورة التي تحدثنا عن عدد من خصال الكفار التي يجب علينا جميعا أن نتقيها . وإذا كانت هي من خصال الكفار وكانوا جديرين بأن يكونوا متصفين بها فإنه يجب علينا جميعا أن نحذر من الوقوع فيها لأن شُعب الكفر منها ما يخرج به الإنسان من الملة ويكون كافرا ، ومنها ما لا يخرج الإنسان من الملة وعليه فإن المسلم إذا تشبه بهم فيها وحصل منه مثل تلك الخصال كان عليه من الوعيد والجزاء بقدر ما حصل منه ، وسنبين ذلك إن شاء الله بعد تلاوة هذه السورة فافتحوا مصاحفكم وحاولوا أن تقرؤا معي هذه السورة لعل الله - عز وجل - أن ينفعني وإياكم بها جميعا .





 

انظروا أحبتي الكرام إلى هذه الخصال التي وقعت من هؤلاء القوم ما هي ؟
أولا : يكذبون باادين
ثانيا : يدعون اليتيم
ثالثا : لا يحضون على طعام المسكين
رابعا : يسهون عن الصلاة
خامسا : يراؤن
سادسا : يمنعون الماعون
ست خصال ؛ هذه الخصال الست لو نظرنا إليها لوجدنا أنها تعود إلى الخصلة الأولى فكل هذه الخصال ثمرة وأثر من آثار الخصلة الأولى وهي التكذيب بالدين . والتكذيب بالدين إما أن يكون المعنى هنا التكذيب بالجزاء والحساب أي التكذيب بيوم القيامة وهذا هو الذي يظهر ، أو يكون بمعنى الدين : الملة التي أنزلها الله - سبحانه وتعالى - على نبيه ، لكن الغالب في استعماله في هذه السور أنه يراد به الجزاء والحساب .إن الإيمان بيوم القيامة ضروري لاستقامة الحياة ، لن يستقيم إنسان على أخلاق فاضلة ، ولن يدع الأخلاق السيئة ، ولن يستتب الأمن في البلد ، ولن يحصل الاستقرار حتى يؤمن العباد باليوم الآخر ، فإذا آمنوا باليوم الآخر عرفوا أن هناك جزاء وحسابا ، وجنة ونارا ، فاستقامت أخلاقهم وصلحت أحوااهم ودعوني أضرب لكم هذا المثل : عندما يجد المسلم مبلغا من المال في مكان خال تجده لا يأخذه ولا يحدث نفسه بأن يأخذه لأنه يقول إن أخذته فقد يأتي صاحبه ، ثم إن أخذته فإنه لا يحل لي وسأحاسب عنه (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به ) أنت ستسأل عن النقير والقطمير ، عن القليل والكثير ، ولذلك المؤمن يخاف ولا يمكن أن يأخذ شيئا ليس من حقه ، هذا إذا كان يؤمن بالجزاء والحساب ويستحضر الإيمان باليوم الآخر في كل أحواله ، ولذلك قال الله - عز وجل - في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) أي اصطفاهم الله لأنهم يتذكرون الدار الآخرة دوما وأبدا ولذلك هم دائما على أحسن الأحوال وأكملها .

ولاحظ هذا في نفسك أخي المسلم إذا تذكرت الجنة والنار والصراط والحشر والجزاء والحساب والموت والسؤال فإنك لا تحدث نفسك بأن تظلم أحدا من عباد الله أو تأخذ حقا ليس لك أو تعصي ربك سبحانه وتعالى .
