الأربعاء، 4 فبراير 2026

فوائد الآيات ( 253- 286) سورة البقرة / من دروس التفسير المؤصل

 🏷 نبتدئ بالجزء الثالث ويُفتتح بآية بيّن فيها الله عز وجل أن فضل الله يؤتيه من يشاء حتى خواص عباده الذين هم الأنبياء فإنهم يتفاضلون ففضّل الله عز وجل بعض الأنبياء على بعض فقال: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض..) الآية وطبعا هذا لا ينافي ما ورد في حديث النبي ﷺ (لا تخيروني على موسى) ونهيه أن يُفاضل بين الأنبياء فقيل في الجمع بين النصوص: أن النهي إذا كان التفاضل على سبيل التفاخر والتعالي.
بعدها تأتينا آية الكرسي وسبق ذكرنا في بداية الدرس فضائل هذه الآية ولا بأس أن نذكر بها، كنا قد ذكرنا في بداية السورة فضائل السورة بشكل عام، ثم انتقلنا للصف الثاني من الفضائل الذي هو في فضل بعد آياتها منها آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة.
آية الكرسي ورد فيها عن أُبي بن كعب أن النبي صلي وسلم سأله أي آية في كتاب الله أعظم؟ فلما أجاب بهذه الآية ضرب على صدره وقال: (ليهنِك العلم أبا المنذر)، وفيها حديث أبو هريرة مع الشيطان حيث أرشده الشيطان، لأنه كان على الصدقات وكان يأخذ منها، فقال ألا أعلمك كلمات اقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فكان النبي ﷺ لما حكى له ذلك، قال أما إنه صدقك وهو كذوب، فدل ذلك الحديث على أن هذه الآية حصن من الشيطان، إذن حديث أبي بن كعب أفاد عظم هذه الآية وهذا يعني أننا نحتاج نتدبرها طويلا في دلائلها على قوة الاعتقاد، و لأن الله سبحانه وتعالى أكثر ما يُعظِّم ما يكون فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، فنحتاج أن نتأملها كيف نعظم الله عز وجل بالمعاني الواردة في هذه الآية لنستبين عظم هذه الآية.
ثم في الفضل الثاني كيف نتحصن من الشيطان من هذه الآية وطبعا هذا يرجع فيها إلى قوة التوحيد الوارد في هذه الآية.
ثم الفضل الثالث أن فيها اسم الله الأعظم، وهذا ورد في حديث حسنه العلماء وحديث أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وفي قوله - تقصد سورة آل عمران (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قالت أنه ورد في الحديث عن النبي ﷺ (إن فيهما اسم الله الأعظم) وهذا الحديث أخرجه أحمد وحسنه العلماء، فنخرج من الفضائل الثلاث: فضائل هذه الآية، وأيضا قوة التوحيد فيها أنها حرز من الشيطان، أنها إذا قرئت في دبر كل صلاة كانت سببا لدخول الجنة، وهذا وارد في حديث أبي أمامة (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، وما أسهل هذه الوسيلة فماذا تأخذ منا من الأوقات أن نقولها دبر كل صلاة، ويكون أمامنا الجزاء بهذه الطريقة، ولا شك أننا إذا قرأناها بتدبر وحضور ذهن فالقيمة في هذه القراءة ستكون أكثر والأجور على ذلك سيكون أعظم.
إذا دخلنا في هذه الآية ورأينا ما الذي يمكن أن نأخذه من الفوائد:
أولا: الإيمان بالأسماء والصفات وأثرها على قوة الإيمان، نظرا لأن هذه الآية فيها الكثير من الأسماء والصفات، وهذا هو والله أعلم سبب كونها أعظم آية في القرآن الكريم ففيها من الأسماء، وفيها من الصفات المثبتة و المنفية ما يكون بها تعظيم الله سبحانه وتعالى، وأعظم هذه الأسماء الحي القيوم حتى قال العلماء أن أكثر الأسماء ترجع إلى هذا الاسمين الذي يقوم بهما صلاح الناس.
● فيها طبعا إثبات الصفات المنفية في قوله (لا تأخذه سنة ولا نوم)
فيها إثبات صفة الملك لله سبحانه وتعالى وآثار هذه الصفة (له ما في السماوات وما في الأرض) يتفرع من هذه الصفة عدد من الأمور، وصفة الملك هذه لو تدبرتها في القرآن العظيم لها شأن عظيم في كل امتداداتها، ففي كل سياق ترِد فيه تأمل في سباق الآيات، وفي لحاقاتها تجد آثار متعددة لتدبر صفة الملك لله سبحانه وتعالى، فمما يتفرع من هذه الصفة:
أن الحكم لله سبحانه وتعالى وهذا من حقوق الألوهية، فإذن لا نحتكم إلا بشرعه.
● من آثار هذه الصفة تسلية الإنسان في المصائب، وهذه يمكن مرت علينا في درس سابق في قوله تعالى (إنا لله وإنا إليه راجعون) مع سنة الابتلاء فيها مظهر من مظاهر صفة الملك لله سبحانه وتعالى.
● من آثارها على النفس أيضا نفي العجب عن النفس خاصة عند من يحوز شيء من الملك، المُلك في الدنيا، فلذلك لعل هذا من المناسبات في القصص الثلاث التي ستأتينا مباشرة بعد آية الكرسي بأنها تحدثت عن ملوك وأظهرها ما ورد في قصة إبراهيم عليه السلام في محاورته مع الذي آتاه الله الملك، فمن يُقدر الله عز وجل له نعمة وفضل فيما يتعلق بالمُلك وإن كان نسبيا أيا  ما كان في مستوى هذا الملك في الحياة الدنيا فإن تأمله في صفة الملك لله عز وجل يجعل الغرور والعجب بالنفس أو الطغيان الذي ممكن أن ينتج من المُلك يطأطأ ويرجع الإنسان إلى أنه بالفعل مملوك لله سبحانه وتعالى..
من آثار هذه الصفة أن الملك لله يوم القيامة وبالتالي يكثر كثيرا في القرآن الحديث عن عدم غنى الأموال، عدم غنى الأولاد، عدم غنى الشفعاء، فلا يكون الأمر إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، وبالتالي خُصّ الحديث عن الشفاعة التي نتعلق بها كثيرا لأن كرب يوم القيامة عظيمة، ومن يقرأ حديث الشفاعة وما سيفعله النبي ﷺ في هذا المقام يستشعر عِظم حاجة البشر إلى الشفاعة يوم القيامة فيُذكر في هذه الآية أنه لا أنها لا تكون إلا بإذن الله سبحانه وتعالى فهي من آثار صفة الملك لله عز وجل.
● أيضا إثبات صفة الملك فيها إثبات علم الله سبحانه وتعالى لأنه عقّب بعدها (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه) فهذه أيضا من آثار صفة الملك الله سبحانه وتعالى.
● من آثار صفة المُلك عِظم خلق الكرسي، ومن يتأمل في الأحاديث التي وصفت عظم خلق الكرسي يعني يجد فيها الشيء الكثير فيُرجع لها.

/ من فوائد هذه الآية إثبات قوة الله سبحانه وتعالى (ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم).
/ وفيها أيضا إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى.

🏷 بعدها تأتي آيات نستطيع أن نقول أنها متممة لمعاني آية الكرسي..
لما قال الله عز وجل (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) فهذه يؤخذ منها من الفوائد: أن تبين الرشد من الغي لها مسالك متعددة من أعظمها:
  التزام القرآن، فإن القرآن من خصائصه أنه تبيان لكل شيء كما في قوله تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) ، والالتزام أيضا بالسنة لأنها مبينة أيضا (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم) فالقرآن يبين طريق الحق من الباطل، ويميز لنا بين طريق الحق والباطل، ويميز لنا بين الرشد والغي، وتأتي السنة أيضا مبينة لما ورد في القرآن الكريم وبالتالي نستطيع أن نقول أن سيرة المصطفى ﷺ هي ترجمان للقرآن كما وصفت عائشة (كان خلقه القرآن) فمن يستشكل عليه أي أمر، من تُساق له أي شبهة فإنه سيجد مبتغاه وإجابته في القرآن الكريم، ويعرف طريق الغي من طريق الهداية ويستطيع أن يمسك بالعروة الوثقى ويستطيع أن يستمسك بها فيكون من الناجين.

بعد آية الكرسي تأتينا قصص الإحياء والإماتة، ثلاثة قصص متتالية:
● (ألم ترى إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك)
● والقصة الثانية (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها).
● وتأتينا أيضا قصة إبراهيم (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى).
 وإذا نظرت إلى الخيط الناظم بين هذه القصص الثلاث تجتمع في بيان صفة الإحياء والإماتة لله سبحانه وتعالى، وهي من الصفات التي يختص بها الله عز وجل، يعني أنت إذا تأملت في منظومة الأسماء والصفات لله عز وجل بعض الأسماء ممكن أن تكون للإنسان ولكنها طبعا نسبية مثلا: الله سبحانه وتعالى سميع، الإنسان عنده سمع، بصير، الإنسان عنده بصر، ولكن الكمال المطلق في صفات الله عز وجل، لكن هناك صفات لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، فليس هناك شيء حتى نسبي بالنسبة للإنسان أنه يستطيع أن يحيي ويميت. فنبتدئ أولا مع:
 القصة الأولى: (ألم ترى إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه) هذه إحدى قصص إبراهيم عليه السلام. يؤخذ من هذه الآية:
مشروعية المناظرة لأهل الباطل، فإذا كان أهل الباطل يجتهدون في بث الشبه فيُشرع لأهل الإيمان أن يقيموا من يرد على هذه الشُبه، وهذا طبعا ضمن برنامج محدد من ناحية آداب المناظرة، من ناحية أنها يجب أن يكون بعلم ولها وسائلها، ليس كل من هو ينتسب للدين يستطيع أن يقف هذا الموقف. وفي تعلم فنون المناظرة من القرآن الشيء الكثير تؤخذ في طريقة الحوارات، طريقة الأسئلة والأجوبة، طريقة الإجابة، كطريقة الأولويات في الإجابة، فهذه إحدى القصص التي نستطيع أن نقول أن من فوائدها: تعلم طرائق المناظرة لأنه طريق لإحقاق الحق وإبطال الباطل. وعموما ليست هذه القصة الوحيدة من قصص إبراهيم عليه السلام نتعلم فيها المناظرة، انظريها في سورة الأنعام مع عبدة الكواكب، وانظريها مع عبدة الأصنام في سورة مثلا الصافات، وسورة الشعراء، وسورة العنكبوت، كلها نتعلم منها فنون المناظرة. 

 🏷 في قوله تعالى (أن آتاه الله الملك) لم يذكر لنا اسم المَلِك وإنما أعطانا صفته، وهذه الصفة هي المحور الذي دار عليها أحداث هذه القصة، فنأخذ منها من الفوائد:
● أن النِعم أحيانا تكون سبيل للطغيان ودليله أن ما حدث منه كان بسبب أنه أوتي ملكا، ولذلك قد تكون المصائب التي يبتلي الله عز وجل بها العباد من المرض أو الفقر قد تكون نعمة إذا كانت تُصلح هذا الطاغي، يعني الإنسان إذا طغى ووصل مرحلة من الطغيان قد لا يؤدبه إلا نزع هذه النعمة، وهذه انظريها في سورة العلق (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى). وهذه ممكن أن تتأملها في قصة أصحاب الكهف في إحدى قصص سورة الكهف التي هي قصة الصاحب الصالح مع صاحب الجنتين لما طغيان الجنتين والأملاك اللي عنده جعلته يصل إلى أنه يظن حتى أنه يوم القيامة سيستمر النعيم له فرأى أنه لن يصلح حاله ولن يصلح فكره ويزيل هذه الشبه من عنده إلا أن تزول هذه النعم بالفعل، فلذلك دعا على هذه الجنة، فلما قال (ويرسل عليها حسبان من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا) مع إنه صالح لماذا يدعوا عليه؟ لكنه بالفعل وصل معه في حوارات طويلة وإن كان القرآن قصّ لنا مشهدا واحدا، لكن عادة في قصص القرآن إذا ذُكر لنا حوار فيتوقع معها إن هذه عبارة عن منهج حياة وقُصّ لنا إحدى المشاهد، معناه إنه كان أمد طويل وهو يحاول أن يقنعه، يحاول أن يرشده لكنه مستحكم عند النظرة الباطلة، فكان يكون في سلب النعمة أحيانا إذا علم الله عز وجل أن العبد لا يصلحه إلا أن تسلب منه النعمة فقد يكون هذا الابتلاء في حقه نعمة.
من فوائد هذه القصة: أنه من فنون المناظرة التنزل مع الخصم في حُججه والانتقال إلى حجج أوضح منها، فإنه لما قال له إبراهيم أن الله سبحانه وتعالى يحيي ويميت، قال جدلا وتشغيبا أنا أحيي وأميت، لم تكن الإجابة في دق شبهته وإنما انتقل إلى آية لا يمكن أن يُسوّق فيها شبهة، فقال (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) فكانت النتيجة النجاح في هذه المناظرة (فبهت الذي كفر) فهذه إحدى فنون المناظرة. 
● في قوله تعالى (والله لا يهدي القوم الظالمين) بينت أن الظلم سبب مانع للهداية، ويفهم منها الضد فالعدل سبب للهداية، فليكن كل إنسان في نفسه أنه يتوخى سبل العدل ويجتنب الظلم حتى يحصل على الهداية.
 القصة الثانية: بينت هذه الآيات (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها....) إلى آخر السياق بينت بلاغة القرآن في تنويع الأدلة على إثبات إحياء الموتى، فلم تكن في قصة واحدة، وإنما قصص متعددة، فهذه من ضمن حجج القرآن في بيان مقاصده الكلية.
● بينت هذه القصة أن كثرة التفكّر والتدبر تزيد الإيمان، والتدبر يزداد معه العلم الموصل للعمل.
تأملي مثلا في هذه القصة كم مرة تكررت كلمة (انظر) والنظر مقصود فيه التفكّر، (فانظر إلى طعامك) (وانظر إلى حمارك) (وانظر إلى العظام) فكم مرة تكررت النظر؟ دلت على أن كثرة التفكر تزيد الإيمان ويحدث معها العمل بهذه الأدلة التي يصل بها، فالنتيجة كانت ماذا بعد تكرر كلمة (انظر) (قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) فإذن فلما نظر نظرة تفكّر وصل لنتيجة التي هي العلم بالله سبحانه وتعالى، ثم طبعا عبادته بناء على ذلك العلم.
في قصة إبراهيم عليه السلام بينت مراتب العلم فهناك علم اليقين، وهناك عين اليقين. فإنه لما سأل الله عز وجل (أرني كيف تحيي الموتى) كانت هذه ليس شكا وإنما بُغيت وصول أن يكون العلم أقرب عنده أن يكون شهادة فهذه تسمى عين اليقين، ولذلك يوصف إبراهيم عليه السلام بأنه من الموقنين، وتصديقها ما ورد في سورة الأنعام (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين).

