تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١) / صوتي
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:ن/ «قوله (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون* واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) أي ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم، بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله الذي أنزل إليهم، طرحوه رغبة عنه وراء ظهورهم، وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به، تبيّن بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبقَ في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون، ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ابتُلي بالاشتغال بما يضره،
فمن ترك عبادة الرحمن ابتُلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتُلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه ابتُلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتُلي بالباطل، كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله تعالى اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم، وهم كذبة في ذلك فلم يستعمله سليمان عليه السلام بل نزهه الصادق في قيله (وما كفر سليمان) أي بتعلم السحر فلم يتعلمه (ولكن الشياطين كفروا) أي في ذلك (يعلمون الناس السحر) من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله تعالى لعباده، فيعلمانهم السحر وما يعلمان من أحد حتى ينصحاه ويقولا (إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى من برأه الله تعالى منه وهو سليمان عليه السلام وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلّمه الشياطين والسحر الذي يعلمه الملكان فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين وكل يصبو إلى ما يناسبه. ثم ذكر مفاسد السحر فقال: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما لأن الله تعالى قال في حقهما (وجعل بينكم مودة ورحمة) وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة وأنه يضر بإذن الله أي بإرادة الله، والإذن نوعان:
• إذن قدري وهو المتعلق بمشيئة الله كما في هذه الآية.
• وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة (فإنه نزله على قلبك بإذن الله). وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة غيرَ القدرية في أفعال العباد زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله تعالى فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين. ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فهذا السحر مضرة محضة فليس له داع أصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها.
(ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه) أي رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة (ما له في الآخرة من خلاق) أي نصيب بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) علما يثمر العمل ما فعلوه».
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد:
فلا يزال السياق في هذه الآيات القرآنية من سورة البقرة في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وشنائع أفعالهم ومن ذلكم ما ذكر في هذه الآيات يقول الله عز وجل (ولما جاءهم) أي اليهود (ولما جاءهم رسول) هو محمد عليه الصلاة والسلام (من عند الله) هذه صفة لهذا الرسول المرسل أي الله جل وعلا أرسله بالحق والهدى والنور والضياء، لما جاءهم رسول هذا شأنه وهذه صفته، وأيضا (مصدق لما معهم) أي من الكتاب، مصدق للكتاب الذي سبقه وأنزل قبله (مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي كانت حالهم مع هذا الكتاب الذي جاء به هذا الرسول أن نبذوه قال (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) (نبذ) جاءت هنا في جواب الشرط في قوله (ولما جاءهم رسول نبذ فريق) و(نبذ) معناها طرح، نبذ كتاب يطرح الكتاب صدودا و إعراضا عنه وعدم قبول، (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) أي من أهل الكتاب (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم)
ما الكتاب الذي نبذوه التوراة أو القرآن؟
قولان لأهل العلم في معنى الآية (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي التوراة هذا قول (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) أي التوراة لأنهم لما وجدوا في التوراة صفة النبي عليه الصلاة والسلام والبشارة به وجدوا ما جاء في التوراة مطابق للواقع الذي يرونه، عندما بُعث محمد عليه الصلاة والسلام نبذوا التوراة وراء ظهورهم ولم يقبلوا ما جاء فيها من بشارة بهذا الرسول وأوصاف الله ودعوة للإيمان به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
• وقيل المراد بالكتاب القرآن (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) أي القرآن والمراد بنبذهم له تكذيبهم بالقران.