أرأيتم لماذا عظم في كتاب الله الإيمان باليوم الآخر ، لأنه لا صلاح للبشرية إلا بالإيمان باليوم الآخر ، لا صلاح لهذه البشرية إلا بأن تؤمن بالله وتؤمن باليوم الآخر ؛ فإذا آمنت باليوم الآخر فإنها بإذن الله - عز وجل - ستستقيم على الجادة .في سورة المطففين التي تقرؤنها جميعا انظروا ماذا حصل فيها عندما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة كان أهلها أخبث الناس كيلا فكانوا يسيؤون في المكاييل والموازين فأنزل الله هذه السورة فقال (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ) من هم المطففون ؟ (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) إذا اكتالوا من الناس أخذوا الكيل وافيا وإذا كالوا للناس أنقصوا في المكيال والميزان (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) وانظروا أمام هذه الخصلة المشينة والخلق القبيح يذكرهم الله بالوقوف بين يديه (أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ )) فماذا حصل أحبتي الكرام ؟ صار أهل المدينة أحسن الناس كيلا وإلى اليوم فهم من أحسن الناس في الكيل ، إذا كالوا لأحد في البيع فإنهم يزيدون في الكيل ، نفعتهم هذه الآية ونفعهم هذا التذكير ، سبحان الله العظيم هذا أثر من آثار الإيمان باليوم الآخر ، أثر واحد من آثار الإيمان باليوم الآخر ولذلك لا نستغرب أن القرآن مليء بالدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر لأن فيه صلاحا لقلوبنا ، صلاحا لأخلاقنا ، صلاحا لأحوالنا ، أمنا لمجتمعاتنا ، فإن الناس إذا كانوا يذكرون اليوم الآخر ويذكرون القيامة لم يخونوا ، لم يغشوا ، لم يرابوا ، لم يكذبوا ، لم يخادعوا ، لم يظلموا ...الخ ما هنالك .
فالله - عز وجل - يعجب من حال هذا الذي يكذب بالدين يقول (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) أخبرني عن حاله ؟ قال (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) أي هذا الذي يكذب بالدين حاله أنه يدُعُّ اليتيم أي يدفعه دفعا عن حقه ، فإذا مات الرجل وصار وراءه صبية صغار جاء الثاني من إخوانه ، أو جاء الرجل الكببر في قومه فدفع الأيتام عن حقهم وظلمهم في المال الذي يستحقونه من مال أبيهم ، فأخذ المال واعتدى عليه وأساء إلى هؤلاء الصغار وظلمهم ، ويا ويله من عذاب الله يوم أن ظلم هؤلاء الذين لا يستحقون هذا الظلم ولا يجوز له أن يظلمهم فيه . ولذلك جاء الإسلام بتعظيم حق اليتيم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) يعني أنه من شدة قربه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنه في قرب هذه من هذه ، وفي منزلة هذه من هذه . تأملوا ذلك جيدا إخوتي الكرام .
/ (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) اليتيم هو : الذي مات أبوه قبل سن البلوغ ، فمن مات أبوه قبل سن البلوغ فهو يتيم ، ويجب على أهل الإسلام ، على المسلمين جميعا أن يحترموا ويرحموا ويقدروا ويعطفوا على هذا اليتيم وأن يكرموه حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا أردت أن يلين قلبك وتدرك حاجتك فامسح رأس اليتيم) ولذلك نرى أهل الإسلام بحمد الله إذا جاؤا إلى الأيتام مسحوا رؤوسهم يريدون أن تلين قلوبهم ويدركوا حاجاتهم ويستجيب الله -عز وجل - دعاءهم ، يقول الله - عز وجل - في القرآن (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) فمن أكل مال اليتيم فقد أكل النار في بطنه فيا ويله ، يا ويله من عذاب الله ، ويا ويله من عقوبة الله التي تنتظره . ويقول - جل وعلا - (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) لا تقربوا مال اليتيم إلا بأحسن ما ترون من التجارات وأنواع الاستثمارات لتنمية ماله ، فمتى شككتم أنكم لا تحسنون في مال اليتيم فلا تقربوه حتى يبلغ أشده وإذا بلغ أشده اختبروه فإن رأيتموه يحسن التصرف في المال فأعطوه ماله .
/ قال الله - عز وجل - (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) أي ذلك الذي يكذّب بالدبن  ، يكذّب بالجزاء والحساب واليوم الآخر والوقوف بين يدي الله هو الذي لا يحضّ على طعام المسكين والذي لا يحضّ على طعام المسكين لا شك أنه لا يطعم المسكين ، فهو لا يطعم المسكين أولا ولا يحضّ على طعام المسكين أي : لا يحث غيره على طعام المسكين . فعندما يأتي مسكين أو يسمع بمسكين يريد الناس أن يتصدقوا عليه ويطعموه يقول اتركوه هذا ما يستاهل ، هذا ليس جديرا بالصدقة ، تضيعون أموالكم !؟ استفيدوا أنتم من أموالكم ، أمثال هؤلاء لا يستحقون شيئا . فهو لا يطعم المسكين ولا يحض على طعام المسكين .
