الثلاثاء، 19 مايو 2026

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

ولكن قبل أن نستمر في تدبر آيات سورة الحج، لنا أن نتساءل: يا ترى لماذا جاءت سورة الحج بهذه البداية العظيمة، والحديث المتواصل القوي الحاضر عن قضية البعث؟ لماذا؟ ما العلاقة بين الإيمان بالبعث، وبين الحديث عن الحج؟ ما العلاقة بين هذه البداية المركزة التي تركز في نفس الإنسان الإيمان بالبعث، والكلام عن الحج؟ السورة تتحدث عن الحج، وسيأتي الحديث عن الحج، فلماذا الكلام في البداية عن البعث؟ سبحان الله العظيم، هذا القرآن العظيم، كما ذكرنا قبل قليل، معجز في كل شيء، معجز في تناسب الآيات والسور، معجز في ترتيب الآيات في السورة الواحدة، معجز في تقديم الأمثال، معجز في كل شيء. يا سبحان الله.

من أراد أن ينظر إلى منظر مصغر ليوم البعث، وليوم القيامة، فليتدبر الحج. من أراد أن يرى مواقف وأهوال يوم القيامة بصورة مصغرة مبسطة بطبيعة الحال فليذهب إلى الحج. كيف؟ مواقف يوم القيامة، مواقف الحشر، وقوف الناس، ازدحام الناس، ما يظهر عليهم من آثار السهر، والتعب الشديد، والنصب، مظاهر كلها أريد لها أن تجعل الإنسان يقترب قليلاً، بعض الشيء، من مواقف الحج. الحر الشديد، الزحام الخانق، الانتظار الطويل، حال البشر وهم يجتمعون في حالة انكسار، وذل، وخضوع، وتضرع بين يدي الله سبحانه. اللباس البسيط الذي يلبسه كل الحجيج، دون طبقية، دون فرق بين عزيز أو ذليل، دون فرق بين غني أو فقير، دون طبقية على الإطلاق، دون فرق بين أسود أو أبيض. الكل يلهج بالدعاء، والتضرع، والخشوع، والانكسار، والذل لله سبحانه وتعالى، للواحد، للملك. يقفون على هذه المواقف والمشاعر، يطلبون شيئاً واحداً، الكل يشتركون في طلب شيء واحد، تركوا من ورائهم الدنيا، تركوا الأعمال، تركوا المناصب، تركوا الأهل، تركوا الأولاد، تركوا كل شيء، وجاءوا لله الواحد القهار، يسألونه صفحاً، عفوًا، مغفرةً، رحمةً من عنده. هذه المواقف العظيمة تذكر بشيء واحد، تذكر بمواقف يوم القيامة، مع فارق واحد، أني حين أقف في الحج في المشاعر المقدسة، على جبل عرفة، على منى، على مزدلفة، حين أقف تلك المواقف، أنا لا زلت في دار العمل، لا زلت فيها، والحج عمل، ومن أعظم العمل، أما يوم القيامة فسأقف مواقف الذل، والتضرع، والخضوع، والترقب، والتوجس، ولا يمكن أن يكون بين يدي عمل آخر أستطيع أن أقدمه. فالآخرة، ومواقف يوم القيامة، دار جزاء لا دار عمل. انظر إلى الفارق، وانظر إلى الربط العظيم الذي ينبغي أن يستحضره كل من يقف في مواقف الحج العظيمة. كل من يقف على جبل عرفة عليه أن يتذكر ذلك الموقف المهيب الذي سيأتي لا محالة. كل من يقف وينفر من منى إلى عرفة، إلى مزدلفة، عليه أن يتذكر تلك المواقف العظيمة، عليه أن يتذكر تنقله بين مواقف وأرصات يوم القيامة، عليه أن يتذكر الحالة التي سيكون عليها، وعليه أن لا ينسى أبداً أنه اليوم لا يزال في رحمة من الله سبحانه، هو لا يزال في دار العمل، فليقدم بين يدي الله سبحانه من الأعمال ما يستطيع أن يقدمه قبل فوات الأوان.

 الإيمان بالبعث والتقوى في سورة الحج

الإيمان بالبعث يبقى دائما حاضر في سورة الحج ليؤكد على معاني التقوى ليكون هو الدافع الرئيس للإنسان للعمل للتزود بزاد الدنيا إلى زاد الآخرة للتزود بالأعمال الصالحة للقيام بكل ما يمكنه أن يقوم به ويتزود به من عمل في هذه الدنيا قبل فوات الأوان. 

تأتي آيات الحج بعد هذا المقطع العظيم لتؤكد على نفس الحقيقة التي ابتدأت بها وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. القضية حقيقة ولكن ليست المسألة في وقوع هذه الحقيقة التي ستقع لمحال دون شك أو ريب. الإشكالية في بعض الناس في أصناف من الناس الإيمان بالبعث لديهم فيها شك فيها جدال فيها عدم استحضار لهذه الحقيقة استحضاراً يدفع بهم إلى العمل وإلى التضحية وإلى تقديم كل غالي ونفيس في سبيل العمل الصالح في سبيل نيل رضا الله سبحانه وتعالى. وانظر معي إلى قول الله عز وجل في الآيات التي تليها وهو يقسم أنواع من البشر أنواع من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة حاضرة في حياتهم. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تدبر سورة الحج / د. رقية العلواني

اقرأ المزيد...

تدبر سورة الحج / أهمية الإيمان بالبعث

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فضل سورة الحج
اليوم حديثنا عن سورة الحج، هذه السورة العظيمة التي عدها المفسرون من أعاجيب السور. نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً. منها ما نزل في مكة، ومنها ما نزل في المدينة. منها ما نزل عليه وهو في حال السلم، ومنها ما نزل عليه وهو في حال الحرب. وهي السورة الوحيدة التي اتخذت اسم ركن من أركان الإسلام، فلا سورة للصلاة، ولا سورة للصيام، ولا للزكاة، ولكن هناك سورة الحج.هذه السورة العظيمة التي اتخذت اسم ركن الحج العظيم، جاءت وهي تحمل في معانيها وبين آياتها مقصداً أساسياً رئيساً في حياة المؤمن. هذا المقصد يدور حول التقوى، يدور حول تنمية القلب المخبت الخاضع الخاشع لربه سبحانه وتعالى. السورة بأكملها، منذ أول آية حتى آخر آية، بكل ما جاءت في السورة من أحكام، ومن أركان، ومن آيات عظام، جاءت تمشي مع الإنسان خطوة خطوة نحو تنمية التقوى، نحو الترقي به في سلم التقوى. فالتقوى درجات، والتقوى بناء، نحو تنمية القلب الخاضع الخاشع لربه سبحانه درجة درجة.
أهمية الإيمان بالبعث:
 العجيب في هذه السورة، ولذلك هي عدت من أعاجيب السور، أنها ابتدأت بقضية يهيئ لقارئها في البداية أنها لا علاقة مباشرة تربط بينها وبين ركن الحج الذي جاءت السورة على اسمه. السورة في أول آياتها تخاطب الناس أجمعين، لا تخاطب المؤمنين فحسب، على الرغم من أننا نعلم جميعاً أن ركن الحج خوطب به الناس جميعاً، ولكنه فرض على المؤمن. بدأت السورة بقول الله عز وجل: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم.
 أول خطاب يخاطب به الله سبحانه وتعالى في السورة البشرية جمعاء هو خطاب التقوى، الأمر بالتقوى، الوصية بالتقوى (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) القيامة، ذلك اليوم الذي قد يستبعده كثير من الناس، قد لا يرون صورته أمام أعينهم وهم يسيرون في دروب الحياة، ولكنه واقع لا محالة. وتأملوا معي قول الله عز وجل في الآية الثانية: (يوم ترونها) المسألة مسألة منتهية، المسألة من المسلمات، المسألة قادمة قطعا ولذا جاءت الكلمة: (يوم ترونها) ترون آيات يوم القيامة، ترون الساعة، ترون أهوال هذا اليوم العظيم. (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ) لو أردنا أن نبحث عن أي كلمات، عن أي أوصاف تصف وتقرب أهوال يوم القيامة للبشر، لا يمكن أن نأتي بمثل هذه الآية العظيمة. يا سبحان الله، هذا الكتاب العظيم معجز في وصفه، معجز بكلماته، بحروفه، بكل شيء فيه. ولا عجب، فهو من رب العالمين سبحانه.
الآية وصفت أن ما يأتي في يوم القيامة من مواقف، من شدائد، من أهوال، من صعاب، يجعل حتى المرضع، التي هي أشد ما تكون التصاقاً ومحبة برضيعها، تصاب حالة من الذهول، حالة من العجب، حالة من الحزن والكرب الشديد، يجعلها لا تلتفت إلى هذا الرضيع الذي هي في الحالة المعتادة أشد ما تكون التصاقاً به. وتضع كل ذات حمل حملها من شدة الأهوال. وترى الناس جميعاً في حالة من الذهول والكرب والحزن الشديد، ما يجعلهم في حالة أقرب من السكر إلى أي شيء آخر. السكر بمعنى غياب العقل، بمعنى الذهول، بمعنى عدم الإدراك لما يدور حولهم نتيجة للأهوال الشديدة، نتيجة لما يحدث أمام أعينهم في ذلك اليوم الشديد العظيم. ولكن عذاب الله شديد.
إذن يا رب، هذا اليوم العظيم، ما الذي يمكن أن أقدمه بين يدي وأنا الآن أستحضر هذا اليوم ولكني لازلت في دار العمل، ما الذي أفعله؟ كيف يمكن أن أخلص نفسي من أهوال ذلك اليوم العظيم؟ كيف أستطيع، وأنا اليوم في دار العمل في الدنيا، أن أقدم بين يدي ذلك اليوم أعمالاً وصفات تقربني إليك أنت تنجيني من ذلك اليوم العظيم؟

الآيات التي بعد هذه الآية مباشرة أتت لتقسم الناس إلى أنواع وأصناف. على الرغم من أن قضية البعث وقضية يوم القيامة قضية محسومة تماماً، لا جدال فيها، على الرغم من كل ذلك، إلا أن هناك صنف من البشر يجادل ويحاجج بغير الحق في وقوع ذلك اليوم العظيم. لماذا يجادل يا رب؟ يجادل بغير علم، ليس لديه علم، ليس لديه حجة قوية، ليس لديه دليل على ما يتوهم من عدم وقوع ذلك اليوم العظيم، ويتبع كل شيطان مريد، اتباع الهوى، اتباع الشيطان الذي يدلي للإنسان بغرور، ويمنيه، ويعده، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. يعد الإنسان بأن يوم البعث لا يمكن أن يأتي، يعد الإنسان بأنه ليس هناك حياة بعد الموت، يعد الإنسان بأنه من المستبعد تماماً أن تعود الحياة من جديد للإنسان بعد موته.