فالمراد بالنبذ التكذيب كذبوا بهذا القرآن، والأول التوراة كانوا يؤمنون بها فلما جاءهم هذا الأمر الذي يخالف أهواءهم من وصف الرسول والدعوة للرسول صلى الله عليه وسلم، والدعوة للإيمان به نبذوا كتابهم أي التوراة قال (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) حتى ما قال نبذوه أمامهم، نبذوه وراء الظهر، النبذ وراء الظهر هذا فيه غاية الصدود والإعراض وعدم الرغبة أصلا في العودة لهذا الأمر، (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) هذا أبلغ ما يكون في التولي والصدود والإعراض، (كأنهم لا يعلمون) كانوا يعلمون ويعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم فنبذوا علمهم الذي يعلمونه وكتموا علمهم الذي يعلمونه كأنهم لا يعلمون أي ما في التوراة التي عندهم من أوصاف للنبي عليه الصلاة والسلام كأنهم لا يعلمون، قال بعض المفسرين من السلف: « كانوا يعلمون ونبذوا علمهم وكتموه» (كأنهم لا يعلمون) الآن ما الذي صنعوه؟ نبذوا نورا، نبذوا ضياء، نبذوا هدى، نبذوا صلاحا لقلوبهم، نبذوا سعادة لهم، فكانت العقوبة أن لما نبذوا الكتاب اتبعوا ماذا؟ اتبعوا ما تتلو الشياطين، ولهذا الشيخ يقول:
وهذا مثال الآن للقاعدة، هذا مثال ابتلي بما يضره، فلما نبذوا القرآن اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان أي من السحر، فتركوا القرآن، تركوا النور، تركوا الوحي، واتبعوا وأخذوا بالسحر الذي تتلوه أي تلته على ملك سليمان، هذا الآن فيه تنبيه على أمر غاية في الأهمية، باب من الأبواب التي يجب على الإنسان أن ينتبه غاية الانتباه الحذر منها يعني الذي يعرض عن القرآن ويشتد -مثلا- إعراضه عن القران صدودا ونبذا للقران هو على غايه من الخطر لأنه سيدخل عليه قطعا شيء آخر
ولهذا تجد في الناس:
• من ينبذ القرآن فيدخل في السحر
• ينبذ القرآن فيدخل في الفلسفة الباطلة،
• ينبذ القرآن فيدخل في الإلحاد وهكذا..
وهذا السياق الذي بين أيدينا دل على كفر الساحر من سبعة وجوه بيّنها الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه النفيس النافع [معارج القبول] ذكرها وجوها سبعة من هذا السياق في كفر الساحر وكفر من يتعلم السحر.
قال: (واتبعوا ما تتلو) (واتبعوا) هذه معطوفة على ماذا؟ (نبذ)، لأن السحر ما هو؟ نبذ واتباع، هذا هو نبذ للقران، نبذ للهدى المنزل من الرحمن واتباع لما يتلوه الشيطان. (واتبعوا) يعني تركوا الهدى وأقبلوا على السحر وتعلم السحر. (واتبعوا ما تتلو الشياطين) (تتلو) أي تلت الشياطين على ملك سليمان، (على) هنا كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى جاءت تعديت التلاوة بها (تتلو على ملك) بعض المفسرين قالوا: تتلو بمعنى (في) تتلو الشياطين في ملك سليمان، والحافظ ابن كثير يقول: إنها عديت (تتلو) بـ (على) لأنه ضُمّن معنى الكذب، تتلو تكذب على ملك سليمان، ضُمنت التلاوة معنى تتلو أي تكذب، تتقول على ملك، التقوّل والكذب، (تتلو الشياطين على ملك سليمان) ضُمّن معنى تكذب تتقول، (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) (على ملك سليمان) يعني على عهده، على عهد الملك، على عهد ملك سليمان عليه السلام ووقت حكمه، فكانت الشياطين تزعم أن هذا العلم والكتب - كتب السحر التي ينشرونها- أنها كانت من عهد سليمان عليه السلام، ويزعمون أنها هي التي كان سليمان عليه السلام يحكم بها، يزعمون ذلك ينسبونه ولهذا سياتي معنا في الآيات تبرئة سليمان قال: (وما كفر سليمان) هذا فيه تبرئة من زعم باطل نُسب إليه من هؤلاء.
ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلاما ما خلاصته: أن الشياطين أضلت بني آدم وذكروا أن سليمان سحر الجن بأسماء وكلمات من الشرك وكتبوا ذلك في كتب، وقيل: إنهم دفنوها ثم بعد موت سليمان بوقت أخرجوها وقالوا إن سليمان كان يحكم بهذه الكلمات والألفاظ الشركية، كان يحكم بها وكان يسحر الجن بها، وسُخر له الجن بهذه الكلمات، سُخرت له الجن بهذه الكلمات، فصار أهل الضلال فرقتين مع هذا الذي روجت له الشياطين صار أهل الضلال فرقتين:
● فرقة قدحوا في سليمان عليه السلام وزعموا أنه ليس بنبي وإنما هو مجرد ساحر من السحرة ليس بنبي.
● وفريق قالوا هو نبي ولكن الله علّمه هذه الأشياء، ما هي؟ الألفاظ الشركية الكفرية التي بزعمهم كان يحكم بها وسحر بها الجن فعملوا بها فكفروا لعملهم بكفر نُسب إلى سليمان عليه السلام بهتانا وزورا.
فنزه الله نبيه سليمان عن قول الطائفتين في قوله - كما سيأتي- (وما كفر سليمان)، (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان)
(وما كفر سليمان) هذه الجملة جاءت تبرئة لسليمان عليه السلام من السحر وهذا من الشواهد والدلائل على أن السحر كفر لأن الله عز وجل لما برأ سليمان من السحر الذي نسب إليه زورا وبهتانا برأه منه بهذه الطريقة قال: (وما كفر سليمان) ففي هذا أن من يتعلم السحر يكفر، وسليمان ما كفر، ما تعلم السحر ومُنزه من ذلك عليه السلام، عبّر عن السحر ما قال وما سحر سليمان، عبر عن السحر بالكفر قال (وما كفر سليمان) وهذا فيه التغليظ لأمر السحر وأنه كفر أكبر بالله سبحانه وتعالى ومن عظائم الموبقات، لما عدّ الموبقات عليه الصلاة والسلام في الحديث قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) عدّه بعد الشرك مباشرة (الشرك بالله والسحر).
(وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) الآفة كلها جاءت منهم، والشر جاء منهم ومن اتباعهم تقدم (واتبعوا ما تتلو الشياطين) فالآفة كلها من الشياطين أما الأنبياء لا يأتون إلا بالخير، ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته إلى خير ما يعلمه لهم، حاشا نبي من أنبياء الله من هذه الامور التي هي كفر بالله سبحانه وتعالى.
(وما كفر سليمان) هذه الجملة - مثل ما قدمت - جاءت لتبرئة من شائعة منتشرة انتشارا واسعا في هؤلاء، منهم من يقول هو ساحر بحت لا نبي ولا رسول، ومنهم يقول لا، هو رسول لكن هذه أشياء الله أرسله بها بتلك الألفاظ وذاك السحر. فبرأ الله عز وجل نبيه بقوله (وما كفر سليمان) من قول الطائفتين وبيّن أن هذا الشر كله إنما جاء من الشياطين قال: (ولكنّ الشياطينَ كفروا) وفي قراءة (ولكنِ الشياطينُ كفروا)، (لكن) مشددة في قراءة ومخففة.
إذا كانت (لكنّ) مشددة تعمل عمل إن تنصب المبتدأ وترفع الخبر (ولكنّ الشياطين كفروا) (كفروا) الجمله الفعلية خبرها.
وإذا كانت مخففة لا تعمل فيكون قوله (الشياطين كفروا) مبتدأ وخبر (لكنِ الشياطينُ كفروا) مبتدأ وخبر (الشياطين) مبتدأ و(كفروا) الجملة الفعلية خبر.
قال: (ولكنّ الشياطين كفروا) هذا أيضا وجه من الوجوه الدالة على كفر الساحر لأن الشياطين وصفوا بالكفر في مقام ماذا؟ تعليم السحر (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) فهذا فيه أن السحر هو من تعليم الشياطين ومن وحي الشيطان الذي أضل به الناس.
