الثلاثاء، 21 أبريل 2026

تدارس سورة السجدة ( 1- 11)

(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))

غريب القرآن:
افتراه = اختلقه من عند نفسه
استوى = علا وارتفع استواء يليق بجلاله وعظمته
يعرج إليه = يصعد إليه
نسله = ذريته
سلالة = وهي النطفة لأنها مستلة من جميع البدن
مهين = ضعيف، رقيق 
ضللنا في الأرض = تحولنا ترابا بعد الموت

(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
قال الله عز وجل في مفتتح هذه السورة (الم) هذه من الحروف المقطعة وسبق أن ذكرنا الحديث عنها في سورة لقمان وفي سورة الروم، وغالبا ما يأتي ذكر القرآن بعد هذه السورة، فأين ذكر القرآن في هذه السورة؟ الجواب في قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب) قال الله عز وجل (الم تنزيل الكتاب) أي هذا القرآن منزل من عند الله سبحانه، (لا ريب فيه) أي لا شك أنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى رب العالمين الخالق المالك المدير الجميع العالمين.
وفي قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) فيه دليل على أن هذا القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا قاعدة ينبغي أن تستصحبوها دائما في قراءتكم للقرآن حين ورود الحديث عن كتاب الله عز وجل، أنه دائما إذا قدح الكافرون في القرآن كريم فإنهم يقدحون في من جاء به وهو النبي عليه الصلاة والسلام، والعكس إذا جاء القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يقدحون فيه وبما جاء به، فالقدح في القرآن ملازم للقدح في الرسول عليه الصلاة والسلام، والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ملازم للقدح في القرآن فهما متلازمان، ولذلك الآن سيأتي الحديث لما قال الله عز وجل (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) هذا ما يتعلق بالكتاب، سيأتي الآن الحديث على ماذا؟ على الحديث على المُنزل عليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال الله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) من أي لا شك أنه منزل من عند الله سبحانه وتعالى.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)) 
في قوله (أم يقولون) الضمير يعود إلى من؟ الجواب يعود إلى المشركين الذين قدحوا في القرآن الكريم
 (أم يقولون) أي بل أيقول المشركون أفتراه أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم أي جاء بهذا الكتاب من عند نفسه ونسبه إلى الله عز وجل كذبا، هكذا كان زعمهم في قوله (أم يقولون افتراه)، ثم سبب المجيء بالفعل المضارع في قوله (أم يقولون) لماذا لم يقل مثلا قالوا؟ لأن هذه الفرية مستمرة ومتجددة في القدح في هذا الكتاب ، وهكذا القدح في القرآن يكون فيه قدح للنبي عليه الصلاة والسلام والعكس، لأن الأمرين متلازمان.
قال الله عز وجل (أم يقولون أفتراه) أي بل أيقول المشركون اختلق هذا القرآن محمد صلى الله وسلم وأتى به من تلقاء نفسه ونسبه إلى الله كذبا، ثم جاء الرد عليهم قال الله عز وجل (بل هو الحق) أي ليس الأمر كما يقول أولئك القوم (بل هو الحق) أي القرآن هو الحق، أي الصدق الثابت المُنزل إليك يا محمد من عند ربك.
قال (بل هو الحق من ربك) لماذا جيء بقوله (من ربك)؟ ولم يقل مثلا بل هو الحق من الله عز وجل، ذكر بعض أهل العلم أن الربوبية نوعان: أولا الربوبية العامة فالله عز وجل رب الخلق أجمعين إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، وهناك ربوبية خاصة وهي التي تقتضي العناية والرعاية والتوفيق، فالله عز وجل قال ( بل هو الحق من ربك) وهذا فيه اعتناء بالنبي صلى الله عليه وسلم واصطفاء له عليه الصلاة والسلام، وأيضا رفعة لشأنه، كيف يكون ذلك؟ ما وجه الاستدلال في أنه في قوله (من ربك) رفعة لشأن النبي صلى الله عليه وسلم؟ الإتيان بكاف الخطاب في قوله من (ربك) وهذا فيه دليل على عناية الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم.

قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ) أي لتنذر يا محمد بالقرآن وتحذر بهذا القرآن (قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) 
اختلف المفسرون - رحمهم الله - في المراد بهؤلاء القوم من هم هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ على أقوال:
القول الأول قالوا: هم كفار قريش فإنهم كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل النبي صلى الله عليه وسلم
القول الثاني قالوا هم العرب كافة والله عز وجل قال (هوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ)
القول الثالث قالوا هم أهل الفترة الذين هم بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يرِد إشكال وهو أن ظاهر هذه الآية يعارض قول الله عز وجل (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، هنا قال (لتنذر قوْما مَا أتاهم من نذير من قبلك) وجاءت أية أخرى تقول (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فكيف يجيب أهل العلم عن هذا الإشكال الظاهر؟
 قال بعض أهل العلم الجواب: أنه هنا لم يأتهم نذير معاصر لهم فلا يعارض هذا قول الله عز وجل (إن من أمة إلا خلا فيها نذير)
وقيل: المراد بقوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أي هم محتاجون إلى الإنذار لكونهم لم يتقدم من ينذرهم. هذا اشكال.

 ثمة إشكال آخر وهو يتعلق بالقول الثالث في المراد بالقوم، يتعلق به إشكال، أهل الفترة الذين بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام هنا إشكال وهو قوله سبحانه وتعالى (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) هل هذه تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُرسل بالنذارة فقط للعرب أو لأهل الكتاب أيضا؟ فإن أهل الكتاب قد جاءهم نذير فكيف يكون قوله عز وجل (لتندر قَوْما ما أتاهم من نذير من قبلك) وأهل الكتاب قد أتاهم نذير قبل النبي عليه الصلاة والسلام فهل تكون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بالعرب؟ الجواب: لا ، كيف إذا تدفع الإشكال؟
نقول هذا التخصيص في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) لا يوجب نفي من عداهم لكن يُوجه قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أنهم هم أولى الناس بالنذارة من غيرهم.
 الجواب الثاني: قالوا في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) يدخل فيه أهل الكتاب، لماذا؟ قالوا لأن أهل الكتاب بعد رسولهم عيسى عليه السلام قد ضلوا ولم يأتهم نذير فجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين وإلى العرب وغيرهم.
قال الله عز وجل (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) أي من قبلك يا محمد (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي لعلهم يعرفون الحق ويؤمنون به ويتبعون هذا الحق الذي جئت به يا محمد. 
قال (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وهذا فيه فائدة: أن القرآن طريق إلى الهداية، وأن من تمسك بالقرآن فقد اهتدى قال الله عز وجل (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2))، وقال سبحانه وتعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رب لم حشرتني أعْمَى وقد كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذلِك أتَتكَ آيَاتُنَا فَنسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126))

 (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما في ستة أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم من دونه من ولي ولا شَفِيعُ أَفَلا تتَذَكَّرُونَ (4)) 
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (الله الذي خلق السموات والأرض) أي الله سبحانه وتعالى الإله المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الذي خلق السماوات السبع والأرضين وما بينهما في ستة أيام وهذا يسمى عند أهل العلم الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، لأن الكفار مقرون بأن الذي خلق السماوات والأرض الله (ولئن سألتهم من خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْض ليقولن الله) فهذه الآية فيها تعريض بهؤلاء الكفار، فكأنه قيل لهم ألستم مُقرين بأن الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما هو الله؟ الجواب نعم، إذا فهو المستحق للعبادة، وهو الإله المعبود الذي يستحق العبادة ولا تُصرف العبادة إلا له ، ولذلك بدأ بلفظ الجلالة هذا الاسم العظيم (الله الذي خلق السموات والأرض) لو قيل:  الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام الله، صح لكن هنا قُدم لتعظيم هذا الأمر.
قال الله سبحانه وتعالى (الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوتِ وَالْأَرْض وما بينهما) يعني من الخلائق على أن في السماوات خلق وفي الأرض خلق وبين السماء والأرض خلق الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في سنة أيام وهذه الأيام تبدأ من يوم الأحد وتنتهي يوم الجمعة .
قال الله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السموات) السبع، (والأرض) والأرضين، (وما بينهما في ستة أيام)  هنا سؤال قد يرد على الأذهان وهو ما الحكمة من خلق السماوات والأرض في ستة أيام مع أن الله عز وجل قادر على أن يخلقها في طرفة عين؟ فلماذا كان خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ 
قال بعض أهل العلم: في ذلك دليل على حكمة الله عزوجل ولطفه وتدبيره، وأيضا فيه تعليم للناس وتنبيه على التأني في الأمور، وأن لكل شيء أجلا، والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل والخلق يسألون.

