الاثنين، 22 يونيو 2026
اسم الله (المتكبر) / من كتاب فقه الأسماء الحسنى
الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الدرس الثامن والستون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٥)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) أي (ولله المشرق والمغرب) خصهما بالذكر لأنهما محل الآيات العظيمة في مطالع الأنوار ومغاربها فإذا كان مالكا لها كان مالكا لكل الجهات فأينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمره إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها، فإن القبلة حيث ما توجه العبد أو تشتبه القبلة فيتحرى الصلاة إليها ثم يتبين له الخطأ أو يكون معذورا بصلب أو مرض أونحو ذلك، فهذه الأمور إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا و،بكل حال فما استقبل جهة من الجهات خارجة عن ملك ربه
(فثم وجه الله إن الله واسع عليم) فيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى وأن لله تعالى وجها لا تشبهه الوجوه، وهو تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها عليم بسرائركم ونياتكم فمن سعته وعلمه وسّع لكم الأمر وقبِل منكم المأمور فلله الحمد والشكر»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد:
قول الله جل وعلا (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)
(ولله المشرق والمغرب) اللام في (ولله) لام الملك أي لله جل وعلا ملك المشرق والمغرب أي وما بينهما من جهات ومخلوقات والمعنى: أن الله عز وجل له ملك الأرض كلها، (ولله المشرق والمغرب) المقصود بالمشرق: أي جهة المشرق، والمغرب: أيضا جهة المغرب، والمشرق موضع شروق الشمس موضع طلوعها، والمغرب موضع غروبها، ويأتي في بعض الآيات ذكر ذلك بالتثنية المشرقين والمغربين، ويأتي في بعضها بالجمع المشارق والمغارب، وهذا كل ما جاء من ذلك له اعتبار يعني ما جاء بالإفراد - مثل هنا - المراد الناحية أو الجهة، جهة المشرق وجهة المغرب، وبالجمع باعتبار اختلاف المشارق والمغارب كل يوم بحسب أو بعدد الأيام - أيام السنة - والمشرقين والمغربين باعتبار الشتاء والصيف.
قال (ولله المشرق والمغرب) صُدرت الآية بهذا المُلك، ملك الله سبحانه وتعالى للمشرق والمغرب في بيان ما يتعلق بالتوجه في الصلاة وإلى أين يتوجه، والله جل وعلا يقول - سيأتي معنا – (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) البر في الطاعة، في الامتثال أينما يوجه الله عبده يتوجه فالمُلك لله والجهات كلها لله والحكم كله لله يشرع ما يشاء (ولله المشرق والمغرب) ولهذا قيل في سبب نزول هذه الآية: أنه عندما نزل تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اعترض اليهود وقالوا (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فنزل قوله (ولله المشرق والمغرب)
• وقيل: إن الآية نزلت في صلاة النافلة في السفر لأنه صح في السنة عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يصلي في سفره إلى حيث توجهت راحلته، أي جهة كانت.
• وقيل أيضا: أنها نزلت فيمن اجتهد في تحري القبلة فأخطأ، تبين له خطؤه. وهذه المعاني كلها أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية.
قال: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا) (أينما تولوا) أينما تتجهوا في صلاتكم فثم وجه الله، أينما تولوا فثم وجه الله"
• قوله (فثم وجه الله) لأهل العلم في معنى قوله (وجه الله) قولان معروفان في كتب التفسير:
▪︎ الأول: أن المراد بقوله (فثم وجه الله) الوجه الذي هو صفة الله سبحانه وتعالى (فثم وجه الله) لأن الله محيط بكل شيء جل وعلا وهو فوق عرشه المجيد ولهذا نُهي المصلي أن يبصق قِبل وجهه قال: (فإن الله قِبل وجهه)
▪︎ وقيل: المراد بالوجه الجهة (ولكل وجهة هو موليها) الوجهة والجهة، والوجه يطلق ويراد به الجهة، قيل: إن المراد الجهة ويكون المعنى (فثم وجه الله) يعني الجهة التي رضيها الله لكم وشرعها لكم تستقبلونها في صلاتكم. والأول من هذين القولين هو الأظهر (فثم وجه الله) ولهذا قال الشيخ رحمه الله تعالى "فيه إثبات الوجه صفة لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق بجلاله وكماله سبحانه.
• قال: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله إن الله واسع عليم)
هذان اسمان لله خُتمت بهما الآية:
• الواسع: وهو يدل على السعة، واسع في علمه، واسع في رحمته، وسع علمه كل شيء، وسعت رحمته كل شيء، واسع في فضله وسع فضله كل شيء، ويدخل تحته معاني عديدة.