🏷 بعدها تأتينا آيات الإنفاق، وآيات الإنفاق في هذه السورة عجيبة من ناحية كثرة ما ضرب فيها من الأمثال، وهذه تعطينا أهمية أصلا موضوع الإنفاق في سبيل الله عز وجل نظرا لارتباطه بأعظم محبوب للنفس الإنسانية كما قال الله عز وجل في مواطن أخرى (وتحبون المال حبا جما) إذن كونك تحب هذا الحب ويطلب منك أنك تنفقه على الآخرين، هذه تحتاج إلى عملية معالجة للنفس، فلذلك من بلاغة القرآن كثرة ضرب الأمثال التي يكون مفادها الإيضاح والترغيب والترهيب.
🔖 من المعاني التي حفت هذه الأمثال: التأكيد على الترهيب الشديد من المن والأذى. المن والأذى أمر يرتبط بالصدقات والبذل بشكل عام. فقد ذُكر في هذه الآيات في ثلاث مراحل: 
المرحلة الأولى: الخبر عن الصدقة المقبولة أنها هي التي لم يصاحبها منّ ولا أذى قال الله عز وجل (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى) انظر كيف التدرج في النهي، هذه كانت مجرد خبر وترغيب وليست نهي.
 ثم المرتبة الثانية بدأنا في الترغيب المقارنة بين الصدقة التي صاحبها منّ وأذى، وبين الإمساك عن التصدق أصلا والاكتفاء بالقول المعروف قال الله عز وجل (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة، مع أن الظاهر أن المفروض أن الصدقة ستكون خير لأن فيها عملية بذل وفيها وصول مال، لكن لو كان هذا المال يصاحبه منّ فعدم إنفاقه أصلا أخير للعبد من أن ينفقه ويصاحب منّ وأذى. فانظر إلى عملية التنفير.
 ثم بعد ذلك دخوله في المقصود وهو المرحلة الثالثة: وهو النهي الصريح. وهنا اقترن بمجموعة من الأمثال فقال بعدها: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) وطبعا صور المن والأذى متعددة، فالمنّ أن يُذكّر هذا الفقير بكثرة ما أعطاه، وهذا التذكير فيه تأثير نفسي سلبي على الفقير من حيث إحساسه بالضعف، وإحساسه بالذلة، هذا الأمر مؤثر جدا في أبواب الصدقات. والأذى: أن يخرج من لسانه كلمات محددة  تؤذي الفقير، يعني كأن يقول "ما أكثر ما تأتي" "ما أكثر ما أتصدق عليك" أو قد يصاحبه مثلا السباب والشتام، أو طرد أو نحوها، فهذه من الأذى  الذي ممكن أن يكون سببا لبطلان هذه الصدقة التي الأصل فيها أنها تنعقد لأجل القربى من الله سبحانه وتعالى.
من الفوائد في هذه الآية: أن الإحسان القولي مقدم على الإحسان المالي من خلال المقارنة التي ذكرت في الآية (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) نستفيد منها: أن الإحسان القولي مقدم على الإحسان المالي المقرون بالأذى. وطبعا يؤخذ منها حاجة النفس لكلا الإحسانين، الناس محتاجين للإحسانين، يعني الفقير يحتاج إلى القول المعروف، ويحتاج إلى الصدقة في نفس الوقت.
● من مشاهد يوم القيامة المؤلمة الحسرة والندامة عند احتياجه للعمل الصالح الذي فعله وانعقد لكنه حبط وبطل بسبب المنّ والأذى نأخذها من قوله تعالى في التعليق على المثل (لا يقدرون على شيء مما كسبوا)  قال الله عز وجل (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) فشبهها أولا:
التشبيه الأول: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) والجامع والعلة بين الصورتين هو أنه لا يستطيع، أو لا يثبت أجر لهذه الصدقة، فإن تصدق وهو يقصد الله سبحانه وتعالى لكنه منّ وآذى لم ينتفع بها، وإن تصدق لأجل الرياء فوجه الشبه أنه لم ينتفع بها.
هذان الموضوعان مُثلوا بصورة حسية (فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا) إذا هذه صورة حسية من ناحية الصفوان الذي هو الحجر القاسي إذا كان عليه تراب، الأصل أن التراب إذا أتاه الماء أنبت لكن إذا كان الأرضية التي تحت التراب صخر فإنها إذا أتى المطر أذهب هذا التراب فلا يمكن أن يُنبت فتكون النتيجة (لا يقدرون على شيء مما كسبوا). عموما لا نريد أن نغرق في التفسير لأن درسنا الآن فوائد.
● الشاهد في قوله تعالى (لا يقدرون على شيء ما كسبوا) ترهيب من مشهد مشاهد يوم القيامة وهي الحسرة والندامة، لأن هذا الموقف من مواقف يوم القيامة يريد الإنسان أن يتعلق بأي قشة من العمل الذي كان يعمله حتى ينجو مما هو فيه من العذاب، فكيف وهو قد فعل ولكنه لم يستفد منها، فلنحافظ على أعمالنا، إذا اجتهدنا وعملنا فلنستفرغ الوسع في المحافظة على العمل ألا يحبط.
وهذا يحتاج إلى مقامات متعددة، يحتاج إلى:
مقام قبل الشروع في العمل من ناحية الإخلاص
ويحتاج إلى مقام أثناء العمل حتى نؤدي العمل على ما أراده الله عز وجل
 ونحتاج المحافظة على العمل بعد الانتهاء منه بأن لا نُعجب، به بأن لا نمُنّ، لا نؤذي
وطبعا كل عمل قد تكون له صور متعددة في غير ما ذكر في مسألة المحافظة على العمل.

🔖 الآية التي بعدها في قوله تعالى (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم) أفادت أن من أسباب قبول العمل الإخلاص لأنه قال (ابتغاء مرضاة الله)، ثم ومن أسباب الثبات كثرة العمل الصالح لاسيما الإنفاق لأن الله عز وجل وصفهم تحديدا (وتثبيتا من أنفسهم) وما أحوجنا أن نتأمل هذه الجملة، الإنسان بحاجة إلى الثبات، وكثرة الفتن، وكثرة الشبه، والأمور اللي تزيغ بها القلوب يحتاج الإنسان إلى أسباب الثبات، فمن أسباب الثبات إنك تكثر من العبادة، ولذلك هذا من الأمور التي يعلل بها أنه في آخر الزمان يحتاج الإنسان إلى كثرة العبادة والالتجاء إلى الله عز وجل لدرجة أنه يشبه الغريق من كثرة لجوئه إلى الله سبحانه وتعالى فلا يثبت إلا بهذه الطريقة، فهنا بين أن المقام المحمود في الصدقة أن يكون إحدى مقاصدها تثبيت النفس. فإذن الصدقة لها مكاسب متعددة، فيها إحسان للفقراء، لكن فيها أيضا للنفس فوائد للنفس من بينها إنك تثبت أيها الإنسان على الحق، وتثبت على الهداية، ولا يزيغ قلبك فهذه الجملة لها أثرها الكبير في مسألة الثبات.
 طبعا لن نشرح الأمثال فهذه تؤخذ من التفسير التحليلي، لكن
  مما ذكر في مقاصد هذه الأمثال:
●تحريم قصد إخراج الرديء من الصدقات (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) ثم قال (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) أي لا تقصدون الخبيث لأجل أن يكون هو موضع الصدقة حال كونكم (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) لو كان الأمر لكم لما رضيتم أن تأخذوا هذا، يعني لو صورتم أنفسكم أنتم مكان الفقير وخيرتم بين نوع المال الذي ستأخذونه فلن تأخذوه إلا وأنتم مجبرين أو مغمضين العين عنه أي غضيتم الطرف عنه، أما عن محبة لهذا المال لا يكون هذا الأمر.
فهنا يعطينا قضية منهج في إخراج الصدقات: أولا إنك لا تقصد الرديء لتخرجه، بل يكون إخراجك من عموم المال، في المقابل دلت نصوص أُخر تتمم هذا المعنى أنه لا يلزم أيضا قصد محاسن الأموال لإخراجها، فالمطلوب التوسط هذا يشهد له حديث معاذ رضي الله عنه لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم على اليمن قال: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله سبحانه وتعالى فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة في أموالهم تُرد إلى فقرائهم، فإذا أطاعوك) الآن موضع الشاهد (فخذ منهم وتوقى كرائم أموالهم) أي ابتعد عن كرائم الأموال، فهذا عدل في الشريعة إذ أنك لا تقصد الخبيث لتخرجه، ولكن على من يجُب الزكاة أيضا أن لا يظلمه من حيث يجبره أن يخرج أحسن ما عنده. قد تقول أين قول على الله عز وجل (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) نعم هذا إذا هو اختاره لنفسه من حيث زيادة الإيمان أنه أراد القربى إلى الله عز وجل فاختار من نفسه أعلى ما عنده، فهذه أكيد أنها فضيلة، لكن الزكاة الواجبة إذا أتى جابي الزكاة ليخرجها فينبغي التوسط، لا يُقصد الخبيث ولا يُقصد أعلى ما عنده من المال، بل يكون من جملة المال كيفما اتفق.
🔖 في قوله تعالى (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) إشارة إلى قاعدة إيمانية مشهورة أفادها حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)  وهناك مواضع متعددة في القرآن الكريم إذا أريد الموعظة البليغة في الموضوع فإنه يأمرك أن تصور نفسك مكان هذا الشخص فكيف تختار هذا الأمر؟ فهذه الآية من بينها ونظيرها ما سيأتي في سورة النساء في أولياء الأيتام لما قال الله عز وجل (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله) إلى آخر الآيات، بينت أن من المواعظ  التي يستطيع الإنسان الائتمار فيها أن يصور نفسه هو الطرف الآخر فينتج القاعدة (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
● في التعقيب على آيات الصدقات قال الله عز وجل (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) إثبات مدخل من مداخل الشيطان وهو الوعد إنه يعِدك سواء كان هذا الوعد تفاؤلا أو تشاؤما، سواء كان تخويفا أو تزيينا، للشيطان مداخل متعددة، فهو إذا أردت أن تنفق خوفك من الفقر ووصف ذلك التخويف بأنه وعد إمعانا في تسويقه لهذا الوعد من أنه بالفعل واقع لا محالة، فيرد الله عز وجل عليه بمثل ما خوف به الشيطان فقال (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم)
🔖 تبشير الله سبحانه وتعالى بالمغفرة ومن أسبابها الإنفاق (والله يعدكم مغفرة منه وفضلا) هذه لا شك أنها بشرى عظيمة أن يعِدنا الله عز وجل أن نحصل عليها، فمن أسبابها الإنفاق في سبيل الله عز وجل.
● ويؤخذ من هذا الموقف أيضا إثبات البركة مع الإنفاق بأنه كونه يعِدنا بالمغفرة ويعدنا بالفضل تحديدا فهذا يدل على توابع ذلك الوعد الحسن من أن الله لا ينقص ذلك المال بل يزده كما ورد في الحديث.
🔖 في قوله تعالى (يؤتي الحكمة من يشاء من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) يلاحظ أن هذه الآية توسطت آيات الإنفاق فهي إجمالا هي في حد ذاتها تدل على أن من يتصف بالحكمة فإن ذلك فضل من الله سبحانه وتعالى، وإذا وجد نفسه حسن التصرف وإصابة الحق في المواقف، فليعلم أنه منحَه الله عز وجل نعمة ينبغي أن يشكر الله سبحانه وتعالى عليها، ويسأل الله عز وجل الاستزادة منها.
 ومن آكد المجالات التي تطلب فيها الحكمة أبواب الصداقات لأنها توسطت بين آيات الصدقات فلا شك أن السياق يكون مؤثر في علاقتها بذلك الموضوع فمن الأمور التي تطلب في آيات الصدقات مسألة التحري في من يستحق هذه الصدقات ثم ترتيب الأولويات، ما هي المصارف التي تحتاج تلك الأموال، لأن إذا فُقدت الحكمة قد يكون فيها استنزاف للأموال وترك أمور يحتاج فيها ذلك الإنفاق، فأبواب الإنفاق تحتاج إلى حكمة.
🔖 في قوله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) بينت أن إخفاء الصدقة خير من إبدائها، وإن كان هذا الموضوع طويل يتحدث عنه المفسرون، لكن الآن ظاهر الآية أنها أعطت التساوي بين الإبداء والإخفاء، لكنها زادت في الوصف في حالة الإخفاء، فدلت على أن الإخفاء خير من الإبداء، طبعا لما في الإخفاء من بعد عن الرياء، وفيه بعد عن العجب بالنفس، فيه مصالح، لكن تحدث المفسرون والفقهاء على أنهم قد تقوم مصلحة تكون في الإظهار فعندها في مثل هذه الحالة يكون الإظهار فيه من الخيرية الشيء الكثير.
🔖 بينت الآيات (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) غنى الله سبحانه وتعالى عن هذه النفقات، فلا يظن الإنسان إنه عندما يبذل شيء من المال أن الله عز وجل محتاج لهذه النفقات، لا.. أنت إذا أنفقت فأنت تنفق لأجل نفسك، وأنت المستفيد والخير لك، وإذا قصرت في ذلك فلن يخسر إلا أنت، فاستحضر هذه المعاني وأنت تخرج صدقاتك ونفقتك، لأن هذا الأمر من الأمور التي يكون فيها تربية للقلب وإبعاد مداخل الشيطان.
🔖 في قوله تعالى (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) فضيلة التعفف عن سؤال الناس.