قال الله عز وجل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) أي ثم علا وارتفع سبحانه وتعالى على عرشه كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، وهذا فيه دليل على أن العرش مخلوق قبل السماوات والأرض.

قال (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي ولا شفيع. هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المخاطببين في قوله (ما لكم من دونه) على قولين:
 القول الأول: قالوا الخطاب هنا للكافرين أي ما لكم أيها الكافرون من دون الله من ولي ولا شفيع.
القول الثاني: قالوا المراد به عموم الناس.
قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ) أي ليس لكم من دونه، الضمير في قوله (من دونه) يعود على من؟ على (الله) عز وجل أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي.
 هنا في قوله (من ولي) هذه (مِن) يسميها العلماء مِن مزيده أو صلة لماذا جاء بها؟ جيء بها للتوكيد وتقدير الآية ليس لكم سوى الله عز وجل ولي يتولى أمركم وينفعكم ولا شفيع يشفع لكم عند ربكم، لأن الإنسان في نصرته يتحقق فيه أمران: إما أن يكون هناك من ينصره، وإما أن يكون هناك من يشفع له فنفى الله عز وجل الناصر والشفيع.

قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) ما تعلمونه من أن الله عز وجل هو الخالق وحده الذي خلق السماوات والأرض واستوى على عرشه، وأنه لا حجة لشيء مما أشركتموه به فإن الله عز وجل هو الذي يستحق العبادة وهو الذي ينبغي أن تصرف له العبادة، فهو الإله الحق المعبود، وهذا معنى تحقيق قول لا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله.

قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5))
قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي يدبر الله عز وجل أمر خلقه بما يشاء، وما المراد بالأمر في قوله (يدبر الأمر)؟ 
هل المراد به الأمر القدري الكوني أو المراد به الأمر الشرعي؟ الجواب كلاهما مراد ، الأمر الكوني القدري الذي هو مقادير الناس وخلقهم وأرزاقهم ...الخ ، والأمر الشرعي الذي هي الشرائع والفرائض والنوافل ....الخ ، فالمراد بهما هنا الأمر الشرعي والأمر الكوني القدري.
قال الله عز وجل (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي فينزل تقديره سبحانه وتعالى وقضاؤه من السماء إلى الأرض.
 ثم قال بعد ذلك (ثم يعرج إليه) أي ثم يصعد إليه من الأرض إلى السماء، وفي قوله (ثم يعرج إليه) دليل على إثبات علو الله سبحانه وتعالى، لأن العلو يكون من فوق إلى أسفل، فدل ذلك على علو الله سبحانه وتعالى.
 ثم هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في الذي يعرج إليه أي الذي يصعد ما هو؟ في قوله سبحانه وتعالى (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه)، ما الشيء الذي يصعد إليه؟ اختلف المفسرون في ذلك على قولين:
 القول الأول: قالوا المراد به المَلك الذي ينزل بالأمر، أي يعرج الملك إليه بعد نزوله بالأمر يصعد مرة أخرى.
القول الثاني: المراد به الأمر الذي سبقت الاشارة إليه في قوله (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) أي ثم يصعد الأمر إليه.

قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5)) أي في يوم كان مقداره ألف سنة مما تحسبون من أيامكم في الدنيا، وهنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بقوله (في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّونَ) على أقوال أوصلها بعضهم إلى خمسة أقوال أصحها وأرجحها: أن المراد به في قوله (في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِما تَعُدُّونَ) أي الأمر ينزل من السماء إلى الأرض ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد وقدر ذلك اليوم ألف سنة مما يحسبه الناس، كيف يكون؟ قالوا لأن ما بين الأرض والسماء خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك فذلك ألف سنة، يعنى الأمر ينزل ويصعد في ألف سنة، هذه أصح الأقوال، ثمة أقوال ضعّفها بعض أهل العلم لأن بعضها لا يحتمل السياق، وبعضها مبني على روايات ضعيفة. فهذا أصح الأقوال وهذا اختيار الإمام ابن جرير الطبري عليه رحمة الله.

(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))

(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6))
يقول ربنا جل وعلا (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) اسم الإشارة في قوله (ذلك) يعود إلى الله سبحانه وتعالى أي ذلك الإله العظيم الشأن العالي القدر الذي فعل ما وصف من الآيات السابقة، هو عالم الغيب والشهادة.
في قوله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..) الآيات قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي هو الله سبحانه وتعالى، وجيء باسم الإشارة هنا بعد تلك الأمور التي وصفها الله عز وجل في الآيات التي قبل في قوله (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما..) إلى آخره، جيء بعد تلك الأشياء التي وصفها الله عز وجل لها قبل جاء باسم الإشارة هنا للتنبيه على أن المشار إليه باسم الاشارة وهو الله عز وجل حقيق بما يرِد بعد اسم الاشارة في قوله (عالم الغيب والشهادة).

قال سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ) أي عالم بكل ما غاب عن خلقه، والغيب نوعان:
/ غيب مطلق وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى
/ والنوع الثاني غيب نسبي وهو ما يكون غائبا عن شخص غير غائب عن شخص آخر
 والله سبحانه وتعالى يعلمهما يعلم الغيب المطلق والغيب النسبي.

قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الشهادة المقصود بها كل ما هو مشاهد أو مدرك من خلقه، وهنا سؤال: لماذا قدم الغيب على الشهادة؟ لماذا لم يقل ذلك عالم الشهادة والغيب، فبدأ بالأمر المشاهد ثم بالأمر الذي يغيب عن الخلق؟ 
قال أهل العلم: قدم الغيب هنا على الشهادة لأنه أقوى وأشد في التنبئة عن كمال العلم - كمال علم الله سبحانه وتعالى - فإذا كان عالما بالغيب فمن باب أولى أن يكون عالما بالشهادة.
قال هنا سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) العزيز: أي العزيز الغالب القاهر المُنزه عن كل عيب ونقصص عظيم القدر سبحانه وتعالى الرحيم بعباده. وهنا سؤال: لماذا جيء باسم الرحيم؟ دائما ما يقترن اسم (العزيز) باسم (الحكيم).
 قال أهل العلم: جيء باسم (الرحيم) لأن الله عز وجل رحيم بعباده، فهو يرسل الرسل وينزل الكتب رحمة بعباده وهذا من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى إنزال الكتب إرسال الرسل إقامة الحجة هذه كلها من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى.
 قال بعض أهل العلم: في هذه الجملة في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الكلام هنا فيه معنى التهديد والوعيد، كأنه قيل أخلصوا أفعالكم وأقوالكم فإني أجازيكم عليها في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7)) 
ثم قال بعد ذلك جل ذكره (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) (الذي أحسن) أتقن خلق كل شيء واحكمه سبحانه وتعالى، وفي مفردة (خَلَقَه) قراءتان، فإن القراءات - كما مرّ معنا آنفا في أكثر من موضع من المواضع التي تدارسنا فيها السور - أن القراءتين بمنزلة الآيتين، كل قراءة تُحمل على أنها آية ويكون لها معنى.
 هنا قال: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) في مفردة (خَلَقَهُ) قراءتان:
 القراءة الأولى بفتح اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) وهذه قراءة نافع والكوفيين.
القراءة الثانية بإسكان اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ ) وهذه قراءة الباقين.

/ قراءة الفتح في قوله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) قال بعض المفسرين لها معنيان:
 المعنى الأول: بمعنى أتقن كل شيء وأحكمه.
المعنى الثاني: بمعنى حسّن، أي الذي حسّن خلق كل شيء
/ أما قراءة الاسكان (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ )  قالوا أي أعلم كل شيء خلْقه أي: أنهم خلقهم وما يحتاجون إليه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ)
 
/ ثم قال بعد ذلك جل ذكره (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) وهنا سؤال وهو: أليس الإنسان من الخلق وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى (الذي أَحْسَنَ كُل شيء خلْقه) أو (خلَقه) على القراءتين؟ الجواب: بلى.
 فلماذا خصّ الإنسان بالذكر هنا؟ 
قال أهل العلم: خصّ الإنسان بالذكر هنا من باب أن هذا المخلوق هو من أشرف المخلوقات، أشرف المخلوقات في الحيوانات هو الإنسان والله عز وجل قال (وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا).