• والعليم: الذي أحاط بكل شيء علما فلا تخفى عليه سبحانه وتعالى خافية في الأرض ولا في السماء" نعم
قال الشيخ رحمه الله: «أي ولله المشرق والمغرب خصهما بالذكر - خصّ هاتين الجهتين بالذكر- لأنهما محل الآيات العظيمة لأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله العظيمة (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر) فهما من آيات الله العظيمة فهما مطالع الأنوار ومغاربها فإذا كان مالكا لها كان مالكا لكل الجهات" وخصّتا بالذكر كما قال الشيخ رحمه الله: "لأن فيها آيات عظيمة تدل على عظمة الخالق وكمال المبدع سبحانه وتعالى"
قال: (فأينما تولوا) أي: أينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمره - أي مأمورين بذلك - فهذه حقيقة العبادة خضوع واتجاه إلى حيث يوجه الله سبحانه وتعالى عبده (فأينما تولوا فثمّ وجه الله) فمن المعاني الداخلة في عموم الآية ما ذكره بقوله: "أينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمر الله إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس" فالذي أمركم باستقبال بيت المقدس هو الذي أمركم بعد ذلك باستقبال الكعبة (فأينما تولوا فثم وجه الله)، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها وهذا فيه أن المصلي على راحلته في السفر صلاة النافلة يصلي إلى حيث توجهت به راحلته قال: "فإن القبلة حيثما توجه" فيدخل تحت عموم قوله (فأينما تولوا فثم وجه الله) أيضا إذا اشتبهت القبلة فيتحرى الصلاة إليها ثم يتبين له الخطأ فأيضا يدخل تحت عموم ما دلت عليه الآية، أو يُصلب، يبقى في مكان ما يستطيع أن يتحرك أو يتجه إلى جهة القبلة، أو كذلك المريض على سريره ما يستطيع أن يتجه (أينما تولوا فثم وجه الله) أيضا الراكب في -مثلا- الباص ولا يقف الباص إلا بعد خروج الوقت ولا يتمكن من استقبال القبلة يدخل تحت عموم قوله (فأينما تولوا فثم وجه الله).
قال " فهذه الأمور إما أن يكون العبد فيها معذورا" مثل المريض مثل المصلوب ونحو ذلك "أو مأمورا" مثل لما كان الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس ثم صار إلى الكعبة، قال "وبكل حال فما استقبل جهة من الجهات خارجة عن ملك ربه سبحانه وتعالى.
قال "فيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه وهو تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها عليم بسرائركم ونياتكم فمن سعته وعلمه وسّع لكم الأمر وقبِل منكم المأمور فله الحمد والشكر" نعم
ن/ قال رحمه الله: قوله (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون* بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون*وقالوا) أي اليهود والنصارى والمشركون وكل من قال ذلك (اتخذ الله ولدا) فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله وأساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم قد حلِم عليهم وعافاهم ورزقهم مع تنقصهم إيّاه سبحانه تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، ومع رده لقولهم أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال (بل له ما في السماوات والأرض) أي جميعهم ملكه وعبيده يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده مفتقرين إليه وهو غني عنهم فكيف يكون منهم أحد يكون له ولدا، والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه والله تعالى المالك القاهر وأنتم المملوكون المقهورون وهو الغني وأنتم الفقراء فكيف مع هذا يكون له ولد هذا من أبطل الباطل وأسمجه.
والقنوت نوعان:
• قنوت عام وهو قنوت الخلق كلهم تحت تدبير الخالق.
• وقنوت خاص وهو قنوت العبادة
فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)
ثم قال (بديع السماوات والأرض) أي خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق، (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) فلا يستعصي عليه ولا يمتنع منه"
ت/ قول الله جل وعلا (وقالوا اتخذ الله ولدا) هذا يتناول كل من قال هذا القول الباطل كالمشركين الذين قالوا إن الملائكة بنات الله - تعالى الله عما يقولون- وكقول اليهود عزير ابن الله، وكقول النصارى المسيح ابن الله، فكل من قال ذلك يتناوله هذا الذي نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عنه.
قال: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) أي تنزه وتقدس جل وعلا عن هذا القول الباطل (وقالوا اتخذ الرحمن* ولدا لقد جئتم شيئا إدا* تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا* أن دعوا للرحمن ولدا* وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا* إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا* لقد أحصاهم وعدهم عدا* وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) كلهم عبيد لله، كلهم مخلوقون لله مربوبون لله طوع تدبيره وتسخيره سبحانه ولهذا قال هنا: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) معنى سبحانه أي تنزه وتقدس عن قول المبطلين وكلام الضالين، (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) أي تنزه عن هذا القول وتقدس (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) تنزه وتقدس عن ذلك (بل له ما في السماوات والأرض) من ينسبونهم أنهم ولد لله ماذا يكونون مما في السماوات وما في الأرض وما في السماوات والأرض كله لله، (بل له) أي ليس الأمر كما افترى هؤلاء، (بل) تأتي للإضراب، ليس الأمر كما افترى هؤلاء.
(له ملك السماوات) اللام هنا لام الملك، (له) أي لله ملك السماوات والارض وما فيهما الجميع عبيده وطوع تدبيره سبحانه وتعالى فكيف يكون شيء من هذا الذي في السماوات والأرض ولدا لله!! تعالى الله عما يقولون.
(بل له ما في السماوات وما في الأرض) أي كل ما في السماوات والأرض ملك لله فكيف يُجعل فردا من أفراد هذا الملك العظيم لله سبحانه وتعالى ولدا لله؟!
(بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون)
(كل له قانتون) القنوت له معنيان أشار إليهما الشيخ معنى عام، ومعنى خاص المعنى الخاص: العبادة مثل قوله (وقوموا لله قانتين)، (أمّن هو قانت لله) فالقنوت يراد به العبادة ودوام العبادة. ويراد به المعنى العام: الذي هو الانقياد وأنه مسخّر لله طوع تدبيره وتسخيره سبحانه وتعالى.