🔖 في قوله تعالى (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) هذه خمس صفات للفقير إذا وجدت فهو قطعا مستحق الصدقة:
●أول صفة: أنه مُحصر في سبيل الله.
●الثاني: لا يستطيع التكسب
●الثالث: أنه متعفف
●الرابع: أنه لا يسأل الناس.
●الخامس: أنه يستدل على ذلك بالسيمى فقط وليس بالظهور.
 إذا اجتمعت الصفات فهو مستحق للفقر.
 إذا تخلفت كلها أو بعضها فهذه طبعا تقدر بقدرها، ما نستطيع أن نضع حكم أنه غير مستحق للصدقة، لكن الجزم أنها إذا اجتمعت هذه الصفات فصاحبها يستحق العطاء والإنفاق عليه.
🔖 في قوله تعالى (يحسبهم الجاهل) حث على الفراسة والتفطن لا سيما في أبواب الإنفاق.
إذا أردت أن تخرج صدقتك فاجعلها في موطن بالفعل يكون ثقيل والأجور فيه تتوقع أنها تكون أثقل، لأن كونه يقول يحسبهم الجاهل معناه أن غير الجاهل حاله خلاف ذلك، فدل ذلك على أن الفطنة مطلوبة، والفراسة مطلوبة في ذلك الوقت.

 🔖 من ثمرات الإنفاق شرح الصدر لأن الله عز وجل قال في الجزاء (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وأنت تشعر أن الإنسان إذا أخرج صدقة فأول المستفيدين هو أنت في نفسك، إذا أخرجت، اذا بذلت سواء إنفاق مالي أو حتى بذل أي نوع من البذل، إذا مكنك الله عز وجل في أي صفة من الصفات تبذل فيها للآخرين، إما بقول حسن، وإلا بإعطاء علم أو  بشفاعة حسنة، أو ما إلى ذلك، أي بذل تبذله للآخرين، يصاحبها انشراح الصدر، لأن الله عز وجل يعني ندب إلى هذا الأمر، والإنسان بحاجة وبالفعل مسألة العطاء  فيها نفع للمُعطى، وفيها نفع للمُعطي نفسه، فكان الجزاء في ذلك من جنس العمل.
 
بعدها تأتي أحكام الربا..
قال الله عز وجل: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا...)  إلى آخر السياق، من فوائد هذه الآيات: التحذير من الربا وبيان أن آكله لا يشبع من الكسب الحرام لأن الله عز وجل مثّل له (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس). وطبعا في هذه الآية (يتخبطه الشيطان من المس) فيها إثبات إمكانية تلبس الجن بالإنس وصرعه لهم لأن (يتخبطه الشيطان من المس) هذه صورة تشبيهية لكن المشبه به أفاد هذا الأمر، ومعروف أن الصرع نوعان: هناك صرع عضوي، وهناك صرع شيطاني، فالتمثيل اللي وقع في الآية لآكل الربا كان بالصراع الشيطاني. 
🔖 في قول المشركين (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا) لما وصفهم الله عز وجل بهذه المقولة أو بيّن ما احتجوا به نستفيد منها: أن من شُبه أهل الباطل لترويج باطلهم القياس الفاسد. كيف؟ لأنهم قاسوا الربا على البيع مع الفارق، فهذا قياس فاسد، وهكذا ترين في الحياة بشكل عام، أن من يريد أن يسوق لباطله كثيرا ما يستخدم هذه الحجة الباطلة التي هي القياس الفاسد، وبالتالي إذا واجهنا في الحياة القياس فلابد أن تُدرك أطراف القياس ويُنظر بالفعل هل العلة صحيحة التي تم الاشتراك بينها وبالتالي الحكم الذي يترتب عليها هل هي صحيحة أم غير ما هي بصحيحة لكي نقبل هذا القول أو نرده.
🔖 في قوله تعالى (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله) نستفيد منها: التحذير من الرجوع إلى الربا بعد معرفة حكمه. يحصل الإنسان أحيانا يندم ويتوب ويترك الربا ثم بعد ذلك إذا لم يتعاهد نفسه بالتوبة قد يكون تعيده محبة المال إلى ذلك الأمر، فإذا عاد بعد معرفة الحكم، فجرمه أشد. وهنا بينت الآية ذلك.
🔖 في قوله تعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) نأخذ منها: بلاغة القرآن في المقارنة بين المتضادين، يعني يحصل كثيرا في القرآن لما يكون مثلا أمر حلال وأمر حرام فتبين ماهيتهم في سياق واحد بحيث إن المعلومة تكون واضحة. فهنا هم من الأصل حاولوا إنهم يسوقون لصحة الربا لما قالوا إنه مثل البيع، فهنا الله سبحانه وتعالى يعطينا أيضا نقيض آخر اللي هو الصدقات، فأنت إذا تفكرت الفرق بين الربا وبين الصدقات عكس بعض تماما سواء من ناحية الثمرات التي تحدث منها أو من ناحية مبادئ الأمور، فبالنسبة لنا فيما يتعلق بثمرة الفعل أو النتيجة التي تترتب على الفعل فإن الله سبحانه وتعالى يمحق الله الربا. وحال كون من يُرابي ينظر إلى أن المال سيزيد لأنه يستغل حاجة المعوزين فينمو ماله بدون أن يكون هناك جهد، فهنا بين الله سبحانه وتعالى بالرغم من أنه يزيد ظاهريا إلا أنه يُمحق بحيث أنه لا بركة، وفي المقابل الصدقات بالرغم من أنها ماديا هي عبارة عن ذهاب للمال إلا أن الله سبحانه وتعالى يخلف على المنفق ويطرح البركة في ماله، فبدلا من أن ينقص فإنه يزيد، وهذا طبعا مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (ما نقص مال من صدقة).
🔖 قال الله عز وجل (والله لا يحب كل كفار أثيم) بينت أن المُرابي عنده شيء من كفران النعم، إذ أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه المال فلماذا يستغل حاجة الفقراء.
🔖 بينت الآيات في قوله تعالى (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) عظم جريمة الربا فقد جاء فيها الوعيد ما لم يأتِ في ذنب آخر دون الشرك وهو الحرب مع الله سبحانه وتعالى.
🔖 في قوله تعالى ( فنظرة إلى ميسرة) هذه أعطت عكس الربا تماما الذي هو الإقراض بدون فائدة، فبينت هذه الآية فضل إنظار المُعسر، في المقابل في الربا لا.. كان المعسر تتضاعف عليه جباية المال منه، وكل سنة يعسر كل ما يتضخم الربا الذي عليه، فأحد الأمور التي تقطع الطريق أمام المرابي أو عملية الربا كيف تتضخم في المجتمع، أن الله سبحانه وتعالى جعل الأجر والثواب في إنظار المُعسر. 
وإجمالا إذا ربطت بين هذه الآيات بشكل عام لاحظت التدرج فيها، ابتدأت أولا بالإنفاق، ثم بالربا، ثم في إنظار المعسر، فيكون حاصل الكلام من هذا التسلسل في هذه الأحكام أن معاملة من عليه دين تكون عادة بثلاثة أحوال ذكرتها الآيات: منها ما هو محرم، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو عدل:
ففي قوله تعالى (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) أعطتني أن المعسر لا تجوز مطالبته حتى يوسر، حتى يصبح عنده مال، وأجمل من ذلك أن يبرئه ويسامحه بحيث أنه يتصدق عليه بهذا الدين وهذا نأخذه من قوله تعالى (وأن تصدقوا خير لكم).
المسألة الثانية: لو تأخر عن السداد فإنه يأخذ منه الربا، فهذا هو الحرام.
 إذن حاصل أحوال الديون: إما أن يعجز فيأخذ منه ربا فهذا محرم في دائرة الشريعة، من يريد أن يتبع شرع الله سبحانه وتعالى فإنه لا يجوز أن يطالبه حتى يوسر..
ثم بعد ذلك الكرم في ذلك أنه لو برأه من هذا الدين فإن هذا نوع من أنواع الصدقات فعادت هذه الآية إلى الآيات السابقة التي قبل آيات الربا الذي هو الإنفاق في سبيل الله فيجري عليها من الأجور ما ذكر في الأمثال وفي الثواب المذكور في الآيات السابقة.

بعدها تأتينا أحكام الدين، آية الدين وهي أطول آية في القرآن الكريم.
🏷 ابتداء (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم) إذا معناه  الدين جائز، إذن أول حكم يؤخذ من هذه الآية: جواز الدين، وهو على أقسام: منه ما هو مؤجل، ومنه ما هو غير مؤجل لأنه قال (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه). 
🔖 بينت هذه الآية مشروعية التوثيق فإن أكثر ما تكون المشاحنة في باب الأموال، ونظرا لأن الشيطان يسبق فيها في مسألة المشاحنة ومسألة حب المال فقد جاءت الشريعة بالاحتراز في هذا الموضوع من كل الأحوال بحيث ما تكون فيها مظالم ولا يكون فيها تعدي بين الناس فبالتالي أصبح هناك يتعلق بالدين مشروعية التوثيق (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) أحكامه كأحكام الكتابة ستكون متعددة، لكن نحن لما نقول مشروعية نقصد أن فيها حكم يتراوح ما بين الوجوب، ما بين المستحب، ما بين الجائز، هذه تبينها النصوص، فالمشروعية تشمل هذه الأمور بأكملها.
🔖 القول في كتابة الدين إذا أراد ال المتدينان أن يوثقا هذا الدين، فالقول في كتابة الدين من حيث مقداره ترجع إلى الذي عليه الحق، لأن الله عز وجل يقول (وليملل للذي عليه الحق) لأنه هو أدرى بذلك الدين الذي حصل بين الطرفين. طبعا كون القول يكون له لا يعني أنه يتعدى أو يظلم فجاءت الآيات ترهب ألا يكتب إلا الحق فلا ينقص شيئا فلذلك قال بعدها (وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا) فإن كان له الحق في أنه هو الذي تؤخذ كلمته فإنه لابد أن يتقي الله في هذا الأمر ولا يبخس منه شيئا.
من أسباب القصور في توثيق الدين:
السفه، الضعف، عدم الاستطاعة (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يُمِل هو فليملل وليه بالعدل)
🔖 بينت الآيات شروط الإشهاد وعدد الشهود (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) فهذه عدة الشهود وحالهم من حيث كم يكون من الرجال وكم يكون من النساء.
🔖 تحريم امتناع الشاهد إذا دُعي الى الشهادة (ولا يأب الشهداء اذا ما دعوا) فإذا كان هو الذي يعرف الحق ويُستشهد فلا يشهد فإن هذا معصية.
🔖 في قوله تعالى (إلا أن تكون تجارة حاضرة) أفادت جواز التجارات، البيع والشراء، يعني الاكتساب بالتجارات هذا أمر جائز في الشريعة الإسلامية.
🔖 أفادت الآية في قوله تعالى (ولا يُضار كاتب ولا شهيد) تحريم مُضارة الكاتب والشهيد.
وهنا نلاحظ أن طريقة تصريف الكلمة لو فككت الإدغام ستأتي على معنيين: يُضار أو يُضارر. فبالتالي هي تشمل سواء كان الإضرار من الكاتب والشهيد أو عليهما، يعني أحيانا يكون هو الذي يظلم، وأحيانا يقع الظلم عليه لأجل هذه الشهادة، فالحكم عليه أنه تحريم  المضارة بهما ويترتب عليها الفسق لأنه قال (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم).
🔖 في قوله تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) أفادت فضل العلم، وأن من اسباب تحصيله تقوى الله سبحانه وتعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) إذا من أراد أخذ العلم الشرعي والتمكّن منه فلتعظم تقواه من الله سبحانه وتعالى. وهناك تلازم وارتباط بين العلم وبين تقوى الله سبحانه وتعالى، والمستقرئ في القرآن إلى الآيات التي تحدثت عن العلم فهناك علم مذموم إذا تخلف العمل به، وهذا غالبا إذا تخلف العمل به معناه أن التقوى متناقصة أو ربما معدومة، وفي المقابل اذا عظُمت الخشية فإنه يبدأ وصف ذلك العالم بأنه راسخ في العلم. فإذا من فضل العلم وسبيل الرسوخ فيه وسبيل تحصيله هو تقوى الله سبحانه وتعالى. 
 ارتباط مسائل الأموال بتقوى الله عز وجل لأنها مظنة للظلم فهنا تُختتم الآية بذكر تقوى الله عز وجل، لأن باب الأموال مزلة أقدام.

 يأتي بعدها آية الرهن، وآية الرهن تبين لك محاسن الشريعة الإسلامية في حفظ الحقوق حتى في الأحوال الطارئة اللي هي الدين في السفر. يعني لاحظ صغر المسألة بالنسبة للحياة أنك تضطر أن تستدين في سفر فيأتي آية كاملة تتحدث لك عن هذا الموضوع، فدلت على حرص الشريعة على حفظ حقوق الناس، وحفظ أيضا ألا يكون بينهم مشاحنة بحيث أنها تُوثق هذه الحقوق ومن وسائل توثيقها هو الرهن (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) فأصبح الرهن يقابل ماذا؟ يقابل الكاتب الذي سيكتب ذلك الحق بحيث يصبح وثيقه ترجع إليها عند التنازع، وبالتالي سيؤخذ منها جواز الرهن، ولكن الرهن هل جوازه مشروط بالقيدين المذكورين في الآية اللذان هما لم تجد كاتبا وكنت على السفر؟ في الحقيقة الآية اشترطت أو يعني ذكرت هذين الأمرين، لكن جمهور العلماء على أنهم ذُكروا على مسلك الغالب أو وصف هذه الحالة، لكنهما ليس شرطا، يعني بمعنى أن الرهن يجوز حتى ولو لم يكن الإنسان مسافرا، ويجوز حتى وإن كان هناك كاتب يمكن أن يكتب ذلك الدين، هذا هو على رأي الجمهور وإن كانت المسألة خلافية، فإذن قيد السفر وقيد عدم وجود الكاتب قيد غير معتبر كما هو معروف في دلالات الألفاظ في أصول الفقه.
 في حال الأمن الذي يدور بين المتداينين، يعني أنا استدنت من واحد وآمنته يعني وثقت فيه أنه ما يمكن أن يخون، هل يلزم الكتابة في مثل هذه الحالة؟
أفادت الآيات أنه في حال الأمن لا يلزم كتابة ولا إشهاد ولا رهن لقوله تعالى (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته وليتق الله ربه) فإذن يجوز أن يتداين الناس دون أن تكون هذه الأمور، ولكن الأحوط أن تتم كتابة الدين لأن الإنسان قد يثق في فترة من الفترات، لكن قد يدب الشيطان فيما بعد، فإذا كانت الديون مكتوبة أغلقت أبواب لداخل الشيطان، ولأجل ذلك هذه الآية يوجد من أقوال المفسرين فيها أنها ناسخة لآية الدين، والصحيح أنها ليست ناسخة وإنما مخصصة لها، يعني بمعنى  يجوز كذا ويجوز كذا.