قضية في غاية الخطورة، ولذا كان الإيمان بالبعث قضية محورية. الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الواحد منا أبداً إلا بالإيمان بالبعث. لماذا يا رب الإيمان بالبعث؟ ولماذا كان الإيمان بالبعث على هذه الدرجة من الأهمية؟ الإيمان بالبعث قضية مصيرية، قضية تعتمد عليها كل الأعمال التي يقوم بها الإنسان في الحياة الدنيا في دار العمل. الحياة، أنا لا أستطيع أن أعيش وأقدم العمل الصالح الطيب الخير، وقد لا أجد ثمر له في الدنيا، دون أن يكون لدي رصيد كافي ويقين من الإيمان بالبعث.

ودعونا نقف عند مثال واحد فقط، من منا في الحياة التي نعيشها اليوم في حاضرنا، من منا لم تمر عليه ساءة استشعر فيها موقفاً قد وقع عليه فيه ظلم، موقفاً قد بخس فيه حقه، موقفاً نال منه شخص من الناس من البشر بغير حق، وشعر بمعنى الظلم حقيقة؟ من منا لم يشعر في لحظات في حياته أنه لا بد أن تكون هناك محكمة عادلة، محكمة لا تقوم على أساس اختبارات البشر، ولا على أساس أحكام البشر، ولا على تصوراته؟ من منا لم تمر عليه لحظة من لحظات الدنيا لم يستشعر بحاجته إلى عدالة السماء، لم يستشعر بأن هذه الأرض التي نعيش على ظهرها ينقصها عدالة وعدل حقيقي، عدل غير خاضع لأهواء البشر، عدل غير خاضع لمصالحهم، عدل مطلق وليس عدلاً نسبياً؟ من منا لم تمر عليه هذه اللحظات؟

الإيمان بالبعث، هذا الركن العظيم، هو الذي يجعل هذه الأحاسيس وهذه المشاعر تقف عند الحد الذي ينبغي أن تقف عنده. بمعنى آخر، أني حتى حين يقع علي ظلم، ولا أستطيع أن أرده لسبب أو لآخر، أشعر بأن هناك عدالة، وبأن هناك جزاء، وبأن هناك محكمة ستأتي لا محالة، محكمة يوم القيامة. من منا لم يستشعر بالحاجة إلى عدالة الله المطلقة؟ من منا لم يستشعر بالحاجة إلى الله سبحانه وتعالى الحكم العدل الذي لا يماري ولا يداهن أحداً من خلقه؟ من منا لم يقل في يوم من الأيام بصدق، وبحاجة، وبخشوع، وتضرع: يا رب خذ لي الحق الذي قد انتُهب أو اختُلس مني؟ من منا لم يشعر بهذه الحاجة؟ الإيمان بالبعث يخفف وطأة وقائع الحياة وما يدور حولنا من أحداث على نفوسنا، على قلوبنا، يشعرنا بحقيقة قد نغفل عنها أحياناً، أن هذه الدنيا التي نعيش فيها هي دار عمل، هي ليست دار جزاء. أنا قد أعمل أعمالاً صالحة عظيمة وكبيرة، ولكني لا أجد ثمر لهذا العمل لسبب أو لآخر. أنا قد أقوم بكل ما أستطيع أن أقوم به كبشر، ولكن لا ثمر لعملي، لا أجد من أهلي، ومن أقاربي، ومن مكان العمل الذي أعمل فيه، والمجتمع الذي أعيش فيه، لا أجد منهم الجزاء الأوفى. من الذي سيجازيني؟ من الذي سيعطيني؟ من الذي سيكافئني؟ الله سبحانه وتعالى. متى سيكون هذا؟ ليس فقط في الدنيا، قد لا أجد الجزاء، ولكن الذي يوفي الجزاء الأوفى هو الحق سبحانه وتعالى.

ولذا جاءت الآيات في أوائل سورة الفاتحة، أول سورة في القرآن: (مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ) يوم الجزاء، يوم الحساب، يوم المصير، يوم المكافأة لمن لم يجد من يكافئه في الدنيا. يوم الجزاء الأوفى لمن ظُلم ووقع عليه الظلم، ولم يجد في محاكم البشر، ولا في محاكم الدنيا من ينصفه. يوم الجزاء هو يوم الراحة والهناء للمؤمن، وللإنسان الصادق المخلص الوفي في عمله، الذي نال في الدنيا ما نال. لا يتم إيمان الإنسان إلا به، ومع ذلك يجادل فيه من يجادل تكبراً، وعناداً، واستبعاداً، وإصراراً، وربما رغبة في الخلاص من العقوبة، رغبة في الخلاص من الحساب. الإنسان حين يعيش دون أن يستشعر أن هناك رقيب عليه، أن هناك حساب، سيقف بين يدي الله سبحانه ويحاسبه على الكلمة، وعلى التصرف، وعلى الفعل، وعلى الدرهم، وعلى الدينار، لماذا فعلت؟ وكيف فعلت؟ ومن أين أتيت؟ حين يشعر بأنه بعيد عن كل هذه القيود، وأنه طليق في تصوره، وفي أوهامه التي ينسجها له شياطين الجن والإنس، حين يشعر بالبعد والانفصال عن كل هذه الأنواع من الرقابات، قد تسول له نفسه أن يعبث في الأرض بما يشاء من أنواع الفساد، من أنواع التخريب، من أنواع الظلم، والاعتداء على حقوق الآخرين. ما الذي يردعه؟ يوم البعث، يوم الجزاء، يوم العدل، يوم الإنصاف، يوم الحساب.

تقدم آيات سورة الحج، وتبني في نفس الإنسان بشكل عام، في نفوس كل الناس، ولذا جاء الخطاب في أول آية، وفي آيات ستأتي فيها في مواضع في سورة الحج: (يا أيها الناس) الخطاب لكل الناس. وانظر إلى الآية التي تليها، الآية الخامسة، وهي تناقش الإنسان المتكبر المتجبر الذي يجادل في الله بغير علم، تناقشه إن كان يملك بقية من منطق، ومن عقل، ومن إحساس، تناقشه بمنطق العقل، تناقشه بمنطق الحجة، بمنطق الحس الذي يؤمن به، وليس بمنطق الغيب الذي يؤمن به المؤمن فحسب.

تأتي الآية الخامسة فتقول في سورة الحج: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم) تقدم سورة الحج في هذه الآية صورة مجسدة مقربة، تقرب للإنسان، كيف تجادل في وقوع يوم البعث؟ كيف تجادل في قدرة الله عز وجل على إحياء الناس بعد الموت؟ كيف تجادل؟ كيف تجادل في قدرة الخالق سبحانه على أن يعيد الناس إلى الحياة من جديد بعد أن يصبحوا ويتحولوا إلى تراب؟ كيف تجادل؟ كيف تجادل، وأصل الخلق، الذي هو أصعب وأشد بمنطق العقل، كيف تجادل؟ والله سبحانه قد خلقك في الأصل من تراب، خلق آدم من تراب. كيف تجادل، وأنت ترى الإنسان الجنين؟ كيف ينمو، خاصة بعد أن كشف العلم الحديث أطوار نمو هذا الجنين، ولم يخرج على الإطلاق، ولا بقدر شعرة، عما وصفه الآية العظيمة هذه، الآية في سورة الحج. علماء الأجنة، الأطباء، كل ما توصلت إليه الدراسات الحديثة التي قاموا بها لم تخرج عن التوصيف العميق الدقيق الذي جاء من رب العباد سبحانه. هذه هي الأطوار التي يمر بها الجنين، وصفها القرآن، قدمتها الآية. كيف تجادل إذن؟ كيف أجادل في شيء، علام الغيب الذي قدر سبحانه، واستطاع بقدرته المطلقة أن يخلق الإنسان من تراب، ويمرر به هذه الأطوار العجيبة العظيمة، النطفة، العلقة، المضغة المخلقة وغير المخلقة، ثم تستقر في الرحم، ثم تعود إلى الحياة وتنزل بعد ذلك، ثم نخرجكم طفلاً، ثم تمر بمراحل عديدة ليبلغ الإنسان إلى مرحلة القوة والشباب، ثم بعد ذلك يبدأ بمرحلة النزول، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً. من الذي خلقها؟ من الذي سواها؟ من القادر سبحانه وحده دون سواه أن يغير من نطفة إلى علقة؟ من الذي يستطيع وحده دون سواه أن يغير من العلقة إلى المضغة؟ من؟ من؟ من يملك كل هذه القدرة المطلقة حتى يستطيع أن يجادل بعد ذلك؟ ويقول ويزعم أن الله سبحانه غير قادر على أن يعيد الإنسان إلى الحياة من جديد بعد أن يصيره إلى التراب؟ هذه الصورة الأولى في الآية الخامسة.

وتقدم الآية العظيمة صورة أخرى للإنسان، صورة تهز الإنسان من أعماقه من جديد، تدق له كل حياته أجراس الإنذار، لتوقظه من سباته العميق، لتشعره بأن يوم القيامة مهما حاولت الهروب منه، مهما حاولت من الجزاء أن تهرب من الجزاء، مهما حاولت أن تهرب من تلك المحكمة التي ستأتي لا محالة، لا تستطيع الهروب. الصورة الثانية تتعلق أيضاً بصورة حسية نراها أمام أعيننا ليل نهار. وانظر إلى قول الله عز وجل، وإعجاز القرآن في الكلمة: (وترى الأرض) أمر محسوس، أمر نبصره بأعيننا، أمر نعاينه كل يوم، كل ليلة (وترى الأرض هامدة) خامدة في حالة موت، (هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء) من الذي ينزل الماء؟ الله سبحانه وتعالى، (اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. -سبحان الله العظيم- آية في غاية الإعجاز والعظمة كل ما نحتاج إليه لاستشعار عظمة هذه الآية أن أنظر في الواقع الذي أعيش، أن أتدبر في الكون الذي حولي، الذي ينطق بقدرة الله سبحانه المطلقة من الذي يحيي الأرض بعد موتها؟ أليس هو الله سبحانه؟ من الذي يعيد الحياة إلى الأرض الميتة، بعد أن قد جفت وانتهت كل أشكال الحياة فيها؟ لا نبات ولا حياة على الإطلاق؟ يُنزل الله سبحانه وتعالى الماء بقدرته على هذه الأرض الميتة فيحييها من جديد، لينبت فيها سبحانه وتعالى كل أنواع النبات (من كل زوج بهيج)، من الذي أحياها؟ من الذي بث فيها الروح من جديد؟ أليس هو الله سبحانه؟ أليس هو القادر على أن يحيي الموتى كما يحيي هذه الأرض؟ يا سبحان الله، بجد هذه الآية العظيمة لوحدها، إذا تدبرت فيها، وربطت بين ما أراه في الكون، وبين كلمات الآية، وبين حروفها، يبدأ الإنسان بالانقياد، يبدأ الإنسان يتخلى عن كبريائه، يتخلى عن عناده، يتخلى عن إصراره الكاذب، عن إصراره، وعناده، وجداله بغير علم بقدرة الله سبحانه وتعالى على الإعادة إلى الحياة بعد الموت.