 قال (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) ما المراد بالإنسان هنا ؟ هل يُراد به آدم عليه السلام أو يراد به جنس الإنسان؟ قولان لأهل العلم هنا. تنبيه: الضمائر لا بد من ترتيبها في الآية. فأحيانا قد يرِد إشكالات لابد أن ننتبه لها. قولان للمفسرين:
القول الأول: قالوا المراد به آدم عليه السلام، والمعنى: وخلق آدم أبا البشر من طين هذا المقصود.
القول الثاني: قالوا المراد بالإنسان هنا الجنس البشري أي وابتدأ خلقه الذي هو أصله آدم عليه السلام.
ننتبه بعد ذلك على ترتيب الضمائر على هذين القولين.

 (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8))
قال (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ثم جعل الله نسل هذا الإنسان - على الخلاف السابق - آدم عليه السلام أو جنس الإنسان. قال  (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ولده، والنسل مأخوذ من الانفصال عن الشيء ولذلك سمي هذا نسله، قال (ثم جعل نسله) أي الإنسان (جعل نسله) يعني ذريته - ذرية آدم - على القول بأنه آدم، أو الإنسان جنس الإنسان. (ثم جعل نسله من سلالة) السلالة مأخوذة من السَلّ وهو: استخراج الشيء من الشيء، فكأن المعنى (ثم جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سلالة) أي مستخلصة من ماء والمقصود بالماء هنا المني.

قال (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) ما معنى مهين هل يراد به أنه ضعيف؟ أو يراد به مهين يعني ممتهن؟ ما المراد به؟ 
قولان لأهل العلم:
 القول الأول: قالوا المراد من ماء مهين يعني ضعيف، ووصف الماء - المني هذا - بأنه ضعيف، قالوا لأنه لا يسيل سيلان الماء فهو يسير ببطء، وهذا وجه الضعف فيه.
القول الثاني: قالوا المقصود بـ (مهين) هنا يعني ممتهن لا يعبأ به ، والغرض من هذا الوصف ماذا؟ في وصفه كونه ضعيف أو ممتهن؟ هو التنويه إلى عظمة التكوين هذا الجنس المكتمل العجيب، فإذا رأيت الشخص الممتلئ قوة ونشاطا ونحو ذلك ورأيت أصل خلقِه دل ذلك على عظمة الخالق جل وعلا قال الله عز وجل (ألم نخلفكُم مِّن مَاء مَّهِينٍ (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))، وقال (أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نحنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بمسبوقين (60)) الآية
 أي القولين هنا مراد في قوله مهين هل هو ضعيف أو ممتهن؟ الجواب: كلا القولين مراد فهو ماء ضعيف وماء ممتهن.

 (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
قال الله سبحانه بعد ذلك (ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير يعود إلى من؟ يعود إلى آدم أو الإنسان؟
 إذا جعلت الضمير في (وبدأ خلق الإنسان) لآدم تجري الضمائر على آدم، وإذا جعلت الضمير على الإنسان على جنس الإنسان تجري الضمير على جنس الإنسان.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) هنا الإشكال: يعني هل آدم خلق من طين ثم جاء نسله بعد ذلك، ثم بعد ذلك نفخ فيه الروح؟ الجواب: لا، الإشكال: أولا خلق آدم من طين ثم نفخ فيه الروح ثم بعد ذلك جاء نسله، هنا في الآية أنه خلق الإنسان من طين ثم بعد ذلك جعل نسله ثم بعد ذلك سواه ونفخ فيه من روحه ، هنا الترتيب في قوله (ثم) ليس المقصود به ترتيب الأحداث إنما هو مجرد الأخبار والذكر فقط .
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) يعني إذا كان قلنا الضمائر لآدم، لكن إذا كان الضمائر جنس الإنسان فالأمر مستقيم.
  (ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير هنا من يعود إلى آدم أو إلى جنس البشر، وأنت تستطيع بعد ذلك أن تُركب الأقوال على عود الضمائر.
قال(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) ثم جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا كما قال سبحانه وتعالى في سورة الانفطار (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بربك الكريم (6) الذي خلقك فَسَوَّاكَ فَعَدلك (7)) في قراءة عدّلك.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا،(وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) أي وجعل فيه الروح فصار حيا، وهذا إذا قلنا على أن القول هذا المراد به جنس الإنسان، إذا المراد به آدم فإن الله قد نفخ فيه من روحه، وفي قوله من روحه الإضافة ماذا؟ إضافة المخلوق لخالقه أن الروح مخلوقة وخالقها هو الله عز وجل، وهنا من باب التشريف.
 المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان:
النوع الأول: إضافة صفة إلى موصوف كصفة السمع والبصر وغيرها الله عز وجل
والنوع الثاني: إضافة مخلوق إلى خالقه كبيت الله عز وجل، وناقة الله، ورسول الله، ونحو ذلك. وهذه الإضافة تقتضي التخصيص والتشريف كما هنا في قوله ونفخ فيه من زوجه يعني جعل فيه الروح فصار حيا..

/ ثم قال سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ) وهنا فيه تغيير في الأسلوب يُسمى الالتفات لأنه كان يتكلم عن شيء غيب، من أسلوب الغيب إلى أسلوب الخطاب، كان يتكلم عن (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ ) كان تقدير الكلام أن يقال وجعل له السمع والأبصار والأفئدة، هذا تقدير الكلام فقال هنا (وَجَعَلَ لَكُمُ) لماذا جيء بهذا الأسلوب الالتفات؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب الامتنان عليهم بهذه النعمة. 
قال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) لتسمعوا به الأصوات (وَالْأَبْصَارَ) لتبصر بها المبصَرات، (وَالْأَفْئِدَةَ) التي هي القلوب لتدركوا بها المعقولات، وهنا سر بلاغي جميل وهو أنه وحّد السمع فقال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) والأبصار والأفئدة جمعها، فلماذا وحّد السمع وجمع الأبصار والأفئدة؟
قال أهل العلم وحّد السمع هذا لأنه مصدر فالسمع هو قوة واحدة، ومحلها واحد وهو الأذن ولا اختيار لصاحبها فيها، بخلاف البصر فإنه يستطيع أن يدرك بالزوايا ونحو ذلك، أما السمع فلا، ولذلك جمع البصر والفؤاد لأن للإنسان فيها اختيار، وهنا استدل بعض أهل العلم بالمفضلة في أيهما أفضل السمع أو البصر؟ الجواب: الأفضل السمع فإن الإنسان بالسمع يدرك العلوم ويفقه ويفهم ويعقل بخلاف لو كان أصم فإنه لا يستطيع أن يدرك ما يدركه السميع، لو كان الإنسان أعمى فإنه يدرك ويفهم ويصل إليه الخطاب، ويستطيع أن يتعامل وهكذا، فالسمع أفضل هنا قدمه لأنه أفضل لصاحبه فإنه تدرك به الحُجّة ولذلك يقول أهل العلم: السمع منفذ إلى القلب.

قال الله سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
 هنا سؤال في قوله (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) يعني قليلا شكركم هل المراد بالقليل على أصله فعل القليل، أو يراد به المعدوم يعني الشيء الذي لا يوجد؟ قولان لأهل العلم:
/ القول الأول: قالوا المراد بقوله (قليلا ما تشكرون) أي أنتم مع ما أنعم الله عز وجل عليكم به من هذه النعم المتوافرة الكثيرة شكركم قليل، والشاكر من العباد قليل كما ذكر الله سبحانه وتعالى في قوله (وقليل من عبادي الشكور)
/ القول الثاني: قالوا بل المقصود به هنا (قليلا ما تشكرون) أي لا تشكرون الله عز وجل على هذه النعم، فهنا جعله منزلة المعدوم فإنهم لم يستعملوا هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى.

(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)
ثم قال بعد ذلك (وقالوا) الضمير يعود إلى من في قوله (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)؟ إلى المشركين المنكرين للبعث. 
قال سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا) واستفهامهم هنا هل هو استفهام على بابه استفهام حقيقي؟ الجواب: لا ، استفهامهم هذا استفهام استنكار وتعجب واستبعاد أيضا للبعث، (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا) أي بمعنى ذهبت أجسادنا وتفرقت لحومنا وعظامنا وغابت في التراب، وصارت مثل التراب بحيث لا تتميز هذه الأعضاء وهذه الأجساد التي كانت في التراب بعد أن صارت ترابا يفرق بينها وبين التراب، قالوا (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) هذا من شدة إنكارهم جاؤوا بـ (في) الظرفية يعني كأنهم التراب والأرض شيء واحد،(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) يعني هل سنعود أحياء بعد تلك الحال؟ بعد أن خالطنا التراب وصرنا ترابا نعود أحياء بعد ذلك كما قال الله سبحانه وتعالى (وإن تَعْجَب فَعَجَبٌ قَوْلهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقِ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأولئك الأغلال في أعْنَاقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فهم مستبعدون لقضية البعث، والله عز وجل قد ردّ عليهم في أكثر من موضع بأكثر من حجة.
قال الله عز وجل هنا (بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) هنا (بل) يسمونها للإضراب يعني ليس الأمر كما يقولون هم، فهؤلاء لا يجحدون بقدرة الله عز وجل، يجحدون ماذا؟ يجحدون لقاء ربهم للحساب والبعث وإلا فالذي كان قادرا على بدء الخلق قادر على إعادته مرة أخرى كما قال الله سبحانه وتعالى (أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ) قال سبحانه وتعالى (وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ) في قوله (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) فهو هين على الله سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) الإنسان بقدر بعده عن الآخرة بقدر تجاسره على المعاصي، فإذا الإنسان غفل عن البعث والجزاء فإن يكون مقدما على المعاصي تاركا للطاعات والعكس.