أفادت الآيات التحذير من كتم الشهادة (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) والشهادة لعظمها في توثيق الحقوق بُين قسط من أحكامها في آية الدين لما قال أولا (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) ولما قال (ولا يضار كاتب ولا شهيد) والآن (ولا تكتموا الشهادة) فشأن الشهادة بين المتبايعين أو بين المتداينين، أو في كل الأمور شأنها عظيم، تحتاج إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، وتحتاج إلى إقامة الشهادة على وجهها، بحيث أنها تكون بالعدل، وتكون صادقة، ولا تكون شهادة زور.

/ اثبات علم الله سبحانه وتعالى لكل الأحوال بين المتداينين، لأن كثير إذا دب الخلاف في المسائل المالية فالله سبحانه وتعالى مطّلع، فهذه من الأمور اللي تعزز مسألة التقوى في هذه المجالات.

🏷 بعدها ستأتينا خواتيم سورة البقرة، خواتيم سورة البقرة لو تذكرون في فضائلها ما ذكرناه في فاتحة السورة لما قلنا هناك فضل سورة البقرة إجمالا، ثم فضل بعض آيها، فذكرنا فضائل آية الكرسي، ثم بعد ذلك تطرقنا إلى فضل خواتيم  سورة البقرة وأظهرها أو أشهرها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) وكنا أشرنا إلى أن الكفاية هنا حذف متعلقها فتفيد العموم، فتكفيك كل ما أهمك، مهما كانت حالتك،  مهما كنت تعاني منه، فإذا قرأت هذه الآية بنية الكفاية باعتبار ما أخبرنا الرسول صلى وسلم في فضلها، فإن الله سبحانه وتعالى يتولاك ويجعلك من أوليائه ويرفع عنك هذا الأمر، وكلما كان الإنسان أخلص كلما كانت الإجابة يعني حَرِية من الله سبحانه وتعالى.
هذه الآية لها سبب نزول وحري بنا أن نذكر سبب نزول، لأن سبب النزول يحكي لنا غير قضية أنه فقط مجرد السببية، يحكي لنا عظم جيل الصحابة أو فضيلة جيل الصحابة من حيث قوة تقوى الله سبحانه وتعالى، ومن حيث قوة تلقيهم للقرآن الكريم، بحيث أنه ما أن تنزل آية إلا وتكون مثل الغيث المغدق. 
 نعرف أنه في البداية في الآية فيها ترهيب شديد لما قال الله عز وجل (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) فمعلوم أن الإنسان لا ينفك أن الشيطان يطرح عليه الوساوس، فإن كانت كل ما يمر على خاطر الإنسان سيحاسب عليه فهذا أمر يشق على الإنسان ويخشى عواقبه من حيث أن الله سبحانه وتعالى يحاسبه على هذا الأمر، وبالفعل هذا الأمر كان وقع على الصحابة موقعا عظيما، فنذكر الرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير) قال فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا - ولاحظ الهيئة - فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب) وهذا تعبير يدل على أنه أُسقط في أيديهم وبلغ الخوف والخشية من الله عز وجل مبلغها الشيء العظيم (ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام و الجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذا اليوم هذه الآية ولا نطيقها)
فماذا كان رد الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم؟
(قال أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم سمعنا وعصينا) وهذا يعني لو تذكرين لما بسطنا الكلام في مقصد سورة البقرة وفي العلاقات بين الموضوعين الرئيسيين الذين هم أهل الكتاب وصفاتهم وعدم قبولهم للحق، وبين بدء نزول التشريعات التي ذكرنا في مناسبة هذين الموضوعين أنه خيف على الصحابة ألا يكون الاستجابة عندهم مثل ما حصل لأهل الكتاب لما نزلت  التوراة، فتكرر في هذه السورة ذكر وصف (سمعنا وعصينا) بالنسبة لليهود، وسيأتينا الآن ما هو عكسها وهو (سمعنا وأطعنا) فهنا أتى مسألة التحذير وهو من هذا الحديث الذي استنبطنا منه المقصد لهذه السورة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الموضوعين، فإذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم (أتريدون أن تقولوا مثل ما قال أهل الكتاب سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فقال الصحابة سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم) يعني صاروا يرددونها،و يروضون أنفسهم عليها، ويستحضرون معاني الاستسلام لله سبحانه وتعالى (فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فكانت هذه منقبة عظيمة للصحابة.
 تتمة الحديث (فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)  قال الله عز وجل نعم) أي أجيبت هذه الدعوة. وفي رواية الترمذي (قال قد فعلت) ثم (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) قال نعم (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قال نعم (واعفوا عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) قال نعم).
وفي كل الأحوال في الرواية الأخرى (قد فعلت) فكان في تلك الحادثة تخفيف على الصحابة وابراز المنقبة العظيمة التي تميزوا بها التي هو قوة الاستسلام وقول سمعنا وأطعنا، في حال كان وصف أهل الكتاب أنهم كانوا يقولون سمعنا وعصينا.
إجمالا هذه الآيات نأخذ منها فوائد:
أولا : التحذير من سوء الطوية، سوء القصد داخل القلب لأن الله عز وجل مطلع على خفايا القلوب (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)
 وفي المقابل تفيد هذه الآية: الحث على الخبيئات الصالحة، كل ما كان عندك خبيئة صالحة، عمل صالح ما يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى فإن ذلك علامة من علامات الإخلاص وسبب من أسباب التوفيق، ودائما النية الصالحة تكون موصلة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى.

أفادت الآيات إثبات محاسبة الله العبد على ما في نفسه. طبعا مع القول بأن الآية نسخت. لكن لو استجمعنا كل النصوص التي تحدثت عن كيفية محاسبة الله عز وجل لما في النفوس، طبعا إذا طلعت الجوارح خلاص يبدأ الحساب على الجوارح، فإن كانت عمل صالح جوزي به وأثيب عليه، وإن كانت عمل فاسد فيعاقب عليها، لكن الكلام على إنه إذا وجد هذا الأمر وهو ما يزال داخل النفس سواء كان نية حسنة أو نية سيئة، ما الذي دلت عليه النصوص في كيفية المحاسبة؟ إذا استحضرنا أن الآية هذه (يحاسبكم به الله) قد نسخت بالآية التي بعدها من حيث أنه رُفع التكليف عن الأمة، لكن هذا الأمر يحتاج إلى تفصيل ويمكن أن نرتب الكلام حتى تستوضح الصورة بمجموع النصوص نقول: أن مراحل الخاطرة السيئة أو الخاطرة بشكل عام سواء كانت سيئة أو صالحة إلى أن تستقر، إلى أن تخرج على الجوارح تمر بمراحل، هذه المراحل هي التي جعلت تتنوع عندي النصوص في طريقة الحكم عليها، فأول مرحلة هو أن يطرأ وسواس الشيطان الذي لا قرار له ولا ركون في النفس عن طريق الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، الإنسان إذا طرأت عليه خاطرة سيئة لا يفسح لها مجال، ولا يستدل عليها، ولا يقررها، ولا يحققها في قلبه، بل يبادر إلى الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فإذا استعاذ فإنها لا تضره، بل قد تدل على صحة الإيمان. وورد في هذا الحديث عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه وقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال أوقد وجدتموه؟ قالوا نعم، قال ذاك صريح الإيمان) فإذا الذي ينتفض من الداخل إذا أتاه وسواس الشيطان ويطردها بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فإنها بإذن الله لا تضره.
طيب ممكن أن يأتي هذا الوسواس ولكن يبدأ يستقر من حيث إن الإنسان إذا تلقاه ما يبادر له بالاستعاذة، فيبدأ يهم بمقتضيات هذه الوسوسة سواء كانت يعني في أعمال أو أقوال أو ما إلى ذلك، فهنا يبتدئ قضية ترتُب المحاسبة. فإن تركها لله فهو مثاب.
إذن الآن ممكن أن يأتيه أجر وهو لم يفعل لا الحسنة ولا السيئة، بمجرد إنه لما طرأ وسواس الهمّ بفعل السيئة فتركها لأجل الله سبحانه وتعالى فهو مثاب.
 إن تركها عزوفا - يعني لم يشتهى هذا الأمر- فهو على نيته، يعني قد لا يترتب عليه لا كذا ولا كذا، لو تمنى المحرم وحرص عليه لكن لم يعمله، تمنى ذلك المحرم لكن ما عمله لأنه لم يستطع الحصول على ذلك الأمر، فهذا يحاسب على النية ولا يحاسب على الفعل، يعني مجرد إنك نويت هذا الأمر وتمنيت حصوله تُجازى عليها بدون مضاعفة، لكنه لا تحاسب كما لو أنك بالفعل قمت بالعمل، لكن هذا التمني قد يكون معه بدء فعل أسباب بحيث أنه ما حال بينه وبين هذا العمل إلا القدر، إلا المانع القدري فهنا يكون يأثم عليه كما لو فعل هذا الأمر. وكل مرتبة من هذه المراتب لها أدلة مبسوطة في الكتاب والسنة.
وهذا طبعا يعطيك شدة الاحتراز من الخواطر التي ترد على القلب، لأن هذه الخواطر هي مبدأ العمل، يعني ما يقوم بالقلب هو الأساس لظهور العمل على الجوارح إن خيرا أو شرا، فلابد أن الإنسان يتعلم على قيادة نفسه لأنه إن لم يتعلم على قيادة نفسه فقد ينزلق، وفي المقابل حتى في الأعمال الصالحة أحيانا الواحد يهم بعمل صالح لكن يتكاسل فأيضا من قيادة النفس أنك إذا طرأت الأفكار أو طرأ حديث النفس على فعل الحسنة فلماذا تؤخر؟ بادر وافعل حتى يكون ليس فقط مجرد إنك تاخذ أصل الحسنة، لا.. تأخذها وهي مضاعفة لأنك بالفعل عملت بها، فهذه تحتاج إلى قيادة نفس وتحتاج إلى محاسبة قلوب.

 ● في قوله تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) إثبات أركان الإيمان، وقد عُددت أركان الإيمان هنا.
من صفات المؤمنين السمع والطاعة (وقالوا سمعنا وأطعنا) وهذا شعار المؤمنين، وهذه مرت علينا أكثر من فائدة أثناء تفسير السورة من حيث تربية النفس على قوة الاستسلام، تربية النفس على عدم رد نصيحة الناصحين، هذه كلها تصب في مسار واحد.
بينت الآيات حاجة العبد لمغفرة الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى (غفرانك ربنا) وما أحوج العبد أن يكون دائما مستغفرا الله سبحانه وتعالى، لأنه لا ينفك أن يكون إما وقع في إثم أو الهم بسيئة، أو تفريط في أوقات ما فعل فيها صالحا، ما ينفك الإنسان أن يكون في حربه أو في صراعه مع الباطل عن طريق تزيين الشيطان فما يضمن متى يكون أحسن، متى يكون أساء، لكن إذا كان من ديدنه الاستغفار فإنها تخفف التبعة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو النبي  كان يستغفر في اليوم سبعين مرة، فما أحوجنا نحن أن نكون كثيري الاستغفار، ولذلك سيأتي في سورة آل عمران وصف المؤمنين (والمستغفرين بالأسحار) التي هي كانت أحرى الأوقات للإجابة.
● أفادت الآيات رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده حيث لم يكلفهم بما لا يطيقون قال الله عز وجل (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وهذه الآية تكررت في مواطن متعددة في القرآن، ولها مجالات حديثا حتى رقت أن تكون قاعدة فقهية يُرجع إليها كثيرا في تفاريع الأحكام الفقهية. 
من رحمة الله عز وجل أيضا رفع المؤاخذة بالنسيان والخطأ (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وهذا الموضوع له تفصيل أكثر في آيات أخرى في القرآن خصوصا إذا استحضرنا أن من صفات الإنسان الجبلية النسيان، وتأملها في قصة آدم  (فنسي ولم نجد له عزما) ولذلك كان السعدي يقول: "نسي آدم فنسيت ذريته" فإذا من جبلة الإنسان أنه ينسى، ولكن الله سبحانه وتعالى رحيم به، فلما كان هذا الأمر فإنه رفع عنه المؤاخذة إذا كان ناسيا. لكن هذا طبعا ما يعني أنك تستكين لهذا الأمر، كثرة الذكر وكثرة الانتباه تخفف من وطأة ذلك النسيان.
● أيضا من رحمة الله عز وجل ونعمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم رفع الإصر الذي حُمّله الأقوام السابقة (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) ومر علينا آيات بني إسرائيل، وسيأتي في سورة المائدة أيضا تفصيل أطول من أنهم كُلفوا بأشياء كثيرة مثلا التوبة بتقتيل النفس، هذه مشقة عظيمة، وفيه تفاصيل كثيرة في مشقة كانت مكتوبة على الأمم السابقة، وخُففت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذه نعم تحتاج إلى شكر، تحتاج إلى زيادة عبادة لا أن نضعف حتى على الأمور التي يُسرت في هذا الدين.
فضيلة التوسل إلى الله سبحانه وتعالى في الدعاء لأنه كان في نهاية الدعاء يعني في الآية الأخيرة اشتملت على أدعية متعددة آخرها قال الله عزوجل (أنت مولانا) في صيغة الدعاء أن يقول الإنسان (أنت مولانا) إذا هو يتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن تُجاب هذه الدعوات.
 وباب التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بابه عظيم من تفكّر في مجموع الآيات التي ورد فيها الأدعية يخرج بالشيء الكثير في مسارات التوسل إلى الله عز وجل، والأمور التي تكون فيها الاجابة أرجى وأحرى من العبد. 
هذه تقريبا أهم الفوائد واختصرناها اختصارا شديدا نظرا لأننا نحاول أن نقرب هذه السورة وعظمتها في أيام قلائل لأنه لو بُسطت في أوقات طويلة ما كفاها الوقت.
 فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد وإن أصبنا فمن الله وإن أخطأنا فمن أنفسنا والشيطان، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
------------------------------------
https://t.me/fwaidalayat
اقرأ المزيد...

