الأحد، 26 أبريل 2026

تدارس سورة السجدة (12- 22)

(وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ (13) فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15) تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (17))

غريب القرآن 
ناكسو رؤوسهم = قد خفضوها وأطرقوا خزيا وندما 
حق القول = ثبت وتحقق ووجب 
تتجافي = ترتفع وتتنحى للعبادة
المضاجع =  فرش النوم

/ (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12))
 في قوله جل ذكره (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ)  مناسبة هذه الآية للآيات السابقة: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر رجوعهم إليه يوم القيامة في قوله سبحانه وتعالى (بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ (10) ۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ) لما ذكر هذا الرجوع ذكر حالهم في قيامهم بين يدي الله سبحانه وتعالى فقال سبحانه (وَلَوۡ تَرَىٰٓ) الخطاب هنا لمن؟ 
قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ولو ترى يا محمد إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم
وقيل: الخطاب هذا يدخل فيه غير النبي صلى الله عليه وسلم ممن يصلح له الخطاب.

في قوله (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بالمجرمين على قولين:
 القول الأول: قالوا المراد بالمجرمين هنا هم منكروا البعث الذين سبق الحديث عنهم في الآيات السابقة في قوله (بل هم بلقاء ربهم كافرون) وإذا قلنا بأن المراد بالمجرمين هنا منكري البعث فهنا لفتة بيانية وهي: أنه يكون جيء بالاسم الظاهر مكان المُضمر، يعني كان التقدير: ولو ترى إذ هم ناكسو رؤوسهم عند ربهم، فلماذا جيء بالاسم الظاهر هنا مقام المُظهر إذا قلنا بأن المراد بالمجرمين منكرو البعث؟ قال بعض أهل العلم: وفائدة الإظهار هنا مقام الإضمار لبيان عظم فعلهم وأن فعلهم عظيم وكبير وهو إنكارهم للبعث.
القول الثاني: المراد بالمجرمين هنا هم كل مجرم ويدخل فيهم منكرو البعث دخولا أوليا.

/ قال الله جل ذكره (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) أي مطاطئو رؤوسهم يوم القيامة. قال (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) أي مطاطئو رؤوسهم يوم القيامة عند الله عز وجل، واختلف في سبب تنكيسهم لرؤوسهم على قولين:
 القول الأول: قالوا سبب ذلك هو حياء من الله وخجل مما فعلوه و ارتكبوه.
والقول الثاني: قالوا بل كان سبب تنكيسهم لرؤوسهم هو الندم والخزي والذل والغم الذي حل بهم. والقولان متلازمان.

قال سبحانه وتعالى (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا) أي قائلين يا ربنا أبصرنا وسمعنا
 ما الذي أبصروه؟ وما الذي سمعوه؟ اختلف المفسرون رحمهم الله في ذلك على أقوال:
 فقال بعضهم: يقولون ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به من البعث وسمعنا مِصداق ما جاءت به الرسل من عندك
وقال بعضهم: ربنا أبصرنا قبح أعمالنا وسمعنا قول الملائكة أن مصيركم إلى النار. والآية تحتمل ذلك.

قال (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا) أي ارجعنا إلى هذه الدنيا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) أي نعمل فيها عملا صالحا، (إِنَّا مُوقِنُون) أي إنا موقنون الآن بالحق.
 هنا ربط مهم جدا في الآيات السابقة التي مرت معنا لما الله عز وجل قال (ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ) هنا ذكر هذه الأشياء الثلاثة السمع والبصر والفؤاد، أين ذكر هذه الأشياء الثلاثة؟ أما السمع فقوله (وسمعنا) وأما البصر فقوله (أبصرنا) أين الحديث عن الفؤاد؟ في قوله (مُوقِنُون).
وهنا فائد مهمة جدا لاحظوا النظم القرآني كيف تغير في قوله (أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) كان التقدير: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا أيقنا، لكن جاء بلفظ (إنا موقنون) فلماذا غاير في النظم القرآني؟ لاحظوا أنه جيء بالاسم بالجملة الإسمية في قوله (إِنَّا مُوقِنُون) وهناك قال (أبصرنا وسمعنا) ثم جيء بقوله (إنا موقنون)، قال بعض أهل العلم: جيء بالجملة الإسمية هنا للدلالة على أنهم قد أيقنوا وأنهم ثابتون على الإيقان راغبون إلى الله عز وجل بعد أن ظهرت لهم العواقب. فهذه فائدة المجيء بالجملة الإسمية.
 بقي سؤال يتعلق بهذه الآية وهو أين جواب لو ؟ (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) ماذ؟ لأن (لو) تحتاج جواب، قال بعض أهل العلم: جواب (لو) محذوف تقديره: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون لرأيت أمرا فظيعا وعجيبا" جواب (لو) محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما وفظيعا.

/ (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ (13)) 
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا) هذه الآية جواب لمقولة قالوها في الآية السابقة ما هي المقولة التي تصلح لهذه الآية؟ عند قوله (رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) أي فكأنه قيل لهم لو أردت لكم الإيمان لهديتكم في الدنيا ولكن لم أرد هدايتكم ولذلك قال (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا) أي ولو شئنا لهدينا كل إنسان في الدنيا للحق ووفقناه للإيمان والعمل.
قال (وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي) في قوله (وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي) (حق القول) أي: وجب القول وثبت ثبوتا لا تغير فيه ما هو القول؟ 
هذا جاء بيانه في سورة (ص) في قوله سبحانه وتعالى (قال فالحق والحق أقول لأملان جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين) لاحظوا أن هذه الآية لها صلة الآن ما تبقى من الآية وسنشير إليها.
قال (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ) أي وجب القول مني وثبت ثبوتا لا تغير فيه (لأملأن جهنم) أي أن أملأ جهنم (من الجِنة) يعني من كفار الجن (والناس أجمعين) فأعذبهم فيها عذابا أليما ومهينا، وحينئذ لما قال إبليس (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قال الله عز وجل (قال فالحق والحق أقول) وهذا هو السر في تقديم الجِنّة على الناس لأن الخطاب في سورة (ص) كان لإبليس. هذا قول. والقول الثاني: قيل التقديم للجِنّة على الناس لأن أكثر أهل النار من الجن.
   قال الله سبحانه وتعالى (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) وهذا فيه فائدة: أن الإنسان يسأل الله عز وجل الهداية وأن يهديه سبيل الرشاد وأن يثبته على الهدى.

/ (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14)) 
قال الله عز وجل بعد ذلك: (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ) في قوله (فذوقوا) الضمير يعود إلى من؟ إلى المجرمين، فذوقو أيها المجرمون (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا) يعني ذوقوا العذاب بسبب نسيانكم يوم القيامة وتكذيبكم به وترككم العمل استبعادا للقاء الله عز وجل.
قال (إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ)  أي تركناكم في العذاب، والنسيان في اللغة يطلق على معنيين:
 المعنى الأول: يطلق على معنى الغفلة والذهول وهذا منتفي في حق الله عز وجل
 المعنى الثاني: يطلق ويراد به الترك وهذا هو المقصود في الآية في قوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يَوْمِكُمْ هذا إنا نسيناكم) أي تركناكم في العذاب، (وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ) أي وذوقوا عذاب تخلدون فيه إلى الأبد. بسبب ماذا؟ قال بما كنتم تعملون أي يسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والتكذيب والجزاء من جنس العمل.
في قوله (فَذُوقُوا بما نسيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُم هذا) هنا سؤال وهو: لماذا أضاف اليوم لهم في قوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يوْمِكُمْ هذا)؟
قال أهل العلم: هذا من باب التهكم بهم لأنهم كانوا ينكرونه ويستبعدونه ويقولون في السابق (أإذا مننا وكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) أضاف اليوم إليهم من باب التهكم بهم.
قال (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُم هذا) ولماذا جيء باسم الإشارة في قوله (يَوْمِكُم هذا)؟ لو قال فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم، معلوم أنهم الآن في حال الآخرة  فلماذا جيء باسم الإشارة هذا؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب التهويل، تهويل ذلك اليوم وأنه يوم عسير قال الله عز وجل في سورة المدثر (فذلك يوْمَئِذٍ يَوْم عَسيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ).

/ قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ * إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا)
 ما مناسبة هذه الآية للآية السابقة؟ لما ذكر الله عز وجل حال الكافرين وما أعده الله عز وجل لهم من العذاب ذكر المؤمنين ووصْفهم وذكر ما أعده لهم من الثواب.
قال الله عز وجل  (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا) ما المراد بالآيات هنا؟ هل الآيات المقصود بها القرآن أو تشمل الآيات الكونية والشرعية؟
 الذي يظهر - والله أعلم - أن المراد بها هنا القرآن، لماذا قلنا القرآن مع أن لفظ الآيات ممكن يطلق الآيات الشرعية والآيات الكونية؟ لماذا قلنا أنه الأظهر هنا القرآن؟ في سياق الآية (خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) هذا يدل على أنها القرآن، فهذا القول هو الأقرب والعلم عند الله لأن فيها سجدة، سجود التلاوة.قال الله عز وجل  (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا) ما المراد بالآيات هنا؟ هل الآيات المقصود بها القرآن أو تشمل الآيات الكونية والشرعية؟
 الذي يظهر - والله أعلم - أن المراد بها هنا القرآن، لماذا قلنا القرآن مع أن لفظ الآيات ممكن يطلق الآيات الشرعية والآيات الكونية؟ لماذا قلنا أنه الأظهر هنا القرآن؟ في سياق الآية (خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) هذا يدل على أنها القرآن، فهذا القول هو الأقرب والعلم عند الله لأن فيها سجدة، سجود التلاوة.
قال الله عز وجل (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا) أي الذين إذا وعظوا بهذه الآيات بادروا إلى إظهار التذلل والخضوع الله عز وجل. قال (إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ)  أي سقطوا على وجوههم سجدا تعظيما لله عز وجل وخضوعا له وإقرارا بعبوديته، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد بالسجود هنا هو الركوع وليس المقصود به السجود الحقيقي، والذي يظهر - والله أعلم - أن المراد به هنا السجود الحقيقي.
قالَ (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ)  أي نزهوا الله سبحانه وتعالى في سجودهم عن جميع النقائص والعيوب لأن السجود مكان منخفض فناسب التسبيح، قال (وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) أي نزهوه تنزيها، (والباء) في قوله (بحمد ربهم) للملابسة يعني نزهوا الله عز وجل متلبسا بحمده وإثبات كمال صفاته سبحانه وتعالى.
هنا سؤال: لماذا جيئ بالاسم الظاهر ( بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ)؟ كان التقدير بأن يقال: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمده وهم لا يستكبرون، أو وسبحوا بحمدنا.
 قال بعض أهل العلم: جيء بالاسم الظاهر هنا في قوله (وسبحوا بحمد ربهم) لأنه هنا متعلق بربوبية الله سبحانه وتعالى، وهذه الربوبية هي الربوبية الخاصة، فهم مربوبون الله وتعالى ومستجيبون لحمده جل وعلا.
قال الله جل وعلا (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15))  أي والحال أنهم لا يستكبرون، لا يستكبرون عن ماذا؟ هل لا يستكبرون عن السجود والتسبيح؟ أو لا يستكبرون عن آيات الله فهم يتبعونها وينقادون إليها؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: المقصود به لا يستكبرون عن السجود والتسبيح.
والقول الثاني: قالوا: لا يستكبرون عن آيات الله عز وجل فهم يتبعونها وينقادون إليها.
 وأي القولين أقرب؟ كلاهما لأن عندنا قاعدة حذف المتعلق يفيد العموم.

(تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16))
(تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ) التجافي هو: الارتفاع، فقوله (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ) يعني ترتفع وتتباعد جنوبهم، الضمير يعود إلى من؟ إلى المؤمنين في قوله (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا).
 قال (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ) أي ترتفع وتتباعد متنحية عن المضاجع أي عن فرشهم حال كونهم هاجرين للنوم بسبب مناجاتهم الله تعالى في الليل خوفا من غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه وعقابه، وطمعا في رضاه ورحمته ومغفرته وثوابه.
قال (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا) 
في قوله (يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ) هل المراد بالدعاء هنا الدعاء المعروف أو المراد به الصلاة؟ قولان لأهل العلم:
 القول الأول: قال هو الدعاء العبادة المعروف والمناجاة
والقول الثاني: الصلاة
 بناء على هذين القولين ستختلف أقوال المفسرين في المراد بقوله (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ).
قال الله سبحانه وتعالى (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا) اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بالتجافي عن المضاجع هذا متى؟
الكل متفق على انه في الليل لأنه معلوم أن الناس تنام ليلا، ما المراد به اختلفوا فيه على خمسة أقوال:
 القول الأول: قالوا هي الصلاة بين المغرب والعشاء وأنها نزلت في أناس كانوا ينامون قبل وقت العشاء وقبل صلاة المغرب لأن الناس كانت تكدح في السابق ولا ينامون النهار فإذا جاء الليل قد استفرغوا جهدهم هؤلاء من صفاتهم أنهم ينتظرون الصلاة أنهم يصلون بين المغرب والعشاء وهذا وقت غفلة، ولذلك كان السلف يكثرون فيه من الصلاة، الصلاة بين المغرب والعشاء.
 القول الثاني: قالوا المراد بها صلاة المغرب وهذا كما ذكرنا ينامون عن صلاة المغرب لأنهم يأتون مجهدين متعبين.
القول الثالث: قالوا عني به انتظار صلاة العشاء لأنهم كانوا يصلون المغرب فينامون وقد تفوقهم صلاة العشاء فهؤلاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى لا ينامون عن صلاة العشاء.
 القول الرابع: قالوا عني بها قيام الليل.
القول الخامس: قالوا هي صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله عز وجل ...
إذا أردنا أن نقسم هذه الخمسة على القولين في قوله (يدعون ربهم) كم سيكون لمن قال أنه الصلاة وكم سيكون لمن قال بأنه للدعاء؟
 الأربعة للصلاة، وواحد للدعاء، الأربعة الأولى للصلاة بين المغرب والعشاء، صلاة المغرب، انتظار صلاة العشاء، قيام الليل، والقول الأخير أنه صفة لقوم لا تخلو ألسنتهم عن ذكر الله عز وجل فهذا المقصود به الدعاء.
/ قال سبحانه وتعالى (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ)
 أي ومما رزقهم الله سبحانه وتعالى ينفقون في سبيله، وهنا فائدة ما المراد بالنفقة هنا؟ قولان لأهل العلم:
▪︎ القول الأول: قالوا هي الزكاة المفروضة
▪︎ القول الثاني: قالوا هي الصدقة المستحبة
 وأي القولين أقرب؟
 بعض المفسرين ذهب إلى أنها الصدقات المستحبة قالوا هي أفضل وأقرب لماذا؟ قالوا: لأن هذا مقام مدح وثناء فكونه يكون للنوافل أفضل من أن يكون للفرائض.
 بينما ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالنفقة هذا الصدقة الواجبة والصدقة المستحبة قالوا لأن هذا من باب إخراج الصدقة، فهم ممتثلون في العبادات البدنية والعبادات المالية.

/ (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (17)) 
قال الله عز وجل بعد ذلك (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ) أي فلا يعلم أي أحد، وهنا سؤال: هل يدخل الملائكة في هذا العموم في قوله (فلا تعلم نفس)؟ يعني لا يعلم أي أحد، هل حتى الملائكة لا تعلم أو المراد به فقط البشر؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: قالوا الملائكة داخلة في هذا العموم.
والقول الثاني: قالوا فقط هو خاص بالبشر
والصواب - والله أعلم - أن المراد به كل نفس سواء ملائكة أو البشر فلا تعلم نفس أي فلا يعلم أي أحد ما أخفي.
في قوله (ما أُخفى) قراءتان:
 القراءة الأول: (ما أُخفيَ لهم)
والقراءة الثانية: (ما أُخفي لهم)
 يعني القراءة الثانية ما أخفى الله لهم، يعني "ما أخفي لهم أنا" تقدير هذا الكلام هذه القراءة الثانية، والقراءتان صحیحتان متواترتان، فلا تعلم نفس ما أخفى الله عز وجل لهؤلاء، ولا شك ان القراءة في قوله (ما أُخفي لهم) أنها تدل على عظم الكرم لأنها من الكريم جل وعلا، نحن لا نقول مبني للمجهول لأن هذا لا يقال في حق الله سبحانه وتعالى نقول مبني للمفعول لماذا؟ تأدبا ، أو لم يسمى فاعله.
قال الله سبحانه وتعالى (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) لمن يعود الضمير في قوله (لهم) ؟ لهؤلاء الذين ذُكرت صفاتهم (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا) وما بعدها،  (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) أي من النعيم العظيم في الجنة مما تقرّ به العين.
 وكلمة (قرة أعين) قيل مأخوذة من القرّ الذي هو البرد فيقال قرت عينه: بردت، ولذلك يقال أن دموع الفرح باردة ودموع الحزن حارة.
وقيل: (قرة أعين) مأخوذة من القرار أي أعطاهم الله عز وجل ما تسکن به أعينهم فلا تطمح إلى غيره.
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).

قال (فَلا تَعْلَمُ نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين)
 وهنا فائدة نفيسة: قال الحسن البصري رحمه الله "أخفى قوم عملهم فأخفى الله عز جل لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر، وكلما كان الإنسان أخفى في العمل الصالح كان الجزاء من جنس العمل" نحن الآن في زمن الناس تجاهر بأعمالها الصالحة، يعني يأخذ عمرة ويصور ماذا فعل في العمرة، وماذا دعا، وماذا قال .. إلخ وكان من الإخلاص أن يُخفي عمله، وقد كان السلف رحمهم الله يخفون أعمالهم الصالحة كما نخفي نحن أعمالنا السيئة، فلذلك ينبغي للإنسان أن يخفي أعماله الصالحة، كان السلف رحمهم الله يفعلونه حتى أن أهل بيته لا يعرفون - الذين هم أقرب الناس إليه - لا يعرفون ماذا يعمل، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل.
قال الله عز وجل (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖلماذا قال قرة أعين؟ ولم يقل "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعينهم"؟ قال بعض أهل العلم هذا فيه فائدة: أن ما أخفي لهم هو في غاية الحسن والكمال. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم من فضله..
/ قال الله عز وجل (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ) أي ثوابا لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا، وهذا فيه فائدة فإن الله سبحانه وتعالى شكور يشكر لعباده القليل ويرضى منهم اليسير، والله سبحانه وتعالى كريم، متفضل، بر، جواد، منان سبحانه وتعالى خزائنه ملئ لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم من فضله.

(أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ (18) أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (19) وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (21) وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22))

غريب القرآن:
المأوى = التي يأوون إليها، ويقيمون بها
نزلا = ضيافة لهم
العذاب الأدنى = البلايا والمصائب في الدنيا
مناسبة هذه الآيات للآيات السابقة:
أن الله سبحانه وتعالى لما بيّن حال المجرم وحال المؤمن ذكر سبحانه وتعالى هنا أنهما لا يستويان (أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ) فقال سبحانه وتعالى (أفمن كان مؤمنا) أي أفمن كان مؤمنا بالله سبحانه وتعالى ومتبعا لرسله عليهم السلام، ومؤمنا بوعد الله عز وجل ووعيده، ومطيعا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالأمر والنهي، (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) أي أيكون في حكم الله عز وجل كمن كان كافرا مكذبا خارجا عن دائرة الإيمان وعن طاعة الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى (لا يستوون) أي لا يستوون عند الله يوم القيامة فكل له جزاء مختلف حسب ما قدمه.
وهنا لفتة وهي: أنه سبحانه وتعالى ذكر فريقين ذكر المؤمن وذكر الفاسق فلماذا جمع في قوله (لا يستون)؟ لماذا لم يقل لا يستويان؟
قال بعض أهل العلم: المقصود في قوله (لا يستوون) هذا باعتبار جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلذلك قال (لا يستوون) جاء بصيغة الجمع.
ثمة سؤال لماذا جيء بهذه الجملة بقوله لا يستوون مع ان الأمر واضح (أفمن كان مؤمنا كان كمن كان فاسقا) الأمر واضح أن المؤمن ليس كالفاسق؟
 قال أهل العلم: المجيء به هنا لزيادة التأكيد فحينئذ لا يستوي حال المؤمن التقي مع الفاسق الشقي، فكل له جزاء على ما قدمه يوم القيامة.
قال الله عز وجل (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) والاستفهام هنا استفهام انكاري، أي كيف يستوون في حكم الله سبحانه وتعالى والله قال في سورة الجاثية (أم حسب الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سواء محياهم ومماتهم سَاءَ ما يحكمون)، وقال سبحانه وتعالى (أفنجعل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36))، وقال سبحانه وتعالى (أم نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كالفجار) فحينئذ شتان بين مُشرّق و مُغرّب، شتان بين فريق الإيمان وشتان بين فريق الفسق والعصيان.

/ (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (19)) 
قال الله سبحانه وتعالى (أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ (18) أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) هنا تفصيل لمراتب الفريقين في الآخرة، الآن سيأتي التفصيل عن مراتب المؤمنين في الآخرة ثم سيأتي التفصيل المرتبة الفاسقين في الآخرة.
قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ)  أي أما الذين آمنوا بما وجب عليه الإيمان به من الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره، (وعملوا الصالحات) أي عملوا الأعمال الصالحة ، والعمل الصالح لا يُطلق عليه عمل صالح إلا إذا اجتمع فيه شرطان:
 الشرط الأول: الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
والشرط الثاني؛ المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ)  هنا تقديم وتأخير في قوله (فلهم جنات المأوى) كيف سيكون ترتيب الآية؟ أن يقال جنات المأوى لهم، فلماذا جيء بالتقديم في قوله (فلهم جنات المأوى)؟ أي هذه الجنات خاصة بهم وهذا دليل على تشريف هؤلاء. قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ) أي جنات يأوون إليها فهم فيها مقيمون ومنها لا يخرجون.
قال (فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا)  النُزُل؛ هو الضيافة وما يُعد للضيف. في قوله (فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ)  أي هذه الجنات ضيافة كريمة مهيئة لهؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات بسبب ما كانوا يعملونه في الدنيا، قال أهل العلم: وإذا كانت هذه الضيافة التي هي جنات المأوى فما بالك فيما سيأتي بعدها؟ والله سبحانه وتعالى كريم  وذكر ذلك في الآيات السابقة في قوله سبحانه وتعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) لا يخطر على قلب بشر ما لهؤلاء من النعيم.
هنا ذكر أهل العلم فائدة في قوله (فلهم جنات المأوى) أي هذه الجنات يأوون إليها ابتداء وينزلون فيها كضيوف وذكر الله سبحانه وتعالى في مواضع أخرى في كتابه أنهم يرتفعون في درجات الجنة وهم متفاوتون فيها ولهم مكان عظيم (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات كانت لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوس نزلا)
قال الله هنا (فلهُمْ جَنَّاتُ المأوى نزلا بما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي إذا قدِموا على الله عز وجل أكرمهم الله عز وجل وأعده لهم ضيافة ونزلا، وما عند الله خير للأبرار، قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران (لكن الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبهُمْ لَهم جَنَّاتُ تجري من تحتها الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ للأبرار) نسأل الله عز وجل من فضله.

(وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ ) قال سبحانه وتعالى (أمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانُوا يَعْمَلُونَ) ثم ذكر الفريق الآخر قال (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ) أي خرجوا عن الإيمان، الفسق في اللغة المراد به الخروج، والفسق في القرآن غالبا يطلق على الكفر. 
قال الله عز وجل (وأما الذين فسقوا) أي خرجوا عن الإيمان بالله عز وجل ، وعن طاعة الله عز وجل، وكفروا بالله سبحانه وتعالى، قال (فَمَأْواهم النار) لاحظوا المقابلة بين الفريقين الفريق المؤمن قال (فلهم جنات المأوى) وفي هذه الآية قال (فمأواهم النار) وهذا دليل على أن أهل الكفر والعياذ بالله وأهل الفسق المتصفين بهذه الصفة أنهم مباشرة يحشرون إلى جهنم هذا فيه إهانة لهم قال الله عز وجل (يَوْمَ يُدعُّون إلى نار جهنم دعّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِما تُكَذِّبُونَ (14))، قال الله سبحانه وتعالى (وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمأواهم النار) أي مسكنهم ومستقرهم النار يأوون إليها ويقيمون فيها.
قال (كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ) أي كلما أراد أولئك الفاسقون أن يخرجوا من النار (أعيدوا فيها) أي أُعيدوا فيها مكرهين جاء في بعض الآثار أنهم يصلون إلى أعالي النار فكأنهم يريدون الخروج ثم يعودون مرة أخرى فهذا ما يجيدونه من العذاب الأليم - والعياذ بالله - قال (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) أي رجعوا فيها مكرهين، (وقيل لهم) تقول لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكَذَّبُونَ فهنا جمعوا بين العذابين:
العذاب الأول: العذاب الحسي الجسدي 
العذاب الثاني: العذاب النفسي
(وقيل لهم ذوقوا عذاب النار) أي قالت لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار (الذي كنتم به) أي كنتم به في الدنيا (تكذبون) أي تكذبون بوقوعه وأنه إنما عيشة في هذه الدنيا ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع فلا ثمة حساب ولا عذاب ولا آخرة ، ولا بعث ، ولا جنة، ولا نار ، قال الله عز وجل (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنم به تُكَذِّبون)
 وهنا سؤال: جيء بالاسم الظاهر مكان المضمر وهو لفظ (النار) فقال (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها) أي يخرجوا من النار لم يقل "كلما أرادوا أن يخرجوا من النار"
 (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقُوا عَذَاب النار الذي كنتم به تكذبون) كان تقدير  النظم أن يقال "كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذابها" فلماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (وقيل لهم ذوقُوا عَذَاب النار)؟
 هذا من باب التهويل، التهديد والتخويف، وتعظيم الأمر، لذلك قال (وقيل لهم ذوقوا عَذاب النار) أي أن هذا العذاب عذاب أليم ومخيف، وهذا فيه قرع لقلوبهم في تهديدهم من هذا العذاب قال (كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ).

/ ثم قال بعدها سبحانه وتعالى بعدها
 (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (21))
لاحظ المجيء بلفظ "نذيقنهم" هذا اللفظ تكرر قبل هذه الآية مباشرة قال (ذوقوا عذاب النار) وفي هذه الآية قال (ولنذيقنهم) هذا من باب التأكيد (اللام) و (النون) في قوله (ولنذيقنهم) هذا فيه أمر شديد لذلك قال (ولنذيقنهم) أي ولنصيبن، الضمير يعود على من في قوله (ولنذيقنهم)؟ يعود على الفاسقين في الآية قال (وأما الذين فسقوا)، قال (ولنذيقنهم) جاء بالمؤكدات لام القسم والنون هذه كلها من باب التأكيد. قال (ولنذيقنهم) أي ولنصيبن هؤلاء الفاسقين المكذبين (من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر)
 ما المراد بالعذاب الأدنى في قوله (من العذاب الأدنى)؟ 
اختلف المفسرون رحمهم الله فيه على أقوال أوصلها بعضهم إلى ستة أقوال:
 القول الأول: المراد بالعذاب الأدنى هو مصائب الدنيا التي تصيبهم في أنفسهم وفي أموالهم.
القول الثاني: هو الحدود التي تقام عليهم 
القول الثالث: القتل بالسيف وهذا كالذي حصل يوم بدر.
القول الرابع: سنون أصابتهم يعني الجوع والقحط.
القول الخامس: قالوا هو عذاب الدنيا.
والقول السادس: هو عذاب القبر.
المراد بالأقوال العذاب الأدنى الذين قالوا مصائب الدنيا في النفس والأموال هذا واضح ان الله عز وجل يبتليهم ويصيبهم في أنفسهم وأموالهم.
الذين قالوا إنها الحدود هذا يكون في حق الفاسقين من المؤمنين الذين تُقام عليهم الحدود.
الذين قالوا القتل بالسيف هذا أيضا حصل لكفار قريش، ويحصل للكفار عموما وهو الذي يكون في الجهاد سبيل الله.
 الإصابة بالجوع والقط واضح وجلي حتى هذا أصاب قريش وعذاب الدنيا شامل لجميع أنواع العذاب وعذاب القير.
السؤال المهم كيف يكون عذاب القبر العذاب الأدنى والله قال (لعلهم يرجعون)؟ إذا توفي الإنسان فكيف يرجع عن كفره وغيه إذا قلنا بأن العذاب الأدنى هو عذاب القبر؟
قال بعض أهل العلم: لم يقل الله سبحانه وتعالى: ولنذيقنهم العذاب الأدنى، قال (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) والعذاب الأدنى يحصل لهم في دنياهم وعند موتهم وانتقالهم أيضا إلى قبورهم لأن هذا العذاب قبل الآخرة، هذا يحصل لهم في الدنيا وعند موتهم قال الله سبحانه وتعالى (ولو ترى إذ يتوفى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذاب الحريق) والعذاب ممتد ويحصل لهم بعد ذلك عند موتهم وانتقالهم إلى قبورهم. هذا توجيه لمن قال المراد به العذاب الأدنى هو عذاب القبر.
 أي الأقوال الأقرب إلى الصواب؟
الأقرب - والله أعلم - أنها كلها صواب من باب التنوع
 من العذاب الأدنى المصائب التي تصيبهم والحدود التي تقام عليهم، والقحط والجوع، وعذاب القبر وإلى آخره. وهذا اختيار شيخ المفسرين ابن جرير عليه رحمة الله.
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ) ما المراد بالعذاب الأكبر؟ هو عذاب الآخرة.
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ) أي لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل من كفرهم وعصيانهم.
 سؤال: في قوله (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ) الأدنى لا يقابل الأكبر ، الأدنى يقابل الأقصى والأكبر يقابله الأصغر لماذا غاير هنا؟
لماذا لم يقل: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأقصى؟ لماذا لم يقل ولنذيقنهم من العذاب الأصغر دون العذاب الأكبر؟
لماذا قال الأدنى في مقابل الأكبر ؟
 قال أهل العلم: حصل لهم في عذاب الدنيا أمران:
الأمر الأول: أنه قريب
والأمر الثاني: قليل صغير
 وفي عذاب الآخرة ينطبق عليه وصف أنه بعيد وعظيم كثير فالقُرب في عذاب الدنيا هو الذي يحصل به التخويف ولذلك قال (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) لو قال لنذيقنهم من العذاب الأصغر استهانوا بالعذاب فذكر لهم العذاب الأدنى يعني العذاب القريب وهذا الذي يحصل به التخويف ، والذي يحصل به التخويف في عذاب الآخرة يقال العذاب الأقصى أو يقال العذاب الأكبر؟ يقال العذاب الأكبر . هذه هي المناسبة بين العذاب الأدنى والعذاب الأكبر. قال الله عز وجل: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ)

/ (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22))
 (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم، وسبق أن أشرنا لها سابقا وقلنا أحيانا تأتي بصيغة (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ثم تأتي أوصاف بعد ذلك فيظن الظان أنه تعارض فقلنا كل واحد الأظلمية في مكانه فالتكذيب لا أحد أعظم ممن ذكر بآيات ربه ، وفي الكذب على الوحي (ومن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) وهكذا.
قال (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم (ممن ذُكر بآيات ربه) 
ما المقصود بالآيات هنا؟
هل المقصود بها الحُجج والعلامات؟ أو مقصود بها القرآن؟ أو المقصود بها الكتب السماوية؟ الآية تحتمل الجميع.
 قال الله عز وجل (ومن أظلم ممن ذُكر بآيات ربه)
 في قوله (ومن أظلم) ما نوع الاستفهام؟ استفهام انكاري ينكر عليه.
(ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه) لماذا جيء بلفظ الربوبية؟ ولم يقل ومن أظلم ممن ذكر بآياتنا؟ لأنه قال في آية أخرى (إنما يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكروا بها) لماذا جيء بلفظ الربوبية؟ 
قال بعض أهل العلم: أن لفظ الربوبية يقتضي الانقياد والطاعة الله سبحانه وتعالى لذلك جيء به هنا بما أنك مربوب أنت مطيع لربك وتحت تدبيره وقهره وغير خارج عن سلطانه.
قال الله عز وجل (ومن أظلم ممن ذُكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) أي ثم أعرض عنها مستكبرا عن قبولها، ومستنكفا عن الانقياد لها. س: لماذا جيء بـ (ثم) مع أنه جاء بآية مشابهة في سورة الكهف قال الله عز وجل (فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه) لأن (ثم) تفيد التراخي فلماذا جيء بها هنا؟
ج: قال بعض أهل العلم: إنما جيء بـ (ثم) ليدل على أنه لم يكن معرضا إلا بعد ما فكر، وقدر ، وتأمل ثم بعد ذلك أعرض، فلم يأتي الإعراض فجأة وإنما جاء بعد تأمل وتفكر وتقدير ونحو ذلك ولذلك وصف بأنه لا أحد أظلم منه.
قال الله عز وجل  (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) أي سنتقم من الذين أعرضوا وكفروا، وكذبوا واكتسبوا السيئات.
وهنا فائدة: قال بعض أهل العلم: (المنتقم) ليس من أسماء الله عز وجل ولا يصح أن يوصف الله تعالى به على سبيل الإطلاق وإنما يجوز إضافة الانتقام إلى الله عز وجل مقيدة يعني الاخبار عن الله عز وجل أنه منتقم اخباراً مقيداً، وهذا هو الصحيح أنه لا يجوز أن يقال من أسماء الله المنتقم، وقد ورد في حديث أن من أسماء الله المنتقم، لكن هذا الحديث مدرج وليس مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام.
س: لماذا جيء بالجملة الاسمية في قوله إنا من المحرمين منتقمون؟
ج: لأن الجملة الإسمية تدل على الدوام والاستمرار وهذا يدل على أن الانتقام يتحقق في كل مجرم في الدنيا والآخرة، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى ومن سنة الله سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه وتعالى ذكر أنه (لَا يُصْلِحْ عَمَل الْمُفْسِدِينَ) وأن الله عز وجل ينصر أوليائه ..
س: لماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (المجرمين)؟ كان التقدير ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا منهم منتقمون، ج: ذكر أهل العلم علتين:
العلة الأولى: هذا ليعم كل مجرم.
العلة الثانية؛ قالو هذا زيادة في بيان حالهم وفظاعة حالهم، وبأنهم مجرمون مع أنهم ظالمون وهذا أمر عظيم أن يوصف الإنسان بوصف الجرم ولذلك وصف الإجرام في القرآن الكريم يطلق على الكافر.
قال الله عز وجل ( (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) وهذا فيه تسلية للمؤمن في أن الله سبحانه وتعالى يدافع عنه، وأن من سنة الله سبحانه وتعالى أن ينتقم من المجرم، وهذا فيه تهديد شديد لكل من اقترف واكتسب شيئا من الإثم، إن هذا فيه تهديد ووعيد شديد أن الله سينتقم منه.