ولذا تأتي الآية التي تليها بقول الله عز وجل: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) انظر إلى عظمة الآية، الحق هو الله سبحانه، الحق هو الله وحده لا شريك له، قادر على كل شيء، وليس فقط على إعادة الناس إلى الحياة بعد الموت (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) الآن وبعد أن قدمت، وتم البناء في نفس الإنسان غير المكابر، غير المعاند، بعد أن تم بناء الإيمان بالبعث، والإيمان بأن هناك يوم قادم لا محالة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسب ويجازي، وهناك محكمة عادلة تحاسب الناس على أعمالهم، وسلوكياتهم، وتصرفاتهم اعمل ما شئت في الدنيا، ولكن ضع أمام عينيك أنك ستحاسب على كل ما تقوم به. هذه الحقيقة الحاضرة الغائبة عن أذهان كثير من الناس تبنيها سورة الحج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. رقية العلواني
اقرأ المزيد...

الأحد، 17 مايو 2026

تدارس سورة السجدة (٢٣- ٣٠)

(وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ (23) وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ (24))
 
غريب القرآن
مرية = شك
من لقائه = لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء

(وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ (23))
مناسبة هذه الآية للآيات التي قبلها: قال بعض أهل العلم لما ذكر الله سبحانه وتعالى إعراض المشركين عن آيات الله سبحانه وتعالى في قوله سبحانه وتعالى (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ) ذكر تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في حال إعراض قومه عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لقي ما لقي من قومه فإنه ليس ببدع من الرسل بل هو عليه الصلاة والسلام رسول قد خلت من قبله الرسل، ووجدوا من أقوامهم ما وجدوا، ومن أشد الأنبياء ابتلاء في قومه هو موسى عليه السلام ولذلك جاء الحديث هنا عن موسى عليه السلام فقال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ) 
قال بعض أهل العلم: لماذا جاء الحديث عن موسى عليه السلام مع أنه قد سبقه أنبياء كثير وعلى رأسهم إبراهيم عليه السلام وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته؟ قال بعضهم إنما خص موسى عليه السلام بالذكر أولا لقرب منزلته وزمنه من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قد يقول قائل عيسى هو أقرب الأنبياء زمنا للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن قال بعض أهل العلم شريعة عيسى عليه السلام تابعة لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، الأمر الثاني: موسى عليه السلام قد لقي من قومه ما لقي من الأذى، فإن موسى عليه السلام قد لقي من قومه الذين بُعث إليهم - من قوم فرعون - من الأذى ما الله به عليم، ثم لقي من قومه - بني إسرائيل - الذين آمنوا به أذى كثيرا ولذلك جاء الحديث في قوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا مُوسَى فبرأه الله مما قالوا)، وأيضا كثيرا ما يقرن الله سبحانه وتعالى بين الكتاب - أي التوراة - والقرآن، كثيرا ما يقرِن الله عز وجل بينهما، لأن هذه الكتب قد أُنزلت على أقوام هؤلاء الأقوام كان فيهم من الكبر والاستكبار والاستنكاف عن اتباع الرسل.
قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ) الكتاب المراد به التوراة وقيل جنس الكتب.

/ قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ) في قوله (فلا تكن) من المخاطب؟ هل المخاطب موسى عليه السلام أو المخاطب النبي عليه الصلاة والسلام؟
 قولان لأهل العلم - وهذه الأقوال سينبني عليها الخلاف في قوله (لقائه):
 القول الأول: قالوا المخاطب هو موسى عليه السلام في قوله (فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ) إذا كيف سيكون تقدير الآية؟ قالوا ولقد اتينا موسى الكتاب قائلين له لا تكن في مرية من لقائه، ومعنى مرية المرية هي الشك والتردد في الأمر.
القول الثاني: قالوا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فلا تكن يا محمد في مرية من لقائه.

 ثم اختلف المفسرون رحمهم الله في عود الضمير في قوله (لقائه) فلا تكن في مرية يا محمد من لقاء ماذا؟ على أقوال:
 القول الأول: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء، والقائلون بهذا القول يرون أن هذه الآيات نزلت قبل حادثة الإسراء والمعراج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد التقى بموسى عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج وسلم عليه ودار بينهما حديث، وهذا مشهور معروف في حديث الإسراء.
القول الثاني: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى ربه تبارك وتعالى. وهذا جاء في سورة الأعراف في قوله سبحانه (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا.. ) الآيات
القول الثالث: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء الأذى، يعود الضمير على الأذى فلا تكن يا محمد في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى عليه السلام الأذى.
القول الرابع: فلا تكن يا محمد في شك من تلقي موسى الكتاب في قوله (ولقد اتينا موسى الكتب)

 ما هو سبب الخلاف الذي جعل المفسرين يختلفون؟ 
هذا يسمى عندنا في عود الضمير يسمى من الألفاظ المتواطئة يعني تحتمل هذا وتحتمل هذا، الضمير يحتمل هذا ويحتمل هذا وبناء على ذلك سيكون الحديث بعده، فأنت إذا مثلا اخترت قولا من الأقوال لابد أن تنظم الآية على هذا القول حتى يستقيم لك المعنى.

قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ) جعلنا ماذا؟
 اختلف العلماء في مرجع الضمير في قوله (وجعلناه) هل يعود إلى الكتاب في قوله (ولقد آتينا موسى الكتب) أو يعود إلى موسى عليه السلام؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: قالوا: الضمير يعود إلى الكتاب أي ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلنا الكتاب هدى لبني اسرائيل. القول الثاني: قالوا: أنه الضمير يعود على موسى أي فلا تكن في مرية من لقاء موسى وجعلنا موسى هدى لبني اسرائيل.
 يعني جعلنا موسى هدى أي مرشدا ودليلا لبني اسرائيل للحق، هذا معنى لو قلنا أن (وجعلناه) الضمير يعود إلى موسى (وجعلناه هدى) أي دليلا ومرشدا لبني إسرائيل للحق. أي القولين أصوب؟ الآية تحتمل الإثنين، ولكن بناء على ترتيب الأقوال تستطيع أن تختار القول الذي يناسب القول الذي اخترته في قوله (فلا تكن في مرية من لقائه).
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ) أي وجعلنا موسى أو وجعلنا الكتاب (هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) وهذا جاء في سورة غافر في قول الله سبحانه وتعالى (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب* هدى وذكرى لأولي الألباب) .
قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) يعني جعلنا موسى أو وجعلنا الكتاب هدى لبني اسرائيل لماذا خُص بنو إسرائيل؟ قال بعض أهل العلم: لأنهم هم المنتفعون من هذا الكتاب والكتاب هو الذي تنزل إليهم، أو أن المتعبدون بالكتاب الذي هو التوراة هم بنو إسرائيل الذين بُعث فيهم موسى عليه السلام.

/ (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ (24)) 
 ( لَمَّا صَبَرُوا ) الضمير يعود إلى من؟ قيل أنه يعود إلى بني اسرائيل هذا احتمال، والاحتمال الثاني: قال بعضهم هو يعود إلى أنبياء بني إسرائيل. قال (وجعلنا منهم) أي من بني إسرائيل (أئمة) قبل أنبياء وقيل أئمة أي قادة في الخير لأن النبوة أصبحت تتابع في بني إسرائيل فكثُر فيهم الأنبياء، (وجعلنا منهم أئمة) أي قادة في الخير يهدون بأمرنا، والسبب الذي جعل بعض المفسرين يقول أنهم هم الأنبياء هو قوله (يهدون بأمرنا) يعني بوحينا.
قال (وجعلنا منهم) أي من بني إسرائيل (أئمة) أي قادة في الخير يقتدى بهم (يهدون بأمرنا) يعني يدعون الناس ويرشدونهم إلى الحق (بأمرنا) أي بأمر الله تعالى لهم أو لأجل أمرنا، ثم اختُلف في الأمر هنا في قوله (بأمرنا) هل المراد به الأمر الشرعي أو المراد به الأمر الكوني القدري؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: قالوا: المراد به الأمر الكوني القدري، يصبح تقدير الآية (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) يعني بتقديرنا وبقدرنا، هذا إذا حملنا الأمر على الأمر الكوني القدري.
 القول الثاني: قالوا المراد به الأمر الشرعي يعني (يهدون بأمرنا) أي يهدون الناس إلى دين الله عز وجل.
 قال بعض أهل العلم والأمر يحتمل الأمرين.

/ قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) وهذا فيه دليل على أن الأئمة الذين يُتبَعون هم يُتبَعون على الهداية وليس على آرائهم، فسبب اتباع الناس لهم هو بسبب اهتدائهم وليس بسبب آرائهم، وهذا يقود الإنسان إلى أنه لا يقلد أحدا إلا لأجل أنه متمسك بالحق ، ويقول الحق ويهدي إلى الحق ، أما أن يتبع الإنسان من يقلد من شاء لأجل آرائه فهذا غير سديد فلا يعلق الإنسان دينه بآراء الرجال بل يتبع المتبعين للحق والذين يقولون الحق بدليله.

/ قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)
 قال بعض أهل العلم: (لما صبروا) أي: حين صبروا على طاعتنا، وفي قراءة ولكنها قراءة شاذة (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لِما صبروا) يعني لأجل صبرهم، قال (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) صبروا على ماذا؟ يحتمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله عز وجل ، والصبر عن معصية الله عز وجل، والصبر على أقدار الله المؤلمة والتي يدخل فيها ما يجدونه من أذية أقوامهم وتعنتهم، وما يجدونه على طريق الدعوة إلى آخره، والأذى في سبيل الله، كلها داخلة في قوله (لما صبروا).
 قال بعض أهل العلم: أنهم لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء، هذا الجزاء من جنس العمل بقدر ما يقدم الإنسان لدينه بقدر ما يكون إماما في دينه يقتدي به الناس، الذي يصبر على أذى الناس ويصبر على تبليغ العلم لهم، ودعوتهم يكون إماما في الدين بقدر صبره.

/ قال سبحان تعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا) 
 إلى من يعود الضمير في قوله (وكانوا)؟ الضمير يعود إلى الأئمة في قوله (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا) أي وكان أولئك الأئمة بآياتنا يوقنون أي لا يشكون في هذه الآيات، ولا فيما دلت عليه من الحق، بخلاف الفاسقين الذين مرّ الحديث عنهم في الآيات السابقة، والذين أعرضوا عن هذه الآيات استكبارا وتعنتا في قوله (ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه ثم أعرض عنها، فهذا الفريق قادة الخير وأئمة الهدى لا يشكّون في هذه الآيات ولا فيما دلت عليه من الحق.
في قوله (وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) ما المراد بالآيات؟ هل يُراد بها الآيات الشرعية أو يراد بها الآيات الكونية؟ 
ج: كلاهما يراد بها الآيات الشرعية والآيات الكونية.
 في الآية تقديم وتأخير في قوله (وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) كيف سيكون ترتيب النظم في هذه الجملة؟ التقدير: وكانوا يوقنون بآياتنا، فلماذا قدم الآيات على قوله (يوقنون)؟ للاهتمام بهذه الآيات في قوله (وكانوا بآياتنا يوفتون).