الاثنين، 2 فبراير 2026

فوائد الآيات ( 243- 252) سورة البقرة / من دروس التفسير المؤصل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله في الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، باقي لنا من الجزء الثاني ربع الحزب الأخير المبتدئ بقول الله عز وجل:

(ألم ترى إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)
ربع الحزب هذا لو تلاحظ كما كان قبله، كان عبارة عن آيات تتحدث عن الأحكام، والأحكام كان غلب عليها في آخر ربعين ما يتعلق بأحكام الأسرة من الزواج والطلاق ونحوها.
في هذا الربع عاد الحديث عن بني إسرائيل، بني إسرائيل كان تقريبا الآيات الواردة فيه كانت في الجزء الأول من السورة، ولكن كعادة أسلوب القرآن أنه ليس بالضرورة أن يُستجمع كل آيات الموضوع الواحد في مكان واحد. وهذا أسلوب من أساليب البلاغة في اللغة العربية التي ممكن أن تكون تدخل تحت موضوع في البلاغة اسمه قطع النظير عن نظيره، ويكون هذا فيه نشاط للذهن وفيه بيان لأهمية الموضوع الذي يفصل ذكره عن نظائره مما يتبعه في السورة.

🏷 قال الله عز وجل (ألم ترى إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) هذه قصة من قصص بني إسرائيل. ولعلنا نلمح لها من ناحية التفصيل مع أن درسنا فوائد لكن نذكر شيء من التفاصيل باعتبار علاقته بالأحداث الحالية، إذ أنه  ورد في الروايات كما ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين - وإن كان طبعا مصدر هذا الأمر من الروايات الإسرائيلية- إذ أن الآية ذكرت بالعموم كعادة أسلوب القرآن في القصص لكن يستأنس استئناسا بما ذُكر في الإسرائيليات:
أن هؤلاء القوم خرجوا فرارا من وباء الذي هو الطاعون، خرجوا فرارا من الطاعون وفي طريقهم بعد الفرار وكان سبب فرارهم هو حذر الموت ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلمهم مقاديره في الخلق، فهم قالوا نريد أن نأتي أرضا ليس فيها موت ونسوا أن الموت قدر من منزل من عند الله سبحانه وتعالى وله آجال محددة، فلما أتوا إلى موضع من الأرض قال لهم الله موتوا فماتوا. فتحكي الروايات أنه مرّ عليهم نبي فدعا لهم أن يحييهم فأحيا هم الله سبحانه وتعالى فكان في إحيائهم عبرة من أكثر من جانب. وبالنسبة لخصوص المخاطبين فيها دليل من أدلة القرآن على إمكانية البعث.
طبعا هذا نأخذ منه فائدة للحدث الحالي:
أن الإنسان يفعل الأسباب ولكن النتائج إلى الله سبحانه وتعالى سواء أخذناها بالحجر الصحي، أو أخذناها بجملة من الاحترازات، لكن المقادير هي عند الله سبحانه وتعالى، وإلا فإن من الأسباب كما ورد في الحديث أنه إذا كان بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منه فرارا منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وفي مثل هذه الأحداث يتأكد على الناس كثرة الاستغفار، يعني إذا عم الوباء أو عم أي جنس من أجناس البلاء، ولا شك أن الأوبئة من الابتلاء، فأي ابتلاء يكون عام للناس هنا في مثل هذه الحالة يتأكد على الناس الاستغفار، نعم يفعلون الأسباب والاحترازات لكن لا يزال المفروض ألسنتنا تلهج بالاستغفار حتى يكشف الله سبحانه وتعالى هذه الغمة، فإن الأسباب نفعلها من الصحة ونحوها، ولكنها أسباب بيد الله سبحانه وتعالى إن شاء أمضاها وإن شاء عطلها. بل هناك إحدى روايات الحديث التي ذُكر فيها لما حدث طاعون عمواس وكان عمر بن الخطاب يسأل وكان عبد الرحمن بن عوف قال انا عندي منها خبر، وساق الحديث الذي هو (إذا كنتم بأرض فلا تخرجوا فرارا) في إحدى روايات الحديث ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن هذا السقم عُذب به أمم من قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها) الشاهد في هذا الحديث أنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف الأوبئة (إنه عذب بها أمم من قبلكم) فهذه ما أحرانا ونحن في شهر رمضان أن نكثف من الاستغفار ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيل هذه الغمة، ويرفع الوباء ويرفع ما حل بالأمة من تداعيات لهذا الحدث.
نرجع لموضوع الفوائد في الآية:
● في قوله تعالى (حذر الموت) نأخذ منها فائدة أنه لا فرارا من الموت، ولا فرارا من كل أقدار الله سبحانه وتعالى إذا كتبها، فلا بد من حسن التوكل على الله، طبعا لا يبطل هذا مسألة الأخذ بالأسباب، لكن لا بد أن نعلم أن الأسباب كلها بيد الله سبحانه وتعالى.
● في قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) يؤخذ منها: أن الإنفاق ليس هو سبب الفقر أو الإقتار الذي هو ضيق العيش، لأن الله عز وجل ذكر بعد الإنفاق (والله يقبض ويبسط) وتصديق هذا ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (ما نقص مال عبد من صدقة) فالصدقات لا تنقص المال بل تزيده، بل تُبارك هذا المال.

بعدها تأتي قصة طالوت وجالوت وبدايتها كان في سؤالهم لنبي لهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون في سبيل الله، إلى آخر ما ورد في الآيات، نأخذ منها في قوله تعالى (ابعث لنا ملكا) بينت هذه الآية: أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة المُلك، فقالوه للنبي فهو كأن مجيء المَلِك من سلطة النبي، فهو يسأل الله سبحانه وتعالى فيبعث الملِك.
🏷 الآيات في قوله تعالى عن هؤلاء القوم (قالوا وما لنا إلا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) بينت الآية:
أن من مقاصد القتال رفع الظلم، ومن أعظم الظلم الإخراج من الديار لأنهم قالوا (وقد أُخرجنا من ديارنا) ومر علينا بالأمس في بعض الآيات التركيز على بعض مقاصد القتال التي هي منها رفع الظلم.
● في قوله تعالى (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم) يستفاد منها: عدم تمني الشدائد وعدم تمني التكليفات الشاقة لأن الإنسان لا يضمن نفسه أنه يستطيع الصبر، ولا يضمن نفسه أنه يمتثل ويترك المحظور ويقوم بالمأمور، وهذه يصدقها حديث النبي ﷺ (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموه فاصبروا) فإذا نزل الحكم ينبغي أن تمتثل لكن قبل أن ينزل تسأله أو تتمنى حدوث الشدائد وتظن نفسك أنك أكيد ستصبر، وأنك ستوري الله عز وجل الأمر، نعم.. إذا وقع القضاء اصبر وافعل هذا الأمر، لكن قبل أن يقع لا تتمناه ولا تسأله.
ويمكن نستأنس على هذا المفهوم بحديث من أحاديث الفتن في آخر الزمان في حديث الدجال ورد في الحديث عن النبي ﷺ (من سمع بالدجال فلينأى منه) يبتعد، لا يقل أنا سأصبر، ولا يقل أنا لن افتتن ، قال: (فمن سمع بالدجال فلينأى منه) أعادها مرة ثانية (من سمع بالدجال فلينأى منه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب بأنه مؤمن فلا يزال به معه من الشُبه حتى يتبعه) فهذه تسير في نفس المفهوم أنك لا تتمنى التكليف الشاقّ فإنك لا تضمن نفسك في الصبر. ومثله كراهية النذر، كراهية النذور الشاقة التي ربما لا يستطيع الإنسان أن يفي بها، لأنه إذا نذر يجب عليه أن يفي به، فلماذا ينذر، يفعل الطاعة ابتداء دون أن يلزم نفسه بشيء شاقّ.
● في قوله تعالى (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) هؤلاء القوم قالوا لنبيهم هذا الكلام لما بعث الله عز وجل طالوت، فكان الجواب (إن الله اصطفاه عليكم) يؤخذ منها فائدة:
أنه عند الإجابة على السؤال نبدأ بالأهم فالمهم. فهؤلاء تساءلوا كيف يكون له الملك ونحن أحق بالملك منه؟ لم يجبهم على نفس هذه الأسئلة، هناك إجابة غير هذا كل التي هي مسألة اصطفاء الله سبحانه وتعالى، فلما ابتدأ بهذا الأمر أجاب على باقي أسئلتهم فقال (وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم)  فهذه تؤخذ في آداب المحاورة، في كيفية الرد على الأسئلة.
● في قوله تعالى (بسطة) في بسطة العلم والجسم بشكل عام من هذه الآية نستفيد منها: أنها من مؤهلات المُلك، وهذه تعطينا نظرة في كيفية اختيار الرؤساء والمدراء وما إلى ذلك، لكل منصب له مؤهلات، فهنا الآية بينت أن بسطة العلم وبسطة الجسم من مؤهلات المُلك.
● في قوله تعالي (فيه سكينة من ربكم) يؤخذ من هذه الآية:
أن للسكينة تأثير على القلوب. خصوصا وأنه أضاف السكينة إلى الله سبحانه وتعالى، بل إلى الربوبية تحديدا، فمن تأثيرها ارتياح وانشراح الصدر خاصة في أمور الشريعة، أن تشعر بالسكينة وأنت تقوم بأعمال العبادة هذه نعمة وفضل من الله سبحانه وتعالى، ولذلك إذا تتبعت مواضع مجيء السكينة في القرآن  ستستفيد منها أشياء كثيرة فيما يتعلق بالانشراح للقيام بالعبادات.

● لما قال الله عز وجل (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) بينت أن الآيات تنفع المؤمنين، إذا قال الله سبحانه وتعالى آية على شيء فإنها تنفع في زيادة الإيمان.

● في قول هؤلاء القوم (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) نأخذ منها فائدة: أن قائد الجيش ينبغي أن يمنع من لا يصلح للحرب. هناك أناس يدخلون في ضمن الجيش ولكن تأثيرهم سلبي. فمن يدخل الجيش وهو مخذِّل أو مُرجف، أو حتى ملحد فهؤلاء يُدخلون الوهن والضعف في الجيش، فما فعله طالوت قبل أن يذهب إلى القتال قام بعملية تصفية للجيش ومحاولة إبعاد الخور والضعف الذي سيأتي من هذه الفئة. ما آلية تصفية الجيش؟
في قوله تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده) إذا كان ذلك ابتلاء في مسألة الري والعطش، من يصبر على العطش ومن يريد أن يسترسل في الشرب، فحددها بأمور محددة، فهو اختبار ونتيجته أنه استبعد هؤلاء الذين شربوا وعبوا من هذا الماء ولم يكترثوا بذلك الأمر فكان ذلك دليلا على أنهم لن يصبروا على قتال العدو مادام لم يصبروا على شربة الماء. وهذه لو أخذتها من الوسائل المعاصرة، تجدين دائما الجيوش إذا دب الخطر على الدولة وما إلى ذلك تجدهم يقومون بالمناورات الحربية والتدريب وما إلى ذلك، فهذه كلها منظور فيها مسألة الجاهزية للحرب.
● في قوله تعالى (فشربوا منه إلا قليلا منهم) بينت أن العصاة في الصفوف أكثر ولذلك ورد في القرآن كثيرا مدح القلة وذم الكثرة، فهذه من ضمن الآيات التي ذمت الكثرة ومدحت القلة لأن الذين صبروا كانوا محدودين ولم يكونوا على العدد الذي كان يرتقب أنهم يكونون وصلوه.
● في قوله تعالى (والله مع الصابرين) أفادت معية الله سبحانه للصابرين، وهذه المعية من المعية الخاصة، المعية الخاصة تقتضي أو من آثارها: الحفظ والتأييد، والنصرة والتثبيت، وهذه ما أحوج الجيوش إلى أن يكون الله سبحانه وتعالى يؤيدهم بهذه المعية.

● في قوله تعالى (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)
يؤخذ منها: أن لقاء العدو أمر صعب، وسُمي في مواطن أخرى (حين البأس) فهو يحتاج إلى الصبر، ومن حاجته للصبر أن يجب على أصحاب الجيش أو من يكون في مثل هذه الحال أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بأن يصبره، ويلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى أن يثبته. فهذه لو استعرضت كل آيات الغزوات في القرآن الكريم تجد ما ينفك منها أن تجد في موضع يذكر فيها دعاء المسلمين لأنه بالفعل يحصل به الثبات، ولو تتبعت أيضا السيرة النبوية ماذا فعل النبي ﷺ في كل غزوة تجد هذا الموقف ظاهر و تبينه الآيات.
● في قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) هذه فيها إثبات سنة المدافعة، إحدى السنن الإلهية التي تذكر في القرآن الكريم سنة المدافعة التي هي أن قوم يدفع قوم حتى يقوم الحق، هذه أحد مواضعها وفي الحج أيضا (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) وتلاحظين أن كلا الآيتين وردت في سياق الجهاد، من سنة المدافعة أن الله عز وجل يقيم فئة كل منهما يدفع الآخر بحيث يظهر الحق، فلو لم تكن هذه السنة موجودة الجواب ماذا؟ (لفسدت الأرض) إذن لكان أصحاب الباطل يعني يستشير باطلهم وينتشر الإفساد دون أن يكون يدفعهم أحد فيقيم الله سبحانه وتعالى سنة المدافعة، وإحدى مظاهر سنة المدافعة فريضة الجهاد.
طبعا لو سندخل في هذه السنة تفصيلا سيدخل فيها الجهاد، وسيدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيدخل فيها أمور متعددة.
اقتران هذه السنة بظهور الفساد، وتبين أن الفساد سبب وقوع المعاصي وهذه يؤيدها مواطن أُخر في القرآن (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) فالمعاصي تسبب الفساد وإذا حصل الفساد فهنا نحتاج إلى سنة المدافعة حتى يُكف المفسدين عن الفساد.
إلى هنا ينتهي الجزء الثاني.
-------------------------------------
https://t.me/fwaidalayat
اقرأ المزيد...

فوائد الآيات ( 204- 242) سورة البقرة / من دروس التفسير المؤصل

 بعد ذلك، ستأتينا آيات أحكام الزواج والطلاق والعدد، والرضاع والنفقات في الأسرة تقريبا في الآيات (221) إلى (242) حوالي 20 آية. أفادت هذه الآيات: 
/ تحريم نكاح المشركات لما قال الله عز وجل (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) إلى آخر الآية.