الهدايات العلمية والعملية:
١- اعمل الصالحات قبل أن تتمنى عملها ولا تستطيع.
٢- ليكن لك خبيئة عمل صالح فاعمل عملا صالحا لا يظلع عليه إلا الله.
٣- لا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم فى الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد.

العمل اليومي:
١- اضبط منبهك لتقوم وتصلي من الليل وتدعو ربك وتصدق بصدقة.
٢- تذكر مصيبة نزلت بك ثم حاسب نفسك، وارجع إلى ربك.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدا ما أبقيتنا واجعله الوارث منا.. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اقرأ المزيد...

الجمعة، 24 أبريل 2026

الدرس الرابع والستون تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١)

 تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١) / صوتي

الحمد لله رب العالمين صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ « قوله (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون* واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) أي ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) الذي أنزل إليهم أي طرحوه رغبة عنه (وراء ظهورهم) وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبقَ في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد: سبق الكلام على معاني هذه الآيات وهي تتعلق ببيان شيء من مخازي بني إسرائيل وقبائحهم العظيمة واطراحهم للحق والهدى وإقبالهم على الباطل والضلال ونبذهم كتاب الله جل وعلا وراء ظهورهم واتباعهم لما تتلوه الشياطين وتتقوله وتمليه من ضلال وباطل، وقوله جل وعلا (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) قال الشيخ: «(نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي الذي أنزل إليهم» وعرفنا أن فيها قولان:
- إما أن يكون المراد الكتاب الذي أنزل اليهم أي التوراة كما ذكر الشيخ
- أو يكون المراد القرآن الكريم.
 وإذا أريد القرآن فيكون المراد تكذيبهم بالقرآن الكريم.
وقوله جل وعلا (ونبذوه وراء ظهورهم) قال: «وهذا أبلغ في الإعراض» يعني كونه اطّراحهم له أضيف إليه جعله وراء الظهر، وهذا إيذان منهم بعدم الرجوع إليه وهذا أبلغ ما يكون في التولي والإعراض.

ن/ قال رحمه الله: «ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ابتلي بالاشتغال بما يضره فمن ترك عبادة الرحمن ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل»

ت/
نعم، وهذا الآن واضح في حال هؤلاء لما نبذوا كتاب الله واطرحوه وراء ظهورهم ابتلاهم الله عز وجل باتباع ما تتلوه الشياطين وتتقوله الشياطين على ملك سليمان من السحر والضلال والباطل، فلما نبذوا القرآن وما فيه من الهدى والحق والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ابتُلوا بالسحر وتعلّم السحر الذي فيه الهلاك، وفيه أيضا الشقاء وعقوبه الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. نعم

ن/ قال رحمه الله: «كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله تعالى اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان عليه السلام بل نزهه الصادق في قيله (وما كفر سليمان) أي بتعلم السحر فلم يتعلمه ولكن الشياطين كفروا» نعم 

ت/ يعني هؤلاء اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان (ما تتلو الشياطين) قال الشيخ: أي تختلق أي تختلق وهذا مستفاد من قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) عُديت (تتلو) بـ (على) لأنه ضُمن معنى الاختلاق والكذب، ولهذا معنى (تتلو) اي تختلق، تكذب، تتقول على ملك سليمان، أي ما تنسبه الشياطين لسليمان عليه السلام من تعاطي السحر واستعماله وأنه إنما سُخر له الجن باستعمال السحر هكذا تقولت الشياطين على سليمان وعلى ملك سليمان على عهده وأن هذا هو الواقع ولهذا قال الشيخ "واتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان والله جل وعلا برأ نبيه سليمان عليه السلام من السحر بقوله (وما كفر سليمان)" لاحظ ما قال وما سحر قال وما كفر براه من السحر بقوله وما كفر ولهذا استدل بهذه اللفظة على كفر الساحر وأن من تعلم السحر كفر لأن الله لما برأ سليمان عليه السلام من السحر برأه بقوله (وما كفر سليمان).

ن/ قال: «(ولكن الشياطين كفروا) أي في ذلك، يعلمون الناس السحر من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بارض بابل من ارض العراق أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاءا من الله لعباده فيعلمانهم السحر، وما يعلمان من أحد حتى ينصحاه ويقولا (إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي لا تتعلم السحر فإنه كفر فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام،  وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تُعلّمه الشياطين والسحر الذي يُعلّمه الملكان فتركوا علم الأنبياء والمرسلين واقبلوا على علم الشياطين وكل يصبو إلى ما يناسبه»

ت/ نعم، لاحظ في سياق الآيات قال عن الشياطين (يعلمون الناس السحر) أي الشياطين، وأيضا في السياق قال (وما يعلمان من أحد) أي السحر والمقصود الملكان، وفرق بين هذا التعليم وهذا التعليم، تعليم الشياطين للسحر على وجه الإفساد لبني آدم وإضلالهم وإغوائهم وإبعادهم عن سواء السبيل، وتعليم الملكان على وجه الامتحان، امتحان وابتلاء في مدى التمسك بالدين أو عدمه، ولهذا يصاحب تعليم الملكين نصيحة وتحذير (إنما نحن فتنة فلا تكفر) كل من أراد أن يتعلم عليهم يبينان له أنهما أُنزلا بهذا التعليم فتنة وأن هذا السحر كفر (فلا تكفر) لأنك إن تعلمته كفرت، ففرق بين هذا وهذا.
 قال: "فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته" هذه طريقة الملكين، وأما الشياطين فقال: "فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى سليمان الذي برأه الله سبحانه وتعالى من ذلك بقوله (وما كفر سليمان)"
 هنا سؤال يتعلق بسليمان أريد جوابه بدليله من القرآن:
 سليمان عليه السلام بعد موسى أو قبله؟ نعم بعده.
ما الدليل؟ (ألم ترى إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) ثم في سياق القصة قال: (فقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة) وداوود هو والد سليمان فهو من بعد موسى وليس قبله. نعم

ن/ قال رحمه الله: « ثم ذكر مفاسد السحر فقال (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما لأن الله تعالى قال في حقهما (وجعل بينكم مودة ورحمة) وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة»

ت/ نعم. قوله: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه)
 (فيتعلمون منهما) الضمير عائد على الملكين، يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وهذا نوع من السحر يسمى سحر الصرف، يعني صرف المتحابين فيصبحا به متباغضين يسمى سحر الصرف، (فيتعلمون منهما ما يفرقون به) بهذا الذي تعلموه الذي هو السحر (بين المرء وزوجه) والتفريق بين المرء وزوجه والشيخ ينبه هنا على استحضار قوله تعالى (وجعل بينكم مودة ورحمة) يعني مودة عظيمة ورحمه تُلقى في قلب الزوجين ويصبح بينهما محبة بعد عقد الزوجية يلقيها الله عز وجل، يجعلها الله عز وجل، فهذه المحبة القوية بالسحر تصرف إلى بغض إذا السحر له حقيقة، له تأثير، من التأثير الذي يترتب عليه الصرف، صرف المتحابين، صرف هذه المودة والمحبة إلى بغض وكره. (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) هذا فيه أن السحر له حقيقة، أيضا قول الله عز وجل (ومن شر النفاثات في العقد) السحر فيه شر وفيه مضرة ويترتب عليه أضرار عظيمة جدا، فله حقيقة لكن هذه المضرة لا تقع إلا بإذن الله الكوني.

ن/ قال رحمه الله: « وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة وأنه يضر بإذن الله» أي بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري وهو المتعلق بمشيئة الله كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة (فإنه نزّله على قلبك بإذن الله)»

ت/ الإذن الشرعي مثل (ءآلله أذن لكم) (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) فالإذن يطلق على:
 ▪︎ الإذن الكوني القدري يعني هنا في قوله (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) هل يصح أن يقال (إلا بإذن الله) إلا بشرع الله؟ ما يصح، المراد الإذن الكوني، المراد يعني لا يقع شيء من السحر إلا شيء قدره الله كونا، هذا المقصود.
وهنا فيه أن الأسباب مهما قويت ومهما كانت فلا تكون إلا إذا كان الله قدّر ذلك، والله عز وجل له في أقداره حِكم سبحانه وتعالى. نعم

ن/ قال رحمه الله: «وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير ولم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد»

ت/ القدرية يقصد بهم القدرية النُفاة، المقصود بالنُفات نفات القدر وهم المعتزلة، من أضل الفرق وأشدها انحرافا، فهم نفات للقدر ويقولون أن الإنسان هو الخالق لفعل نفسه وأن الأمر أُنف ولا قدر، فيقول لم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة إلا القدرية المقصود بالقدرية أي النفاة نفات القدر. نعم

ن/ قال رحمه الله: «زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين».
ت/
من المخالفة لكتاب الله هذه الآية (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) أي بتقديره وإرادته الكونية القدرية.  نعم

ن/ قال رحمه الله: «ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة ليس فيها منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فهذا السحر مضرة محضة فليس له داع اصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها، (ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه) اأي ي رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة (ماله في الآخرة من خلاق) أي نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) علما يُثمر العمل ما فعلوه»