والمسكين هو الفقير ، سمي مسكينا من المسكنة ، والمسكنة هي الذلة لأن الإنسان إذا أملق وافتقر أصابه ذل فكذلك هذا المسكين الذي افتقر يصيبه ذل بسبب الفقر . يقول الله - عز وجل - (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) إذا يجب علي وعليك أخي المسلم أن نطعم المسكين ، وأن نكرمه وأن نرحمه ، وإذا لم نستطع أن نطعمه ولم يكن بأيدينا ما نعطيه إياه فعلينا - أحبتي الكرام - أن نفعل شيئا مهما لن نعدم به الأجر بل أجر المتصدقين كلهم وهو أن نحض على طعام المسكين . آتي إلى أخي هذا الذي أغناه الله وإلى جاري هذا الذي رزقه الله فأقول له يا فلان هذا جارنا مسكين أعطه مما أعطاك الله ، أعطه شيئا من الطعام ، اصرف عليه ، أنفق عليه ، تصدق عليه فتأخذ بذلك أجر المتصدق لأن الدال على الخير في الإسلام كفاعله .
إذا (وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) والمساكين أنواع : / مسكين يسأل
/ ومسكين متعفف
أما الذي يسأل فهذا ترده اللقمة واللقمتان والدرهم والدرهمان ، يعني يعطى الشيء الذي ترد به مسألته لأنه اعتاد السؤال ولا يأبه به . وهناك مسكين لا يسأل ، يبيت طاويا جائعا ولا يسأل أحدا فهذا ينبغي علينا أن نكرمه وأن نفي بحاجته .
/ ثم قال الله - عز وجل - (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) "ويل" إما أن يكون واديا في جهنم أو تهديد ووعيد لكل أولئك الذين يكذبون بيوم الدين وهم يصلون لكنهم عن صلاتهم ساهون أي يؤدون هذه الصلاة كيفما اتفق فيخرج وقتها ولا يعلمون عنها . ولاحظوا كيف قال (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَولم يقل الذين هم في صلاتهم ساهون لأنه لو قال الذين هم في صلاتهم ساهون لدخل أكثرنا في هذا الوعيد فما منا من أحد إلا وهو يسهو في صلاته ولكن نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يعافينا من هذا البلاء ويعيننا على أن نقيم الصلاة كما ينبغي أن تقام .
هؤلاء ذنبهم أنهم يسهون عن الصلاة ، هم يصلون لكن يسهون عن الصلاة فيؤخرونها عن أوقاتها ، لا يصلي الظهر إلا بعد المغربء، ولا العصر إلا بعد العشاء (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) .
واليوم - مع كل أسف - نشاهد كثيرا من المسلمين قد اتصفوا بهذه الخصلة مع أنها ركن الدين الأعظم ، هي ثاني أركان الإسلام يقول عمر بن الخطاب "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) انتبهوا إخوتي الكرام إلى هذا الأمر واهتموا به أعظم الاهتمام لئلا يقع لكم هذا الوعيد العظيم (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ).
/ قال الله - عز وجل - (الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) أيضا من صفاتهم أنهم يراؤن ، إذا عملوا عملا من أعمال الخير أرادوا به نظر الناس فهم لا يعملونه لأجل الله إنما يعملونه من أجل أن يشاهدهم الناس وهم يقومون به فيا ويلهم ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي يرويه عن ربه (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) وفي رواية (فهو للذي أشرك وليس لي منه شيء) إذا عملت عملا وأشركت مع الله فيه ولو قليل فالله - عز وجل - غني عنه ولا يريده لأنه أغنى الشركاء عن المشاركة لا يريد عملا يشرك فيه معه غيره - سبحانه وتعالى - والرياء داء الأعمال الصالحة فعلى المسلم أن يجتهد في مدافعته ويجتهد في مجاهدة نفسه على هذا الرياء ويحرص أشد الحرص على أن يخلص دينه لله -عز وجل - ومتى شككت أنك وقعت في شيء من الرياء فقل الدعاء الذي ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم واستغفرك لما لا أعلم) تعوّذ بالله من شر ما تعلم أنك وقعت فيه وتستغفر الله للشيء الذي لا تعلمه لأن الرياء يدخل على عمل الإنسان أحيانا وهو لا يشعر
إذا فلنحذر من الرياء في أعمالنا الصالحة ، تتصدق ، تصلي ، تصوم ، تقرأ القرآن ، تصل الرحم ، تبر الوالدين ، تفعل ما تفعل افعله لأجل الله ، تبتغي به وجه الله .