/ في قوله تعالى (نساؤكم حرث لكم) من فوائدها ابتغاء النسل مطلب فطري وشرعي. 

/ في قوله (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) النهي عن جعل اليمين مانعة من فعل الخير، وهذه من حيل النفس أن يريد ألا يفعل الخير فيُقسم فيقول أنا أبر بقسمي فأتت الآية هنا (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) أي لئلا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.

/ في قوله تعالى (وتصلحوا بين الناس) فيها فضيلة الإصلاح بين الناس.

 في قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) فيها من الفوائد: 
/ رفع المؤاخذة بما لم يقصده الإنسان في لفظه، وتطبيقاته في الشريعة متعددة مثل طلاق الغضبان، ومثل الكلمة الكفرية إذا قالها الإنسان حال شدة الفرح كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ثم أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) فالكلمة الكفرية في حال شدة الفرح اذا لم يكن مقصودا الله سبحانه وتعالى يؤاخذ بما كسبت القلوب.

/ في قوله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم) هذه بينت أحكام الإيلاء، ومن هذه الأحكام المذكورة أن المؤلي يُضرب له أجل أربعة أشهر بعدها يفيء أو يطلق، وهو من صور رفع الظلم عن الزوجة، يعني علاقة الزوجية في الجاهلية كانت هناك صور متعددة للإضرار بالمرأة بحيث أنها تصبح معلقة لا خلية تنكح غيره، ولا زوجة تأخذ حقوق الزوجية منها الإيلاء ومنها الظهار وأحوال متعددة، فالإسلام أتى لرفع الظلم عن المرأة.

/ في قوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهم ثلاثة قروء) بينت عدة المطلقة، وهي ثلاثة قروء على خلاف هل القرء هو الطهر أو الحيض، خلاف موجود في كتب التفسير يراجع هناك. سواء كانت المطلقة بائنة أو رجعية، و (المطلقات) عموم خُصص في آيات أُخر في سورة الطلاق فالآيسة والصغيرة تعتدّ بالأشهر والحامل تعتد بوضع الحمل في قوله تعالى (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم..) إلى نهاية السياق، وهناك أيضا في سورة الأحزاب عدة المطلقة قبل الدخول، فإذا هذا عموم خُصص بآيات أخرى. 

/ في قوله تعالى (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) أفادت الآية أنه يُرجع للمرأة في حساب عِدتها فجعل قولها هو المعتبر وحرضها من أنها مؤتمنة في ذلك، ومنه يؤخذ تحذير المؤتمن الذي لا يعلم أمانته إلا الله سبحانه وتعالى من الخيانة والكذب.
 يعني المسألة فيها أكثر من قضية:
● القضية الأولى: أن المرأة يؤخذ بقولها حال كونها هي التي تعرف فلم يقل أنه لابد من شهادة امرأتين أو رجل وامرأتين وما إلى ذلك. الشهادة أحوالها تختلف حسب المشهود عليه، فهنا أول شيء أن المرأة قُبل قولها وبينت أول شيء ترهيب على المرأة لو كذبت في ذلك الأمر. ثم بعد ذلك فائدة عامة تؤخذ منها: أن المؤتمن الذي لا يعلم أمانته إلا الله، ليس هناك شهود ولا بينة، هذا يكون التحذير في شأنه أكثر من غيره، لو كذب.

/ في قوله تعالى (إن أرادوا إصلاحا) لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح. وأيضا أفادت الآية لا رجعت بعد انقضاء العدة. 

/ أيضا بينت إثبات الدرجة للرجل لما قال (وللرجال عليهن درجة) إثبات الدرجة للرجل. وهي مفسرة في كتب التفسير بالأحكام الشرعية التي للرجل فيها أحوال تختلف عن المرأة، مثل القوامة (قوامون على النساء) فلهم الطاعة، ومثل تولي القضاء والولاية العامة، ومثل الإنفاق، ومثل قسطه في الميراث. أما آيات نقصان العقل والدين المذكورة للمرأة فهي كما فُسرت في الحديث أنها بسبب الحيض وبسبب الشهادة. وفي الآية أن الرجال الذين له الدرجة هم الرجال الذين قاموا بالحقوق إذا ربطتها بسابقتها (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) الدرجة هي التي في آيات (228) (وللرجال عليهن درجة).

/ في قوله تعالى (الطلاق مرتان) يؤخذ منه أن من حقوق المرأة تحديد عدد مرات الطلاق، لأن أحد صور الإضرار بالمرأة في الجاهلية كان أنه لا يوجد عدد للطلاق، فكان الرجل يقول والله لا تطلقي ولا تبيني، فكلما أزفت العدة أن تنتهي راجع ثم طلق مرة أخرى، فلما حدد الشرع عدد مرات الطلاق بالثلاث كان فيه تأديب للرجال الذين يمكن أن يتلاعبوا في هذا الموضوع. فإن كانت جعلت القوامة للرجل إلا أنه في ثنايا الأحكام ما يكف الظلم عنها إذا كان طبعا متقيا. 

/ مستتبع الطلاق إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وبالتالي لا إيذاء، لا جفاء، وذُكر الإحسان مع الفراق لأنه أشد حاجة، لأن الفراق غالبا يكون نتج عن مثلا خلاف أو غضب أو ما إلى ذلك، فهنا يتطلب مسألة الإحسان أكثر من الأحوال الأخرى.

/ أفادت الآيات جواز المخالعة والافتداء بعوض وتحديده بالخوف من عدم إقامة حدود الله هذا أمر مهم، لأنه مع استقامة الأحوال لا يحسُن بالمرأة أن تطلب الخلع، بل حدد بعض الفقهاء أنه لا يجوز أن تطلب الخلع بعد استقامة الأحوال، فحُديد الجواز في قوله تعالى (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألّا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فالتعبير عن الإذن بالمخالعة بقوله (فلا جناح عليهما) دل على أن الأصل أن فيه جُناح إلا إذا خافوا ألّا يقيما حدود الله. وهذا طبعا دعوة للنساء إلى التقوى في هذا الموضوع لأنه مما انتشر في عصرنا الحاضر، يعني في بعض النساء (***) الخلع لأجل حريات أو كمالات أو ما إلى ذلك وهي أحوالها تكون مستقيمة، لم يقع من الرجل ظلم أو بخس في حقوقها، فلتتقي الله المرأة كما يتقي الله الرجل في كل الأحوال، في كل الحقوق والواجبات.  

/ أفادت الآية أيضا: أنه لا يجوز أخذ شيء من المهر إلا في أحوال محدودة ومنها المخالعة. طبعا الجواز في مثل هذه الحالة يؤخذ منها اعتبار درء المفاسد والسلوك الأهون لدفع الأشد التي هي قاعدة فقهية وأحد الأدلة التشريعية عند بعض الفقهاء. 

/ في قوله تعالى (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) أفادت أن المُخالِعة ليست رجعية ففراقها بائن. 

/ في قوله تعالى (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله) بينت أنه في الطلاق البائن تكون المطلقة ثلاثا تحرُم على مُطلقها حتى تتزوج.

/ في قوله تعالى (أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله) أن التراجع بعد الطلاق ينبغي أن تُنظر فيه المصلحة. 

/ في قوله (إن ظنا) يؤخذ منها أيضا أن الاكتفاء بالظن يجوز في الأمور المستقبلية. يعني الأحوال التي فيها يقين ما تأخذ بالظن، لكن إذا كنت تتكلم عن مستقبل فإنه لا يكون أمامك إلا الظن، بالاكتفاء بالظن ممكن وجائز، ورتب على ذلك من الفوائد، أخذ منه الفقهاء فائدة: أنه لو حلف على شيء في المستقبل بناء على غلبة الظن وتبين خلافه أنه لا كفارة عليه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. 

/ في قوله تعالى (يبينها لقوم يعلمون) في نهاية آية الطلاق البائن لما قال (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) هذه نقف معها وقفة من حيث طلب العلم وحصول البيان فمن فوائدها خارج موضوع الطلاق: الحث على طلب العلم وأن العلم تراكمي وتحصل به معرفة الحدود، فكلما كان الإنسان أعلم كلما كانت حدود الله في حقه أظهر وأبين، فإذا كنت تريد أن تكون تصرفاتك كلها سليمة فواصل في طلب العلم فبه تُعرف الحدود سواء كانت في الحدود التي هي معروفة في أبواب الحدود، أو بشكل عام في اقتحام أمر لا ينبغي أن تقتحمه، أو تقصّر في أمر ينبغي أن تكون موجود فيه، هذه كلها تسمى حدود الله بمفهومها الأوسع.
 من فوائدها أيضا:
 (يبينها لقوم يعلمون): لا شيء في دين الله مجهول لكل الناس، فإذا اختلف العلماء في مسألة فالخلل ليس في النص وإنما فيمن يستنبط، وهذه تجعلنا نتفكر في أمر آخر: ما هي أقفال الفهم؟ لماذا تستغلق بعض المسائل على الناس؟ فقالوا لي: إن من أقفال الفهم في أي مسألة من المسائل ممكن أن يكون بسبب نقص العلم، ممكن يكون بسبب قصور الفهم، ممكن أن يكون كثرة الذنوب واتباع الهوى، ممكن بسوء القصد، ممكن بعدم التدبر، التدبر بمفهومه الأشمل الذي يحصل معه الاستنباط، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (رب مُبلِّغ يبلغه لمن هو أوعى منه) فإذن الناس يتفاوتون في قوة الفهم وقوة الاستنباط، وحتى في حسن القصد أوسوء القصد، وعموما هذا الموضوع طويل يرتبط بأبواب العلم وعلاقته بالوحي  فله استدلال في غير هذا الموضع لكن انطلقنا هنا من قوله تعالى (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون)

/ بينت الآيات وجوب إحسان المعاشرة بين الزوجين (فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) المعروف مطلوب في حال الاتفاق وفي حال الاختلاف.

/ في قوله تعالى (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) الترهيب من مخالفة أحكام الله في الطلاق، وأن هذا من اتخاذ آيات هزوا فقد جاء بين آيات الطلاق هذه التحذيرات القوية.

 / كل أحكام الشريعة حكمة، وهذا فضل من الله عز وجل أن أنزل لنا الشرائع فلم يكلفنا بالبحث عن الحكمة التي تصلحنا وهذا نأخذه من (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) فأحوال الطلاق متى تكون، ومتى تجوز المخالعة، متى يجوز الأخذ من المهر، متى ترجع، متى ما ترجع، والترهيب الموجه للطرفين هذا كله حكمة. وإن كان الكتاب كله حكمة، لكن ذكره في ضمن آيات الطلاق هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى ولذلك الإنسان يتبع الشرع وهو يُسلّم أنه هو الأصلح، فلا يجزع من أمر، يعني لو سابقته نفسه من ناحية الضعف أنه يريد شيء ولكن لم يرِد في الشرع فليستسلم للحكم الشرعي لأنه هو الحكمة وهو الأصلح. 

بعد ذلك يأتينا حكم العضل في قوله تعالى (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)  وفي هذا تحريم العضل وهو: أن يحرِم وليته من أن تنكِح من ترضاه. هذه الأرجح أن الخطاب فيه لولي المرأة وليس للزوج، وإن كان ممكن أن تكون للزوج في بعض الأحوال لكنها طالما أنها سبقتها (وإذا طلقتم النساء) فالأصل أنها خطاب للأولياء. طبعا الذي يرجح أن الخطاب للأولياء ما ورد في سبب النزول فإنها نزلت في معقل بن يسار مع أخته، كانت له أخت، يقول معقل بن يسار: (كانت لي أخت تُخطب إليّ، زوجها وطلقها زوجها فتركها حتى انتقضت عدتها ثم خطبها، فأبى معقل أن يزوجه إياها في المرة الثانية. فنزلت هذه الآية. وفي رواية أنه قال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها والله لا ترجع إليك أبدا) ففي رواية الحديث نفسها قال: "فعلم الله حاجته لها وحاجتها إليه" رغِبت، يعني ذهب الخلاف وتوافقت الآراء، أرادته وأرادها فعضدها وليها، فنزلت هذه الآية. 
فيؤخذ من هذه الآية غير مسألة تحريم العضل يؤخذ منها: اشتراط الولي في النكاح وأن المرأة لا تزوج نفسها لأنه مباشرة اتجه للولي يصلح حاله وليس أنه أباح للزوجة أن تزوج نفسها، فيؤخذ منها اشتراط الولي في النكاح.
أيضا يؤخذ منها: اعتبار الرضا في عقد النكاح لأنه قال (إذا تراضوا بينهم بالمعروف)
 والجمع بين الفائدتين ما بين اشتراط الولي في النكاح وبين اعتبار الرضا في عقد النكاح، كيف نجمع بينها؟ أن الولي لا يملك غصب الفتاة على النكاح ولكنه يملك أن يرفض تزويجها من لا دين له ولا خلق، وهذا من مقتضيات الولاية.
 
بعدها تأتينا أحكام الرضاعة وفيها مشروعية الرضاعة على الأم على خلاف بين الوجوب والاستحباب، وتحديد مدته حولين كاملين مع جواز النقص عند التشاور، وهذه الآية الطويلة في الرضاع (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين..) إلى آخر الآية. ويؤخذ منها:
 ● عناية الله سبحانه وتعالى بالرُضع في كل أحوالهم بحيث ما تضيع مصلحة الرضيع بين الزوجين عند الخلاف. 
● وفيها جواز الاسترضاع من غير الأم بشرط تسليم العوض بالمعروف.

بعدها تأتي عدة المتوفى عنها زوجها وفيها بيان عدة المتوفى عنها زوجها سواء كانت صغيرة أو كبيرة، دخل بها أم لم يدخل بها، سواء كانت تحيض أو لا تحيض لأنه قال (أزواجا) والأزواج عامة تشمل كل هذه الأحوال (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا..) إلخ الآية.

/ الآية التي بعدها أفادت جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها أثناء العدة وتحريم التصريح (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم..) إلى آخر الآية. وفيها جواز إضمار ذلك في النفس وجواز ذكرها وتحريم المواعدة بالنكاح معها. 

/ ثم أفادت الآيات جواز الطلاق قبل الدخول سواء سمى المهر أم لم يسمه (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) وأفادت جواز الزواج بدون تسمية مهر لأنه قال (أو تفرضوا لهن فريضة) معناه أنه ممكن.