/ قال سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) قال بعض أهل العلم - وهذا من باب الفائدة - بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين، أي لا يكون الإنسان إماما في دين الله عز وجل بحيث يقتدي به الناس ويهتدون به في سيرهم إلى الله عز وجل إلا أن يكون قد حمل الركنين وهما اليقين والصبر، ولذلك قال بعض أهل العلم نصف الإيمان يقين ونصفه صبر، ولذلك الإنسان محتاج إلى الصبر وإلى اليقين، لماذا؟ لأنه إذا لم يصير فإنه نتيجة لذلك لن يوقن، أليس كذلك؟ كيف يستطيع أن يوقن بهذه الآيات وهو ما عنده صبر، قد يتزعزع، لذلك قال بعض أهل العلم: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"، وقال بعضهم: "الطريق إلى الله سبحانه وتعالى إنما يعمره أهل اليقين والصبر لأن الإنسان قد يسبب الضغط الذي يحصل عليه من الأذى قد لا يصبر ويجزع، وتأتيه الشكوك يمنة ويسرة، ولذلك قال بعض أهل العلم: "الشهوات تُدفع بالصبر والشبهات والشكوك باليقين".

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (25))
قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ)
  لمن الخطاب في قوله (إن ربك هو)؟ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا جيء بلفظ الربوبية في قوله (إن ربك)؟ وهذه فائدة أنكم تتبعون لفظ الربوبية في هذه السورة وسياقاتها فإن في سياقاتها معنى عظيم، الربوبية التربية الخاصة لأن الربوبية نوعان: ربوبية عامة، والربوبية الخاصة، ولكن فيه فائدة وهي: أن الله سبحانه وتعالى يتولى شأن من يدعو الناس إلى الخير ومن يهديهم إلى الله عز وجل فيرعاه ويحفظه ويحوطه وبيسر له الخير ويحميه ويحفظه فلذلك قيل في الآية (إن ربك) حتى يكون الإنسان مطمئن في سيره إلى الله عز وجل لأنه قد يُلقى عليه من الشبهات أنه كيف وأنت على سبيل الحق تؤذى بهذه الطريقة!! فالله سبحانه وتعالى ينزل على أهل الصلاح وأهل الخير من الصبر أضعاف ما نزل عليهم من البلاء فينظر إليهم الناظر فيظن للوهلة الأولى أنهم في ابتلاءات عظيمة وفي شقاء وهم أكثر الناس طمأنينة وراحة واهتداء، وهذه المصائب يدفعونها بالصبر فهم في نعيم مقيم، فالبلاء هذا لا تظن أنه شر ووبال على الإنسان وإن كان ظاهره فيه العذاب لكن باطنه فيه الرحمة، فتجدهم أشد الناس ثباتا ورسوخا وطمأنينة وهدوءا وسكينة، فالله سبحانه وتعالى يتولى عباده الصالحين قال الله عز وجل (إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) فيحفظهم ويحوطهم بعنايته ويدفع عنهم من الشرور أضعاف ما كانوا يتوقعونه.

/ قال سبحانه وتعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ) (يفصل بينهم) يعني يحكم بينهم، بين من؟ الضمير يعود إلى من في قوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ)؟ يفصل بين بني إسرائيل لأن الحديث عنهم، أو الأنبياء وأقوامهم، أو الدعاة إلى الحق وما لاقوه من الأذى؟ والأولى أن تحمل الآية على العموم أي (إن ربك هو يفصل بينهم) يعني بين جميع الخلق ومنهم بنو إسرائيل، (يفصل بينهم) يعني يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). 
س: لماذا جيء بضمير الفصل في قوله (إن ربك هو يفصل بينهم)؟ لو قال إن ربك يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون؟
 أن الله عز وجل وحده هو الذي يفصل بينهم وهذا فيه طمأنينة للدعاة الذين ابتلوا، ولأهل الحق أن الله عز وجل هو الذي يتولى هذا الأمر بنفسه جل وعلا فلا يظلم أحد هذا فيه تسلية للمظلوم ، وفيه تهديد ووعيد للظالم، ولذلك إذا علمت هذه الأمور ثبت اليقين في قلبك، وأن الله سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم عنده أحد
 وعند الله إلى الديان يوم الحشر نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم 
فينتبه الإنسان في هذا الأمر. 
/ قال الله عز وجل (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ) أي فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا من شأن الدين فيجازي الله سبحانه وتعال ىكل محق ويجازي المبطل كل بماء يستحقه.
وفي قوله (فيما كانوا فيه يختلفون) فائدة وهي: التحذير من الاختلاف في الدين، وهذا من أصل المفاسد، اختلاف الناس في أديانهم، بمعنى أنهم يتفرقون أشياعا وأحزابا في دين الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا قال (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شيعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يفعلون) وذكر الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآيات في سورة الأنعام قال (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بِكُمْ عَن سبيله) الاختلاف في أصل الدين والمنازعة والتفرق هذا مذموم، هذا أصل المفاسد وأنه ينبغي للإنسان أن يؤوب إلى الجماعة، وأن يؤوب إلى الكتاب والسنة، وأن يرجع إليهما، وأن يرد الأمر إليهما عند الاختلاف والتنازع.

وهنا سؤال هل يدخل فيه الاختلاف في الفروع؟ ونحن دائما نقول اختلف المفسرون، الجواب: لا هذا الاختلافات في الفروع ليس داخلا في هذا نحن نتكلم عن الاختلاف في أسلوب الدين والتفرق والتشردم وفي العقائد ونحو ذلك، هذا هو الاختلاف المذموم، ينبغي للإنسان أن يتمسك بالحق، وأن يؤوب إلى الجماعة وأن يستمسك بالعروة الوثقى لذوي الكتاب والسنة قال الله عز وجل (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) .

(أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ (26) أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (28) قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (29) فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30))

غريب القرآن:

أولم يهدِ لهم = أولم يتبين لهؤلاء المكذبين
الجُرز = اليابسة الغليظة  
الفتح = يوم العذاب الذي تعدوننا
يُنظرون = يُمهلون

/ (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ (26)) 
يقول الله سبحانه وتعالى في مفتتح هذه الآيات الكريمات (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ) أي أولم يتبين لهم
 الضمير يعود إلى من؟ إلى المشركين الذين حكى الله عز وجل عنهم الحديث في الآيات السابقة.
قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ) أي أولم يتبين للمشركين الذين مرّ الحديث عليهم قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا) أي كثيرا من قبلهم من القرون، أي من الأمم السالفة والماضية ككفار قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط ، وما إلى ذلك.
ما نوع الاستفهام في قوله (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ)؟ الاستفهام الكاري.
قال (أولم يهد لهم) يعني أولم يتبين لأولئك كم أهلكنا كثيرا من الأمم الماضية قبلهم (يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ) أي يمشون في منازلهم فلا يرون فيها أحدا من أولئك، قد أُهلكوا جميعا بسبب ظلمهم وكفرهم.
 إلى من يعود الضمير في قوله (يمشون)؟ هل يعود إلى المُهلَكين أو يعود إلى الذين يمشون في مساكنهم؟
ج: احتمالان لأهل العلم تحتملهما الآية، يعني أولم يهد لهم  لأولئك المشركين (كم أهلكنا من القرون من قبلهم من القرون يمشون) أي يكون أولئك الذين أُهلكوا هم حال كونهم ماشين في مساكنهم، أو يكون الخطاب لكفار قريش المشركين احتمالان تحتملهما الآية.

قال (أولم يهد هم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) يمشون في منازلهم فلا يرون فيها أحدا منهم بالنسبة لأولئك الذين كانوا يمرون على تلك الديار والله عز وجل حكى ذلك عن كفار قريش قال (وإنكُمْ لَتمُرُونَ عَلَيْهِم مصبحين وبالليل أفلا تَعْقِلُونَ) وقال (وإنهما لبإمام مبين) فلا يتعظون حينما یرون تلك الأمم التي أُهلكت بسبب تعنتهم على أنبيائهم وإنكارهم ما جاءت به الرسل.

قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ) اسم الإشارة يعود إلى ماذا؟
إلى إهلاك أولئك القوم، قال (إن في ذلك) أي في ذهاب أولئك القوم وخلو مساكنهم بسبب كفرهم بآيات الله سبحانه وتعالى وتكذيبهم لرسل الله عز وجل قال (إن في ذلك لأيات) يعني لدلالات وعِبر وعظات لمشركي قريش وغيرهم.
قال (إن في ذلك لآيات) لماذا جمع الآيات في قوله (إن في ذلك لآيات) ولم يقل إن في لآية؟ قال بعض أهل العلم: لأنه لما ذكر القرون والمساكن بالجمع ناسب أن يأتي يجمع الآيات.
قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ) أي أفلا يسمعون آيات الله سبحانه وتعالى وإخبار الله عز وجل عن الأمم الماضية ويسمعون ما حلّ بهم - أي بالأمم الماضية - سماع تدبر واتعاظ فيتوبوا إلى الله عز وجل ويتركوا الشرك ويصدقوا الأنبياء فإنهم إذا اتعظوا زال عنهم ما قد يحلّ بهم كما حل بالأمم السالفة من الهلاك.
س: لماذا جيء بقوله (أفلا يسمعون) عن الأخبار عن الأمم الماضية؟
قال أهل العلم: إنما جيء بلفظ السماع في قوله (أفلا يسمعون) لأن القرون الهالكة والماضية هم في الحقيقة لم ينظروا إلى عقوباتهم، ولم يشاهدوها، لكنهم وإن كانوا مروا عليها بعضهم أو تلقّاها بعضهم سماع وصارت أخبارهم تُنقل وتصل إليهم أفلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ، ولذلك الله سبحانه وتعالى لما ذكر عن قوم سبأ قال (ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) فقد استقر عند أولئك من الأخبار وتواترت عندهم الأخبار بأن الله عز وجل قد عاقب تلك الأمم، وأصبحت أخبارهم تصل إليهم فهم حينئذ لا يسمعون سماع تدير وانتفاع وإن كانوا يسمعون في الحقيقة، قال (أولم يهد هم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لآيت أَفَلا يَسْمَعُونَ)

 (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ (27))
(أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ) إلى من يعود الضمير في قوله (أولم يروا)؟ إلى المشركين المكذبين بالبعث.
قال (أولم يروا) أي: أولم ير المشركون المكذبون للبعث (أنا نسوق الماء) أي بقدرتنا ، وسوق الماء هذا قد يكون بسوق السحاب الذي يحمل الماء، وقد يكون أيضا بسوق الماء نفسه أثناء السيل، وقد يكون أيضا بسوق الماء بإجرائه من الأنهار والعيون وكل ذلك محتمل.