ت/ ثم بعدها قوله سبحانه وتعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) يعني كأن الشيخ - والله أعلم - نسي أو سهى عن هذه الآية، وتقدم الإشارة إلى شيء من معناها. ذكرت أن الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه معارج القبول ذكر هذه الآيات وبيّن رحمه الله أنها دلت على كفر الساحر من وجوه قال: «وذلك واضح صريح في آية البقرة بأمور» وذكر رحمه الله أمورا سبعة.
 واذكر لكم للفائدة ملخصا لهذه السبعة ويرجع فيها الى كتابه معارج القبول:
▪︎الأول: قال: منها سبب عدول اليهود إليه - يعني إلى السحر- هو نبذهم كتاب الله وراء ظهورهم كما قال تعالى (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) سواء - يقول الشيخ- أريد بالكتاب التوراة أو القرآن لأنهما قولان، سواء أريد بالكتاب التوراة أو القرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام كل ذلك نبذه كفر، فإذا عدولهم إلى السحر كان منبنيا على نبذ الكتاب ونبذ الكتاب كفر هذا الدليل الأول.
▪︎ الثاني: قال: قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين) أي تتقوله وتزوره (على ملك سليمان) أي في ملكه وعهده، ومعلوم أن استبدال ما تتلوه الشياطين وتتقوله والانقياد له والعمل به عوضا عما أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هذا من أعظم الكفر ومن عباده الطاغوت التي هي أصل الكفر.
▪︎الأمر الثالث: قال: ومنها قوله (وما كفر سليمان) برأ الله سبحانه نبيه سليمان عليه السلام من الكفر، وهذا الكفر الذي برأه تعالى منه هو علم السحر، وإن كان بريئا من الكفر كله، معصوما مما هو دونه لكن سياق الآية في خصوص السحر وأنه بريء منه.
▪︎ الأمر الرابع: قال: ومنها قوله (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) أكذب الله اليهود فيما نسبوه إلى نبيه سليمان عليه السلام بقوله (وما كفر سليمان) وهم إنما نسبوا السحر إليه ولازم ما نسبوه إليه هو الكفر لأن السحر كفر ولهذا أثبت كفر الشياطين بتعليمهم الناس السحر فقال (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) قال: "وكذلك كل من تعلّم السحر أو علّمه أو عمل به يكفر ككفر الشياطين الذين علموه الناس إذ لا فرق بينه وبينهم"
 ▪︎الأمر الخامس: قال: ولهذا قال تعالى في الملكين (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) فبيّن تعالى أنه بمجرد تعلمه يكفر سواء عمِل به أو لا، سواء عمِل به وعلّمه أو لا.  
▪︎السادس: قال: ومنها قوله (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) أي من حظ ولا نصيب. وهذا الوعيد ما له في الآخرة من خلاق لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للايمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة وهؤلاء قال الله (ما لهم في الآخرة من خلاق) أي من نصيب وحظ، هذا لا يقال إلا فيما هو كفرا أكبر.
الأمر السابع: قال: قوله (ولو أنهم آمنوا) يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن (واتقوا) واتقوا بتجنب السحر وسائر الذنوب (لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) قال: وهذا من أصرح الأدلة على كفر الساحر ونفي الإيمان عنه بالكلية، فإنه لا يقال للمؤمن المتقي ولو أنه آمن واتقى وإنما قال تعالى ذلك لمن كفر وفجر وعمل بالسحر. فهذه وجوه سبعه تدل على كفر الساحر كلها مستفاده من هذا السياق بدءا من قوله (ولما جاءهم رسول مصدق لما معهم) نعم.

ن/ قال رحمه الله: «قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم* ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول صلى الله عليه وسلم عند تعلمهم أمر الدين راعنا اي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا فانتهزوا الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله تعالى المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال (وقولوا انظرنا) فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، (واسمعوا) لم يذكر المسموع ليعم ما أمر باستماعه فيدخل فيه سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة، ثم توعّد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين أنهم ما يودون (أن ينزل عليكم من خير) أي لا قليلا ولا كثيرا (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة»

ت/ قول الله جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هنا نهي عن لفظ ودلالة إلى لفظ آخر بدله،  لفظ كان يقوله الصحابة في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام ونهو عنه وأُرشدوا إلى لفظ آخر يحل محله لأن اللفظ الأول فيه شبهة واللفظ الثاني لا إشكال فيه، واضح لا إشكال فيه والصحابة رضي الله عنهم لما كانوا يتكلمون باللفظ الأول الذي جاء النهي عنه (راعنا) هل قام في نفوسهم معنى فاسد أو مقصد فاسد؟ أبدا ليس في قلوبهم إلا مقصد صحيح وهي لفظة استعملوها على معنى صحيح تدل عليه هذه اللفظة فكانوا يقولون راعنا قاصدين بها معنى صحيح، اليهود فرحوا بهذه الكلمة وباستعمال المسلمين لها وبدأوا أيضا يقولونها لكن على معنى فاسد،  الصحابة كانوا يقولونها راعنا من المراعاة، واليهود صاروا يقولونها ويضحكون إذا سمعوا المسلمين يقولونها للنبي عليه الصلاة والسلام لأنهم يحملونها على الرعونة لا المراعاة، انظر ما يوضح ذلك في قوله سبحانه وتعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) يلوون ألسنتهم بهذه الكلمة راعنا يقولونها ويلوون ألسنتهم بها ويريدون بها الرعونة ووصف النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فجاء النهي عن استعمال هذا اللفظ  وأمروا أن يقولوا بدله (انظرنا)، و(انظرنا) تؤدي المعنى نفسه الذي يريده الصحابة وليس فيها هذا الأمر، 
ولهذا تُعد هذه الآية أصل في مراعاة الألفاظ حتى وإن سلم المقصد.
الآن كثير من الناس لما تنهاه عن اللفظ وتبين له الخطأ الذي في اللفظ ماذا يقول لك؟ لم أقصد ذلك أنا نيتي طيبة، يقول أنا لم أقصد ذلك، يقال: حتى وإن لم تقصد لابد أن تراعي اللفظ نفسه سلامته بدليل ماذا؟ أن الصحابة لما كانوا يقولون راعنا هل كانوا يقصدون معنى سيء؟ أبدا حاشاهم ومع ذلك جاء النهي قال (لا تقولوا راعنا) جاء نهي مع أنهم ما كانوا يقصدون أصلا أي معنى سيء، فلا يصح أن الإنسان عندما يُنبه على لفظ خاطئ ويقول لا أنا قصدي طيب يقال له نعم يعني قصدك طيب هذه نعمة، نعمة عظيمة سلامة القصد لكن أيضا زد مع سلامة قصدك ماذا؟ زد مع سلامة قصدك سلامة لفظك، وينبغي أيضا مراعاة الرفق في التوجيه، لما قال أنا قصدي طيب قل له أحسنت على حسن القصد وهذا هو الحري بك وأنعِم وأكرِم لكن انتبه يا أخي اللفظ لابد واذكر له هذه الآية واذكر له أن الصحابة ما كان قصدهم سيئا، ولهذا هذا محل خلل موجود كثير في الناس ألفاظ كثيرة يخطئون فيها عندما يوجه إلى الصواب يقول أنا قصدي صحيح هذا المعنى الذي تقصد أنا ما أقصده يقال: حتى وإن لم تكن تقصد هذا المعنى الفاسد لابد من إصلاح اللفظ، فالشريعة كما أنها جاءت بإصلاح المقاصد أيضا جاءت بإصلاح الألفاظ مثل ما في هذه الآية قال (لا تقولوا راعنا)، (لا تقولوا راعنا) هذا لفظ، هذا ليس قصد هذا لفظ، الآن النهي عن لفظ ليس عن قصد (لا تقولوا راعنا) هذا نهي عن اللفظ ليس نهي عن قصد فاسد صحيح، (لا تقولوا راعنا) لا تقولوا هذا اللفظ (وقولوا انظرنا) قولوا بدلها انظرنا لأنها تؤدي المعنى الذي تريدونه وتقصدونه ولا فيها الإشكال الذي في اللفظة الأولى، قال (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) المسلمون كانوا يقولونها في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام يقولون راعنا من المراعاة،
واليهود يقولونها يريدون بها الرعونة كما في الآية التي أشرت إليها،  ومن المقاصد في ذلك بُدلت اللفظة للمسلمين ليزول تعلق اليهود بها، أيضا هذا من المقاصد في هذا النهي ليزول تعلق اليهود، صاروا يتعلقون بهذه اللفظة ويقولونها على المعنى الفاسد فجاء النهي لأهل الإيمان ألا يقولوا هذه الكلمة، إذا نُهي أهل الإيمان عن قولها انقطع قول اليهود لها على المعنى الفاسد الذي يريدونه لأنه جاء نهي عن هذه الكلمة التي يلوون ألسنتهم بها، يلوون ألسنتهم بها يريدون بها الدعاء على النبي عليه الصلاة والسلام بالرعونة.
قال (وقولوا انظرنا واسمعوا) أي سمع قبول وإجابة، (وللكافرين عذاب أليم) أي عذاب شديد موجع مؤلم.
ثم ذكر جل وعلا شدة عداوة الكفار من المشركين وأهل الكتاب لأهل الإيمان وحسدهم الشديد لأهل الإيمان في الخير الذي يتفضل الله به عليهم، قال في بيان شدة العداوة (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزل عليكم من خير من ربكم) هذا على وجه ماذا؟ الحسد، هذا على وجه الحسد، (من خير من ربكم) أي أدنى خير ولو قليل من الخير، ما يودون ذلك، يكرهون ذلك من علم، من هدى، من صلاح، من نصر، من رزق، (من خير من ربكم) أي خير قلّ او كثُر، لا يودون أن ينزل عليكم شيء من الخير (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء) هذه عظيمة جدا، هذه عظيمة في طيتها نعمة لأهل الإيمان كأنه يقال لهم يا أهل الإيمان رزق الله الذي كتبه لكم لا يرده حسد حاسد، ولا كراهية كاره، ما يرده (والله يختص برحمته من يشاء) فالخير الذي أراده لعبده المؤمن يصل إليه وإن حسده الحاسد، وإن كره نزوله عليه أو وصوله إليه كاره (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ولهذا في الآية دعوة إلى الإقبال على الله وسؤاله سبحانه وتعالى من واسع فضله، فالفضل بيد الله يختص به من يشاء، يخصّ به من يشاء، ومن خصّه جلّ وعلا بفضله لا رادّ لفضله، لا يمنع فضل الله عز وجل مانع ولا يرد عطاءه أحد. قال الشيخ رحمه الله: «كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عليه الصلاة والسلام عند تعلمهم أمر الدين يقولون راعنا يقولون، راعنا أي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا» إذا سمعوا المسلمين يقولون راعنا يضحكون وهم أيضا يقولون في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام راعنا ويقصدون المعنى الفاسد، فانتهزوا الفرصة - أي اليهود - فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب. 
ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن.
يراعي الإنسان في ألفاظه أن يأتي باللفظ الذي لا يحتمل إلا المعنى الحسن، واللفظ إذا كان يحتمل ويحتمل يتركه ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل، ولهذا سبحان الله يعني وهذا لابد أن ننبه عليه بهذه المناسبة من يقرأ في كتب التفسير خاصة لما يكون الحديث عن إعراب الآية تجد ألفاظ ما تليق، هي غير مقصودة، لا يقصدها المفسر، لكن اللفظ لا بد من مراعاته يقول مثلا في بعض الكلمات في الآية "هذا لغو"، أو يقول "هذا حشو"، أو مثلا في الإعراب يقول فيما يتعلق بالرب يقول مثلا مبني للمجهول (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني المجهول، المقصود بالمجهول هنا الرب العظيم أعلم المعلومات، من يعرب يقول لك: لا أنا ما أقصد هذا المعنى الفاسد، يقال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) المعنى الفاسد اتركه حتى وإن كنت ما تقصد اترك المعنى، حتى مثلا (وخُلق الإنسان ضعيفا) يقول( الإنسان) نائب فاعل، هذا أيضا ما يصلح أدبا مع الله عز وجل ومراعاة الألفاظ، ما يصلح أن يقال مثل هذا الكلام، يقول أنا أقصد الإعراب ما اقصد هذه المعاني، يقال لا، اللفظ مطلوب إصلاحه أدبا مع الله.
الآن هنا مُنع من هذا اللفظ أدبا مع من؟ أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام، والأدب مع الله أعظم وأولى وأهم،  مراعاة الأدب هنا أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) الصحابة رضي الله عنهم لما نزل (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هل قالوا نحن ما قصدنا مثل ما يقول الآن الكثير؟ هل قالوا ما قصدنا هذا المعنى؟ استجابوا مباشرة، هكذا ينبغي للمسلم الألفاظ التي فيها تشويش،  فيها إشكال، فيها معنى فاسد إلى آخره يتركها ويستعمل اللفظ الصحيح، فلما يأتي يعرب (خُلق الانسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني لما لم يُسمى فاعله، ما يقول لمجهول، مبني لما لم يسمى فاعله، ولما يأتي يعرب (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (الإنسان) مرفوع ما لم يسمى فاعله، ما يقول نائب فاعل، فيه ألفاظ مؤدبة مهذبة صحيحة سليمة تؤدي المعنى المقصود وهي المستعملة عند النحاة المتقدمين، مثل هذه الألفاظ في الغالب الأعم جاءت متأخرة، ولما تنظر في كتب الأعاريف عند المتقدمين ما فيها مثل هذه الألفاظ، فهذه تفتح للعبد باب الأدب رفيع جدا في ألفاظه يترك طريقة الجُهّال أنا ما أقصد وأنا نيتي طيبة، هذا يتركه هذه الآية تفتح له باب صلاح عظيم جدا في ألفاظه وسلامتها وصلاحها واستقامتها. انظر ماذا يقول الشيخ «وفيه الأدب في استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن» هكذا ينبغي أن نتأدب ونتعلم من هذه الآية.
فقال «وقولوا انظرنا فإنها كافية بحصوله» يحصل بها المقصود من غير محظور واسمعوا قال الشيخ «ولم يذكر المسموع ليعم ما أُمر باستماعه فيدخل سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة ففيه الأدب والطاعة» الأدب في قوله (وقولوا انظرنا) والطاعة في قوله (واسمعوا) لأن السماع هنا سماع إجابة وطاعة. ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع قال: «وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين انهم ما يودون أن ينزل عليكم أي معاشر أهل الإيمان من خير أي لا قليل ولا كثير (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم الله بفضله فانه سبحانه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة.
جاء عن ابن عباس في الأثر قال: "راعنا بلسان اليهود السب القبيح" فكان اليهود يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرا هذه الكلمة (راعنا) سرا يقصدون بها سب، فلما سمعوا أصحابه يقولون راعنا على معنى صحيح، فلما سمعوا أصحابه يقولون (راعنا) أعلنوا بها صاروا يقولونها لكن هم يقصدون بها المعنى القبيح فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم فأنزل الله الآية (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).

نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..
جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

تدارس سورة السجدة ( 1- 11)

(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))

غريب القرآن:
افتراه = اختلقه من عند نفسه
استوى = علا وارتفع استواء يليق بجلاله وعظمته
يعرج إليه = يصعد إليه
نسله = ذريته
سلالة = وهي النطفة لأنها مستلة من جميع البدن
مهين = ضعيف، رقيق 
ضللنا في الأرض = تحولنا ترابا بعد الموت

(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
قال الله عز وجل في مفتتح هذه السورة (الم) هذه من الحروف المقطعة وسبق أن ذكرنا الحديث عنها في سورة لقمان وفي سورة الروم، وغالبا ما يأتي ذكر القرآن بعد هذه السورة، فأين ذكر القرآن في هذه السورة؟ الجواب في قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب) قال الله عز وجل (الم تنزيل الكتاب) أي هذا القرآن منزل من عند الله سبحانه، (لا ريب فيه) أي لا شك أنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى رب العالمين الخالق المالك المدير الجميع العالمين.
وفي قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) فيه دليل على أن هذا القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا قاعدة ينبغي أن تستصحبوها دائما في قراءتكم للقرآن حين ورود الحديث عن كتاب الله عز وجل، أنه دائما إذا قدح الكافرون في القرآن كريم فإنهم يقدحون في من جاء به وهو النبي عليه الصلاة والسلام، والعكس إذا جاء القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يقدحون فيه وبما جاء به، فالقدح في القرآن ملازم للقدح في الرسول عليه الصلاة والسلام، والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ملازم للقدح في القرآن فهما متلازمان، ولذلك الآن سيأتي الحديث لما قال الله عز وجل (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) هذا ما يتعلق بالكتاب، سيأتي الآن الحديث على ماذا؟ على الحديث على المُنزل عليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال الله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) من أي لا شك أنه منزل من عند الله سبحانه وتعالى.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)) 
في قوله (أم يقولون) الضمير يعود إلى من؟ الجواب يعود إلى المشركين الذين قدحوا في القرآن الكريم
 (أم يقولون) أي بل أيقول المشركون أفتراه أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم أي جاء بهذا الكتاب من عند نفسه ونسبه إلى الله عز وجل كذبا، هكذا كان زعمهم في قوله (أم يقولون افتراه)، ثم سبب المجيء بالفعل المضارع في قوله (أم يقولون) لماذا لم يقل مثلا قالوا؟ لأن هذه الفرية مستمرة ومتجددة في القدح في هذا الكتاب ، وهكذا القدح في القرآن يكون فيه قدح للنبي عليه الصلاة والسلام والعكس، لأن الأمرين متلازمان.
قال الله عز وجل (أم يقولون أفتراه) أي بل أيقول المشركون اختلق هذا القرآن محمد صلى الله وسلم وأتى به من تلقاء نفسه ونسبه إلى الله كذبا، ثم جاء الرد عليهم قال الله عز وجل (بل هو الحق) أي ليس الأمر كما يقول أولئك القوم (بل هو الحق) أي القرآن هو الحق، أي الصدق الثابت المُنزل إليك يا محمد من عند ربك.
قال (بل هو الحق من ربك) لماذا جيء بقوله (من ربك)؟ ولم يقل مثلا بل هو الحق من الله عز وجل، ذكر بعض أهل العلم أن الربوبية نوعان: أولا الربوبية العامة فالله عز وجل رب الخلق أجمعين إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، وهناك ربوبية خاصة وهي التي تقتضي العناية والرعاية والتوفيق، فالله عز وجل قال ( بل هو الحق من ربك) وهذا فيه اعتناء بالنبي صلى الله عليه وسلم واصطفاء له عليه الصلاة والسلام، وأيضا رفعة لشأنه، كيف يكون ذلك؟ ما وجه الاستدلال في أنه في قوله (من ربك) رفعة لشأن النبي صلى الله عليه وسلم؟ الإتيان بكاف الخطاب في قوله من (ربك) وهذا فيه دليل على عناية الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم.

قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ) أي لتنذر يا محمد بالقرآن وتحذر بهذا القرآن (قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) 
اختلف المفسرون - رحمهم الله - في المراد بهؤلاء القوم من هم هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ على أقوال:
القول الأول قالوا: هم كفار قريش فإنهم كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل النبي صلى الله عليه وسلم
القول الثاني قالوا هم العرب كافة والله عز وجل قال (هوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ)
القول الثالث قالوا هم أهل الفترة الذين هم بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يرِد إشكال وهو أن ظاهر هذه الآية يعارض قول الله عز وجل (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، هنا قال (لتنذر قوْما مَا أتاهم من نذير من قبلك) وجاءت أية أخرى تقول (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فكيف يجيب أهل العلم عن هذا الإشكال الظاهر؟
 قال بعض أهل العلم الجواب: أنه هنا لم يأتهم نذير معاصر لهم فلا يعارض هذا قول الله عز وجل (إن من أمة إلا خلا فيها نذير)
وقيل: المراد بقوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أي هم محتاجون إلى الإنذار لكونهم لم يتقدم من ينذرهم. هذا اشكال.

 ثمة إشكال آخر وهو يتعلق بالقول الثالث في المراد بالقوم، يتعلق به إشكال، أهل الفترة الذين بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام هنا إشكال وهو قوله سبحانه وتعالى (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) هل هذه تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُرسل بالنذارة فقط للعرب أو لأهل الكتاب أيضا؟ فإن أهل الكتاب قد جاءهم نذير فكيف يكون قوله عز وجل (لتندر قَوْما ما أتاهم من نذير من قبلك) وأهل الكتاب قد أتاهم نذير قبل النبي عليه الصلاة والسلام فهل تكون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بالعرب؟ الجواب: لا ، كيف إذا تدفع الإشكال؟
نقول هذا التخصيص في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) لا يوجب نفي من عداهم لكن يُوجه قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أنهم هم أولى الناس بالنذارة من غيرهم.
 الجواب الثاني: قالوا في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) يدخل فيه أهل الكتاب، لماذا؟ قالوا لأن أهل الكتاب بعد رسولهم عيسى عليه السلام قد ضلوا ولم يأتهم نذير فجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين وإلى العرب وغيرهم.
قال الله عز وجل (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) أي من قبلك يا محمد (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي لعلهم يعرفون الحق ويؤمنون به ويتبعون هذا الحق الذي جئت به يا محمد. 
قال (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وهذا فيه فائدة: أن القرآن طريق إلى الهداية، وأن من تمسك بالقرآن فقد اهتدى قال الله عز وجل (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2))، وقال سبحانه وتعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رب لم حشرتني أعْمَى وقد كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذلِك أتَتكَ آيَاتُنَا فَنسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126))

 (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما في ستة أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم من دونه من ولي ولا شَفِيعُ أَفَلا تتَذَكَّرُونَ (4)) 
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (الله الذي خلق السموات والأرض) أي الله سبحانه وتعالى الإله المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الذي خلق السماوات السبع والأرضين وما بينهما في ستة أيام وهذا يسمى عند أهل العلم الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، لأن الكفار مقرون بأن الذي خلق السماوات والأرض الله (ولئن سألتهم من خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْض ليقولن الله) فهذه الآية فيها تعريض بهؤلاء الكفار، فكأنه قيل لهم ألستم مُقرين بأن الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما هو الله؟ الجواب نعم، إذا فهو المستحق للعبادة، وهو الإله المعبود الذي يستحق العبادة ولا تُصرف العبادة إلا له ، ولذلك بدأ بلفظ الجلالة هذا الاسم العظيم (الله الذي خلق السموات والأرض) لو قيل:  الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام الله، صح لكن هنا قُدم لتعظيم هذا الأمر.
قال الله سبحانه وتعالى (الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوتِ وَالْأَرْض وما بينهما) يعني من الخلائق على أن في السماوات خلق وفي الأرض خلق وبين السماء والأرض خلق الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في سنة أيام وهذه الأيام تبدأ من يوم الأحد وتنتهي يوم الجمعة .
قال الله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السموات) السبع، (والأرض) والأرضين، (وما بينهما في ستة أيام)  هنا سؤال قد يرد على الأذهان وهو ما الحكمة من خلق السماوات والأرض في ستة أيام مع أن الله عز وجل قادر على أن يخلقها في طرفة عين؟ فلماذا كان خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ 
قال بعض أهل العلم: في ذلك دليل على حكمة الله عزوجل ولطفه وتدبيره، وأيضا فيه تعليم للناس وتنبيه على التأني في الأمور، وأن لكل شيء أجلا، والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل والخلق يسألون.