/ أفادت الآيات وجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول. التي لم يسمَ لها مهر، وتقدير المتعة تكون بحسب الزوج إيسارا أو إعسارا (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين). وإن طلقها قبل الدخول وقد سمى لها المهر فنصف المهر (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم).

● وفي الآيات جواز إسقاط المرأة حقها في المهر لأنه قال (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم). 
● وفيها جواز عفو الرجل عما استحقه من نصف المهر -لأنه في هذه الحالة مستحق لنصف المهر- فلو عفا عنه أيضا يجوز.
● وفيها الترغيب في العفو بشكل عام (وأن تعفوا أقرب للتقوى)
 ● وفيه أن الأعمال الصالحة تتفاضل مثل ما إن هناك صغائر وكبائر في الذنوب فأيضا الأعمال الصالحة تتفاضل. فيها فضل تعاهد الفضل بين الناس (ولا تنسوا الفضل بينكم) وهذه من الأمور التي إذا أشيعت في المجتمع فإن المعروف والإحسان يكون حاضر وبالتالي حس البذل وحس الكرم في الحقوق، طبعا هذا عكس تماما (وأحضرت الأنفس الشح) وأحضرت الأنفس الشح هنا يحدث الخلاف ويحدث مسألة التباعد ومسألة الظلم عكسها تماما (ولا تنسوا الفضل بينكم).
🔖 مجيء آية (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) بين آيات الطلاق مُشكل، حتى قال الشيخ بن عثيمين أنه توقيفي ليس للعقل فيها مجال. ومما ذكره المفسرون في حكمة توسط هذه الآية بين آيات الطلاق أنه لما ذكر العفو عن الحقوق وما ترتب عليه من الفضل وكان شاقا على النفس ذكر له أدوية، كيف يمكن الإنسان يعالج نفسه على أنه ممكن أن يكون كريم في حقوقه فيتنازل، أحد هذه الأمور دواء عقلي وهو في قوله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم) والدواء الثاني دواء روحي وهو الصلاة، فإذا حافظ على الصلاة استطاع أن يبذل. 
/ وفيها من الحِكم في هذه المناسبة أيضا إهمال الصلاة التي هي بركة في الرزق تفضي إلى المشاكل بين الزوجين، يعني متى يحصل المشاكل التي تصل إلى الطلاق، أحد أسبابها أن الإنسان يكون مقصر في عبادته فيُحرم بركة الرزق، ويحرم حتى بركة الخلق، يُحرَم أشياء كثيرة.
/ أفادت الآيات وجوب المحافظة على الصلوات وتحديدا فضيلة صلاة العصر، لأن الصلاة الوسطى ورد في حديث النبي ﷺ تحديدها بصلاة العصر.
/ أفادت الآيات جواز الصلاة على الراحلة لأنه قال أو (ركبانا) فممكن أن تؤخذ من هذه الآية.

🔖رجع الحديث بعدها إلى آيات الطلاق فما ورد بعدها يؤخذ فيه من الفوائد:

/ مشروعية المتعة للمطلقات. إذا قلنا مشروعية نقصد أنه نزل بها الشرع لكن لا نحدد فيها هل هو واجب، وإلا مستحب، لكنها فيها خلاف طويل: هل المتعة واجبة لكل المطلقات؟ 
هل هي مستحبة لكل المطلقات؟
 هل هي خاصة بالمطلقة قبل المسيس التي لم يسمَ لها المهر كما في الآيات السابقة؟
 أو هي خاصة بالمطلقة قبل المسيس سُمي لها المهر أم لم يُسمَ كما في آية الأحزاب (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) ثم قال بعدها (فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا)؟ أو هل هي واجبة في المفوضة، المفوضة التي هي قبل الدخول ومستحبة في غيرها؟
هذه كلها عناوين لخلافات موجودة في كتب الفقه يرجع لها هناك. إلى هنا انتهى مقطع الطلاق.

بعدها يبتدئ قصة من قصص بني إسرائيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ--

https://t.me/fwaidalayat

اقرأ المزيد...

الدرس الستون/ تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٩) (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم…)

 الدرس الستون تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٩)/ صوتي

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين* بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) أي ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة وقد علِموا به وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب استنصروا بهذا النبي وتوعدوهم بخروجه وأنهم يقاتلون المشركين معه فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا كفروا به بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فلعنهم الله تعالى وغضب عليهم غضبا بعد غضب لكثرة كفرهم وتوالي شكهم وشركهم، (ولهم في الآخرة عذاب مهين) أي مؤلم موجع وهو صلي الجحيم وفوت النعيم المقيم فبئس الحال حالهم وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله الكفر به وبكتبه وبرسله مع علمهم وتيقنهم فيكون أعظم لعذابهم»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد:
 هذه الآية الكريمة قول الله جل وعلا (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) إلى تمامها والآية التي بعدها فيها إقامة الحجة على اليهود في تكذيبهم بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكانوا قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام بينهم وبين العرب الكفار المشركين حروب، كانت تنشب بينهم حروب مع مشركي العرب وكانوا يستفتحون على أولئك المشركين بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، (يستفتحون) أي يستنصرون يقولون سيُبعث قريبا نبي وسنكون من أتباعه وسنحاربكم معه ونقتلكم معه، هكذا كانوا يقولون للمشركين لأنهم يجدون في التوراة ما يدل لذلك، ويجدون في التوراة صفات هذا النبي عليه الصلاة والسلام، ويعرفونه، يعرفونه معرفة واضحة بينة ظاهرة، وكانوا يستنصرون به على الذين كفروا يقولون سيبعث قريبا وسنكون أتباعا له وسنقاتلكم معه، هكذا كانوا يقولون للمشركين، وكانوا أيضا يقولون في دعائهم يسألون الله عز وجل  أن يعجل مبعث هذا الرسول، كانوا يقولون في دعائهم «اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان» فهم يعلمون أن نبيا سيبعث وصفته كيت وكي، يجدون في التوراة، يعرفون ذلك.

(فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)
(لما جاءهم ما عرفوا)
لما بُعث هذا النبي الذين أخذوا وقتا طويلا وهم يستنصرون به ويقولون إذا بعث اتبعناه وقاتلناكم معه، فلما بعث كفروا به (فلعنة الله على الكافرين) لما بُعث كفروا به، سبب الكفر ما هو؟ سبب الكفر به أنه ليس منهم، من قريش، هذا هو حسد، يعرفون أنه نبي وأنه مرسل من الله وأنه مؤيد بالحق يعرفونه معرفة تامة واضحة يجدونها عندهم في التوراة فكفروا به لا لشيء إلا للحسد لم يكن منهم فحسدوه وكفروا به.
 وهذه الآية فيها إقامة الحجة عليهم
انظر ماذا يقول الله جل وعلا يقول (ولما جاءهم كتاب من عند الله) ما الكتاب؟ القرآن (ولما جاءهم كتاب من عند الله) أي القرآن، ما شأن هذا القرآن؟ مصدق لما معهم، الذي معهم ما هو؟ التوراة، مصدق للتوراة (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) فجاء هذا الكتاب الذي هو القران الكريم مصدق للتوراة التي بين أيديهم قال (مصدق لما معهم) يعني للكتاب للتوراة التي معهم والتي يزعمون أنهم يؤمنون به الذي هو التوراة وأنهم يصدقون بما فيه وقال (مصدق لما معهم) هذه واحدة في إقامة الحجة عليهم أن الكتاب الذي بُعث به محمد عليه الصلاة والسلام مصدق للكتاب الذي معهم.
 (وكانوا من قبل) من قبل ماذا؟ مبعث النبي، (كانوا من قبل) أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.
(وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) (الذين كفروا) مشركي العرب، ومعنى (يستفتحون) أي: يستنصرون، ومعنى يستنصرون: يقولون أنه سيُبعث قريبا وسينصرنا الله معه عليكم فهو نبي مؤيد من الله وسنكون اتباعا له وسينصرنا الله عليكم ونقتلكم معه، يستنصرون يستفتحون على الذين كفروا أي يستنصرون بمبعث هذا النبي عليه الصلاة والسلام على الذين كفروا وكانوا قبل البعثة من دعائهم « اللهم انصرنا عليهم بمبعث هذا النبي الذي يخرج في آخر او يُبعث في آخر الزمان.
 (ولما جاءهم كتاب من عند الله)
هذا شرط أين الجواب؟
الآن جاء شرط آخر جديد (فلما جاءهم) أين جواب الشرط؟ 
قال (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) إلى الآن لم يأتِ جواب الشرط لكن دل عليه جواب الشرط الذي بعده، لأن المعنى هو المعنى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، (كفروا به) هي جواب الشرط.
(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) كفروا بهذا الكتاب، قال (فلما جاءهم ما عرفوا) ما هو هذا الذي عرفوا؟
لما جاءهم ما عرفوا هذا النبي ومبعثه عليه الصلاة والسلام وصفاته التي ذُكرت عندهم في التوراة فجاءت مطابقه للواقع الذي يرونه ويشاهدونه، (فلما جاءهم ما عرفوا) أي بُعث هذا النبي عليه الصلاة والسلام بالصفات التي يجدونها عندهم في التوراة وعرفوه كما يعرفون أبناءهم أن هذا هو المُبشر به بالتوراة، (لما جاءهم ما عرفوا كفروا به) المُوجب للكفر سياتي معنا، الموجب للكفر أنه ليس منهم، من قريش فحسدوه، حسدوه على نعمة الله عليه وفضل الله سبحانه وتعالى عليه والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، واليهود أشد الناس حسدا، من أعظم الناس اتصافا بالحسد،  ولهذا وُصفوا به في مواطن من كتاب الله عز وجل، حسدوا النبي على عليه الصلاة والسلام على النبوة والكتاب، وحسدوا المؤمنين على الإيمان،  ويحسدوننا على الجمعة وعلى كثير من الطاعات التي أكرمنا الله سبحانه وتعالى بها فهم قوم حسَدَه يعني متجذر فيهم الحسد.
(فلما جاءهم ما عرفوا) بُعث هذا النبي الذي يجدونه ويجدون صفته عندهم في التوراة (كفروا به فلعنه الله على الكافرين) حلت عليهم اللعنة وهي الطرد والإبعاد من رحمة الله (فلعنة الله على الكافرين). ما الذي صنعوه الآن؟
الآن جاءهم خير ويعرفونه وجاءهم شيء واضح يتبينونه وشواهده كثيرة عندهم في التوراة، جاءهم إيمان، جاءهم نور، جاءهم هدى ويعرفون ذلك، يعرفون أن هذا إيمان وأن هذا هدى وأن هذا رضا الله سبحانه وتعالى، يعرفون ذلك وتركوا ذلك بماذا؟ بدنيا فانية وحسد وبغي ولهذا يقول الله عز وجل: (بئس ما اشتروا)، (بئس) هذا فعل ماضي جامد، (بئس) مثل (نِعم) فعل ماضي جامد، ما معنى جامد؟ يعني ما يتصرف، الآن (ضرب) هذا متصرف [ضرب، يضرب، اضرب] إلى آخره، أما (بئس) هذا جامد ما يتغير فعل ماضي جامد و(بئس) هذه اللفظة مستوفية لمعاني الذم، مثل (نِعمَ) مستوفيه لمعاني المدح.
قال: (بئس ما اشتروا) (ما) هذه مصدرية أي: بئس الذي اشتروا به أنفسهم، (اشتروا به أنفسهم) يعني باعوا به أنفسهم، بيعة خاسره تمام الخسران لأن الذي باعوه ما هو؟ حظهم من ثواب الله العظيم، الذي آمن بالتوراة ثم بُعث محمد عليه الصلاة والسلام فآمن به يؤتى أجره مرتين،  باعوا ذلك بيعة خاسرة الخسران المبين، باعوا ذلك لا لشيء إلا للحسد، مع أنهم يعرفون أن هذا هو الربح،  وأن هذه التجارة الرابحة، وأن هذا هو الحق، وأن هذا هو الهدى، فباعوا ذلك للحسد قال (بئس ما اشتروا به أنفسهم) أي ما ضيعوه من الثواب الأجر العظيم الحاصل لهم لو آمنوا.

 (بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله)
 (أن يكفروا بما أنزل الله) المتروك هنا هو الإيمان، التصديق بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما بُعث به، والذي رضوه لأنفسهم وقبلوه لأنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله، ما هو؟ القرآن، ما أنزل الله القران المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام.
 (بغيا) هذه مفعول لأجله، (بغيا) يعني لا لشيء إلا لأجل الحسد والبغي، والبغي فُسر بالحسد، بغيا أي حسدا لأن البغي الظلم والحسد ظلم، الحسد من البغي ومن الظلم والحاسد عدو نعمة الله، هذه أبلغ صفة للحاسد، الحاسد عدو نعمة الله، عندما يرى نعمة الله عز وجل حصّلها أحد اشتعلت ناره بالحسد فهو عدو نعمة الله على خلقه أو على من شاء من عباده.
 قال (أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله) (أن يُنزل الله) أي: لأن ينزل الله من فضله التي هي النبوة والكتاب على محمد عليه الصلاة والسلام على من يشاء من عباده أي محمد صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا يقول (وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
 (على من يشاء من عباده) الذي هو نبينا عليه الصلاة والسلام، (فباءوا بغضب على غضب) انتبه هنا غضب على غضب هذه كانت جاءت مقابل ماذا؟ يؤتون أجرهم مرتين لو كانوا آمنوا، انظروا الربح العظيم الذي باعوه وضيعوه يؤتون أجرهم مرتين مرة لإيمانهم بالتوارة ومرة لإيمانهم بالقرآن، فالذي حصّلوا بهذا الكفر غضبين غضب على غضب، بدل أن يكون أجر على أجر وثواب على ثواب (فباءوا بغضب) بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام، (على غضب) الذي هو تضييع التوراة، لأن الآن تكذيبهم بالرسول عليه الصلاة والسلام هو أيضا تكذيب بالتوارة لأنهم هم يعلمون أن التوراة جاءت مشتملة على الإخبار بهذا الرسول ويعرفون ذلك، ويعرفون أن هذا الإخبار عن الرسول والبشارة به من كلام الله جل وعلا في التوراة، يعرفون ذلك فكذبوا به فباؤوا بغضب يتعلق بالتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام القرآن المنزل عليه على غضب على تكذيبهم أيضا بالتوراة وتبديلهم، جاءوا إلى الآيات التي تتعلق صفات الرسول والبشارة به وأخفوها وكتموها وبدلوا ما تمكنوا من تبديله منها يحرفوها وصاروا من البغي الذي عندهم والحسد يكتبون بأيديهم أشياء ويلصقونها أنها من التوراة، ومر معنا (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) عذاب فيه إهانة لهم وإذلال لهم (وللكافرين عذاب مهين)
في سورة الحج الله يقول (ومن يهن الله فما له من مكرم) انتبه هنا (لهم عذاب مهين) هذا عذاب الكافر، عذاب الكافر هو عذاب إهانة له يختلف عن عذاب عصاة الموحدين، عذاب عصاة الموحدين تطهير لهم يعذب ليُطهر، لما يعذب في النار يعذب ليُطهر ينقى من ذنوبه ثم يدخل الجنة بفضل الله عليه، أما هؤلاء عذابهم إهانة لهم، إذلال لهم وهو عذاب دائم مستمر لأن الكفر والشرك والنفاق الأكبر هذه التي هي أكبر الذنوب وأعظمها هذه لا تطهرها النار وإنما الذي تُطهر النار المعاصي التي دون الكفر ودون الشرك بالله سبحانه وتعالى.