(كل له قانتون) يعني كل المخلوقات خاضعه لله طوع تدبير الله عز وجل يحكم فيها بما يشاء ويقضي فيها بما يريد جل وعلا.
ثم ذكر أيضا في رد هذا الباطل قال (بديع السماوات والأرض) أي مبدع السماوات والأرض وخالقهما على غير مثال سابق أوجدهما سبحانه وتعالى بهذا الشكل والوصف البديع الجميل العظيم الدال على عظمة الخالق وكمال المبدع، (بديع السماوات والأرض) وفي موطن آخر قال جل وعلا (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم). قال (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ومن ذلكم عيسى عليه السلام (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فكيف يُجعل هذا المخلوق لله سبحانه وتعالى ولدا لله
- تعالى الله عما يقولون وسبحان الله عما يصفون- فالآيتان فيهما الرد على كل مُبطل قال هذا القول العظيم في حق الرب تنزه وتقدس عن ذلك جل في علاه.
قال الشيخ رحمه الله: "وقالوا" أي اليهود والنصارى والمشركون، اليهود مثل ما قال الله (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)، والمشركون قالوا الملائكة بنات الله، "وقالوا اليهود والنصارى والمشركون وكل من قال ذلك (اتخذ الله ولدا) فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله وأساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم" الآن الذين قالوا هذا القول من النصارى واليهود والمشركين والذين يقولونه الآن، الذين يقولون هذا القول (اتخذ الله ولدا) أليس الله - وهم يقولون هذا القول- يرزقهم ويعافيهم؟ هذا من الصبر، ولهذا جاء في الصحيح - صحيح مسلم وغيره- عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنه يُشرك به يقال اتخذ ولدا ويرزقهم ويعافيهم) يشركون به ويقولون اتخذ الله ولدا، يُجعل له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم هذا من الصبر، لا أحد أصبر على أذى من الله، ولهذا يقول الشيخ: "أساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم قد حلُم عليهم وعافاهم ورزقهم مع تنقصهم إيّاه" يشير إلى الحديث الذي ذكرت وهو في صحيح مسلم.
(سبحانه) أي تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله مثل ما قال الله عز وجل في الآية الأخرى (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) أي عما يصفه به أعداؤه وأعداء رسله وأعداء دينه سبحانه وتعالى، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. "ومع رده لقولهم أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك.
قال (بل له ما في السماوات والأرض) أي جميعهم ملكه وعبيده يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك وهم قانتون له أي مسخرون" هذا معنى القنوت لأن المراد بالقنوت هنا القنوت العام الذي يشمل جميع المخلوقات، المخلوقات قانتة لله أي مسخرة لله، مدبرة لله، طوع تدبيره سبحانه وتعالى وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده مفتقرين اليه وهو غني عنهم فكيف يكون منهم أحد يكون له ولدا، والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه وهؤلاء زعموا أنها بعض هذه المخلوقات التي خلقها الله وأوجدها وهي جزء من هذا الخلق العظيم الذي أوجده الله" قالوا لله ولد والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه والله تعالى المالك القاهر وأنتم المملوكون المقهورون، وهو الغني وأنتم الفقراء فكيف مع هذا يكون له ولد؟! هذا كله مستفاد من قوله (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون* بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) قال: "هذا من أبطل الباطل واسمجه"
قال: "والقنوت نوعان: قنوت عام وهو قنوت الخلق، الخلق كلهم تحت تدبير الخالق الذي هو التسخير مسخرون مدبرون لله، وخاص وهو قنوت العبادة" النوع الأول كما في هذه الآية (كل له قانتون) والنوع الثاني كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)
ثم قال (بديع السماوات والأرض) خالقهما على وجه قد اتقنهما وأحسنهما على غير مثال سابق، وفي موضع آخر قال (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) هذه كلها براهين وإقامة للحجة على بطلان هذا القول (واذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) أي لا يستعصي عليه ولا يمتنع منه ولا يعجزه سبحانه وتعالى شيء. نعم
ن/ قال رحمه الله: "قوله (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون* إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) أي قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم هلا يكلمنا الله كما كلم الرسل أو تاتينا آية، يعنون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة التي تجرؤوا بها على الخالق واستكبروا على رسله كقولهم (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وقولهم (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) الآية، (وقالوا لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) الايات، (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآيات، فهذا دأبهم مع رسلهم يطلبون آيات التعنت لا آيات الاسترشاد ولم يكن قصدهم تبين الحق فإن الرسل قد جاؤوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر ولهذا قال تعالى (قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون) وكل موقن فقد عرف من آيات الله الباهرة وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين واندفع عنه كل شك وريب، ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها وهي ترجع إلى ثلاثة أمور:
▪︎ الأول: في نفس إرساله
▪︎ والثاني: في سيرته وهديه ودلّه.