قال (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) هذه هي الخصلة الأخيرة من خصالهم وهي أنهم من شدة شحهم وبخلهم يمنعون الماعون ، كيف يمنعون الماعون ؟

يعني يمنعون إعطاء غيرهم الآلات التي بأيديهم وهم غير محتاجين إليها . يأتيك جارك فيقول : لو سمحت أعطني القدر الذي عندك لأطبخ فيه ،.لا ما عندي . أعطني المصباح ، لا ما عندي . أعطني السلك الكهربائي ، يقول لا ما أعطيك . ساعدني بارك الله فيك في الاشتراك الكهربائي للسيارة ، يقول لا . هذا منع الماعون . ليس مثل إطعام المسكين لأن إطعام المسكين أن تأخذ مالك فتعطيه غيرك فيذهب عليك . منع الماعون مرحلة أشد في بيان البخل وبيان الشح الذي يبتلى به الإنسان وهو أن إناءك سيبقى ، هذا الإناء أو هذا الكأس أو هذا الفنجان سيبقى لكن هو سيستفيد منه ساعة أو يوما ثم يرده إليك فما الذي يمنعك أن تعطيه إياه وتكسب أجره ، ولهذا قال العلماء : يجب على المسلم إذا طلب منه أخوه المسلم شيئا من متاعه قد استغنى هو عنه أن يعطيه إياه على وجه العارية .
أسأل الله أن يمن علي وعليكم بفهم كلامه وأن يجعلني وإياكم ممن يحسنون الإبانة عن معاني كتابه وأن يجعلني وإياكم ممن يعملون بهذا الكتاب وأن يجعلني وإياكم والمسلمين من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 لحفظ المقطع الصوتي .
اقرأ المزيد...

الجمعة، 18 مايو 2012

تفسير سورة الفيل

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري


الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ،وأصلي وأسلم على الهادي البشير، والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين وبعد :
تحدثنا في المرة الماضية عن طغيان بعض الناس الذين بلغ بهم الطغيان أنهم يغتابون الناس ويطعنون فيهم ويلعنونهم ومع ذلك أعدّ الله لهم من العذاب والبلاء والنكال ما لا طاقة لهم به ، الحطمة التي تحطمهم حطما ، وتؤلمهم إيلاما ، وتعذبهم عذابا شديدا وهذا الأمر ليس قاصرا على أولئك الأفراد بل حتى لو كانوا جماعات يريدون السوء والمكر والبلاء بحرمات الله وشعائره فإن الله يعذبهم بل يعاجلهم بعقوبة لا طاقة لهم بها . تأملوا هذا جيدا .
 / أحبتي الكرام : مع هذه السورة التي سنتحدث عنها في هذه الحلقة الكريمة إنها سورة الفيل . هذه السورة التي أنزلها الله عز وجل لتكون آية عجيبة يتأملها العباد ويتدبرونها كيف ذلك ؟
هؤلاء قوم جاؤا ليحطموا بيت الله ويدمروا كعبة الله التي ارتضاها لعباده فعاجلهم الله بالعقوبة وجعل ذلك آية ومقدمة بين يدي بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولد في ذلك العام على أصح الأقاويل ، ولد عام الفيل - عليه الصلاة والسلام - وكأن هذا إرهاص ومقدمة لبعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأملوا هذا جيدا . دعونا نسمع هذه الآيات ونتلوها :




 
 الله أكبر إنها قصة عجيبة ، أتدرون ما خبر هذه القصة ؟
 إنه خبر طويل لعلكم تقرؤونه في كتب السيرة وفي كتب التاريخ كالبداية والنهاية ، بل وفي كتب التفسير كتفسير ابن كثير - رحمه الله - لكني أُلخص لكم هذا الخبر وأقف منه على موطن العبرة والعظة .
كان في اليمن ملِك حبشي يقال له أبرهة سمع ما يفعله العرب من تعظيم الكعبة وأراد أن تكون له ولدولته حظوة وأن يذعن له كل العرب فوقع في ذهنه أن يبتي بيتا عظيما ضخما مرخما فبناه وسماه القُلّيس من أجل أن يحج إليه العرب ويهجروا الكعبة ، وظن أن القضية قضية تهديد ووعيد أو وعد ووعيد ، وأن القضية قضية بناء يُبنى ثم تنتهي القضية ، وأنه إذا بنى بناء أحسن من بناء الكعبة فإن الناس ستنبهر بما يبنيه وتتوجه إليه وتترك الكعبة التي أمر الله - عز وجل - ببنائها وورثها الناس عن أبينا إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - هكذا ظن ، وهكذا توقع .