(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُم)
قال هنا سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم) الخطاب لمن ؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث (يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) (يتوفاكم) مأخوذة من الاستيفاء يعني يستوفي ملك الموت الذي وكله الله عز وجل أرواحكم، فلا يترك منكم أحدا (إنك ميت وإنهم ميتونَ) و (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) هذه حقيقة لا مفر منها 
الموت باب وكل الناس داخله = يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
 الدار دار نعيم إن عملت بما = يرضى الإله وإن قصّرت فالنار 
فهذه حقيقة لابد أن يدركها الإنسان أنه يوما ما سيذوق الموت لا محالة 
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته = يوما على آلة حدباء محمول
 ولكن ليست المصيبة في الموت ، المصيبة فيما بعد الموت.
قال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) من هو ملك الموت هذا؟ لم يرِد في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام تسمية هذا الملك، لكن ورد في بعض الروايات الإسرائيلية أن هذا الملك اسمه عزرائيل معناها عبد الله، لكن لم يرد في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية هذا الملك.
قال الله عز وجل هنا (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) هنا فيه إشكال، الإشكال أنه في هذه الآية أسند الموت إلى المَلك فقال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) وجاء في آيات أخرى أنه أسند ذلك إلى الملائكة فقال (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ)، (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وجاء في آية أخرى أنه أسند هذا التوفي إلى الله سبحانه وتعالى فقال الله سبحانه وتعالى (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) فكيف نجيب عن هذا التعارض الظاهر؟ قال أهل العلم: أما إسناد التوفي إلى الله سبحانه وتعالى في قوله (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) فهذا إسناده إلى الله سبحانه وتعالى لأن كل شيء كائن لا يكون إلا بقضاء الله وقدره وأمره سبحانه وتعالى وملك الموت لا يقبض روح أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فهو المتوفي حقيقة ، هذا إسناد التوفي إلى الله سبحانه.
 إسناده إلى الملائكة في قوله (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكة) أن لملك الموت بأعوان من الملائكة فإنهم يأخذون هذه النفس حتى يصلون بها إلى الحلقوم ثم بعد ذلك ينتزعها ملك الموت، وأما اسناده إلى ملك الموت فهو الملك المباشر والمأمور بقبض الأرواح.

قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) 
طبعا هناك مسائل خلافية في ملك الموت وهل ملك الموت هو الذي يقبض أرواح بني آدم هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بقية المخلوقات كالجن وكالحيوانات وإلى آخره، الكلام هذا ليس هذا محله لكن هو ملك الموت الذي يقبضه الأرواح هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بني آدم وغيره هذا الصحيح.

قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) في الآية تقديم وتأخير كيف سيكون نظام الآية في قوله (ثم إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) سيكون تقدير الآية ثم ترجعون إلى ربكم، لماذا جيء بالتقديم والتأخير؟ في الأصل ثم ترجعون إلى ربكم، قال (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) هذا من باب التنبيه والتحذير، وأن الإنسان محاسب ومجزي، في قوله (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) أي ثم أنتم بعد موتكم تردون أحياء يوم القيامة ثم ترجعون إلى ربكم سبحانه وتعالى فيجازيكم على أعمالكم، وهذا فيه تنبيه على أن الإنسان يُحسن عمله، لأنه راجع إلى ربه وسائر إليه، ومسؤول عن ما عمله في هذه الدار.

الهدايات العلمية والعملية:
/ بيان عظيم قدرة الله في تدبير الأمور
/ السمع والبصر نعمتان وشكرهما يكون باستعمالهما فيما يُقرب إلى الله.
/ تذكر لحظة الوفاة التي تقابل الله تعالى فيها بعملك إن خيرا أو شرا.

العمل اليومي:
/ادع الله تعالى أن يدبر لك أمورك ويرزقك العلم النافع فهو المدبر والعليم.
/ ادع الله أن يُحسّن خُلقك كما حسّن خلْقَك.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك اللهم نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها ، سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله واصحابه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يتدارسونه
اقرأ المزيد...

الأحد، 19 أبريل 2026

تدارس سورة السجدة / مقدمة

 المقدمة الأولى: أسماء هذه السورة 
سميت هذه السورة باسم سورة السجدة، وهذا الاسم هو الذي اشتهرت به هذه السورة وكُتبت به في المصاحف وكتب التفسير وبعض كتب السنة، ووجه تسميتها بهذا الاسم ظاهر لاشتمالها على سجدة التلاوة في قوله سبحانه وتعالى (إنما يُؤْمِنُ بآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِمَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يستكبرون)
وسميت كذلك باسم سورة (الم تنزيل) وقد جاء ذلك عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم منهم أبو هريرة رضي الله عنه كما جاء عند مسلم في قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح يوم الجمعة (الم تنزيل) في الركعة الأولى وفي الثانية (هل أتى على الإنسان حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مذكورا)
 وسميت كذلك الم تنزيل السجدة وهذا جاء أيضا مصرحا به في حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما عند مسلم وغيره (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (1) تنزيل) السجدة)
 وسميت كذلك باسم سورة المضاجع، ووجه التسمية هو لوقوع لفظ المضاجع فيها في قوله سبحانه وتعالى (تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا..) الآية.

المقدمة الثانية: فضل هذه السورة
من فضائل هذه السورة استحباب القراءة بها في صلاة الصبح يوم الجمعة وقد مر معنا حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدمين قال بعض أهل العلم: " الحكمة في القراءة بها وبسورة الإنسان في صلاة الصبح يوم الجمعة أنها اشتملت عما كان وما سيكون من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق وبعثهم من قبورهم إما إلى الجنة وإما إلى النار، جاءت كذلك في بيان خلق الإنسان وآدم أنه خلق يوم الجمعة، وفيهما أيضا ذكر يوم القيامة وفي يوم الجمعة تقوم الساعة، ففي قراءتها في باكورة هذا اليوم أعنى يوم الجمعة تذكير الأمة بما كان في هذا اليوم وما سيكون.

المقدمة الثالثة : نوع السورة
 تتضمن الحديث عن نوع السورة فهذه مكية بالإجماع وقد حكى الاجتماع غير واحد من أهل العلم منهم الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله في زاد المسير، واستثنى بعضهم من مكيتها قوله تعالى (تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبُّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ومما رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) فقالوا هذه الآية مدنية معتمدين في ذلك على أثر ضعيف وهو أنها نزلت في المدينة، وقيل مما استثني من هذه السورة الكريمة قوله سبحانه وتعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) وآيتين بعدها، وحجتهم أيضا في ذلك أثر ضعيف نزولها بالمدينة والصواب والله أعلم أن السورة كلها مكية.

المقدمة الرابعة : عدد آيات هذه السورة 
فهي عشرون وتسع آيات في البصري، وثلاثون آية في عدّ الباقين، واختلاف في آيتين: الآية الأولى (الم) عدّها الكوفي ولم يعدها الباقون، وفي قوله سبحانه وتعالى (أإنا لفي خلق جديد) لم يعدها الكوفي والبصري وعدها الباقون.