قال الله عز وجل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) أي ثم علا وارتفع سبحانه وتعالى على عرشه كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، وهذا فيه دليل على أن العرش مخلوق قبل السماوات والأرض.

قال (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي ولا شفيع. هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المخاطببين في قوله (ما لكم من دونه) على قولين:
 القول الأول: قالوا الخطاب هنا للكافرين أي ما لكم أيها الكافرون من دون الله من ولي ولا شفيع.
القول الثاني: قالوا المراد به عموم الناس.
قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ) أي ليس لكم من دونه، الضمير في قوله (من دونه) يعود على من؟ على (الله) عز وجل أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي.
 هنا في قوله (من ولي) هذه (مِن) يسميها العلماء مِن مزيده أو صلة لماذا جاء بها؟ جيء بها للتوكيد وتقدير الآية ليس لكم سوى الله عز وجل ولي يتولى أمركم وينفعكم ولا شفيع يشفع لكم عند ربكم، لأن الإنسان في نصرته يتحقق فيه أمران: إما أن يكون هناك من ينصره، وإما أن يكون هناك من يشفع له فنفى الله عز وجل الناصر والشفيع.

قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) ما تعلمونه من أن الله عز وجل هو الخالق وحده الذي خلق السماوات والأرض واستوى على عرشه، وأنه لا حجة لشيء مما أشركتموه به فإن الله عز وجل هو الذي يستحق العبادة وهو الذي ينبغي أن تصرف له العبادة، فهو الإله الحق المعبود، وهذا معنى تحقيق قول لا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله.

قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5))
قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي يدبر الله عز وجل أمر خلقه بما يشاء، وما المراد بالأمر في قوله (يدبر الأمر)؟ 
هل المراد به الأمر القدري الكوني أو المراد به الأمر الشرعي؟ الجواب كلاهما مراد ، الأمر الكوني القدري الذي هو مقادير الناس وخلقهم وأرزاقهم ...الخ ، والأمر الشرعي الذي هي الشرائع والفرائض والنوافل ....الخ ، فالمراد بهما هنا الأمر الشرعي والأمر الكوني القدري.
قال الله عز وجل (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي فينزل تقديره سبحانه وتعالى وقضاؤه من السماء إلى الأرض.
 ثم قال بعد ذلك (ثم يعرج إليه) أي ثم يصعد إليه من الأرض إلى السماء، وفي قوله (ثم يعرج إليه) دليل على إثبات علو الله سبحانه وتعالى، لأن العلو يكون من فوق إلى أسفل، فدل ذلك على علو الله سبحانه وتعالى.
 ثم هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في الذي يعرج إليه أي الذي يصعد ما هو؟ في قوله سبحانه وتعالى (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه)، ما الشيء الذي يصعد إليه؟ اختلف المفسرون في ذلك على قولين:
 القول الأول: قالوا المراد به المَلك الذي ينزل بالأمر، أي يعرج الملك إليه بعد نزوله بالأمر يصعد مرة أخرى.
القول الثاني: المراد به الأمر الذي سبقت الاشارة إليه في قوله (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) أي ثم يصعد الأمر إليه.

قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5)) أي في يوم كان مقداره ألف سنة مما تحسبون من أيامكم في الدنيا، وهنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بقوله (في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّونَ) على أقوال أوصلها بعضهم إلى خمسة أقوال أصحها وأرجحها: أن المراد به في قوله (في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِما تَعُدُّونَ) أي الأمر ينزل من السماء إلى الأرض ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد وقدر ذلك اليوم ألف سنة مما يحسبه الناس، كيف يكون؟ قالوا لأن ما بين الأرض والسماء خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك فذلك ألف سنة، يعنى الأمر ينزل ويصعد في ألف سنة، هذه أصح الأقوال، ثمة أقوال ضعّفها بعض أهل العلم لأن بعضها لا يحتمل السياق، وبعضها مبني على روايات ضعيفة. فهذا أصح الأقوال وهذا اختيار الإمام ابن جرير الطبري عليه رحمة الله.

(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))

(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6))
يقول ربنا جل وعلا (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) اسم الإشارة في قوله (ذلك) يعود إلى الله سبحانه وتعالى أي ذلك الإله العظيم الشأن العالي القدر الذي فعل ما وصف من الآيات السابقة، هو عالم الغيب والشهادة.
في قوله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..) الآيات قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي هو الله سبحانه وتعالى، وجيء باسم الإشارة هنا بعد تلك الأمور التي وصفها الله عز وجل في الآيات التي قبل في قوله (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما..) إلى آخره، جيء بعد تلك الأشياء التي وصفها الله عز وجل لها قبل جاء باسم الإشارة هنا للتنبيه على أن المشار إليه باسم الاشارة وهو الله عز وجل حقيق بما يرِد بعد اسم الاشارة في قوله (عالم الغيب والشهادة).

قال سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ) أي عالم بكل ما غاب عن خلقه، والغيب نوعان:
/ غيب مطلق وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى
/ والنوع الثاني غيب نسبي وهو ما يكون غائبا عن شخص غير غائب عن شخص آخر
 والله سبحانه وتعالى يعلمهما يعلم الغيب المطلق والغيب النسبي.

قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الشهادة المقصود بها كل ما هو مشاهد أو مدرك من خلقه، وهنا سؤال: لماذا قدم الغيب على الشهادة؟ لماذا لم يقل ذلك عالم الشهادة والغيب، فبدأ بالأمر المشاهد ثم بالأمر الذي يغيب عن الخلق؟ 
قال أهل العلم: قدم الغيب هنا على الشهادة لأنه أقوى وأشد في التنبئة عن كمال العلم - كمال علم الله سبحانه وتعالى - فإذا كان عالما بالغيب فمن باب أولى أن يكون عالما بالشهادة.
قال هنا سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) العزيز: أي العزيز الغالب القاهر المُنزه عن كل عيب ونقصص عظيم القدر سبحانه وتعالى الرحيم بعباده. وهنا سؤال: لماذا جيء باسم الرحيم؟ دائما ما يقترن اسم (العزيز) باسم (الحكيم).
 قال أهل العلم: جيء باسم (الرحيم) لأن الله عز وجل رحيم بعباده، فهو يرسل الرسل وينزل الكتب رحمة بعباده وهذا من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى إنزال الكتب إرسال الرسل إقامة الحجة هذه كلها من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى.
 قال بعض أهل العلم: في هذه الجملة في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الكلام هنا فيه معنى التهديد والوعيد، كأنه قيل أخلصوا أفعالكم وأقوالكم فإني أجازيكم عليها في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7)) 
ثم قال بعد ذلك جل ذكره (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) (الذي أحسن) أتقن خلق كل شيء واحكمه سبحانه وتعالى، وفي مفردة (خَلَقَه) قراءتان، فإن القراءات - كما مرّ معنا آنفا في أكثر من موضع من المواضع التي تدارسنا فيها السور - أن القراءتين بمنزلة الآيتين، كل قراءة تُحمل على أنها آية ويكون لها معنى.
 هنا قال: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) في مفردة (خَلَقَهُ) قراءتان:
 القراءة الأولى بفتح اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) وهذه قراءة نافع والكوفيين.
القراءة الثانية بإسكان اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ ) وهذه قراءة الباقين.

/ قراءة الفتح في قوله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) قال بعض المفسرين لها معنيان:
 المعنى الأول: بمعنى أتقن كل شيء وأحكمه.
المعنى الثاني: بمعنى حسّن، أي الذي حسّن خلق كل شيء
/ أما قراءة الاسكان (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ )  قالوا أي أعلم كل شيء خلْقه أي: أنهم خلقهم وما يحتاجون إليه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ)
 
/ ثم قال بعد ذلك جل ذكره (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) وهنا سؤال وهو: أليس الإنسان من الخلق وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى (الذي أَحْسَنَ كُل شيء خلْقه) أو (خلَقه) على القراءتين؟ الجواب: بلى.
 فلماذا خصّ الإنسان بالذكر هنا؟ 
قال أهل العلم: خصّ الإنسان بالذكر هنا من باب أن هذا المخلوق هو من أشرف المخلوقات، أشرف المخلوقات في الحيوانات هو الإنسان والله عز وجل قال (وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا).

 قال (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) ما المراد بالإنسان هنا ؟ هل يُراد به آدم عليه السلام أو يراد به جنس الإنسان؟ قولان لأهل العلم هنا. تنبيه: الضمائر لا بد من ترتيبها في الآية. فأحيانا قد يرِد إشكالات لابد أن ننتبه لها. قولان للمفسرين:
القول الأول: قالوا المراد به آدم عليه السلام، والمعنى: وخلق آدم أبا البشر من طين هذا المقصود.
القول الثاني: قالوا المراد بالإنسان هنا الجنس البشري أي وابتدأ خلقه الذي هو أصله آدم عليه السلام.
ننتبه بعد ذلك على ترتيب الضمائر على هذين القولين.

 (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8))
قال (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ثم جعل الله نسل هذا الإنسان - على الخلاف السابق - آدم عليه السلام أو جنس الإنسان. قال  (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ولده، والنسل مأخوذ من الانفصال عن الشيء ولذلك سمي هذا نسله، قال (ثم جعل نسله) أي الإنسان (جعل نسله) يعني ذريته - ذرية آدم - على القول بأنه آدم، أو الإنسان جنس الإنسان. (ثم جعل نسله من سلالة) السلالة مأخوذة من السَلّ وهو: استخراج الشيء من الشيء، فكأن المعنى (ثم جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سلالة) أي مستخلصة من ماء والمقصود بالماء هنا المني.

قال (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) ما معنى مهين هل يراد به أنه ضعيف؟ أو يراد به مهين يعني ممتهن؟ ما المراد به؟ 
قولان لأهل العلم:
 القول الأول: قالوا المراد من ماء مهين يعني ضعيف، ووصف الماء - المني هذا - بأنه ضعيف، قالوا لأنه لا يسيل سيلان الماء فهو يسير ببطء، وهذا وجه الضعف فيه.
القول الثاني: قالوا المقصود بـ (مهين) هنا يعني ممتهن لا يعبأ به ، والغرض من هذا الوصف ماذا؟ في وصفه كونه ضعيف أو ممتهن؟ هو التنويه إلى عظمة التكوين هذا الجنس المكتمل العجيب، فإذا رأيت الشخص الممتلئ قوة ونشاطا ونحو ذلك ورأيت أصل خلقِه دل ذلك على عظمة الخالق جل وعلا قال الله عز وجل (ألم نخلفكُم مِّن مَاء مَّهِينٍ (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))، وقال (أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نحنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بمسبوقين (60)) الآية
 أي القولين هنا مراد في قوله مهين هل هو ضعيف أو ممتهن؟ الجواب: كلا القولين مراد فهو ماء ضعيف وماء ممتهن.