▪︎ والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
فالأول والثاني قد دخل في قوله (إنا أرسلناك)، والثالث دخل في قوله (بالحق)، وبيان الأمر الأول وهو نفس إرساله: أنه قد عُلم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران والصلبان، وتبديلهم للأديان حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمّتهم وشملتهم إلا بقايا من أهل الكتاب قد انقرضوا قبيل البعثة، وقد عُلم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى ولم يتركهم هملا لأنه حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه وهو آية كبيرة على أنه رسول الله.
وأما الثاني: فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة وعرف سيرته وهديه قبل البعثة ونشوءه على أكمل الخصال ثم من بعد ذلك قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين فمن عرفها وسبَر أحواله عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين، لأنه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم. وأما الثالث: فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم، والقرآن الكريم المشتمل على الإخبارات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة، فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة.
وقوله (بشيرا) أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، (ونذيرا) أي لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي، (ولا تُسال عن أصحاب الجحيم) أي لست مسؤولا عنهم إنما. عليك البلاغ وعلينا الحساب"
ت/ قول الله جل وعلا (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) قيل: المراد بـ (لا يعلمون) أي مشركوا العرب، وقيل اليهود والنصارى.
(وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) أي يكلمنا كلاما نسمعه منه بلا واسطة، يكلمنا الله كلاما نسمعه من الله يخبرنا فيه أن هذا مُرسل -الذي هو محمد عليه الصلاة والسلام- (لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) أي تدل على صدق هذا الرسول وصدق ما جاء به، ويقصدون بالآية الآيات التي يقترحونها تعنتا لا على وجه الاسترشاد وطلب الحق وإنما يتعنتون بذكر آيات يطلبونها يعينونها، يطلبون من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يأتي بها لتكون دليلا وشاهدا على صدقه (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا* او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك) لاحظ يعني هم هذه كلها تعنت ليس سؤال وطلب مسترشد (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) هذه الآيات يقترحونها نريد كذا ونريد كذا حتى من الذي قالوه (أو تأتي بالله والملائكة) أيضا تأتي بهم مع الله وتفعل كذا وتفعل كذا وتفعل كذا، هذه ليست آيات يطلبها مسترشد يريد فقط أن يطمئن، أبدا وإنما هي آيات اقتراح، تسمى آيات اقتراح المقصود منها العناد وعدم القبول، كأنه يقول هات آيات ومهما جئت به فلن نؤمن قال: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) أي نسمع كلامه منه مباشرة بأنك رسول مرسل من الله (أو تأتينا آية) تدل على صدق ما جئت به. (أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) يعني الأمم التي قبلهم قالت مثل هذا القول لأنبيائهم مثل ما قال مشرك العرب لأنبيائهم هذا القول أيضا الأمم التي قبلهم قالوا مثله ما السبب؟ (تشابهت قلوبهم) تشابهت قلوبهم في ماذا؟ في الكفر بالله والتكذيب بالأنبياء، فلما وُجِد التشابه في القلوب بالكفر والتكذيب تشابهت الأقوال، قال (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) مثل قولهم يعني مثل هذا القول (لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية تشابهت قلوبهم) أي في الكفر بالله سبحانه وتعالى مع أن الأمر الذي يطلبون البرهان عليه هو واضح قامت عليه البراهين الواضحة الجلية التي تؤكد لهم صدق هذا الرسول وصدق ما جاء به صلى الله عليه وسلم، والقوم إنما هم أهل عناد يقترحون فقط اقتراحات وما عندهم تهيؤ أصلا لقبول ما جاء به صلوات الله وسلامه عليه.
(قد بيّنا الآيات) يعني على صدقه والبراهين الواضحة الظاهرة البّينة (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) وهذا فيه أن هؤلاء الذين أشار الله إليهم بقوله (يوقنون) هم أهل الانتفاع بالآيات وأما غيرهم فيمرون على الآيات ولا ينتفعون بها لأن قلوبهم معرضة ومعاندة ومكابرة (قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون)
(إنا أرسلناك) أي أيها الرسول، (بالحق)، أرسلناك أي بعثناك.
وهذان نوعان من البرهان -كما سياتي في كلام الشيخ رحمه الله تعالى-
(بالحق) كل ما جاء به حق، ما أمر بشيء إلا وهو حق ومصلحة للعباد، ولا نهى عن شيء إلا وفي مضرة للعباد، قيل لأحد الأعراب كيف عرفت صدق الرسول؟ قال: "ما رأيته أمر بشيء فقال العقل ليته لم يأمر به، أو نهى عن شيء وقال العقل ليته لم ينهَ عنه" يعني لم يأمر إلا بخير ولم ينهَ إلا عن شر.
● (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم)
(لا تُسأل) مبني لما لم يسمَ فاعله أي لا يسألك الله، (لا تُسال عن أصحاب الجحيم) أي لا يسألك الله عنهم من مات منهم على كفره لا يسألك الله عنه، عليك البلاغ، وقد أدى عليه الصلاة والسلام ما أمره الله ببلاغه وافيا كاملا والله عز وجل يقول (عليك البلاغ) بلاغ هذه الرسالة ومن لم يقبل منك ومات على كفره لا تُسأل عنه.
(ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) من هم اصحاب الجحيم؟ الذين ماتوا على الكفر، أبوا قبول دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام وماتوا على هذا الإباء فهم أصحاب الجحيم.
(ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) وفي قراءة (ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم) على النهي مع الجزم (لا تسأل عن أصحاب الجحيم) أي أنه عليه الصلاة والسلام نُهي عن السؤال عمن مات على كفره (ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم).
قال الشيخ رحمه الله: «أي قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم - يعني مثل مشركي العرب- (لولا يكلمنا الله) أي هلا يكلمنا الله كما كلم الرسل أو تأتينا آية يعنون آيات الاقتراح، - ما هي آيات الاقتراح؟ التي هم يحددونها نريد كذا ونريد كذا ونريد- يحددون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة التي تجرأوا بها على الخالق واستكبروا على رسله كقولهم (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وقوله (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) وقوله (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها)" هذه كلها ماذا؟ آيات اقتراح يقترحونها هم وكذلك قوله (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) والآيات بعدها- فهذا دأبهم مع رسلهم يطلبون آيات التعنت لا آيات الاسترشاد، فرق بين آيات التعنت وآيات الاسترشاد، آيات يطلبونها تعنتا لا طلبا للهداية والاسترشاد وآيات التي يطلبها المسترشد الذي يريد الهداية.
قال: "ولم يكن قصدهم تبيين الحق فإن الرسل قد جاؤوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر" شاهده فيما تقدم ماذا؟ (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) الرسل كل رسول بعثه الله أيّده بآية كافية لأن يؤمن البشر بمشاهدتها ومع ذلك يأتي بعض الرسل ما آمن معه من قومه كلهم إلا رجل واحد او رجلين مع أنه معه آية على مثلها يؤمن البشر كلهم، واضحة (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فإن الرسل قد جاءوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر ولهذا قال (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فكل موقن قد عرف من آيات الله الباهرة وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين واندفع عنه كل شك وريب.
ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به قال (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها وهي ترجع إلى أمور ثلاثة:
• الأول: في نفس الرسالة
• والثاني: في سيرته وهديه ودلّه سمته صفته عليه الصلاة والسلام.
• والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
فهذه ثلاث، قال: "الأول والثاني دخل في قوله (إنا أرسلناك) فهذا فيه معرفة الرسالة ومعرفة الرسول" الآن طرق معرفة صدق الرسول ليست هي الآيات وحدها، المعجزات ليست هي وحدها من طرق معرفة الرسول النظر فيما أُرسل به هذا طريق عظيم جدا، النظر فيما أُرسل به ينظر في نفس الرسالة التي أرسل بها ما مضمونها، ما محتوياتها، والطريق الآخر النظر في سيرة المرسل، صفاته ما الذي يُعرف عنه في سيرته (أم لم يعرفوا رسولهم) معرفه الرسول، معرفة سيرته موجبة للتصديق هي نفسها آية، هي نفسها برهان السيرة سيرة الرسول عليه الصلاه والسلام.
قال: "الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودلّه، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. فالأول والثاني قد دخل في قوله (إنا أرسلناك) والثالث دخل في قوله (بالحق) وبيان الأمر الأول -وهو نفس إرساله- أنه قد عُلم حال أهل الأرض قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران والصلبان وتبديلهم للأديان حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمتهم وشملتهم مثل ما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من أهل الكتاب) يعني كانت الأرض كلها أطبق عليها الظلام وخيمت بالظلام فبعث في هذا الظلام عليه الصلاة والسلام، بعثه الله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور. "حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمتهم وشملتهم إلا بقايا من أهل الكتاب قد انقرضوا قبيل البعثة وقد عُلم أن الله لم يخلق خلقه سدى ولم يتركهم هملا لأنه حكيم، عليم، قدير، رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، هذا برهان واحد واضح مجرد الرسالة، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله ينظر فيما بُعث به، ما هي الرسالة التي بُعث بها، ما مضمونها، ما محتوياتها.
الثاني: من عرف النبي عليه الصلاة والسلام معرفة تامة وعرف سيرته وهديه قبل البعثه ونشوئه على أكمل الخصال ثم من بعد ذلك -يعني بعد البعثة - قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين، فمن عرفها وسبر أحواله عرف أنه لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين لأنه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم أو كذبهم.
أما الثالث: من البراهين فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم والقرآن الكريم المشتمل على الإخبارات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاث.
• قوله (بشيرا) أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، (ونذيرا) لمن عصاك بالشقاء والهلاك الدنيوي والأخروي.
قال (ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) أي لست مسؤولا عنهم إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. وتقدم في قراءة (ولا تَسأل) هذا نهي للرسول عليه الصلاة والسلام (لا تسأل عن أصحاب الجحيم) أي لا تسأل عن من مات على كفره بالله سبحانه وتعالى.
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.