المقدمة الخامسة: موضوعات هذه السورة 
هذه السورة تتحدث عن موضوعات يمكن أن تجمل في ست موضوعات: 
الموضوع الأول: في التنويه بالقرآن الكريم، وأنه منزل من عند الله عز وجل، وأيضا فيه الرد على المشركين في دعواهم أن هذا القرآن مفترى، وهذا ما تحدثت عنه الآيات من بداية السورة إلى نهاية الآية الثالثة
 ثم تطرقت السورة إلى الاستدلال على بطلان إلهية ما يُعبد من دون الله عز وجل، بإثبات انفراد الله عز وجل بخلق السماوات والأرض، وذكر البعث، والاستدلال على كيفية خلق الإنسان ونسله ، وإحياء الأرض بعد موتها وهذا جاء الحديث عنه من الآية الرابعة وحتى نهاية الآية الحادية عشرة من هذه السورة الكريمة.
الموضوع الذي يليه وهو عرض مشهد من يوم القيامة وهو مشهد المجرمين بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهذا ما تحدثت عنه الآيات من الآية الثانية عشرة وحتى نهاية الآية الرابعة عشر
 ثم تعرضت الآية على الثناء على المُصدقين بآيات الله سبحانه وتعالى وما أعده الله عز وجل لهم من نعيم، كذلك ما ذكر من حال الفاسقين من نار الجحيم ونحو ذلك هذا تحدثت عنه الآيات من الآية الخامسة عشرة وحتى نهاية الآية الثانية والعشرين
 ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن موسى عليه السلام وما امتن الله عز وجل عليه به من إعطاء التوراة وكذلك ما امتنّ الله عز وجل به على قومه وهذا كان الحديث عنه من الآية الثانية والعشرين إلى نهاية الآية الخامسة والعشرين.
ثم ختمت السورة بدعوة المشركين للتدبر والتفكر بآيات الله عز وجل وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم، ووعده عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم وهذا ما تحدثت عنه الآيات من الآية السادسة والعشرين وحتى نهاية هذه السورة الكريمة.





اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 7 أبريل 2026

فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (٦٩- ٨٩)

 عرضت الآيات بين يدي قصة لوط - عليه السلام ـ وقومه خبر نبي الله إبراهيم - عليه السلام - والبشارة التي تفضّل الله تعالى بها عليه لبيان العاقبة الطيبة للذين يلتزمون الحدود المشروعة المنسجمة مع الفطرة السليمة في علاقاتهم الجنسية ، من حصول الخيرات والبركات والنسل الطيب والذرية الطاهرة ، وبيان النتيجة الوخيمة لمن يتجاوزون الحدود المشروعة ،ويشذون عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها . 

(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)
 " اختلف في من هم من الملائكة والأرجح أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل . لكن لا أعلم في هذا نصا صريحا يمكن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(١) وفي مجيء الملائكة له بالبشارة من ربه دلالة على أنه إذا استطاع الإنسان أن يحمل بشارة إلى أحد فليفعل ، لأن هذا مما يتنافس فيه العقلاء ، والنبي قال : (إن ملكا نزل من السماء إلى الأرض ، لم ينزل إلى الأرض من قبل ، استأذن الله بأن يبشرني بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) فهذا الملك فقِه معنى البشارة وعلم في الملكوت الأعلى أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فنزل بهذه البشارة ، فإن فاتته البشارة استحب له تهنئته ، والفرق بين البشارة والتهنئة: أن البشارة إعلام له بما يسره ، والتهنئة دعاء له بالخير فيه بعد أن علم به . ولهذا لما أنزل الله توبة كعب بن مالك وصاحبيه ذهب إليه البشير فبشره ، فلما دخل المسجد جاء الناس الناس فهنئوه .
المقصود بالبشارة هنا البشارة بالولد إسحاق ، وفي التعبير العلمي يقول العلماء : كون إبراهيم يولد له وهو في هذا السن وكون سارة تولد لها في هذا السن مع كونها عاقر منذ أن خلقت هذا يقال له معجزة نبي وكرامة ولي . وله نظير من الأنبياء والرسل وهو : زكريا ، فإن زكريا رزق ولداً كما رزق إبراهيم على كبر فهي بالنسبة لزكريا معجزة وبالنسبة لزوجته كرامة لأن المعجزة تلحق بالرسول والكرامة تلحق بالأولياء.

- (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ﴾
 السلام سنة ، ورده واجب ، هذا ما كان من ضيوف إبراهيم عليه السلام حين دخلوا فسلموا ورد عليهم السلام ، فكان ما فعله سنة للمسلمين إلى يوم القيامة ، ومن السنة أيضاً أن من حياك بتحية كان عليك أن ترد عليه بأحسن منها ، فإن لم تفعل فبمثلها (وَإِذَا حُتِيتُم بِتحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) [النساء : ٨٦] ... فهل أجاب إبراهيم عليه السلام التحية بمثلها أو بأحسن منها؟
والجواب: أنه ردها بأحسن منها ، فقد حيوه بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ورد عليهم بالجملة الإسمية التي تفيد الثبوت، والثبوت أقوى من الحدوث، فكان رد النبي إبراهيم - عليه السلام- بأحسن من تحيتهم .

- (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
 كان إبراهيم - عليه السلام - من أكرم خلق الله ولفظ (عجل) أفادنا أي نوع من بهيمة الأنعام ذبح إبراهيم لضيفه ، ولفظ (حنيذ) أفادنا أي طريقة طهى بها إبراهيم العجل لضيفه، وفي قوله جل وعلا في سورة أخرى (بعجل سَمِينٍ) أفاد وصفا لذلك العجل .

ومن حسن الاستقبال :
/ أن تكرم الضيف بالطعام أو الفاكهة
/ وأن تقرب لهم الطعام أو الضيافة ، فقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام بعد أن سلم عليه الملائكة وهو لا يدري أنهم ملائكة قدم بين أيديهم لحماً مشوياً (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
وفي سورة الذاريات (فَراغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) وكلمة (راغ) توحي بأنه كان حريصاً على قِراهم فلم يسألهم : أتأكلون فآتي بالطعام ، بل إن على صاحب البيت أن يأتي بالطعام دون أن يسألهم حتى لا يستحيوا فيجيبوا بالنفي. كما أن على صاحب الدار أن يكون قراه طيباً وكثيراً " فالعجل مشوي سمين " وهذا من مكارم الأخلاق وآداب الضيافة ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ، لقوله: (الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة) والمقصود بالجائزة: الهبة والعطية ، وقال : ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) فـ " ليلة الضيف حق " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. 
 ثم التلطف في الدعوة إلى الطعام فلم يقل لهم : " كلوا " إنما قال لهم بصيغة السؤال متلطفاً " ألا تأكلون"
ومن الإكرام أن يقدم الطعام للضيفان من صنع أهل البيت ما أمكن ، فالتكلف غير مرغوب .

ـ (فَلَمَّا رَاء أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً )
المؤاكلة حرمة يعظمها العقلاء ، وهي من أعظم ما يقرن بين الناس ، فلما رأى إبراهيم عليه السلام أيدي الملائكة لا تصل إلى الطعام وهو لا يعلم أنهم ملائكة أصابه الخوف أن هؤلاء ما جاءوا لخير إنما أرادوا سوءا بدليل أنهم رفضوا يأكلوا طعامه .
 وفيه أن الإنسان لا يوقع نفسه مواقع الريب، فإذا بدا منه شيء يجعل الآخرين يتساءلون فإنه يبين لهم ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها صفية) (٢) ، فإبراهيم - عليه السلام - خاف من الأضياف وقال لهم: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) [الحجر : ٥٢] فبينوا له حالهم وقالوا له: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) [هود: ۷۰].

- لا يعلم الغيب إلا الله ، وهذا خليل الله وليس وقتها على وجه الأرض أفضل منه ولا أتقى لله منه ، ولا يُرفع لأحد عمل صالح في زمانه أعظم منه - عليه السلام - ومع ذلك لم يكن يدري أنهم ملائكة .

ـ (وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) قال الشافعي: "وبعض العلماء إن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت، ولا أحد ينكر أن الشافعي كان إماما في اللغة ولا يجادل في هذا من له إطلاع على أحوال العلماء فقد مكث في هُذيل عشر سنوات يأخذ عنهم اللغة، لكن القول بأن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت لا يستقيم وبعيد جدا لأن هذا لا يصل إلى مفهوم الملائكة وهو شيء خفي، المقصود (فَضَحِكَتْ) يبقى الأمر على أصله وهو الضحك المعروف. "وهذا القول وإن كان معروفاً في كلام العرب إلا أنه ليس الظاهر المتبادر عند الإطلاق، ومن المعلوم أن ألفاظ القرآن ومعانيه تحمل على الظاهر المتبادر، ولا يجوز حملها على معنى آخر خفي أو قليل في الاستعمال إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ولا يوجد دليل" (٣)
والأرجح أنها ضحكت سرورا بأنها علمت أن أولئك أهل الفساد سيعذبون ، فكان هذا نوع من العمل الصالح ، تعاطفها مع أهل الإيمان وبغضها لأهل الكفر والخسران .