قال (أولم يروا أنا نسوق الماء) أي بقدرتنا (إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ) أي الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، وهذه الأرض اليابسة التي لا نبات فيها يحتمل فيها عدم النبات احتمالات:
 الاحتمال الأول: أن لا تنبت هذه الأرض بسبب عدم وجود الماء
 الأمر الثاني: أو أنها قد أنبتت لكن رُعيت هذه الأرض وأزيل نباتها فحينئذ سميت هذه الأرض بالأرض الجُرز
 لا كما قد يفهم البعض أن الأرض التي لا تنبت أصلا، ليس هذا هو المقصود، هذه الأرض تنبت لكنها لم تنبت إما لعدم وجود الماء أو أنها قد أنبتت لكن أزيل هذا النبات بسبب رعي الأنعام فيها، لأنها لو كان الأمر كذلك، لو كانت الأرض هذه غير صالحة للزرع لما قال بعد ذلك (فنُخرج به رزعا) فدل على أن هذه الأرض صالحة للزرع لكنها كانت يابسة إما لعدم وجود الماء، أو أنها رُعيت، كان فيها نبات ثم رعي هذا النبات وأزيل.
قال (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجُرز) أصل جُرز هذا يدل على ماذا؟ يدل على القطع، سميت الأرض بذلك لأنه قد قطع عنها النبات. قال: (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا) في قوله (فنخرج به) الضمير يعود إلى من؟ يعود إلى الماء، لماذا جيء بقوله (فنُخرج به) ولم يقل -مثلا- فيخرج منه زرعا؟ 
قال أهل العلم: هذا من باب الامتنان عليهم بهذه النعمة العظيمة فإنهم ليس لهم فيها أدنى عمل قال الله عز وجل في سورة الواقعة (أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) هذا من نعم الله سبحانه وتعالى ومنته على خلقه أن يهيئ لهم أسباب الزرع، وأن ينبت لهم الأرض، وهذا أيضا فيه دليل على ماذا بطريق الأولى؟ فيه دليل على البعث.
قال  (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ ) أي فنخرج بذلك الماء (زَرۡعٗا) زرعا (تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ) أنعامهم أي مواشيهم، (وأنفسهم) أي تتغذى به أبدانهم، ولماذا قدم الأنعام على النفس؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقال بعضهم بل رعي المواشي وهذه الأنعام هو من أكلهم الذي سيأكلونه فيؤول إليهم. 
قال (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الخرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعمهم وأنفسهم) استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على أن الأصل فيما نبت من الأرض أنه حلال لنا لأن الله عز وجل ساقه مساق الامتنان قال (فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم) وهذه قاعدة أن الأصل فيما أنبتت الأرض أنه مبني على الحِل.
قال  (فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ) الاستفهام استفهام تقريري، معنى الآية: أفلا يرون كيف أحيا الله الأرض بعد موتها فيعلم قدرة الله عز وجل على إحياء الناس بعد موتهم، ولماذا جيء بقوله (أفلا يبصرون) والآية السابقة (أفلا يسمعون)؟ لأن إنبات الأرض شيء مشاهد ومرئي بالنسبة لهم فهم يرونه ويشاهدونه، وكذلك إنزال الماء فهم يرون الأمطار، ويرون جريان الأودية ويرون الأنهار والعيون وما إلى ذلك.

(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (28)) 
على من يعود الضمير في قوله (ويَقُولُونَ)؟ إلى أولئك المشركين المنكرين للبعث.
قال الله سبحانه وتعالى (ويقولون متى هذا الفتح) أي متى هذا القضاء والحكم؟ متى يأتي الحكم الذي يفصل بيننا وبينكم أيها المسلمون فيعذبنا وينصركم علينا؟ (إن كنتم صادقين) يعني إن كنتم صادقين في أننا معاقبون على شركنا وتكذيبنا، وهذا الأسلوب منهم أسلوب استهزاء وتكذيب لأنهم يقولون إن كنتم صادقين متى سيكون هذا اليوم والحكم الذي سيكون بيننا وبينكم فتنتصرون علينا ويعذبنا ربنا؟ فهذا كلامهم سيق مساق الاستفهام، ولو لاحظتم أنه جاء في بداية الآية بقوله (ويقولون) بالفعل المضارع لسبيين:
 السبب الأول: أن هذا الأمر أي التكذيب والاستهزاء حاصل منهم على طريقة الاستمرار أنه مستمر تكذيبهم
السبب الثاني: بالفعل المضارع لإثارة التعجب منهم كيف يقولون هذا الكلام؟ وكيف يستعجلون عذاب الله عز وجل؟
قال الله عز وجل (ويقولون من هذا الفتح إن كنتم صادقين) يعنى متى يكون يوم الفصل بيننا وبينكم أيها المسلمون إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم ستُنصرون علينا وأنه سيحل بنا العذاب على زعمكم -كما يقولون-؟ هذا أسلوب استهزاء.
  والصحيح أن المراد بالفتح هنا والمقصود به الحكم والفصل متى سيكون؟ بعض المفسرين ذهب إلى أن المراد بالفتح هنا فتح مكة، ولكن هذا القول قول ضعيف ومردود والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قبِل يوم الفتح - فتح مكة - إسلام الطلقاء، ولو كان المراد بالفتح فتح مكة لما قبِل إسلامهم لأن الآية تقول (قل يوم الفتح لا ينفع الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانهم) فدل ذلك على أنه ليس المراد بالفتح هو فتح مكة، المراد به الفصل.

/ (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (29)) 
 الخطاب في قوله (قل) للنبي صلى الله عليه وسلم أي: قل يا محمد يوم الفتح - يوم الفتح أي يوم الحكم ومجيء العذاب - الذي تسألون عنه (لا ينفع الذين كفروا إيمانهم)، هنا في فائدة: لماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (قُل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا) كان تقدير نظم الآية أن يقال قل يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم ، فلماذا جاء بالاسم الظاهر مقام المُضمر؟ قال بعض أهل العلم: لبيان أن كفرهم هو سبب خيبتهم وهلاكهم.(قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ)

قال سبحانه وتعالى (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ) هم سألوا عن ماذا في قوله (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صدقين)؟ سألوا عن الوقت كان التقدير أن يكون الجواب عن الوقت فيقال وقت الفتح يوم كذا وكذا لكنه عدل عن الجواب إلى جواب آخر وهذا يسمى عند البلاغيين بأسلوب الحكيم، يعني أن تعدل عن جواب السؤال الذي سؤل إليك إلى جواب آخر، فهم سألوا عن الوقت قالوا (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) كان تقدير الجواب أن يقال يوم الفتح هو يوم كذا وكذا، ولكن قال (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم) فجاء بجواب آخر وعدل عن تعيين يوم الفتح، كأنه قيل لهم ليس المهم أن تسألوا عن الوقت ولكن المهم سيقع الفتح بينكم وبين المسلمين وحينئذ لا ينفعكم إيمانكم فسلك بهم مسلك التهديد مطابق لتكذيبهم واستهزائهم، هل سؤالهم كان سؤال استعلام أو كان سؤالهم من باب التكذيب والاستهزاء والاستبعاد؟ لما كان سؤالهم من باب التكذيب والاستهزاء والاستبعاد، ناسب أن يأتيهم بتهديد مقابل استهزائهم، لو كان سؤالهم حقيقة سؤال استعلام حقا كان الجواب مطابقا لسؤالهم، لما كان سؤالهم تكذيب واستهزاء ناسب أن يأتي بتهديدهم، وبيان العاقبة لهم. وهذا مثل ما سأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ قال له: ماذا أعددت لها؟ لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة. 

قال الله عز وجل (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ) أي ولا يمهلون ويؤخر عنهم العذاب ليتوبوا، وهذا يوم الفتح متى؟ يوم القيامة، وقال بعضهم: يوم الفتح يوم نزول عذاب الله وسخطه عليهم وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) أي لا يأخرون ولا يمهلون إلى أجل آخر.
/ (فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30)) 
 (فأعرض عنهم) الخطاب لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: فأعرض عنهم يا محمد، (عنهم) أي: عن أولئك المشركين الذين يستعجلونك بالعذاب فإن استعجالهم بالعذاب كان من باب الاستهزاء والتهكم.
قال (فأعرض عنهم) أي فأعرض عن المشركين يا محمد وانتظر، انتظر ماذا؟ 
قيل: انتظر حتى ينزل بهم العذاب وينصرك الله عليهم، (إنهم منتظرون) منتظرون ماذا؟
*قال بعض أهل العلم: (إنهم منتظرون) أي أنهم منتظرون ما تعِدهم به من العذاب ومجيء الساعة
*أو يحتمل منتظرون بك يا محمد حوادث الأزمان ليستريحوا منك قال الله عز وجل في سورة الطور (أم يقولون شاعرٌ نتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُون (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فإني معكم من المتربصين (31))
*وقيل: هم منتظرون الفرصة لحربكم ولإخراجكم
 ثلاث احتمالات قالها المفسرون في تقدير المعمول في قوله (منتظرون)، وأي الاحتمالات أقرب؟ جميع الاحتمالات فالقاعدة التي تعتمد عليها حذف المتعلق يفيد العموم فيدخل فيه الاحتمالات الثلاث.

الهدايات العلمية والعملية:
/ على الداعية أن يتمتع بعدة أوصاف منها: الصبر على مشاقّ العبادات وأنواع البليات، وحبس النفس عن ملاذ الشهوات.
/ في إهلاك الله تعالى للقرون السابقة أكبر واعظ لمن له قلب وبصيرة.
/ لا تُقبل التوبة عند الغرغرة وعند طلوع الشمس من مغربها.

العمل اليومي: 
/ كن داعيا إلى الخير
/ استعرض من قصص القرآن ثلاثا من صور العذاب الدنيوي التي عوقب بها العصاة.

اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 12 مايو 2026

| الدرس السادس والستون | تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠٩)