الجمعة، 12 يونيو 2026
فوائد سورة المدثر (۱-۱۰)
بسم الله الرحمن الرحيم
الثلاثاء، 2 يونيو 2026
الدرس السابع والستون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٣)
تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٣) (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء... ) / صوتي
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:ن/ «قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا وكفّر بعضهم بعضا كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم فكل فرقه تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد:
قول الله جل وعلا (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) هذه الآية ذكر الله سبحانه وتعالى فيها ما بين هؤلاء من التباغض والتعادي - معاداة كل طائفة منهم للأخرى- وأيضا ما في كل طائفة منهم من الغرور والعجب بما هم فيه من العمل الذي هو ضلال وباطل فكل طائفة منهم ترى أن الذي هي عليه هو الحق وهو الهدى وأن الطائفة الأخرى هي التي على الباطل والضلال (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) مقصود (على شيء) أي ليست على دين صحيح، ليست على شيء أي في الدين ليس عندهم دين صحيح، ومثلهم أيضا تقول النصارى في اليهود (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي ليس عندهم في ذلك دين صحيح. قد ذُكر أن الآية نزلت في نزاع كان عند النبي عليه الصلاة والسلام بين أحبار يهود المدينة وبين نصارى نجران لما أتوا المدينة فتنازعوا كل طائفة ذمت الأخرى قالت ليست على شيء، ليست على شيء أي ليس عندها دين صحيح والله جل وعلا يقول (وهم يتلون الكتاب) لأن المعنى: أن اليهود لما قالت النصارى ليست على شيء هذا كفر منهم بعيسى وبما أنزل به، ولما قالت النصارى ليست اليهود على شيء هذا كفر منهم بموسى وبما أنزل به (وهم يتلون الكتاب) كل طائفة منهم الكتاب الذي عندهم فيما يصدق هذا الذي كفروا به، كل طائفة منهم في كتابها ما يصدق هذا الذي كفروا به، فاليهود يجدون في التوراة البشارة بعيسى، وأيضا أخذ الميثاق على الإيمان به إذا بُعث، والنصارى يجدون في الإنجيل ما يُصدق التوراة التي أنزلت على موسى ويصدق موسى عليه السلام وما جاء به، يجدون ذلك في الإنجيل وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى (وهم يتلون الكتاب) يعني يقولون هذا القول وهم يتلون الكتاب أي ويجدون فيه ما يصدق الذي يكفرون به، قال: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) المعنى: أن اليهود يتلون التوراة ويجدون فيها ما يصدق هذا الذي يكفرون به، والنصارى يتلون الإنجيل ويجدون فيه ما يصدق هذا الذي يكفرون به (وهم يتلون الكتاب)
(كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) مثل قول هؤلاء يعني من عُجب بما عندهم من باطل ونقض ونقد ما عند الآخرين وإبطاله على أي حال كان.
و(قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قيل في الذين لا يعلمون قولان:
/ قيل المراد مشركوا العرب قالوا ذلك لمحمد عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام قالوا ليسوا على شيء أي الدين الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وتبعه من تبعه فيه ليسوا على شيء ليسوا على دين حق وليسوا على دين صواب، ما الدين الصواب الذي يرونه؟ عبادة الأوثان، عبادة الأصنام المتخذة من دون الله سبحانه وتعالى.
/ وقيل: أن المراد بالذين لا يعلمون من كان قبل اليهود والنصارى من الأمم كقوم نوح، قوم عاد وقوم ثمود وغيرهم من الأقوام السابقة فكانوا يقولون ذلك في حق أنبيائهم، يقولون في حق أنبيائهم ومن اتبع أنبياءهم يقولون ليسوا على شيء فتشابهت قلوب الكفار كما سيأتي معنا (تشابهت قلوبهم).
قال (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
(فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ما المراد بالحكم هنا؟ الحكم الذي هو بيان الحق، هذا حصل في الدنيا، الحكم الذي هو بيان الحق، بيان الأهدى سبيلا والأقوم طريقا بُيّن هذا بحجج الله وبراهينه المُنزلة على رسله وأنبيائه، بيّن من أهل الحق ومن أهل الباطل، من أهل الهدى ومن أهل الضلال، بيّن ذلك، لكن المراد بالحكم الذي يوم القيامة الفصل بينهم، الآن في الدنيا كل طائفة تقول إنها هي على الحق، على ما هي عليه من ضلال وكفر باطل تقول إنها على الحق والله سبحانه وتعالى يقول (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) يريد حكم الفصل بينهم بأن يريهم، يرون ويشاهدون من يدخل الجنة ومن يدخل النار (فريق في الجنة وفريق في السعير) يرون ذلك، هذا الفصل، الفصل بينهم يعني ما يرونه ويعاينونه ويشاهدونه يوم القيامة من الفصل بين العباد الآن مجرد دعاوى لكن يوم القيامة يرون حقائق الأمور، ومن هذا الذي مر معنا الآن يقول (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) الذين يقولون لن تمسنا النار إلا أياما معدودة سيرون يوم الفصل الحقائق، هذا المعنى في قوله (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) مثلها في سورة الحج (إن الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) المراد بالحكم هنا الفصل كما توضحه هذه الآية، المراد بالحكم الفصل، (يحكم) أي يفصل، هذا معنى (يحكم بينهم يوم القيامة) يفصل بينهم يوم القيامة، الفصل يكون فيه ماذا؟ يرى الجميع من الذي وجهته أو جهته الجنة ومن الذي هو إلى النار (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
قال الشيخ رحمه الله: "وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا" أهل الكتاب اليهود والنصارى بعضهم ضلل بعضا، اليهود ضللت النصارى، والنصارى ضللت اليهود وكفّر بعضهم بعضا "كما فعل الأميين من مشركي العرب وغيرهم" يقصد ماذا؟ قول الله في الآية (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قال كما فعل الأميون مشركي العرب أو غيرهم على القول الثاني ماذا؟ الأمم التي سبقت اليهود في قولها في أنبيائها.
« فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك» وهذا بُيّن في الدنيا في الكتب المنزلة، بيّنته الرسل عليهم صلوات الله وسلامه والحكم الذي يكون يوم القيامة هو حكم الفصل، حكم الجزاء لأن الحكم الذي هو حكم الله سبحانه وتعالى ثلاثه أنواع:
والحكم القدري
والحكم الجزائي
الحكم الجزائي هو الذي إليه الإشارة هنا (يحكم بينهم) أي يفصل بينهم، يفصل بينهم بما بمآل كل فريق، فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير. نعم
ن/ قال رحمه الله: «قوله (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) أي لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها وتقذيرها
والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله تعالى فيها. وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادّة لله ومشاقّة فجازاهم الله بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع المشركين من قربان بيته فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وأصحاب الفيل قد ذكر الله تعالى ما جرى عليهم، والنصارى سلّط الله عليهم المؤمنين فأجلوهم، وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر، واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد.
(لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها فقال تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة»
ت/ ثم قال الله سبحانه وتعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) مساجد الله هي بيوت الله التي أذن الله سبحانه وتعالى برفعها وبنائها وتشييدها وتطهيرها وتطييبها لتكون موطن عبادة لله سجودا وركوعا وخضوعا وذل لله جل وعلا وهي أحب بقاع الأرض إلى الله كما صح بذلك الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم فهو جل وعلا أمر ببنائها، أمر برفعها، أمر بتشييدها، فمن أعظم المحادة لله ولأمره ولشرعه أن يعمل إنسان على تخريب المساجد وتعطيل العبادة فيها ومنع الناس من ذكر الله وأداء الصلاة في بيوت الله سبحانه وتعالى والآية في نزولها سبب -كما سيأتي- لكنها كما ذكر الشيخ عامة، اللفظ عام والقاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فقوله (ومن أظلم) الاستفهام هنا المراد به النفي أي لا أحد أظلم (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، يعني أن من يفعل هذا الفعل ظلمه أشد الظلم، لا أحد أظلم منه (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) النصوص دلت على أن العمارة لمساجد الله لبيوت الله عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية ببنائها وتنظيفها وتطييبها، والعناية بها.
المعنوية بالذكر والعبادة لله سبحانه وتعالى، فأظلم الظلم أن يعمل الإنسان على تعطيل هاتين العمارتين للمساجد،
(وسعى في خرابها) هذا تعطيل العمارة الحسية تخريب المساجد، فلا أحد أظلم ممن كان على هذا الوصف يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعى ويعمل على تخريب المساجد. وقد اختلف المفسرون في المراد بالذين منعوا مساجد الله من هم على قولين:
والآخر: أن المراد مشركو العرب عندما صدوا ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أراد الاعتمار والطواف بالبيت وعبادة الله سبحانه وتعالى (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون) (يصدون) فصدوا النبي عليه الصلاة والسلام هذا الصد منع.
فقيل المراد بالآية مشرك العرب وقيل المراد النصارى لكن الآية عامة كما وضح الشيخ المصنف رحمه الله تعالى.
الإمام بن جرير رحمه الله تعالى رجّح أن المراد بالآية النصارى، رجّح ذلك وذكر وجه الترجيح.
والحافظ ابن كثير رجح القول الثاني أنها نزلت في مشركي العرب وقال رحمه الله: «والذي يظهر - والله أعلم- القول الثاني كما قال ذلك ابن زيد ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما» ومما يؤيد الثاني قول الله عز وجل (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون) هذه واضحة أنها في مشركي العرب (وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه الا المتقون).
قال (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك) يعني أهل هذا الوصف، أهل هذه الأفعال الشنيعة (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أن هذا خبر بمعنى الطلب، قيل أن هذا خبر (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أنه خبر بمعنى الطلب أي: يا معاشر المؤمنين لا تمكنوهم من دخول المساجد إذا قدرتم عليهم وهذا الذي وقع إن كان المعني كفار قريش لما مكّن الله سبحانه وتعالى المسلمين منهم وفُتحت مكة نزل قول الله سبحانه (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قيل: أن هذا خبر بمعنى الطلب، وقيل: أنه بشارة أنه يحمل بشارة للمؤمنين بأن هذا الذي سيحصل لن يدخلوها سيأتي يومهم، الآن يخربون، يمنعون، يصدون، سيأتي يوم لا يكون لهم فيها أي تمكن وأن الأمر سيكون بأيدي المسلمين، فقيل أنها تحمل بشارة لأهل الإيمان.
(أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) (يدخلوها) أي المساجد (إلا خائفين لهم في الدنيا خزي) ذل وفضيحة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم)
قال الشيخ رحمه الله: «أي لا أحد أظلم وأشد جرما، (أظلم من) (أظلم) الاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من أنواع الطاعات، (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي منع الذاكرين لاسم الله فيها» والمعنى الثاني هذا يدل عليه ما قبله قال: «(ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) هذا يتناول العمارة المعنوية، وقوله (وسعى في خرابها) هذا يتعلق بالعمارة الحسية والله تعالى أعلم - وهذا عام -
يقول الشيخ: "وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة لأن القاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فاللفظ عام فيعم كل من كان بهذه الصفة - كل من كان يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها – قال: فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادة لله ومشاقّة فجازاهم الله، عاقبهم بأن منعهم من دخولها شرعا وقدرا"
شرعا كما هو مبين في الآيات، وقدرا بما قدّره وكتبه سبحانه وتعالى من ذل وصغار لكل من كان كذلك.