 فلما بنى ذلك البيت دعا الناس إليه فلم يستجب منهم أحد ولم يُقبل عليها أحد لأن تلك الكعبة قد صرف الله إليها قلوب الناس بدعوة إبراهيم ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) فالقلوب تهفوا إلى الكعبة وتذهب إليها ، وتحب المجيء إليها مع أنها في واد غير ذي زرع . - سبحان الله - القُلّيس في اليمن ، في منطقة باردة وجميلة وقد صنع لها أبرهة كل ما يجعلها فخمة فاخرة ، لم يتوجه إليها أحد ، لقد غاظه هذا التصرف وظن أن العرب أرادوا مقاطعته وما علم أن الأمر ليس بيده ولا بأيديهم إنما هو أمر الله . في تلك الأثناء جاء رجل من كنانة فدخل إلى القُلّيس فلوثها بالنجاسة ، فسمع بذلك أبرهة فجعل ذلك حجة على تصرف أرعن لم يحسب له حسابا وأراد الله - عز وجل - أن يُضله بل أن يكون في تضليل من بعد تضليل فعزم على أن يهدم الكعبة .
 ما ذنب الكعبة ؟ بل ما ذنب هؤلاء العرب الذين ما فعلوا شيئا لكعبتك يا أبرهة ؟
 لكنه الكبر ، لكنها الغطرسة ، لكنه حب العلو في الأرض . أراد أن ينفذ مخططه وجعل فعل هذا الرجل الأرعن السفيه حجة على ما يريد أن يفعله ، فجمع جيشا قِوامه ستون ألفا ثم سار باتجاه الكعبة فقابله بعض العرب من خثعم وغيرها من قبائل العرب وأرادوا مقاتلته ولكن شتان ما بين الفريقين ، هؤلاء ستون ألفا وهؤلاء ستمئة أو ألف أو ألف وخمسمئة أو غير ذلك من الأعداد لكنهم قليل ، فحطم الجيش الأول ثم الجيش الثاني فازداد شأنه ، وازداد طغيانه وظن أن الأمور قد مُهدت له وأن العرب جميعا ستتجه إليه وتذعن لكعبته الجديدة حتى وصل إلى مكة وفي تلك الأثناء كان عبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو سيد أهل مكة ، رجع الناس إليه : ماذا نصنع ؟ قال : لن نقاتل ، هذا بيت الله وحرمه وسيرد الله عن بيته وحرمه أما نحن فلا طاقة لنا في قتاله .
وكان مما فعله أبرهة أنه لما أقبل على البيت جمع إبل الناس كلهم وأخذ أموالهم فذهب عبد المطلب إليه ودخل عنده فهابه أبرهة وبدل أن يرفعه على كرسيه جلس هو وإياه على الأرض فقال : ما تريد ؟
قال : جئت أطلب إبلي 
قال : عجبا لك ظننت أنك ستطلب شيئا لهذه الكعبة
قال له عبد المطلب بلسان الواثق : أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه ، وهو واثق من ذلك .
استعدّ أبرهة لمهاجمة البيت وقد جاء بشيء لم يأت به أحد قبله ، جاء بالفيل الذي لا تعرفه العرب ولم تره من قبل وليس موجودا في هذه الجزيرة من أجل أن يحطم الكعبة بصورة يرتدع بها العرب وتكون له السيادة بعد ذلك .