(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير)
ن/ «ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب وأنهم بلغت بهم الحال أنهم ودوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا وسعوا في ذلك وعملوا المكائد وكيدهم راجع عليهم كما قال تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم فأمرهم الله تعالى بمقابلة من أساء إليهم بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره،  ثم بعد ذلك أتى الله تعالى بأمره إياهم بالجهاد فشفى الله أنفس المؤمنين منهم فقتلوا من قتلوا واسترقّوا من استرقوا وأجلَوا من أجلوا إن الله على كل شيء قدير، ثم أمرهم الله بالاشتغال بالوقت الحاضر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير فإنه لا يضيع عند الله بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه (إن الله بما تعملون بصير)»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،  اللهم يا ربنا فقّهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت حسبنا ونعم الوكيل أما بعد: فلا يزال السياق في هذه الآيات الكريمات من سورة البقره في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وبيان ما تنطوي عليه قلوبهم من الشر العظيم والحقد الكبير والحسد لأمة الإسلام أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى بما قام في قلوب اليهود من ودّ ومحبة وتمنّ أن يكفر أهل الإسلام بدين الله الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) أي في الكفر، في هذه الآية يقول جل وعلا (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) فهذا شيء قائم في قلوب هؤلاء مستقر في نفوسهم مودة ومحبة وتمني لهذا الأمر أن يكفر أو أن تكفر أمة الإسلام بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام محمد وبما بُعث به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قال جل وعلا (ودّ كثير من أهل الكتاب) (ودّ) أي أحب وتمنّى كثير من أهل الكتاب وهذا فيه أن هذا التمني لكفر المسلمين ليس في آحاد وأفراد من هؤلاء بل هو في كثير منهم، كثير منهم قام في قلوبهم هذا الودّ وهذا التمنّي لكفر المسلمين بدين الله جل وعلا.
 (ودّ كثير من أهل الكتاب) أي الذين قام في قلبهم هذا الود ليسوا جهالا الدين بل علماء من أهل الكتاب عندهم علم وهذا أخذ منه أهل العلم فائدة: أن المرء قد يكون على حظ من العلم ونصيب من العلم ويكون في الوقت نفسه مفسدا في الأرض، عنده علم لكنه بما قام في قلبه من حقد أو حسد أو غير ذلك يُفسد في الأرض ولهذا قال (ودّ كثير من أهل الكتاب) يعني يُنسبون إلى العلم والدّين، أهل الكتاب يُنسبون إلى العلم والدّين ومع ذلك يجري منهم ذلك، ما هو؟ السعي والتمني لكفر المسلمين.
• قال (ودّ كثير من أهل الكتاب) والمقصود هنا اليهود والسياق كله في بيان مخازيهم في الآيات الكريمات في هذا السياق كلها في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وشنائع أفعالهم.
• قال (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) الفعل "يردون" ينصب مفعولين الأول: الكاف في قوله (يردونكم)، والثاني: كفارا
(يردونكم من بعد إيمانكم كفارا) أي يتمنى هؤلاء لكم يا معاشر المسلمين الكفر بعد الإسلام، والضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور، يتمنون ذلك لكم، وهذا التمني لم يقف عند حد الأمنية فقط والمودة بل يتبعه منهم سعي وعمل حثيث على إفساد المسلمين وإخراجهم من دينهم، والذي ينبغي أن يُعلم هنا أن هذا الوصف لليهود ليس وصفا لليهود الذين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فقط، بل لا يزال وصفا لهم إلى يومنا هذا، لا يزال هذا الذي ذُكر وصفا لهم إلى يومنا هذا، هذه المودة موجودة وهذا التمني موجود وهذا السعي في إفساد المسلمين بالطرائق والوسائل المختلفه أيضا موجود في زماننا هذا وخاصة مع تيسر وسيلة التواصل وانتشار المعلومة فإن اليهود لهم سعي حثيث وعمل دؤوب في إفساد المسلمين بطرائق شتى وحيل وأساليب متنوعة، 
وقانا وأبناءنا والمسلمين من شرهم وكيدهم ومكرهم بمنّه وكرمه سبحانه وتعالى.
• قال (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) (حسدا) هذا مفعول لأجله، يعني هذا الود الذي قام في قلوبهم وما يتبعه من سعي لإخراج المسلمين من دينهم سببه الحسد الذي قام في نفوسهم، حسد المسلمين (حسدا من عند أنفسهم) الحسد كله من أين؟ من النفس، الحسد كله من النفس فقوله (من عند أنفسهم) هذا فيه التأكيد على الخبث العظيم الذي تنطوي عليه أنفسهم وتُكنّه قلوبهم لأمة الإسلام (حسدا من عند أنفسهم) يحسدون أمة الإسلام حسدا عظيما على الخير الذي هم فيه والإيمان الذي هداهم الله سبحانه وتعالى إليه، (حسدا من عند أنفسهم) أي من قِبل أنفسهم، هذا يستفاد منه فائدة نبّه عليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، له رحمه الله تفسير لآيات كثيرة من القرآن طريقته فيها يُنبه على الفوائد المستنبطة من الآيات منها هذه الآية والتي بعدها ذكر فوائد عظيمة جدا مستنبطة منها، ذكر سبع عشرة فائدة استنبطها من هاتين الآيتين. من هذه الفوائد قال رحمه الله: «أن الحسد قد يكون سببا للكفر» يعني يقوم في قلب الإنسان حسد فيوصله إلى الكفر.
الآن هؤلاء ما الذي أوصلهم إلى هذا الكفر بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ ما هو إلا الحسد (حسدا من عند أنفسهم).
• قال (من بعد ما تبين لهم الحق) وهذا أيضا يفيد أن الكفر الذي هم فيه كفر عناد، الحق تبيّن واضح بدلائله وبراهينه ويجدون صدق هذا الرسول عليه الصلاة والسلام مكتوبا عندهم في التوراة يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فكان كفرهم به كفر عناد، فكان كفرهم به صلى الله عليه وسلم وبما جاء به عليه الصلاة والسلام كفر عناد وإلا فإنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، يجدون نعته وأمره ونبوته كل ذلك مكتوبا عندهم في التوراة ويعلمون ذلك لكن منعهم من قبول ما جاء به الحسد الذي قام في نفوسهم.
• قال جل وعلا (فاعفوا واصفحوا) هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام لأن الحسد تبِعه أذى واعتداء على المسلمين وعمل في صدهم عن دين الله عز وجل فخوطبوا أول الأمر بهذا الخطاب (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) المقصود (بأمره) أي أمره لهم سبحانه وتعالى بقتال هؤلاء ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الفوائد المستنبطة من هذه الآيات قال: "منها الإشعار بالنسخ قبل وقوعه" هنا قال (حتى يأتي الله بأمره) هذا فيه إشعار أن هذا الحكم لن يستمر سيُنسخ، سيأتي ما ينسخه ففيه إشعار بالنسخ (حتى يأتي الله بأمره) يعني حتى يأتي وحي آخر بنسخ هذا الحكم، فهذه الفترة عاملوهم بالعفو والصفح، عاملوهم في هذه الفترة بالعفو والصفح (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ثم أتى أمر الله، جاء ما ينسخ هذا الحكم في سورة التوبة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فنزلت هذه الآية ناسخة لقوله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)، بعد نزولها بدأ عليه الصلاة والسلام بقتالهم - قتال اليهود - الذين كانوا في المدينة وهم ثلاث طوائف بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فقُتل منهم من قتل، وأُجلي منهم من أجلي، قال ابن عباس رضي الله عنه في معنى قول الله جل وعلا (حتى يأتي الله بأمره) قال: "بعذابه، القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير"
جاء في الحديث وله أصل في صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعفون عن المشركين وأهل الكتاب يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله (فاعفوا واصفحوا) كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول من العفو ما أمره الله به حتى أُذن له فيهم بالقتل فقتل الله به من قتل من صناديد قريش) رواه ابن ابي حاتم وقال الحافظ ابن كثير إسناده صحيح.
• (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) (إن الله على كل شيء قدير) أي لا يعجزه سبحانه وتعالى شيء في الأرض ولا في السماء.
• ثم قال جل وعلا (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) وهذا فيه حث - كما قال الشيخ- على العناية بفرض الوقت والاهتمام به الاهتمام البالغ ولا سيما هذان الركنان العظيم من أركان الدين الصلاة والزكاة، (أقيموا الصلاة) أي ائتوا بها تامة بشروطها وأركانها وضوابطها في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، (وآتوا الزكاة) أي أدوها، أدوا الزكاة المفروضة التي كتب الله عليكم بنفوس سمحة سخية تزكو بها نفوسكم وتطيب، وأيضا تزكو بها أموالكم وتتنامى،  وأيضا يزكو فيها الخير ويتزايد بين المسلمين، والأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في هذا الموطن، في هذا السياق فيه أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من موجبات النصر والتمكين قال (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا  الزكاة) فالأمر بها في هذا الموطن فيه أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والعناية بهاتين الفريضتين العظيمتين من فرائض الإسلام من موجبات التمكين والنصر على الأعداء.
• قال (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) أي مع إقامتكم للصلاة وإيتائكم للزكاة اعتنوا بأبواب الخير الكثيرة وأعمال البر المتنوعة وكل ما تقدمونه من خير وبر وعمل وإحسان (تجدوه عند الله) أي أجرا وثوابا.
• (إن الله بما تعملون بصير) والختم بقوله (إن الله بما تعملون بصير) فيه أن أعمالكم محفوظة لا تضيع قلّت أو كثُرت، دقت أو جلّت، كلها محفوظة والله بصير بها مطلع عليها يحفظها لكم ويوفيكم أجرها تاما يوم تلقونه سبحانه.
• قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب وأنهم بلغت بهم الحال أنهم ودوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ولم يكتفوا بهذا» قال «وسعوا في ذلك وعملوا المكايد وكيدهم راجع عليهم كما قال الله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)» هذه حيلة من حيلهم هذه حيله من حيل اليهود يأمرون أفرادا منهم أن يدخلوا في الإسلام وأن يُبدوا إعجابهم بالإسلام وأنهم دخلوا في هذا الدين ثم آخر النهار يقولون لمن حولهم ما وجدنا في هذا الدين أي خير ولا وجدنا فيه إلا الشر، ولا وجدنا إلا كذا ثم يعلنون كفرهم، قصدهم بهذه الحيلة والطريقة أن يزعزعوا إيمان ضعاف النفوس وأن يخرجوهم من دينهم وأن يرجعوهم كفارا، هذا إخبار من الله بسعي اليهود وعملهم واحتيالهم لإخراج المسلمين من الدين إلى درجة ماذا؟ أنهم يأمرون أفرادا منهم أن يدخلوا في الإسلام، يعلنون الدخول في الإسلام بين المسلمين ويمدحون الإسلام ويثنون عليه ثم في آخر النهار يكفرون، لماذا؟ قال: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) يعني لعل هؤلاء المسلمين يرجعون عن الدين، قال: "وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم فأمر الله بمقابلة من أساء إليهم بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره - أمره: أي الإذن- وجاء هذا الإذن في القتال في الآية الكريمة في سورة التوبة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ثم بعد ذلك أتى أمر الله بأمرهم إياهم بالجهاد فشفى الله أنفس المؤمنين منهم فقتلوا من قتلوا، واسترقّوا من استرقوا، وأجلَوا من أجلوا" وتقدم أثر ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك. (إن الله على كل شيء قدير)
 قال الشيخ رحمه الله: "ثم أمرهم الله جل وعلا بالاشتغال بالوقت الحاضر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، إقام الصلاة في قوله (أقيموا الصلاة) وآتوا الزكاة في قوله (وآتوا الزكاة) وفعل الخيرات من أين؟ (وما تقدموا لأنفسكم من خير) هذا فيه دعوة للتنافس في الخيرات بأنواعها وأبوابها الكثيرة، وفعل كل القروبات ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير فإنه لا يضيع عند الله بل يجدونه عنده وافرا موفورا قد حفظه (إن الله بما تعملون بصير) نعم.