 (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
قال الله سبحانه بعد ذلك (ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير يعود إلى من؟ يعود إلى آدم أو الإنسان؟
 إذا جعلت الضمير في (وبدأ خلق الإنسان) لآدم تجري الضمائر على آدم، وإذا جعلت الضمير على الإنسان على جنس الإنسان تجري الضمير على جنس الإنسان.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) هنا الإشكال: يعني هل آدم خلق من طين ثم جاء نسله بعد ذلك، ثم بعد ذلك نفخ فيه الروح؟ الجواب: لا، الإشكال: أولا خلق آدم من طين ثم نفخ فيه الروح ثم بعد ذلك جاء نسله، هنا في الآية أنه خلق الإنسان من طين ثم بعد ذلك جعل نسله ثم بعد ذلك سواه ونفخ فيه من روحه ، هنا الترتيب في قوله (ثم) ليس المقصود به ترتيب الأحداث إنما هو مجرد الأخبار والذكر فقط .
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) يعني إذا كان قلنا الضمائر لآدم، لكن إذا كان الضمائر جنس الإنسان فالأمر مستقيم.
  (ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير هنا من يعود إلى آدم أو إلى جنس البشر، وأنت تستطيع بعد ذلك أن تُركب الأقوال على عود الضمائر.
قال(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) ثم جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا كما قال سبحانه وتعالى في سورة الانفطار (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بربك الكريم (6) الذي خلقك فَسَوَّاكَ فَعَدلك (7)) في قراءة عدّلك.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا،(وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) أي وجعل فيه الروح فصار حيا، وهذا إذا قلنا على أن القول هذا المراد به جنس الإنسان، إذا المراد به آدم فإن الله قد نفخ فيه من روحه، وفي قوله من روحه الإضافة ماذا؟ إضافة المخلوق لخالقه أن الروح مخلوقة وخالقها هو الله عز وجل، وهنا من باب التشريف.
 المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان:
النوع الأول: إضافة صفة إلى موصوف كصفة السمع والبصر وغيرها الله عز وجل
والنوع الثاني: إضافة مخلوق إلى خالقه كبيت الله عز وجل، وناقة الله، ورسول الله، ونحو ذلك. وهذه الإضافة تقتضي التخصيص والتشريف كما هنا في قوله ونفخ فيه من زوجه يعني جعل فيه الروح فصار حيا..

/ ثم قال سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ) وهنا فيه تغيير في الأسلوب يُسمى الالتفات لأنه كان يتكلم عن شيء غيب، من أسلوب الغيب إلى أسلوب الخطاب، كان يتكلم عن (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ ) كان تقدير الكلام أن يقال وجعل له السمع والأبصار والأفئدة، هذا تقدير الكلام فقال هنا (وَجَعَلَ لَكُمُ) لماذا جيء بهذا الأسلوب الالتفات؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب الامتنان عليهم بهذه النعمة. 
قال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) لتسمعوا به الأصوات (وَالْأَبْصَارَ) لتبصر بها المبصَرات، (وَالْأَفْئِدَةَ) التي هي القلوب لتدركوا بها المعقولات، وهنا سر بلاغي جميل وهو أنه وحّد السمع فقال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) والأبصار والأفئدة جمعها، فلماذا وحّد السمع وجمع الأبصار والأفئدة؟
قال أهل العلم وحّد السمع هذا لأنه مصدر فالسمع هو قوة واحدة، ومحلها واحد وهو الأذن ولا اختيار لصاحبها فيها، بخلاف البصر فإنه يستطيع أن يدرك بالزوايا ونحو ذلك، أما السمع فلا، ولذلك جمع البصر والفؤاد لأن للإنسان فيها اختيار، وهنا استدل بعض أهل العلم بالمفضلة في أيهما أفضل السمع أو البصر؟ الجواب: الأفضل السمع فإن الإنسان بالسمع يدرك العلوم ويفقه ويفهم ويعقل بخلاف لو كان أصم فإنه لا يستطيع أن يدرك ما يدركه السميع، لو كان الإنسان أعمى فإنه يدرك ويفهم ويصل إليه الخطاب، ويستطيع أن يتعامل وهكذا، فالسمع أفضل هنا قدمه لأنه أفضل لصاحبه فإنه تدرك به الحُجّة ولذلك يقول أهل العلم: السمع منفذ إلى القلب.

قال الله سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
 هنا سؤال في قوله (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) يعني قليلا شكركم هل المراد بالقليل على أصله فعل القليل، أو يراد به المعدوم يعني الشيء الذي لا يوجد؟ قولان لأهل العلم:
/ القول الأول: قالوا المراد بقوله (قليلا ما تشكرون) أي أنتم مع ما أنعم الله عز وجل عليكم به من هذه النعم المتوافرة الكثيرة شكركم قليل، والشاكر من العباد قليل كما ذكر الله سبحانه وتعالى في قوله (وقليل من عبادي الشكور)
/ القول الثاني: قالوا بل المقصود به هنا (قليلا ما تشكرون) أي لا تشكرون الله عز وجل على هذه النعم، فهنا جعله منزلة المعدوم فإنهم لم يستعملوا هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى.

(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)
ثم قال بعد ذلك (وقالوا) الضمير يعود إلى من في قوله (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)؟ إلى المشركين المنكرين للبعث. 
قال سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا) واستفهامهم هنا هل هو استفهام على بابه استفهام حقيقي؟ الجواب: لا ، استفهامهم هذا استفهام استنكار وتعجب واستبعاد أيضا للبعث، (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا) أي بمعنى ذهبت أجسادنا وتفرقت لحومنا وعظامنا وغابت في التراب، وصارت مثل التراب بحيث لا تتميز هذه الأعضاء وهذه الأجساد التي كانت في التراب بعد أن صارت ترابا يفرق بينها وبين التراب، قالوا (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) هذا من شدة إنكارهم جاؤوا بـ (في) الظرفية يعني كأنهم التراب والأرض شيء واحد،(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) يعني هل سنعود أحياء بعد تلك الحال؟ بعد أن خالطنا التراب وصرنا ترابا نعود أحياء بعد ذلك كما قال الله سبحانه وتعالى (وإن تَعْجَب فَعَجَبٌ قَوْلهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقِ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأولئك الأغلال في أعْنَاقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فهم مستبعدون لقضية البعث، والله عز وجل قد ردّ عليهم في أكثر من موضع بأكثر من حجة.
قال الله عز وجل هنا (بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) هنا (بل) يسمونها للإضراب يعني ليس الأمر كما يقولون هم، فهؤلاء لا يجحدون بقدرة الله عز وجل، يجحدون ماذا؟ يجحدون لقاء ربهم للحساب والبعث وإلا فالذي كان قادرا على بدء الخلق قادر على إعادته مرة أخرى كما قال الله سبحانه وتعالى (أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ) قال سبحانه وتعالى (وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ) في قوله (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) فهو هين على الله سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) الإنسان بقدر بعده عن الآخرة بقدر تجاسره على المعاصي، فإذا الإنسان غفل عن البعث والجزاء فإن يكون مقدما على المعاصي تاركا للطاعات والعكس.

(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُم)
قال هنا سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم) الخطاب لمن ؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث (يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) (يتوفاكم) مأخوذة من الاستيفاء يعني يستوفي ملك الموت الذي وكله الله عز وجل أرواحكم، فلا يترك منكم أحدا (إنك ميت وإنهم ميتونَ) و (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) هذه حقيقة لا مفر منها 
الموت باب وكل الناس داخله = يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
 الدار دار نعيم إن عملت بما = يرضى الإله وإن قصّرت فالنار 
فهذه حقيقة لابد أن يدركها الإنسان أنه يوما ما سيذوق الموت لا محالة 
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته = يوما على آلة حدباء محمول
 ولكن ليست المصيبة في الموت ، المصيبة فيما بعد الموت.
قال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) من هو ملك الموت هذا؟ لم يرِد في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام تسمية هذا الملك، لكن ورد في بعض الروايات الإسرائيلية أن هذا الملك اسمه عزرائيل معناها عبد الله، لكن لم يرد في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية هذا الملك.
قال الله عز وجل هنا (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) هنا فيه إشكال، الإشكال أنه في هذه الآية أسند الموت إلى المَلك فقال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) وجاء في آيات أخرى أنه أسند ذلك إلى الملائكة فقال (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ)، (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وجاء في آية أخرى أنه أسند هذا التوفي إلى الله سبحانه وتعالى فقال الله سبحانه وتعالى (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) فكيف نجيب عن هذا التعارض الظاهر؟ قال أهل العلم: أما إسناد التوفي إلى الله سبحانه وتعالى في قوله (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) فهذا إسناده إلى الله سبحانه وتعالى لأن كل شيء كائن لا يكون إلا بقضاء الله وقدره وأمره سبحانه وتعالى وملك الموت لا يقبض روح أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فهو المتوفي حقيقة ، هذا إسناد التوفي إلى الله سبحانه.
 إسناده إلى الملائكة في قوله (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكة) أن لملك الموت بأعوان من الملائكة فإنهم يأخذون هذه النفس حتى يصلون بها إلى الحلقوم ثم بعد ذلك ينتزعها ملك الموت، وأما اسناده إلى ملك الموت فهو الملك المباشر والمأمور بقبض الأرواح.

قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) 
طبعا هناك مسائل خلافية في ملك الموت وهل ملك الموت هو الذي يقبض أرواح بني آدم هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بقية المخلوقات كالجن وكالحيوانات وإلى آخره، الكلام هذا ليس هذا محله لكن هو ملك الموت الذي يقبضه الأرواح هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بني آدم وغيره هذا الصحيح.

قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) في الآية تقديم وتأخير كيف سيكون نظام الآية في قوله (ثم إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) سيكون تقدير الآية ثم ترجعون إلى ربكم، لماذا جيء بالتقديم والتأخير؟ في الأصل ثم ترجعون إلى ربكم، قال (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) هذا من باب التنبيه والتحذير، وأن الإنسان محاسب ومجزي، في قوله (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) أي ثم أنتم بعد موتكم تردون أحياء يوم القيامة ثم ترجعون إلى ربكم سبحانه وتعالى فيجازيكم على أعمالكم، وهذا فيه تنبيه على أن الإنسان يُحسن عمله، لأنه راجع إلى ربه وسائر إليه، ومسؤول عن ما عمله في هذه الدار.

الهدايات العلمية والعملية:
/ بيان عظيم قدرة الله في تدبير الأمور
/ السمع والبصر نعمتان وشكرهما يكون باستعمالهما فيما يُقرب إلى الله.
/ تذكر لحظة الوفاة التي تقابل الله تعالى فيها بعملك إن خيرا أو شرا.

العمل اليومي:
/ادع الله تعالى أن يدبر لك أمورك ويرزقك العلم النافع فهو المدبر والعليم.
/ ادع الله أن يُحسّن خُلقك كما حسّن خلْقَك.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك اللهم نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها ، سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله واصحابه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يتدارسونه
اقرأ المزيد...