 لما أرادوا أن يحركوا الفيل إلى إتجاه الكعبة برك في الأرض ، كان اسمه محمود ، يحاولون أن ينخسوه وأن يقيموه فلا يقوم ، ثم وجهوه إلى اليمن فقام يهرول ، وجهوه إلى الشام قام يهرول ، وجهوه إلى المشرق قام يهرول ، وجهوه إلى الكعبة لم يتحرك مترا واحدا . لا إله إلا الله إنه مأمور . عند ذلك أراد الرجل أن يتقدم بجيشه إلى بيت الله - عز وجل - فأذن الله لجندي من جنود وهو الطير أن يقوم بمهمة الحرب الشاملة ، الحرب العلوية ، الحرب التي تدار بأوامر سماوية وكانت هذه الطير تحمل بأيديها ومناقيرها الحجارة وترمي هؤلاء رميا ، اسمعوا إلى هذه القصة كيف حُدثنا بها حتى مات هؤلاء فلم يبق منهم أحد قال الله - عز وجل - :
/ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) ألم تعلم ويصلك خبر ما فعله الله بأصحاب الفيل (كَيْفَ فَعَلَ) فالمقصود كيفية الفعل ، (فَعَلَ رَبُّكَ) ربك يا محمد ، وهذا مقدمة بين يدي بعثتك وبين يدي رسالتك يا محمد . (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) والله إني لأقف متعجبا من قوله بأصحاب الفيل ، لم يقل كيف فعل بالفيل ومن معه بل بأصحاب الفيل ، كأن الفيل ليس معهم وليس موافقا لما يريدون أن يفعلوه ولم يقر هذه الخطة ولم يقدم على خطوة واحدة تجاه هذا المنكر العظيم أن يهدم بيت الله . ومن يفعل ذلك ؟ الله - سبحانه وتعالى - (كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) الذي يحفظ بيته ويرد كيد العدو في نحره .
(أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) لقد كاد أبرهة كيدا إثر كيد فجعل الله - عز وجل - خطواته في ضلال إثر ضلال (فِي تَضْلِيلٍ) كل مرة يزداد عتوا ويظن أنه وصل المراد وأنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيق ما يريد أن يحققه من هدم الكعبة ، أضلّه الله ، جمع هذه الجموع الكبيرة ثم سار وبدأ يخيف العرب ، قاتل الجيش الأول ثم جيشا ثان وانتصر عليهم ثم قدم إلى مكة فاستسلم له أهل مكة وقد جاءهم بهذا الفيل العظيم وظن أن الأمور قد هيمن عليها وسيطر عليها ، ولكن الأمر ليس بيده لقد مكر الله به وهو لا يشعر . ألم يجعل كيدهم ومكرهم في تضليل ؟ .
 / (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) تأملوا كلمة طيرا نكرت هنا تفخيما وتعظيما لها ، وهذا يدلنا على أن أفضل أنواع المواجهة الحربية المواجهة العلوية فإن الذي يملك في الحرب الجو يملك ما تحت الأرض ويستطيع أن يسيطر على موازين القوى في المعارك الحربية ولذلك نرى الدول تركز على أمر الطيران وكلما كان أمر الدولة في أمر الطيران قويا كان ذلك أدعى لانتصارها ولخوف أعدائها منها .
(وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) " أبابيل" أي جماعات متفرقة ، هذه طير تأتي من هذه الجهة وهذه طير من هذه الجهة وهذه من هذه الجهة بحيث لا يستطيعون أن يغادروا المكان ولا يستطيعون أن يتفرقوا ، ولا يستطيعون أن يختبؤا ، هذه تأتي من جهة المشرق وهذه من جهة المغرب ، وهذه من الشمال وهذه من الجنوب ، ما هذا لقد امتلأت السماء ، لقد جاءتهم الطير من كل مكان ، لا إله إلا الله ، وهذه خطة حربية عالية ودقيقة أن تأتي الطير من كل إتجاه فلا يبقى للعدو مفر ولا مهرب ، إذا هذه الطير جاءت جماعات جماعات متفرقة من كل مكان من أجل أن تحصد هؤلاء ولا تبقي منهم شيئا .
/ قال (تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ) لنقف أنا وإياكم حول قوله "تَرْمِيهِم" لم يقل تلقي عليهم الحجارة ، ليس القصد الإلقاء بل هي ترمي رميا ، ترمي هؤلاء رميا بقصد ، هذه الحجارة تُلقى على هذا الجندي الكافر فتقع على رأسه فتشقه وتخرقه خرقا مع دابته التي هو عليها .
 (تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ) هذه الحجارة من أين جاءت ؟ لا نعلم ، من الذي وضعها في أيدي هذه الطير؟ لا نعلم ، الله هو الذي قدّر كل شيء ، هو الذي أدار دفة هذه المعركة ضد هؤلاء الذين أرادوا ببيته سؤا ، فكيف لو كان هذا البيت بيد عباد مؤمنين ، إن أولئك كانوا مشركين ومع ذلك دافع الله عن بيته وأهلك العدو الذي أراد السؤ ببيته كيف لو كان أهله مؤمنين ولذلك هذا البيت حُفظ من كل سوء فلم تعتدِ عليه يد كافرة بفضل الله ورحمته إلى اليوم . انظروا مثلا إلى الاستعمار ، الاستعمار أحاط ببلاد المسلمين إلا الجزيرة العربية لم يأتِ إليها ، صرف الله قلوبهم عنها ولو أرادوها لأرادهم الله بالسوء ولقصدهم بالبلاء ولم يستطيعوا ذلك ، ولم يطيقوا ولن يطيقوه ، إنه بيت الله . (تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ) أي متحجر ، ترميهم رميا .