- (فَبَشِّرْنَهَا بِإِسْحَاق)
 الحمل الذي تحمله المرأة إذا حملته في أول الأمر يصبح بشارة وفي آخر الأمر ينقلب إلى هم الحمل، في أوله بشارة فإن الرجل أو المرأة يستبشر في الشهور الأولى من الحمل ، ولذلك قال الله (فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَاقَ) لكن الله قال (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ) أي الحمل، (فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُمَا) آخر الحمل يبقى هم لأن النفاس مظنة الموت ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة إذا ماتت في نفاسها تُعد شهيدة ولهذا قلنا إن أوله بشارة وآخره همّ .
وعند بعض العلماء كالمالكية - مثلاً أظنها رواية في المذهب - أن المرأة إذا وصلت إلى الثلاثة الأشهر الأخيرة من حملها لا يجوز لها أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأن الإنسان إذا دخل في المرض المخوفة - مرض الموت - يقل سلطانه على ماله ويبقى السلطان للورثة  فلا يجوز للمرأة في آخر حملها - وهي مظنة ولادة - أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأنها مظنة مرض مخوف حتى لا يتضرر الورثة من تصرفها.
قيام امرأة إبراهيم لا يدل بالضرورة على أنها كانت تخدم الأضياف وكل ما ورد في ذلك هو من المرويات المأخوذة عن بني إسرائيل، ولو كانت تخدمهم فهي امرأة كبيرة قد جاوزت التسعين لا تمتد إليها الأنظار، فلا بأس بجلوسها وقد قال : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور : ٦٠] ، ثم لو كانت شابة فالكلام في شرع من قبلنا معروف فليس لأحد أن يتعلق بمثل هذا الدليل.

ـ (قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عَجِيبٌ)
 فيه تربية على أن التعجب من أمر الله تعالى إذا كان حسب ما جرت به العادة والعرف فلا شيء على فاعله بل هو أمر بشري طبيعي كما هو الحال في زوجة إبراهيم عليه السلام حين تعجبت من حصول الحمل والولادة في سن اليأس وعدم القدرة على الإنجاب عند المرأة.

ـ لقد كان لآل إبراهيم، لبيت إبراهيم مقام جليل عند الله قال تعالى : (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) وهذه الآية تدل أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضى الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي ﷺ وممن قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، والبركة النمو والزيادة، ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم عليه السلام.

- (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل وقسط.

- من سمات المسلم اهتمامه بسلامة إخوانه ، وسيدنا إبراهيم قدوتنا وخير مثال على ذلك فإنه حين علم أنهم سيهلكون قوم لوط، - ولوط ابن أخيه - فزع أن يصيبه مكروه فبدأ يجادل الملائكة في أمر لوط - عليه السلام - خوفا على ابن أخيه لوط، وحتى لا يقع في قلب أحد شيء من سوء الظن بإبراهيم أثنى الله عليه قال الله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهُ منيب) كثير الأوبة إلى ربه ، كثير الصبر على من يُخطئ عليه في أعظم آية (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]

- في جميع المواضع التي وردت في القرآن لم يأت عن لوط - عليه السلام - أنه خاطبهم كخطاب الأنبياء بل قال لهم: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: ۸۰] ، وقد فهم من هذا الخطاب بعض أهل العلم أن قوم لوط - عليه السلام - لم يكن عندهم إشراك كما عند الأمم الأخرى المكذبة ، وهذا ليس بلازم ، ونهيهم عن الفاحشة لأنهم أول من ابتكرها ولا شك أنهم كفار ، فقد كذبوا نبيهم واستهزؤا به، وسخروا منه وممن آمن معه غاية السخرية وقالوا : (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتطَهَرُونَ) [الأعراف: ۸۲].

ـ (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) لا على أنهم ضيوف لكن على حالهم وما سيترتب على دخولهم بيته .

- قوله (هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) ليس فيه اعتراض على القدر لكنه وصف لليوم لا سب للدهر .

- (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) المشهور أن زوجته هي التي أنبأت قومه بأضيافه ، وامرأة نوح كانت تقول للناس إنه مجنون فكلا المرأتين خانت زوجها ، وكل منهما لم يقع منهما إيمان البتة وهذا يدلك على أن الهداية بيد الله ، فامرأة نوح تبيت وتطعم على فراش عبد قال الله فيه (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: ٣] ، وامرأة لوط تبيت وتطعم مع لوط - عليه السلام - الله يقول (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) [العنكبوت: ٢٦] ، ومع ذلك لم تنتفع أي امرأة منهما بصحبة ذلك النبي، وآسيا بنت مزاحم تبيت مع أكفر الكفرة ، مع فرعون ويُلقي الله في قلبها الإيمان ، فالهداية نور من الله جل جلاله .

- (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لوط - عليه السلام - كان مهاجرا من الشام إلى أرض سدوم ، ليس منهم ، فليس له عصبة تحميه كما كان أبو طالب يحمي النبي صلى الله عليه وسلم .

ـ اختلف العلماء اختلافا كثيرا في قول الله - جل وعلا - على لسان نبيه لوط العفيف الغيور قَالَ: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) [الحجر: ۷۱] على أقوال عدة فمنهم من قال: أنه قصد بنات القرية جميعا وقصد الزواج المعروف، لكن الآية لا تحتمل هذا لأنه يُشير (هؤلاء) اسم إشارة على شيء حاضر، وأظهر الأقوال - والعلم عند الله - : أن لوط يعلم علما يقينيا أن هؤلاء الفجار ليس لهم إربة في النساء بدليل أنهم تركوا أزواجهم خلفهم ، فهم لا يريدون زوجات ، ولا يريدون المرأة عموما ، لا بحل ولا بحرام لأنه خالطهم سنين فهو قالها لأنه يريد أن يبرئ ساحته أمام ضيوفه فهو لا يعلم أنهم ملائكة ولا يريد الخنا لأهله ، هذا محال هذا لا يفعله أي أحد فكيف بأنبياء الله والقرينة (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٌّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) .
ونصّ العلامة ابن سعدي - رحمه الله - في كتابه قصص الأنبياء على هذا القول وهو: "أنه قصد بناته عيناً وقصد أن يأذن لهم بزواج أو بدون زواج أن يأتوا بناته، وهذا من باب إقامة العذر وإقامة الحجة على المعاند، ومن باب علمه اليقيني أن هذا لن يكون من باب العلم اليقيني أن هذا لا يكون، ونظيره أن سليمان - عليه السلام - كما ثبت في الحديث الصحيح اختصمت عنده امرأتان في ابن لهما كل تدعي أنها أمُه فقال - عليه السلام -: آتوني بالسيف ثم قال أنا أقطعه قطعتين وأعطي كل واحده نصفه ، فقالت أمه الحقيقية: لا تفعل أعطه فلانة، تطلب نجاة ابنها ، الشاهد من القصة: أنه لا يعقل - حتى لو وافقت المرأتان - أن سليمان سيقطع الطفل مستحيل ، لكن هذا من باب العلم أنه لن يقع .."

سبب التأجيل للصباح حتى يخرج بأهله ، فأمرته الملائكة أن يخرج بأهله ، فلما خرج  - حتى لا يقع في قلب الفتاتين من أن أمهم ستهلك - قال الله لهم (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ) وذلك حتى تقوم الحجة على الأم، فخرج لوط وابنتاه وزوجه ، فلما خرجوا زوجة لوط ما زالت على دين قومها ، مازالت تتعاطف معهم ، مازالت تلتفت، تلتفت تريد أن تكون معهم فدب البغض من الفتاتين والبراءة من أمهم ، فتأخرت وتقدموا ، فقال الله جل وعلا (جَعَلْنَا عَالَيْهَا سَافِلَهَا) وهم نكسوا الفطرة ، فلما نكسوا الفطرة قلبهُم الله جل وعلا بأن نكس الأرض التي هم عليها ولا يقدر على هذا إلا الله.

ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً)
أخوة باعتبار القبيلة والنسب، فقد تكون الأخوة باعتبار النسب أو القبيلة، أو باعتبار الشبه في العمل، أو باعتبار الاجتماع في البلد الواحد، أو باعتبار الدِّين، فإذا كان باعتبار الدين فالمسلم ليس بأخ للكافر.

ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ)
 فيه تربية على الربط بين العبودية لله تعالى والتعامل الاقتصادي بين الناس بإقامة الميزان والعدل في الكيل، فرسالات الأنبياء كان محورها الأساسي هو الدعوة إلى توحيد الإلهية والعبادة والدعوة إلى الإصلاح في المجال الأكثر فسادا بين الناس في كل قوم من الأقوام.

ـ من الفقه في الدعوة أن الإنسان لا يُقدم شيئا على الدعوة إلى التوحيد ، ثم يأتي للناس في المنكر الذي شاع فيهم فيبدأ بما هو شائع فيهم فذكر الله هنا أن شعيبا نهى قومه عن التطفيف والبخس في الكيل والميزان لأن هذا أمر كان شائعا فيهم.