(وما أنزل على الملكين) هذه معطوفة على ماذا؟ (واتبعوا ما تتلو الشياطين) واتبعوا - كل الكلام عن اليهود - اتبعوا ما تتلو الشياطين واتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل، هذا السياق يدل على أن اليهود من مخازيهم وقبائحهم أنهم أغرقوا في السحر إغراقا شديدا جدا وتوغلوا فيه حتى قال الإمام ابن القيم رحمه الله، قال في كلامه في بدائع الفوائد في تفسير المعوذتين عند قول (من شر النفاثات) يعني السواحر (النفاثات في العقد) قال: «ولهذا اليهود أسحر الناس فيهم من السحر ما ليس في غيرهم» وقد وصفهم الله بذلك في كتابه وذكر هذه الآيات (واتبعوا ما تتلو) (اتبعوا) يعني اليهود (ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) واتبعوا ما أنزل على الملكين وقال (وما أنزل) أي واتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل، بابل هذه بلدة في العراق أنزل الله فيها ملكين من الملائكة على وجه الابتلاء والامتحان للبشر - والله يبلو عباده ويمتحنهم بما شاء سبحانه وتعالى - أنزل ملكين يبتلونهم ابتلاء في هذا الأمر، (ببابل هاروت وماروت) وهنا يعني يُروى في كتب التفسير كثير من الإسرائيليات التي ينبغي الإعراض عنها وفيها قصص ينبغي الإعراض عنها ولا يصلح أن تجعل تفسيرا لهذه الآيات أو لكلام الله سبحانه وتعالى وكثير منها مشتملة على أباطيل وأقاويل لا أصل لها.
قال (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) هذا بدل من الملكين أو عطف بيان، هاروت وماروت هذا اسمهما اسم الملكين هاروت وماروت، طريقة هذين الملكين في تعليم السحر أنهما ينصحان من أراد أن يتعلم، ينصحان، ليست على طريقة الشياطين غش وحيل لا ينصحانه.
(وما يعلمان من أحد حتى يقولا) انتبه (إنما نحن فتنة) ينصحانه لأن هذا الله أنزلهم ابتلاء وامتحانا، امتحانا وابتلاء للناس فينبه، انتبه (إنما نحن فتنة فلا تكفر) هذا كفر فلا تكفر، فكان نزول هذين الملكين وجه من وجوه الابتلاء والامتحان للناس، والله سبحانه وتعالى يبتلي ويمتحن بما شاء جل وعلا.
(وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا) يقولا لمن أراد أن يتعلم على يديهما السحر (إنما نحن فتنة) يعني إنما أُنزلنا فتنة وابتلاء وامتحانا فلا تكفر بالتعلم تعلم هذا العلم، قال (فيتعلمون) من هم؟ اليهود - الكلام كله الآن عن اليهود - فيتعلمون منهما من الملكين، يعني مع أن الملكين قد نبهوهم أنهم فتنة وأن هذا كفر فلم يبالوا بكونه كفرا وتعلموا وكان من مقاصدهم في تعلم السحر - مقاصد اليهود - في تعلم السحر صد الدعوة التي بُعث بها محمد عليه الصلاة والسلام
ولهذا كان من أغراضهم في تعلم السحر أن يُسحروا النبي عليه الصلاة والسلام وفعلا حصل منهم ذلك كما حصل من لبيد بن الأعصم اليهودي، سحر النبي عليه الصلاة والسلام وعافاه الله عز وجل وسلمه من ذلك كما في القصة المعروفة في الصحيحين، فكان هذا أيضا من أغراضهم في تعلم السحر، يتعلمونه حسدا لأمة الإسلام وصدا لها عن دين الله سبحانه وتعالى.
(فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وهذا فيه أن السحر له حقيقة وله تأثير، والتفريق بين المرء وزوجه هذا تأثير قوي جدا، وهذا النوع من السحر - السحر أنواع- هذا يسمى سحر الصرف، يصرف المتحابّين أشد المحبة إلى متعاديين متباغضين أشد التباغض هذا تأثير، انظر قول الله سبحانه وتعالى (ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) السحر يُذهب هذه المودة التي في القلب، يذهبها تماما يبعدها ويجعل مكانها كره وعداوة وهذا يسمى سحر الصرف، ونوع آخر عكس هذا يسمى سحر العطف، لكن ما العطف الذي يحصل؟ هل هو حب حقيقي؟ هل هو حب حقيقي؟ لا، حب مُتوهم، حب مُتخيل، ليس حبا حقيقيا، ليس شيئا في القلب حبا حقيقيا وإنما حب متوهم.