قال الشيخ رحمه الله: «أي ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة مصدق لما معهم وقد علموا به - علموا به أي بهذا النبي عليه الصلاة والسلام ومبعثه وصفته يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة - وعلموا به وتيقنوه على أنهم إذا كان وقع بينهم وبين المشركين - يعني والحال أنهم، في بعض النسخ - حتى أنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية - يعني قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام إذا وقع بينهم حروب استنصروا بهذا النبي عليه الصلاة والسلام (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) يعني بهذا النبي، يستفتحون يستنصرون، يستنصرون بهذا النبي وتوعدوهم بخروجه يقولون سيخرج قريبا نبي وسنكون اتباعا له وسنقاتلكم معه، كانوا يستنصرون على المشركين.
 هنا الآن يعني انتبه لأمر في وجه إقامه الحجة عليهم في قوله (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) هذه تحتها علم عظيم في باب الحجة والاحتجاج، لأن الآن قبل مبعثه ماذا كانوا يفعلون؟ يستفتحون يستنصرون إذا هم على يقين أنه نبي وأنه مؤيد من عند الله، فقبل مبعثه يستنصرون به وبعد مبعثه يكفرون به، استنصار وكفر هل يجتمعان؟ ولهذا تحت هذه الجملة (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) وجوه عجيبة في إقامة الحجة عليهم، وجوه عجيبة جدا. الإمام المبدع المتفنن المتقن ابن القيم رحمه الله تعالى استخلص من هذه الجملة عشرة وجوه للرد عليهم، عشرة وجوه عجيبة ودقيقة جدا تجدها في المجموعة الذي جمع في تفسيره رحمه الله تعالى كان ذكر أنه يمكن تقرير الحجة عليهم من هذه الآية من صور عديدة وذكر عشرة صور في إقامة الحجة عليهم من كونهم يستفتحون به قبل البعثة وبعد البعثة يكفرون به قال: «فلما جاءهم هذا الكتاب وهذا النبي الذي عرفوا كفروا به بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فلعنهم الله وغضب عليهم غضبا بعد غضب لكثرة كفرهم وتوالي شكهم وشركهم ولهم في الآخرة عذاب مهين أي مؤلم موجع وهو صلي الجحيم وفوات النعيم المقيم فبئس الحال حالهم وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله الكفر به وبكتبه وبرسله مع علمهم وتيقنهم فيكون ذلك اعظم لعذابهم عند الله سبحانه وتعالى» نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين* ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون* وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئس ما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) أي وإذا أُمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن استكبروا وعتوا وقالوا (نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) أي بما سواه من الكتب مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله تعالى مطلقا سواء أنزل عليهم أو على غيرهم وهذا هو الايمان النافع الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله، وأما التفريق بين الرسل والكتب وزعم الإيمان ببعضها دون بعض فهذا ليس بإيمان بل هو الكفر بعينه ولهذا قال تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا) ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه، فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال (وهو الحق) فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات والأوامر والنواهي وهو من عند ربهم فالكفر به بعد ذلك كفر بالله وكفر بالحق الذي أنزله، ثم قال: (مصدقا لما معه) - هذا الأمر الثاني قال بأمرين نعم أحسن الله إليكم-
ثم قال (مصدقا لما معهم) أي موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه فلم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بنظيره هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى، وأيضا فإن كون القرآن مصدقا لما معهم يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب فلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به فإذا كفروا به وجحدوه صاروا بمنزلة من ادعى دعوة بحجة وبينة ليس له غيرها ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته ثم يأتي هو لبينته وحجته فيقدح فيها ويكذب بها أليس هذا من الحماقة والجنون!! فكان كفرهم بالقرآن كفرا بما في أيديهم ونقضا له، ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله قل أي لهم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)»

ت/ ثم قال سبحانه وتعالى (وإذا قيل لهم) وإذا قيل لهم أي إذا قلت لهم أيها الرسول أو قال لهم أهل الإيمان، (إذا قيل لهم) أي لليهود (آمنوا بما أنزل الله)  هذا هو الأصل في الإيمان الإيمان بكل ما أنزل الله، هذا هو الأصل، ما يتحكم الانسان ويختار بعض المنزل ويرفض بعضا، الإيمان حقا هو الإيمان بكل ما أنزل الله وإذا كان الإنسان تجاه ما أنزل الله يختار يؤمن ببعض ولا يؤمن ببعض هذا هو الكفر حقا ولا ينفعه الإيمان ببعض حتى لو كان البعض كثيرا، لا ينفعه، الإيمان حقا هو الإيمان بكل المُنزّل اقرأ قول الله تعالى (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) هذا هو الإيمان حقا (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي كتاب أنزله، (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) هذا هو الإيمان، الإيمان بكل ما أنزل الله،  لكن لما يكون المرء في الإيمان انتقائيا يختار،  هذا أؤمن به، هذا لا أؤمن، هذا يناسبني هذا لا يناسبني، هذا هو الكفر حقا حتى لو كان الذي يؤمن به كثيرا، هذا هو الكفر حقا مثل ما وصفه الله عز وجل -كما سياتي معنا- (إذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا)، (بما أنزل علينا) الآن فرقوا في الإيمان بما أنزل الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، (آمِنوا بما أنزل الله) يعني القرآن، (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) أي التوراة، (قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) (ما وراءه) يعني التوراة، (ما وراءه) يعني ما بعده، ما نزل بعده يكفرون به ولا يؤمنون والمقصود كفرهم بالقران، بما وراءه أي كفرهم بالقران الذي جاء بعد التوراة وبه ختمت الكتب المنزلة كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام به ختم الأنبياء وكما أنه عليه الصلاة والسلام شريعته خُتمت بها الشرائع، خاتم الكتب، خاتم الشرائع، خاتم النبيين.
(ويكفرون بما وراءه) أي التوراة، وراء التوراة، ما الذي وراء التوراة؟ ما الذي جاء بعدها؟ هذا القرآن المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، (وهو) والحال، الجملة حالية (وهو) أي هذا الذي يكفرون به يجمع بين أمرين كل منهما فيه إقامة حجة عليهم:
 الأول: أنه حق (وهو الحق) فالحق يجب الإيمان به وقبوله فهو حق لا ريب فيه. اقرأ مر معنا أول ما قرأنا في البقرة (ذلك الكتاب لا ريب فيه) حق لا ريب فيه، هذا الأمر الأول.
 الامر الثاني: أنه مصدق لما معهم (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)
 (وهو) أي القرآن (الحق مصدقا لما معهم) (لما معهم) أي التوراة.
 قل في إقامة الحجة عليهم وإبطال باطلهم وبيان فساد دعواهم قل أيها النبي صلى الله عليه وسلم قل لهم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) إن كنتم صادقين في أنكم تؤمنون بالتوراة، إن كنتم صادقين، هم يقولون (نؤمن بما أنزل علينا) (بما أنزل علينا) أي التوراة وما وراء نكفر به، إن كنتم صادقين في دعواكم وهذا فيه بيان تناقضهم في دعواهم أنهم يؤمنون بالتوراة أنهم يؤمنون بالتوراة وهذا فيه بيان أنهم التوراة نفسها لا يؤمنون بها، فيقول قل لهم إن كنتم صادقين فيما تدعونه أنكم تؤمنون بالتوراة فلم تقتلون أنبياء الله، (تقتلون)  أي لم قتلتم أنبياء الله؟ تعبير عن الماضي بالمستقبل عبر عن  الماضي بالمستقبل لأنه بمنزلة الصفة، صفة ثابتة لهم، يعني صفة ثابتة لهم أن هذه حالهم قتل الأنبياء هذه صفه ثابتة لهم ولهذا عبر عن الماضي بالمستقبل قال (تقتلون) ويأتي هذا في القرآن، سياتي معنا قريبا في (واتبعوا ما تتلو) هي ما تلت الشياطين شيء مضى، اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.
 (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) إن كنتم صادقين في دعواكم بأنكم تؤمنون بالتوراة فلماذا تقتلون الأنبياء؟ أين في التوراة قتل النبي؟ أين في التوراة قتل المؤمن؟ ونحن نعرف - مر معنا- أنه أُخذ عليهم الميثاق لا يقتلون أنفسهم ولا يخرجون أنفسهم من ديارهم، ما معنى لا يقتلون أنفسهم؟ يعني لا يقتل بعضهم بعضا، لم يكتفوا بقتل بعضهم بعض قتلوا أنبياء وهم يقولون نؤمن بالتوراة وأُخذ عليهم الميثاق في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا وهم قتلوا أنبياء، ليس فقط قتل بعضهم بعضا، قتلوا أنبياء الله، فإذا كنتم تدّعون أنكم فعلا صادقون في إيمانكم بالتوراة وأنكم تؤمنون بالتوراة لم تقتلون أنبياء الله، وأنبياء الله حقهم أن يكرموا وأن يعززوا وينصروا ويؤيدوا ويؤمن بما جاؤوا به فكان منهم قتل.
 (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم صادقين)
(إن كنتم صادقين)
أي في ما تدعونه من الإيمان بالتوراة وفيها النهي عن ذلك، قال الشيخ : «وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن استكبروا وعتوا وقالوا نؤمن بما أنزل علينا فقط، غيره ما نؤمن به، نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه».
هذه الآن (نؤمن بما أنزل علينا)
هل هي حقيقة؟ هذه دعواهم ولهذا جاء بيان نقض هذه الدعوى، هذه دعوى ليست حقيقة، لو كانت حقيقة لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فورا لأن التوراة فيها أمر بالإيمان به ونصره واتباعه، يعرفون ذلك هم، فهذه دعوى (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) يعني فقط نؤمن بما أنزل عليهم (ويكفرون بما وراءه) أي بما سواه من الكتب مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله مطلقا سواء أنزل عليهم أو على غيرهم وهذا هو الإيمان النافع
الإيمان بكل ما أنزل الله بدون تحكم أو انتقاء،  يؤمن الإيمان مطلقا بكل ما أنزله الله سبحانه وتعالى قال: «مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله مطلقا سواء أنزل عليهم أو على غيرهم وهذا هو الإيمان النافع، الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله وأما التفريق بين الرسل والكتب - يعني يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض ويؤمن ببعض الكتب ويكفر ببعض وزعم الإيمان ببعضها دون بعض - فهذا ليس بإيمان بل هو الكفر بعينه، هذه حقيقة الكفر بل هو الكفر بعينه ولهذا قال الله عز وجل في موضع آخر (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) مثل صنيع هؤلاء (نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) هذه مثلها تماما (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) أي طريقا وسطا بزعمهم قال الله جل وعلا (اولئك هم الكافرون حقا) هذه حقيقة الكفر ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا - أي في هذا السياق - ردا شافيا والزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه فرد عليهم بكفرهم بالقران بأمرين:
● قال: (وهو الحق) هذا الأمر الأول
فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات والأوامر والنواهي وهو من عند ربهم فالكفر به بعد ذلك كفر بالله وكفر بالحق الذي أنزله الله.  هذه واحدة.
● الثانية قال: (مصدقا لما معهم) أي موافقا لا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه فلم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بنظيره وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى، وأيضا فإن كون القرآن مصدقا لما معهم يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب فلا سبيل لهم إلى اثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوا صاروا بمنزلة من ادعى دعوة بحجة وبيّنة ليس له غيرها ولا تتم دعواه الا بسلامة بينته ثم يأتي هو لبينته وحجته فيقدح فيها ويكذب بها أليس هذا من الحماقة والجنون فكان كفرهم بالقرآن كفرا بما في أيديهم ونقضا له ولهذا تقدم معنا (فباؤوا بغضب على غضب)، ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله قل لهم أيها الرسول صلى الله عليه وسلم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)، (إن كنتم مؤمنين) أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما ...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد واله وصحبه أجمعين..  جزاكم الله خيرا
اقرأ المزيد...

الأحد، 1 فبراير 2026

العمل بسورة القيامة (١٦-٢٥)

 بسم الله الرحمن الرحيم

١- تكفل الله بحفظ القرآن الكريم منذ وقت نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم، فجمعه له في صدره، ويسر له حفظه، وأعانه على إبلاغه، وبين له أحكامه ومعانيه، فنقله النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة لفظا، وشرحه لهم معنى، ولا زال محفوظا بحفظ الله إلى يومنا هذا، فلفظه محفوظ بالتلقي والكتابة، ومعناه محفوظ بما يسره الله من حفظ السنة النبوية، فأي نعمة أجل من هذه فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه).

٢- (كُن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) اجعل هذه الوصية النبوية نصب عينيك دائما، ولا تغرنك الدنيا وزينتها، فإنها متاع عن قريب زائل، والآخرة خير وأبقى لمن آمن واتقى، فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا: (كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة).

٣- أعظم نعيم أهل الجنة على الإطلاق النظر إلى وجه الله الكريم، وهم من هذا النعيم على درجات بحسب أعمالهم، فجد في العمل، واجتهد في التقرب إلى الله، لتفوز بالنظر إلى وجهه سبحانه غدوة وعشية، فاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة:
 ( وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة*ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يُفعل بها فاقرة).

* د. أبصار الإسلام
اقرأ المزيد...