(إلا خائفين) ذليلين وهذا جزاء من جنس العمل، أخافوا المؤمنين وعملوا على المنع والصد، الصد عن بيوت الله سبحانه وتعالى "فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله" عاقبهم بعقوبة من جنس أعمالهم، هذه أمثلة يذكرها الشيخ "فالمشركون الذين صدوا رسوله صلى الله عليه وسلم لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا -أي لم يمضي إلا الوقت اليسير- حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع صلى الله عليه وسلم المشركين من قربان بيته قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قال: وأصحاب الفيل قد ذكر الله ما جرى عليهم (ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، والنصارى سلّط عليهم المؤمنين فأجلوهم عنه -أي عن بيت المقدس- وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه -أي من عقوبة الله والخزي- وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر بها قبل وقوعها، (ما كان لهم) هذا إخبار بها قبل وقوعها ووقعت طبقا لما أُخبروا، لهذا بعض أهل العلم قالوا: إن الآية جاءت تحمل بشارة لأهل الإيمان، الآن تُصَدون وتُمنَعون سيكون التمكين لكم وهؤلاء الذين يمنعونكم سيكونون بهذا الحال، وسيكونون بهذه الصفة (وما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين).
قال: "واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكافر أو الكفار من دخول المساجد (ما كان لهم أن يدخلوها) أخذوا من هذا (لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- أي كما تقدم فيما حصل لأصحاب الفيل، وما حصل لكفار قريش، وما حصل للنصارى (ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
ثم يذكر الشيخ رحمه الله تعالى فائدة نفيسة جدا مستفادة من هذه الآية قال: "إذا كان لا أظلم -كما تدل على ذلك الآية- ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد" الآية فيها مفهوم وفيها منطوق
ومن نعمة الله علينا في هذه البلاد ما تقوم به دولتنا وولاة أمرنا من عمل عظيم في خدمة الحرمين خاصة وفي خدمة عموم المساجد عامة، والواجب أن يذكر الإحسان ويُشكر، الواجب أن يُذكر الإحسان لأهله وأن يُشكر وأن يُدعى لهم بمزيد التوفيق ومزيد العون والتسديد.
قال: "وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والعمارة المعنوية" الحسية: بالبناء والتنظيف والتهيئة لها والعمل على خدمتها، والمعنوية: الصلاة والذكر وعبادة الله سبحانه وتعالى فيها، وتعلم العلم والتفقّه في دين الله، إلى غير ذلك.
قال: "فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها قال: (في بيوت أذن الله أن تُرفع) (أذن الله أن تُرفع) هذه العمارة الحسية، (ويذكر فيها اسمه) هذه العمارة المعنوية. (ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) قال الشيخ رحمه الله: "وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة، المساجد لها أحكام كثيرة لكنها في الجملة ترجع إلى ماذا؟ إلى جانبين: عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية يدخل تحتها البناء، النظافة، التطييب، إلى غير ذلك من الأمور الحسية التي تخدم بها المساجد، والعمارة المعنوية بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والتفقّه في دين الله إلى غير ذلك. نعم
ن/ قال رحمه الله: "قوله (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)"
نعم نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
الاثنين، 1 يونيو 2026
اسم الله (الوارث) / من كتاب فقه الأسماء الحسنى
الأحد، 31 مايو 2026
فوائد منتقاة / سورة هود (٩٠ - ٩٩)
/ وبه تفتح مغاليق الأمور ، قال سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه ..)
- (قَالُوا يَاشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) ما نفهم أكثر كلامك، مما يدل على تبلد مشاعرهم وغلظة طباعهم ، وكثيرا ما نشاهد في عصرنا الحاضر أمثال الملأ من قوم شعيب ممن طغى حب المال على نفوسهم ، وسيطر على أفكارهم ، فلا يفهمون إلا ما يُسمى في العصر الحاضر لغة المال ، وهي في الحقيقة لغة الجشع والشره والطمع ، فإذا ما حدثتهم بلغتهم أنصتوا إليك بكل ذرة في أجسادهم ، وأما إذا حدثتهم حديثا آخر أعرضوا عنك وأغلقوا دون حديثك أسماعهم وعقولهم ، ورأوا فيما تحدثهم به مضيعة للوقت.
/ ختمت الآيات استعراضها التاريخي لبعض قصص الأنبياء مع أممهم بوقفة قصيرة عند نبي الله موسى مع فرعون أظهرت فيها مسؤولية شخصية فردية ، وأشارت إلى أن اتباع قوم فرعون وطاعتهم له لا يخلصهم من مسؤوليتهم أمام الله تعالى .
/ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يتقدمهم يوم الحساب والجزاء ، فكما كان قدوتهم في الضلال في الدنيا ، كذلك يتقدمهم إلى النار يوم القيامة .