ومما كنت قرأته في هذا أن شخصا أو امرأة - لا أذكر- يعني أتى ساحرا وأراد منه هذا النوع من السحر يعني عطف الزوج فقال له الساحر تأتيني بشيء من شعره حتى يعمل فيه عقد السحر، فأخذ من شاة لهم شعرا وأعطاها الساحر فعمل بها العقد فصارت العنز تطارده أينما ذهب، هل هذا حب؟ هذا الآن يعطيك حقيقة ما يصنع الساحر فيما يسمى بسحر العطف، يعني حب متوهم ليس حقيقي ليس شيئا حقيقيا وإنما هو حب متوهم، ولهذا - كما سيأتي معنا- السحر لا منفعة فيه أبدا إطلاقا، كله مضرة، مضرة خالصة بحته لا نفع فيه أبدا، كله مضرة (ولا يفلح الساحر حيث أتى) ومن يأتي الساحر لا يفلح أبدا، لا يُنال عند ساحر فلاح أبدا، ولا يُنال عند ساحر منفعة أبدا، هذه قاعدة لابد أن تكون ثابتة في قلب المؤمن.
(فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم) أي السحرة (بضارين به) أي السحر (من أحد إلا بإذن الله) وهذا فيه أن الأسباب مهما قويت لا يكون لها تأثير إلا بإذن كوني من الله سبحانه وتعالى.
الإذن هنا المراد به الإذن الكوني القدري، لأن الإذن نوعان: كوني قدري، وشرعي ديني، المراد هنا بالإذن الكوني، فلا يكون في هذا الكون إلا شيء أذِن الله سبحانه وتعالى بوقوعه كونا وقدرا وهذا باب الابتلاء، ابتلاء العباد (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله).
قال (ويتعلمون) أي هؤلاء (ما يضرهم ولا ينفعهم) فهذا فيه أن السحر مضرة بحتة، مضرة خالصة لا نفع فيه أبدا، (ولقد علموا) أي اليهود (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) علم اليهود أن الساحر كافر وأن تعلم السحر كفر بالله، علموا ذلك، الله يبين هذه الحقيقة (ولقد علموا) أي اليهود وهم يتعلمون السحر ويتعاطونه علموا وتيقنوا أنه من تعلمه لا خلاق له أنه يكفر ولا خلاق له في الآخرة (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) أي ما له في الآخرة من حظ ولا نصيب، والذي يشتري السحر تعلُما له وتعاطيا له لا خلاق له في الآخرة، هذا دليل على ماذا؟ كفره، وذلك لأن السحر مبناه أصلا على الشرك والكذب والظلم، مبنى السحر على هذا ركائز السحر التي يقوم عليها هذه الثلاثة الشرك والكذب والظلم، هذه ركائز السحر التي يقوم عليها ولهذا الساحر (لا خلاق له في الآخرة) أي لا نصيب له من الثواب، ليس له إلا عذاب.
(ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون)
قال (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) وهذا فيه أن الأمور كلها الكفرية من سحر أو غيره من تاب منها وآمن وصدق في توبته خير له عند الله سبحانه وتعالى (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) لهم من هذا السحر الذي لا نفع فيه بل هو مضرة كاملة، مضرة خالصة (لو كانوا يعلمون). لاحظ (لو كانوا يعلمون) هذه تكرر معنا، (لو كانوا يعلمون) يعني لو كانوا يعلمون العلم الذي ينتفعون به لكنهم يعلمون ولكن لا يعملون ولهذا كان وصفهم الغضب (غضب الله عليهم)، (غير المغضوب عليهم) يعني يعلمون لكن كأنهم لا يعلمون.
نؤجل قراءة كلام الشيخ رحمه الله إلى لقاء الغد بإذن الله عز وجل نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما ...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.