ن/ قال رحمه الله: «قوله (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين* بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى دعوى لابد أن يقيم البرهان على صحة دعواه وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوي أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان عُلم كذبهم بتلك الدعوى، ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد فقال (بلى) أي ليس بأمانيكم ودعاويكم ولكن (من أسلم وجهه لله) أي أخلص لله أعماله، متوجها إليه بقلبه، وهو مع إخلاصه محسن في عبادة ربه، بأن عبده بشرعه، فأولئك هم أهل الجنة وحدهم، (فلهم أجرهم عند ربهم) وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فحصل لهم المرغوب، ونجوا من المرهوب، ويُفهم منها أن من ليس كذلك فهو من أهل النار الهالكين فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم»

ت/ ثم قال الله سبحانه وتعالى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) هذا فيه الغرور الذي فيه اليهود والاغترار مع الكفر الكبير الذي هم فيه والعناد والصد عن دين الله سبحانه وتعالى، والتكذيب بالرسول عليه الصلاة والسلام، ومرّ معنا الكثير والكثير من قبائحهم وشنائعهم وفضائع أعمالهم مع ذلك كله فيهم غرور وصل بهم إلى أن جزموا لأنفسهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، مع كل هذا الذي هم فيه عندهم غرور بأنفسهم عجيب، ومرّ معنا أنهم يقولون أن الجنة خالصة لهم لا يشاركهم فيها أحد من الناس، مرّ معنا قول الله تعالى (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) الدار الآخرة يعني: الجنة - تقدم معنا- الدار الآخرة أي الجنة (خالصة) أي لكم وحدكم هذا مثل قولهم هنا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا يعني خالصة لهم هناك، قال لهم (فتمنوا الموت) وهنا قال لهم (هاتوا برهانكم) فيذكر الدعوة التي يدعونها ثم يذكر الجواب مثل ما تقدم (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) وسيأتي أيضا قول الله سبحانه وتعالى (وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق) فهذه كلها دعاوى لا برهان عليها من واقعهم، واقعهم يدل على أن أفعالهم أفعال لا تُوصل إلا إلى النار، لا تُوصل إلى رحمة الله، ولا تُوصل إلى فضل الله وإنعامه وإنما توصل صاحبها إلى النار وبئس القرار.
(وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ما المعنى؟ يعني اليهود تقول لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، والنصارى تقول لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، لهذا سيأتي في الآية القادمة (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) فإذا كل واحدة منهم تدعي أن الجنة لها،  اليهود تقول الجنة لنا فقط، والنصارى يقولون الجنة لنا فقط، خالصة من دون الناس، هذا معنى الآية، فيقول الله عز وجل (تلك أمانيهم) هذه مجرد أماني لا تُقدم ولا تؤخر ولا تجدي شيئا، يقول الله عز وجل في آية أخرى (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجزى به) ليس الإيمان بالتمني، ليس الدين مجرد أماني، وليست الجنة بمجرد أماني، لا يكفي يقول الإنسان أتمنى أن أكون من أهل الجنة لابد من برهان عملي يترتب عليه الفوز العظيم والنجاة من عقاب الله.
(قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) في هذه الدعوى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا (كنتم صادقين) في دعواكم هاتوا البرهان، هاتوا الدليل على صدق هذه الدعوى.
 ثم ذكر جل وعلا أن الدليل يتلخص في أمرين، أن الدليل والبرهان الذي يتحقق به الفوز العظيم ودخول الجنة يتلخص في أمرين قال جل وعلا: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) بهذين الأمرين يحصل الفوز ويتحقق الدخول للجنة (بلى من أسلم وجهه لله) هذا فيه الإخلاص لله، (وهو محسن) هذا فيه الاتباع للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذان الوصفان كلاهما اليهود مفارقون لهما وليسوا من أهلهما، ليسوا من أهل الإخلاص، وليسوا من أهل المتابعة، فما عندهم أي برهان على هذه الدعوى.
(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) وهذا فيه حث للمسلم الذي هداه الله للإسلام أن يعتني بهذين الأمرين عظيم العناية الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، فإنه لا نجاة إلا لأهلهما، الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.
• قال (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قال الشيخ رحمه الله: «أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم مثل ما تقدم (خالصة من دون الناس) وحدهم وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان فأتوا بها إن كنتم صادقين كما قال الله (تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وهكذا كل من ادعى دعوى» هذه فائدة ثمينة تستفاد من الاية: كل من ادعى دعوى لابد ان يأتي عليها بالبرهان، والدعاوى إذا لم يُقم عليها بيّنات فأهلها أدعياء، لابد من برهان على الدعوى. يستفاد من الآية هذه القاعدة: أن كل دعوى لابد أن تقرن ببرهان يدل على صدقها، وهكذا كل من ادعى دعوى لابد أن يقيم البرهان على صحة دعواه وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، إذا ما الذي يميز بين الصحيح من غيره؟ بين المحق من المبطل؟ إلا البرهان والا لو ادعى دعوى شخص بغير برهان وقابله آخر بعكسها بغير برهان تساووا كلها دعاوى فلا قيمة لها، الدعوى لا قيمه لها إلا بالبرهان الذي يعضدها ويؤيدها ويقويها، قال: «وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها ولما لم يكن بأيديهم برهان عُلم كذبهم بتلك الدعوى»
 • ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد فقال: (بلى) أي ليس بأمانيكم ودعاويكم، (بلى) هذه يؤتى بها للإضراب عما ذكر قبلها، و(بلى) ليس بأمانيكم ودعاويكم ولكن من أسلم وجهه لله أي أخلص لله أعماله متوجها إليه بقلبه وهو مع إخلاصه محسن في عبادة ربه بأن عبده بشرعه فأولئك هم أهل الجنة وحدهم (فلهم أجرهم عند ربهم) وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فحصل لهم المرغوب ونجوا من المرهوب، ويُفهم منها أن من ليس كذلك فهو من أهل النار الهالكين ومن هؤلاء أهل تلك الدعوى الذين يقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، هذه دعاوى لا برهان عليها، ليس عليها حجة، والدعوى إذا لما يقُم عليها برهان في هذا الباب صاحبها هالك ليس من أهل النجاة وليس من أهل الجنة بل من أهل النار الهالكين. قال: «فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول» وهذان هما شرطا قبول الأعمال كلها، لا يُقبل أي عمل من عامل إلا إذا أخلصه لله واتبع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ذكر الشرطان، ويقول الله جل وعلا (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) قال الفضيل بن عياض: "أخلصه وأصوبه قيل يا أبا علي وما أخلصه وأصوبه؟ قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقبل حتى يكون خالصا صوابا" والخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة.
نسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا جميعا لوجهه خالصة ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم موافقة وأن لا يجعل لأحد فيها شيئا ونسأل الله جل وعلا أن ينفعنا أجمعين بما علمنا وأن يزيدنا علما وتوفيقا وأن يصلح لنا شأننا كله وأن يهدينا إليه صراطا مستقيما ... سبحانك اللهم وبحمدك وأشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 5 مايو 2026

الدرس الخامس والستون | تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠٦)

065| تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠٦) / صوتي

(ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها…)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله
ن/ « قوله (ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير* ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير)
النسخ هو: النقل فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع إلى حكم آخر أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز وهو مذكور عندهم في التوراة فإنكارهم له كفر وهوى محض فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ فقال (ما ننسخ من آية أو نُنسها) أي نُنسها العباد فنزيلها من قلوبهم (نأتي بخير منها) وأنفع لكم (أو مثلها) فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة التي سهّل عليها دينها غاية التسهيل وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير* ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فإذا كان مالكا لكم متصرفا فيكم تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقدير كذلك لا يُعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام فالعبد مدَبر مسخَّر تحت أوامر ربه تفسيرالدينية والقدرية فما له والاعتراض وهو أيضا ولي عباده ونصيرهم فيتولاهم في تحصيل منافعهم وينصرهم في دفع مضارهم فمن ولايته لهم أن يشرع لهم من الأحكام ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ عرف بذلك حكمة الله ورحمته بعباده وإيصالهم إلى مصالحهم من حيث لا يشعرون بلطفه»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعُنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،  اللهم يا ربنا فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام أما بعد: هذه الآية الكريمة قول الله جل وعلا (ما ننسخ من آية أو ننسها..) تمامها والاية التي بعدها هذه نزلت في الرد على اليهود في إنكارهم النسخ وقولهم أن النسخ لا يجوز على الله سبحانه وتعالى فأبطلوا النسخ وادعوا عدم صحته، ولما نزلت  آيات من القرآن الكريم ناسخة لآيات قبلها قالوا هذا دليل على أن هذا ليس من عند الله لأن النسخ- بزعمهم - لا يجوز على الله سبحانه وتعالى وأن هذا من عند محمد عليه الصلاة والسلام وأنه يفتري ذلك على الله -بزعمهم - قال الله جل وعلا (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) (قالوا إنما أنت مفتر) يعني ليس من عند الله، الله عز وجل لا يجوز عليه النسخ هكذا بزعمهم مع أنهم يعلمون من التوراة هذا الحكم الذي هو النسخ أليست التوراة وهم يعلمون ذلك نسخت ما قبلها من الكتب؟ فكذلك ما بعدها نسخها، وهذا فيه أن هذا كله في حكم الله يحكم بما يشاء في عباده جل وعلا وينزل ما يريد من الأحكام، ولهذا جاء في سياق هذه الآيات الاستدلال عليه وعلى صحته بأنه داخل في المقدورات (إن الله على كل شيء قدير) وأيضا بقوله (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) يحكم بما يشاء الملك ملكه والخلق خلقه يحكم بما يريد سبحانه وتعالى، فالحاصل أن هذه الآية الكريمة نزلت ردا على اليهود في إنكارهم النسخ وقد قال اليهود عندما نزلت بعض الأحكام مثل نسخ القبلة قالوا: إن محمدا عليه الصلاة والسلام يأمر بالشيء ثم يأمر بخلافه مثل ما تقدم في الآية (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) فقالوا يحكم بالشيء أو يأمر بالشيء ثم يأمر بخلافه أو بضده وأن هذا ليس من عند الله – بزعمهم – أن هذه الأحكام ليست من عند الله، تأتي آية ثم تُنسخ بآية، قالوا هذا ليس من عند الله وانما هو مفترى -بزعمهم- فجاءت هذه الآية رادّة عليهم وفي الوقت نفسه مُبينة الحِكمة من النسخ.
 يقول الله جل وعلا (ما ننسخ من آية) والنسخ:  هو رفع الحكم وتارة يكون الرفع للحُكم مع بقاء التلاوة، تبقى الآية متلوة والحكم الذي فيها نسخ، وهذا الذي يعده هؤلاء أمرا لا يجوز على الله عز وجل جعله أئمة الإسلام وعلماء الأمة نوع من العلوم الشريفة العظيمة من علوم القرآن ولهذا ألفت مؤلفات كثيرة جدا في الناسخ والمنسوخ اهتماما بهذا العلم.
انظر الفرق الشاسع والبون الكبير ممن هداه الله عز وجل وأرشده إلى الصواب وسواء السبيل ومن أضلهم الله جل وعلا، أولئك الذين أضلهم الله يقولوا هذا لا يصح وهذا لا يجوز، وأهل العلم والبصيرة بدين الله قالوا هذا علم من علوم القرآن العظيمة وانتدب عدد من أئمة المسلمين وعلماء الأمة انتدبوا إلى إفراد الناسخ والمنسوخ بكتب خاصة بل اعتبروا هذا علما ضروريا في فهم القرآن، أن يفهم متعلِّم القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه، وأولئك يقولوا لا، هذا لا يصح ولا يجوز، انظر الفرق الشاسع وانظر أيضا النعمة العظيمة على أمة الإسلام فيما آتاهم الله سبحانه وتعالى من بصيرة وما هداهم إليه من دراية ومعرفة بالحق.
 قال: (ما ننسخ من آية أو ننسها) النسيان من معانيه الترك، ويكون المعنى (ما ننسخ من آية أو ننسها) أي نتركها دون نسخ، هذا المعنى نتركها، (نُنسها) أي نتركها دون نسخ. ومن المعاني ما ذكره الشيخ رحمه الله في تفسيره قال: «ننسها العباد فنزيلها من قلوبهم»
 قال: (ما ننسخ من آية أو ننسها) وفي قراءة ننسأها من النسيئة وهي التأخير، فيكون المعنى على القراءتين: ما ننسخ من آية او نُنسها او ننسأها. أي ما نبدل من آية ونتركها لا نبدلها، هذا المعنى الأول، أو نؤخرها فلا ننسخها. هذا المعنى الثاني ننسأها: نؤخرها النسيء التأخير، ننسأها أي نؤخرها لا ننسخها.
قال (ما ننسخ من آية أو ننسها  نأتي بخير منها أو مثلها) هذه الحكمة، حكمة النسخ أو الحكمة من النسخ (نأتي بخير منها أو مثلها) في ماذا؟ في الثواب والمنفعة والمصلحة للعباد لأن هذه أحكام فيها مصالح للعباد ومنافع عظيمة جدا لهم فيها ثواب عند الله على في فعلهم ما أمرهم الله سبحانه وتعالى به، نأتي بخير منها يعني انفع، (خير منها) أنفع للعباد وأصلح لهم وأعظم ثوابا عند الله سبحانه وتعالى، (أو مثلها) في الثواب والمنفعة.
 قال: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) هذا خُتمت به الآية استدلالا بالقدرة، قدرة الله سبحانه وتعالى على جواز النسخ، فقوله (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) ختما للآية بذلك فيه استدلال على جواز النسخ لأنه داخل في المقدورات. وأيضا الآية التي بعدها دليل آخر قال (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) (ملك السماوات والأرض) السماوات والأرض ومن فيهن ملكه سبحانه وتعالى يحكم بما يشاء، يُنزّل من الأحكام ما يريد، ينزل حكما ويرفع حكما، الملك ملكه (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فهو الملِك جل وعلا يحكم بما يشاء من الأحكام، المملوك العبد ما الواجب عليه؟ الواجب عليه الطاعة والقبول، نزل حكما يطيع ويمتثل، رُفع وجاء حكم آخر يطيع ويقبل، لا يعترض على أحكام الله، من يكون هذا العبد حتى يعترض على أحكام ربه وسيده ومولاه، لا يعترض لا يقول لمَ؟ دائما يكون السؤال بمَ؟ لا يكون لمَ أمر الله، لا تقل لمَ أمر الله؟ ولكن قل بمَ أمر الله؟ الذي يقول بمَ أمر الله ما شأنه؟ هذا مستعد للعمل يريد أن يعرف ليعمل، لكن الذي يقول لمَ أمر الله؟ هذا ذهنه مهيأ للانتقاد والاعتراض ولهذا قال قديما السلف: "لا تقل لمَ أمر الله؟ ولكن قل بمَ أمر الله؟ والمعنى: أي كن متهيئا للعمل بأوامر الله حتى لو نزلت آية وجاءت بحكم قد تضمنته ثم نُسخ، تترك المنسوخ وتعمل بالناسخ والحكم لله عز وجل.
(ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) كثيرا ما يأتي وسيأتي معنا في آيات كثيرة يجمع بين (الولي والنصير) (ما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) والجمع بينهما فيه أن الولاية في تحقيق المنافع والمصالح للعبد والنصرة في دفع المضار عنه. (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير).
عرفنا أن قوله (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) والتي بعدها (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فيها التكذيب لمن يدعي عدم صحة النسخ، يقال لمن يدعي عدم صحة النسخ يقال له ذلك (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير)، (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض).
الخطاب في قوله (ألم تعلم) للنبي عليه الصلاة والسلام وأمته لأنه قال بعدها (وما لكم)، (ألم تعلم) ثم قال بعدها (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) وهذا فيه أن الواجب على العبد أن يخضع خضوعا تاما لله سبحانه وتعالى القدير على كل شيء، الملك لكل شيء سبحانه وتعالى أن يكون مطيعا طاعة تامة متقبلا قبولا كاملا لما يأتي من أحكام الله ولهذا خُتمت بقوله (ما لكم من دون الله من ولي ولا نصير)
قال الشيخ رحمه الله: «النسخ هو النقل» فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع إلى حكم آخر أو إلى إسقاطه -أي الحكم- فالنسخ والحكم أو قل أيضا النسخ الرفع، رفع الحكم الحكم بإبداله بحكم آخر، أو رفعه دون أن يكون هناك حكما آخر بدله والذي عبّر عنه الشيخ بقوله «أو إسقاطه» وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة يعلمون ذلك ويعلمون أن التوراة نفسها كتاب مُنزل من الله نسخ ما قبله من الكتب نعم، وإذا كانوا يعلمون أنها نسخت ما قبلها من الحكم ثم يقولون ما بعدها لا ينسخها هذا يكون تحكّم قال: «وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز وهو مذكور عندهم في التوراة فإنكارهم له كفر وهوى محض يعني هذا الإنكار دليل على أن القوم إنما يتبعون أهواءهم (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) فإنكارهم له كفر وهوى محض فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ وأنه ما ينسخ من آية أو ننسها أي: نُنسها العباد فنزيلها من قلوبهم هذا قول، والقول الآخر ما هو؟ نتركها، النسخ النسيان الترك ننسخها نتركها يعني نتركها بدون نسخ (ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها) وأنفع لكم (أو مثلها) فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم 
وهذه قاعدة في هذا الباب مستفادة من الآية: أن النسخ يأتي إما بحكم مماثل أو بحكم أعلى وأرفع، لكن لا يأتي بحكم أقل فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول
لأن فضل الله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة التي سهّل عليها دينها غاية التسهيل وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في المُلك والقدرة..
انتبه أخبر سبحانه وتعالى أن من قدح في النسخ قدح في المُلك والقدرة، في ملك الله وقدرته من أين هذا أخذه؟ (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض) فالذي يقدح في النسخ يقدح في المُلك والقدرة فقال (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فإذا كان مالكا لكم متصرفا فيكم تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه فكما أنه لا حجر عليه في تقديره يُقدّر على عباده من أنواع التقادير أي ما يشاء كذلك لا يُعترض عليه فيما يشرعه للعباد من الأحكام  فالعبد مدبر مسخّر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية فما له والاعتراض؟!
 أي لماذا يعترض؟ من يكون حتى يعترض وهو عبد مربوب ومسخر مدبر، طوع تدبير سيده ومولاه، ما له والاعتراض، وهو: أي الله سبحانه وتعالى أيضا ولي عباده ونصيرهم فيتولاهم في تحصيل منافعهم وينصرهم في دفع مضارهم فمن ولايته لهم أن يشرع لهم من الأحكام ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده وإيصالهم إلى مصالحهم من حيث لا يشعرون بلطفه سبحانه. نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل* ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) ينهى الله المؤمنين أو اليهود بأن يسألوا رسولهم كما سئل موسى من قبل والمراد بذلك أسئلة التعنت والاعتراض كما قال تعالى (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فهذه ونحوها هي المنهي عنها، وأما سؤال الاسترشاد والتعلم فهذا محمود قد أمر الله تعالى به كما قال تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ويُقرُّهم عليه كما في قوله (يسألونك عن الخمر والميسر) وقوله (ويسألونك عن اليتامى) ونحو ذلك، ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة قد تصل بصاحبها إلى الكفر قال تعالى (ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل)»

ت/ ثم قال جل وعلا (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) المراد بما يُسأل عنه هنا في هذه الآية -كما يدل عليه ظاهر السياق- طلب الآيات- قد كان المشركون يطلبون الآيات على وجه التعنت، نريد حتى نُصدق بما جئت به أن تحول جبال مكة إلى ذهب، ونريد كذا ونريد كذا حتى قالوا نريد أن تأتي بالله والملائكة قبيلا، تأتي بهم، واسئلة من هذا القبيل ومثلها فعل قوم موسى مع موسى قالوا (أرنا الله جهرة) وهؤلاء قالوا تأتي بالله والملائكة قبيلا، فتشابهت القلوب، قال (أم تريدون) قيل أن (أم) هنا بمعنى (بل) أي "بل تريدون"، وقيل: أنها استفهام على وجه الإنكار (أم تريدون أن تسألوا رسولكم) أي محمد عليه الصلاة والسلام، (تسألوا رسولكم) ما المراد بـ (تسألوا) أي تطلبوا منه آيات، المقصود بالآيات المعجزات البراهين، براهين الرسالة وصدق ما جاء به، (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) من قبل قالوا لموسى (أرنا الله جهرة) قالوا (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وهنا قالوا (حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا) فتشابهت القلوب وتشابهت الأقوال.
 قال (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان)
(ومن يتبدل الكفر بالإيمان) يشتري الكفر بالإيمان، يعني يترك الإيمان ويشتري الكفر (فقد ضل سواء السبيل) السواء: هو الوسط (وأن هذا صراطي مستقيما) لا غلو ولا جفاء، دين الله هكذا وسط، (فقد ضل سواء السبيل) أي ضل الطريق المستقيمة السوية الموصلة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته.
 قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ينهى الله المؤمنين أو اليهود» ينهى المؤمنين هذا على معنى قيل في الآية سيذكره الشيخ رحمه الله، «أو اليهود بأن يسألوا رسولهم» أي محمد عليه الصلاة والسلام «كما سئل موسى من قبل» أو يكون أيضا الخطاب للمشركين في الأسئلة التعنتية التي كانوا يسألونها (حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) والآيات بعدها في سورة الإسراء وفيها (حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا) فهذا فيه أن الأسئلة كانت أسئلة تعنت من الكفار والمشركين، قال: «ينهى الله المؤمنين أو اليهود بأن يسألوا رسولهم كما سئل موسى من قبل» والمراد بذلك أسئلة التعنت والاعتراض كما قال تعالى (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فهذه ونحوها هي المنهي عنها، أما سؤال الاسترشاد والتعلم، من يسأل ليتفقه، يسأل ليتعلم دين الله سبحانه وتعالى فهذا محمود لا يُذم، ولهذا الأسئلة فيها أسئلة تفقّه في الدين هذه محمودة ومطلوبة من العبد وفيه أسئلة اعتراض لما يعترض أو أسئلة تعنت تدل على أن السائل لا يريد أصلا دين الله وإنما يأتي بأمور على وجه التعنت، قال: «أما سؤال الاسترشاد والتعلم فهذا محمودا قد أمر الله به كما قال الله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ويُقرّهم عليه» جاءت آيات كثيره في القرآن فيها إقرار على هذا النوع من الأسئلة بدليل أنها جاءت الأجوبة عليها (يسألونك عن المحيض قل هو أذى)، (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت)، (يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير)، (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما..) وهكذا.
 قال: «كما في قوله (يسألونك عن الخمر والميسر)، (ويسألونك عن اليتامى) ونحو ذلك» ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة قد تصل بصاحبها إلى الكفر بالله عز وجل ختمت الآية بقوله (ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل)
تبدل الكفر بالإيمان يشتري الكفر بالإيمان بمعنى يترك الايمان ويأخذ بالكفر (فقد ضل سواء السبيل) أي ضل الطريق السوية المستقيمة الواضحة الموصلة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى وجنته.
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك.
اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...