-  شعيب - عليه السلام - عالج قضيتين : قضية عقدية وقضية دنيوية ، العقدية: إشراكهم مع الله ، والدنيوية: بخسهم للناس حقوقهم والتطفيف في الكيل والميزان ، فهم ردوا عليه إنه لا يعقل أن أمرا نشأنا عليه اعتقادا وهو عبادة غير الله ، وسلوكا وهو التطفيف في الكيل والميزان أن نترك هذا وهذا من أجل ما تمليه علينا.

- (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
 لا تبخسوا الناس حقوقهم ووفوا لهم إذا كلتم في المكيال وإذا وزنتم في الوزن ويدخل في عموم الآية العدل مع الناس في كل شيء، فكما أن البخس يحرم في المكاييل والموازين كذلك يحرم في التطفيف والبخس في حقوق الناس المعنوية، كالذي ينتقص الناس ويهضمهم حقوقهم، ويظلمهم، وقد قال الله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]

- قوله (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
 فيه تربية على أن إقامة الأمور تكون بالبعد عن طرفيها، ففي قوله تعالى: (وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) نهي عن التنقيص فيهما، وفي قوله تعالى: ﴿ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ) أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التنقيص.
وفيه تربية على العدالة بشكل عام وفي كل الأمور بقوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ...)
وفيه تربية على أن الزيادة في الكيل والميزان كالنقص فيهما وهما من الفساد في الأرض الذي جاءت الأديان لمكافحته عموما وفي كل المجالات.
" ههنا قاعدة قرآنية تكررت ثلاث مرات في كتاب الله كلها في قصة شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهي في قوله تعالى : ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) وهي مثال على شمول دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجميع مناحي الحياة، وأنهم كما يدعون إلى أصل الأصول وهو التوحيد فهم يدعون إلى تصحيح جميع المخالفات الشرعية مهما ظنّ بعض الناس بساطتها، إذ لا يتحقق كمال العبودية لله تعالى إلا بأن تكون أمور الدين والدنيا خاضعة لسلطان الشرع.
وهذه القاعدة القرآنية كما هي قاعدة في أبواب المعاملات، فهي بعمومها قاعدة من قواعد الإنصاف مع الغير، والقرآن مليء بتقرير هذا المعنى - أعني الإنصاف - وعدم بخس الناس حقوقهم ، تأمل - مثلاً - قول الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فتصور! ربك يأمرك أن تنصف عدوك، وألا يحملك بغضه على غمط حقه ، أفتظن أن ديناً يأمرك بالإنصاف مع عدوك، لا يأمرك بالإنصاف مع أخيك المسلم؟! اللهم لا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذه الآية: فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع أو متأوّل من أهل الإيمان!! فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له. وفي واقع المسلمين ما يندى له الجبين من بخس للحقوق، وإجحاف وقلة الإنصاف، حتى أدى ذلك إلى قطيعة وتدابر.
وتلوح ههنا صورة مؤلمة في مجتمعنا تقع من بعض الكفلاء الذين يبخسون حقوق خدمهم أو عمالهم حقوقهم، فيؤخرون رواتبهم ، وربما حرموهم من إجازتهم المستحقة لهم، أو ضربوهم بغير حق في سلسلة مؤلمة من أنواع الظلم والبخس! أفلا يتقي الله هؤلاء؟! (أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: ٤ - ١٦] ألا يخشون أن يُسَلّط عليهم بسبب ظلمهم لمن تحت أيديهم وبخسهم حقوق خدمهم وعمالهم؟! ألا يخشون من عقوبات دنيوية قبل الأخروية تصيبهم بما صنعوا ؟!"(٤)

- (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ)
 من أحسن ما فُسر به قوله تعالى هذا قول ابن كثير رحمه الله - "أي: ما يفضُل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس"
وفيه تربية على أن الخير في المال الحلال وإن قل، وأن المال الحرام لا خير فيه وإن كثر.
وفيه تربية على أن المال الحرام يوجب زوال النعم من الله تعالى .
الدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله تعالى .

- قَالَ (يَا قَوْمِ أَرَأيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَناً)
 لم يحدد شعيب - عليه السلام - ما الرزق الحسن لكن أعظم رزق رزقه الله هو النبوة ويتبع ذلك أشياء أخر .

- (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾
 القدوة الصالحة ، فشعيب عليه السلام حين دعا قومه إلى إيفاء المكيال والميزان ، وإعطاء الناس حقوقهم والبعد عن أكل الباطل أمر بالمعروف وبدأ بنفسه ، ونهاهم عن المنكر ، وانتهى عنه أولاً وهكذا الداعية الصدوق، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - القدوة في كل شيء ، ففي المعركة كان المقدم ، فقد روى الإمام علي رضي الله عنه قال : " كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه " وحين نهى عن الربا نهى عمه العباس أول الناس ، وحين نهى عن الثأر في الدماء الجاهلية : بدأ بدم ابن عمه.
- هذا من أعظم ما يوعظ به الأئمة والخطباء ومن تصدر لوعظ الناس ، ونظيره في القرآن (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) ونظيره - وهو الثالث - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف : ٢-٣].

- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ )
 هذه الكلمة عزيزة لم ترد في القرآن متعلقة بالله إلا في هذا الموضع ، ولذلك قال العلماء إنها عزيزة ، وقالوا : من أحب أحدا ودعا له بالتوفيق فقد أخلص له في الدعاء ، قال الله عن نبيه شعيب أنه قال (وما توفيقي إِلَّا بِاللَّهِ) فأنا أعمل لكن أن أصيب ما أردت إصابته لا يمكن أن يكون إلا بتوفيق من الله .

- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
 " في هذه الآية جمع الله بين أصلين في القدر وهما : أصل قبل المقدور وهو الاستعانة بالله عز وجل، والاستعاذة به ودعاؤه رغبة ورهبة، فيكون معتمداً على ربه، ملتجئاً إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه والثاني: بعد المقدور وهو : الصبر على المقدور" (٥)

- التوكل عبادة قلبية كل يدعيها ، لكن ليس كل أحد يُقدر له أن يأخذ بأسبابها على أتم وجه وأكمل نحو .

- (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
 قال السعدي في تفسيره: " وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) ، وقال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

- (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُم ببَعِيدٍ)
 فيه أن العداوة والخصومة والشقاق قد تدفع بالإنسان إلى اختيار الباطل ومعاداة الحق والوقوع في جريمة الكفر، ومعنى هذه الآية: لا يوقعنكم في جرم الكفر معاداتكم إياي فيصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح - عليه السلام - من الغرق، ولقوم هود عليه السلام - من الريح العقيم، ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف.
________________________
١برنامج مع القرآن (1) للشيخ صالح المغامسي
٢- رواه البخاري ومسلم 
٣- المصباح المنير في تهذيب تفسير بن كثير / للشيخ خالد السبت
٤- القاعدة الثامنة والعشرون: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) / د . عمر بن عبد الله المقبل / بتصرف
٥- تقريب التدمرية للشيخ بن عثيمين 

اقرأ المزيد...

الاثنين، 6 أبريل 2026

مصحف الحُفاظ وحصاد التدبر / الجزء (22 - 23- 24) pdf

اقرأ المزيد...

آية وحديث/ سورتي المائدة والأنعام

 

سورة المائدة

🔹(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54))
▪️عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن قوله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال هَؤُلاءِ قومٌ مِنَ اليمنِ ثم من كنْدَةَ ثم مِنَ السكونِ ثمَّ مِنَ تُجِيبَ ) "إسناده جيد، السلسلة الصحيحة" 

🔹(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87))
▪️عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ " ثُمَّ قَرَأَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] 
"صحيح البخاري"  

 🔹 (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103))
▪️عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخُزاعيَّ يجرُّ قصبَهُ في النَّارِ، كان أوَّلَ من سيَّب السوائبَ) والوصيلةُ النَّاقةُ البكرُ، تبكرُ في أولِ نتاجِ الإبلِ، ثم تثني بعدُ بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتِهم، إن وصلتْ إحداهُما بالأخرى ليس بينهما ذكرٌ، والحامُ: فحلُ الإبلِ يضربُ الضِّرابَ المعدودَ، فإذا قضى ضرابَهُ ودعوه للطواغيتِ وأعفوه من الحملِ، فلم يحملْ عليه شيءٌ، وسموه الحامي. "صحيح البخاري"

سورة الأنعام

▪️(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44))
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: (إذا رأيتَ اللَّهَ يعطي العبدَ منَ الدُّنيا علَى معاصيهِ ما يحبُّ، فإنَّما هوَ استدراجٌ. ثمَّ تلا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (1)