/ قال (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) جعل هؤلاء مثل العصف ، والعصف : ورق الزرع الذي يبس . قال "مَّأْكُولٍ" تعرفون أن ورق الزرع إذا يبس وجاءت الدواب وأكلته ثم وطئته بأقدامها أصبح متهشما ، ملقى ، باليا قد سُحق سحقا فكذلك هؤلاء قد سُحقوا سحقا نسأل الله العافية والسلامة .
 هذا يا إخواني ما فعله الله بأبرهة عندما أراد بيت الله بالسوء ، أرأيتم ماذا فعل ؟ إذا انتبهوا أيها المشركون إياكم أن تفعلوا شيئا برسول الله الذي هو خير من بيت الله ، إن رسول الله أشرف وأجل قدرا من بيته فإذا فعلتم به سوءا فإن الله - سبحانه وتعالى - قادر على أن يصنع بكم ما صنع بأولئك الأعداء الذين رأيتموهم أنتم بأنفسكم يا من تُخاطبون بهذا القرآن ، ومن تُبلّغون هذا الوحي ، رأيتم ماذا فعل الله به ، جعل الله - عز وجل - في ذلك آية وعبرة ، فبدل أن يُوعظ أهل مكة بما حدث لعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من الأمم السابقة وُعظوا بشيء قد حدث أمام أعينهم فنجا الله بيته وغار الله - عز وجل - على حرماته فحصل هذا الذي حصل وكانت مقدمة بين يدي بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي هذا العام ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذُكّر أهل مكة بعد أربعين سنة بهذه القصة ليُقال لهم انتبهوا ثم انتبهوا ثم انتبهوا ، فإن الذي حصل لأولئك ليس بعيدا أن يحصل لكم .
 إن آيات الله عجيبة يجب أن يقف عندها العباد موقف المتأمل ، المتذكر ، المعتبر وينتفع بما فيها من العظات والعبر . - سبحان الله - (أَلَمْ تَرَ) هذا خطاب لرسول الله وخطاب لكل من يسمع هذا القرآن كَيْفَ (فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) ليس بعيدا أن يفعل الله بكم ما فعله بأولئك ، فمن أنتم ؟ هل بينكم وبين الله - عز وجل - نسب أو حسب أو منافع أو مصالح ، أو أن الله - سبحانه وتعالى - جلّ في علاه - يخاف منكم ؟ كلا والله .
 إن أولئك كانوا أقوى منكم وأقدر على فعل ما يريدون منكم وأكثر حضارة وتمدُنا ، وأكثر عددا وعدة ومالا ومع ذلك لم يغنِ ذلك كله عنهم من الله شيئا لما أراد الله بهم سوءا .
 وتأملوا موقف هذا الفيل : هذا الفيل عبد من عباد الله لما طلب منه أن يؤدي مهمة لم يخلق من أجلها أبى وتوقف ، ولما طلب منه مهمة أخرى أن يتوجه إلى اليمن أو الشام أو بلاد نجد توجه بكل سرعة وأريحية .
الفيل يعبد الله ويطيعه ويخاف من حرمات الله ونحن نتوجه إلى حرمات الله ولا نخاف الله ؟! لنحذر من ذلك عباد الله ، ولنحذر أيضا من مكر الله - عز وجل - بمن يريد أن يمكر بالمؤمنين ويسيء إليهم ويضع المكائد لهم فإن الله قد يكيد له وهو لا يشعر ويجعل كيده في تضليل . إنها قصة عجيبة أنصحكم جميعا أن تراجعوها وتقرؤها في كتب السيرة والتفسير والتاريخ وتتأملوا ما فيها من العظة والعبرة ثم تقرؤا هذه السورة مرة أخرى وتعلموا أنها كانت مقدمة لبعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونعمة يمتنّ الله بها على قريش وهو في الوقت ذاته تهديد لهم لكي لا يقعوا فيما وقع فيه أصحاب الفيل . ختاما : أقول لكم إلى لقاء آخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
اقرأ المزيد...