(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ....(59))
عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ({مَفَاتِحُ الغَيْبِ} خَمْسٌ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (2)

(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65))
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال لما نزَل على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قال: (أعوذُ بوجهِك) {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: (أعوذُ بوجهِك). فلما نزَلتْ: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: (هاتانِ أهوَنُ، أو: أيسَرُ) (3) 

(الَّذِينَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ (82))
عن عبدالله رضي الله عنه قال لمَّا نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شقَّ ذلك على المسلمينَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أيُّنَا لا يظلمُ نفسَهُ؟ قال: (ليس ذلك، إنما هو الشِّرْكُ، ألم تسمعوا ما قال لقمانُ لابنِهِ وهو يَعِظُهُ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ }) (4)

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (ثلاثٌ إذا خَرَجنَ، لا يَنفَعُ نفسًا إيمانُها لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ أو كَسَبَتْ في إيمانِها خيرًا: طُلوعُ الشمسِ من مَغرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابةُ الأرضِ) (5)

(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ يقول اللهُ: (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً فلا تكتُبوها عليه حتى يعملَها، فإن عملَها فاكتبوها بمثلِها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنةً، وإذا أراد أن يعملَ حسنةً فلم يعملْها فاكتبوها له حسنةً، فإن عملَها فاكتبوها له بعشرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعفٍ) (6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إسناده قوي، السلسلة الصحيحة 413
(2) صحيح البخاري 4627
(3) صحيح البخاري 7313
(4) صحيح البخاري 3429
(5) صحيح مسلم 158
(6) صحيح البخاري 7501
 المصدر:  آيات قرآنية بتفسير خير البرية
اقرأ المزيد...

السبت، 4 أبريل 2026

فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (٤٩- ٦٧ )

ثم وجهت الآيات الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصبّره وتثبته في مواجهة عناد قومه وأذاهم (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) وفيه تربية للمؤمنين على الصبر والتقوى من خلال الوعيد بحسن الخاتمة العاقبة عليهما.

/ في قوله تعالى (إن العاقبة للمتقين) 
" قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة التي تبعث الأمل في نفوس أهل الإيمان وتملأ قلوبهم ثقة ويقينا، وراحة وطمأنينة ، وهذه الآية الكريمة جاءت مرة على لسان موسى عليه السلام وهو يبشر قومه الذين آمنوا به بحسن العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، والتمكين في الأرض إن هم لازموا التقوى.
 وجاءت هذه القاعدة بلفظ مقارب في خطاب الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في خواتيم سورة طه (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) [طه: ١٣٢].
وجاءت هذه القاعدة أيضا بعد انتهاء قصة قارون في خواتم سورة القصص قال تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) [القصص: ٨٣].
ومن المعلوم أن العاقبة هنا لا تنحصر في الآخرة التي ضمن الله النجاة فيها للمتقين كما في قوله (والآخرة عند ربك للمتقين) بل هي عامة في الدنيا والآخرة ولكن قبل أن نسأل أين صدق هذه القاعدة؟ فلنسأل أين تحقيق التقوى على الوجه الصحيح؟! وإلا وعد الله لا يتخلف.
و نُذكّر هنا بأهمية هذه القاعدة في حياتنا اليومية:
فإن آية القصص (والعقبة للمتقين) جاءت بعد قصة قارون الذي لم يصبر على شهوة المال وفي هذا إشارة إلى حاجة العبد -رجلا كان أو امرأة- لتدبر هذه القاعدة جيدا، خصوصا وهو يعيش في جو من المغريات والفتن والصوارف عند دين الله -يتدبرها ويتأملها- لتُهوّن عليه الصبر عن الشهوات والملذات المحرمة، فكلما دعته نفسه إلى ما يخالف التقوى فليُذكّرها بحسن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، وكذلك الداعية من أحوج ما يكون إليها وهو يسير في طريق الدعوة الطويل والمليئ بالابتلاء بالخير والشر وخصوصا إذا كان لا يجد معينا ولا ناصرا بل قد يجد مناهضا ومعايا.
ومفهوم هذه القاعدة القرآنية المحكمة: أن كل من لم يكن تقيا في أحواله وأفعاله فلا عاقبة له حسنة وإن أُمهِل زمانا أو تُرك دهرا وهذه سنة الله في خلقه، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يستدل بهذه القاعدة القرآنية (والعاقبة للمتقين) وبأمثالها إبان هجوم التتار على بلاد الإسلام، وكان يقسم بالله أن التتار لن ينصروا  بل سيُخذلون وينكسرون، وكان مما قاله حينها: «واعلموا أصلحكم الله أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين»" (١)

(وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) وهذه القوة تشمل جميع القوى فيزيد الله عابديه قوة في إيمانهم ويقينهم ودينهم وتوكلهم وغير ذلك مما هو من جنس ذلك ويزدهم قوة في أسماعهم وأبصارهم وأجسادهم وأموالهم وأولادهم وغير ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم " (٢)

- من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام قال له قومه (يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ) ومع هذا فبينته من أظهر البينات وقد أشار إليها بقوله (إني أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
فهذا من أعظم الآيات أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل واثق مما قاله جازم به قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم ومما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم عليه ، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها ، ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه وفي ضمن ذلك أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين ، ثم قرر دعوته أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل عليه وآمن به ولا يشمت به أعدائه ولا يكون معهم عليه فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه.

- (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) أي: الحاكم العدل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم في تصرفه وقضائه وقدره وتدبيره وعطائه ومنعه، وأمره ونهيه وعقابه وثوابه وجزائه، وشرعه وأسمائه وصفاته، وكل ما يتعلق به سبحانه وتعالى - فإن ذلك جميعاً يجري على أكمل الوجوه، وهو مطابق لكمال ذاته وصفاته جل جلاله، ولا يوجـد شيء من هذا يخرج عن هذا المعنى، لكونه على صراط مستقيم، وهذا هو المعنى الصحيح في هذه الآية، وهو اختيار ابن جرير - رحمه الله-.
ومن صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه وينزل به بأسه فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم وأنه يذهب بهم ويستخلف قوما غيرهم ولا يضره ذلك شيئا .
أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم في موضعين من كتابه :
/ أحدهما هذا الموضع في سورة هود (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
/ والثاني : قوله في سورة النحل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهةُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) قال أبو إسحاق : " أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدل ".

- (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَنَجَيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٌ) 
 فيه تربية على أنه لا أحد ينجو بعمله الصالح وإنما النجاة من العذاب برحمة الله تعالى والعمل الصالح سبب في النجاة ، وفي الآية ما يدل على نجاة من آمن مع هود من قومه من عذاب يوم القيامة لأنه تعالى كرر النجاة، فقال في نجاة الدنيا من الريح العقيم (نجينا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ) وقال في نجاة الآخرة من العذاب الغليظ (وَنَجَيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٌ).

- قوله (هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)
فيه ربط بين الطاعة والنعمة، فالنعمة على الإنسان من الله تعالى توجب عليه طاعته من خلال توحيد الإلهية والاستغفار والتوبة.
والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأن إنشاءه إنشاء لنسله، وإنما ذكر تعلق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع، ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتا ويبنون في الأرض قصورا، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض، فلأجل منافعهم في الأرض قُيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض التي أنشئوا منها.

ـ (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيب) قربه تعالى نوعان : عام، وخاص
/ فالقرب العام : قربه بعلمه من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
/ والقرب الخاص: قربه من عابديه وسائليه ومحبيه، وهو المذكور في قوله (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) [العلق: ١٩]، وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) [البقرة: ١٨٦] ، وهذا النوع قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يُقرن، باسمه "القريب" اسمه "المجيب"

قال الرازي في تفسير هاتين الآيتين: " اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدئ بالدعوة إلى عبادة الله ثم يتبعه بدعوى النبوة لابد وأن يطلبوا منه المعجزة، وأمر صالح -عليه السلام- هكذا كان، يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة - أشاروا إليها - ناقة، فدعا صالح ربه فخرجت الناقة كما سألوا. 
واعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه:
*الأول : أنه تعالى خلقها من الصخرة.
*وثانيها : أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل.
*وثالثها : أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر.
*ورابعها : أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة.
*وخامسها : ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر.
*وسادسها : أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم.
وكل من هذه الوجوه معجز قوي، وليس في القرآن إلا أن تلك الناقة كانت آية ومعجزة، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه.
___________________________
١- القاعدة الخامسة عشر: (والعاقبة للمتقين) د. عمر بن عبد الله المقبل (بتصرف) 
٢- البداية والنهاية لابن كثير

اقرأ المزيد...