(وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ (13) فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15) تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (17))
غريب القرآن
ناكسو رؤوسهم = قد خفضوها وأطرقوا خزيا وندما
حق القول = ثبت وتحقق ووجب
تتجافي = ترتفع وتتنحى للعبادة
المضاجع = فرش النوم
/ (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12))
في قوله جل ذكره (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) مناسبة هذه الآية للآيات السابقة: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر رجوعهم إليه يوم القيامة في قوله سبحانه وتعالى (بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ (10) ۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ) لما ذكر هذا الرجوع ذكر حالهم في قيامهم بين يدي الله سبحانه وتعالى فقال سبحانه (وَلَوۡ تَرَىٰٓ) الخطاب هنا لمن؟
قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ولو ترى يا محمد إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم
وقيل: الخطاب هذا يدخل فيه غير النبي صلى الله عليه وسلم ممن يصلح له الخطاب.
في قوله (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بالمجرمين على قولين:
القول الأول: قالوا المراد بالمجرمين هنا هم منكروا البعث الذين سبق الحديث عنهم في الآيات السابقة في قوله (بل هم بلقاء ربهم كافرون) وإذا قلنا بأن المراد بالمجرمين هنا منكري البعث فهنا لفتة بيانية وهي: أنه يكون جيء بالاسم الظاهر مكان المُضمر، يعني كان التقدير: ولو ترى إذ هم ناكسو رؤوسهم عند ربهم، فلماذا جيء بالاسم الظاهر هنا مقام المُظهر إذا قلنا بأن المراد بالمجرمين منكرو البعث؟ قال بعض أهل العلم: وفائدة الإظهار هنا مقام الإضمار لبيان عظم فعلهم وأن فعلهم عظيم وكبير وهو إنكارهم للبعث.
القول الثاني: المراد بالمجرمين هنا هم كل مجرم ويدخل فيهم منكرو البعث دخولا أوليا.
/ قال الله جل ذكره (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) أي مطاطئو رؤوسهم يوم القيامة. قال (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) أي مطاطئو رؤوسهم يوم القيامة عند الله عز وجل، واختلف في سبب تنكيسهم لرؤوسهم على قولين:
القول الأول: قالوا سبب ذلك هو حياء من الله وخجل مما فعلوه و ارتكبوه.
والقول الثاني: قالوا بل كان سبب تنكيسهم لرؤوسهم هو الندم والخزي والذل والغم الذي حل بهم. والقولان متلازمان.
قال سبحانه وتعالى (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا) أي قائلين يا ربنا أبصرنا وسمعنا
ما الذي أبصروه؟ وما الذي سمعوه؟ اختلف المفسرون رحمهم الله في ذلك على أقوال:
فقال بعضهم: يقولون ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به من البعث وسمعنا مِصداق ما جاءت به الرسل من عندك
وقال بعضهم: ربنا أبصرنا قبح أعمالنا وسمعنا قول الملائكة أن مصيركم إلى النار. والآية تحتمل ذلك.
قال (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا) أي ارجعنا إلى هذه الدنيا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) أي نعمل فيها عملا صالحا، (إِنَّا مُوقِنُون) أي إنا موقنون الآن بالحق.
هنا ربط مهم جدا في الآيات السابقة التي مرت معنا لما الله عز وجل قال (ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ) هنا ذكر هذه الأشياء الثلاثة السمع والبصر والفؤاد، أين ذكر هذه الأشياء الثلاثة؟ أما السمع فقوله (وسمعنا) وأما البصر فقوله (أبصرنا) أين الحديث عن الفؤاد؟ في قوله (مُوقِنُون).
وهنا فائد مهمة جدا لاحظوا النظم القرآني كيف تغير في قوله (أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) كان التقدير: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا أيقنا، لكن جاء بلفظ (إنا موقنون) فلماذا غاير في النظم القرآني؟ لاحظوا أنه جيء بالاسم بالجملة الإسمية في قوله (إِنَّا مُوقِنُون) وهناك قال (أبصرنا وسمعنا) ثم جيء بقوله (إنا موقنون)، قال بعض أهل العلم: جيء بالجملة الإسمية هنا للدلالة على أنهم قد أيقنوا وأنهم ثابتون على الإيقان راغبون إلى الله عز وجل بعد أن ظهرت لهم العواقب. فهذه فائدة المجيء بالجملة الإسمية.
بقي سؤال يتعلق بهذه الآية وهو أين جواب لو ؟ (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) ماذ؟ لأن (لو) تحتاج جواب، قال بعض أهل العلم: جواب (لو) محذوف تقديره: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون لرأيت أمرا فظيعا وعجيبا" جواب (لو) محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما وفظيعا.
/ (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ (13))
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا) هذه الآية جواب لمقولة قالوها في الآية السابقة ما هي المقولة التي تصلح لهذه الآية؟ عند قوله (رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) أي فكأنه قيل لهم لو أردت لكم الإيمان لهديتكم في الدنيا ولكن لم أرد هدايتكم ولذلك قال (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا) أي ولو شئنا لهدينا كل إنسان في الدنيا للحق ووفقناه للإيمان والعمل.
قال (وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي) في قوله (وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي) (حق القول) أي: وجب القول وثبت ثبوتا لا تغير فيه ما هو القول؟
هذا جاء بيانه في سورة (ص) في قوله سبحانه وتعالى (قال فالحق والحق أقول لأملان جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين) لاحظوا أن هذه الآية لها صلة الآن ما تبقى من الآية وسنشير إليها.
قال (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ) أي وجب القول مني وثبت ثبوتا لا تغير فيه (لأملأن جهنم) أي أن أملأ جهنم (من الجِنة) يعني من كفار الجن (والناس أجمعين) فأعذبهم فيها عذابا أليما ومهينا، وحينئذ لما قال إبليس (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قال الله عز وجل (قال فالحق والحق أقول) وهذا هو السر في تقديم الجِنّة على الناس لأن الخطاب في سورة (ص) كان لإبليس. هذا قول. والقول الثاني: قيل التقديم للجِنّة على الناس لأن أكثر أهل النار من الجن.
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) وهذا فيه فائدة: أن الإنسان يسأل الله عز وجل الهداية وأن يهديه سبيل الرشاد وأن يثبته على الهدى.
/ (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14))
قال الله عز وجل بعد ذلك: (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ) في قوله (فذوقوا) الضمير يعود إلى من؟ إلى المجرمين، فذوقو أيها المجرمون (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا) يعني ذوقوا العذاب بسبب نسيانكم يوم القيامة وتكذيبكم به وترككم العمل استبعادا للقاء الله عز وجل.
قال (إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ) أي تركناكم في العذاب، والنسيان في اللغة يطلق على معنيين:
المعنى الأول: يطلق على معنى الغفلة والذهول وهذا منتفي في حق الله عز وجل
المعنى الثاني: يطلق ويراد به الترك وهذا هو المقصود في الآية في قوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يَوْمِكُمْ هذا إنا نسيناكم) أي تركناكم في العذاب، (وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ) أي وذوقوا عذاب تخلدون فيه إلى الأبد. بسبب ماذا؟ قال بما كنتم تعملون أي يسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والتكذيب والجزاء من جنس العمل.
في قوله (فَذُوقُوا بما نسيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُم هذا) هنا سؤال وهو: لماذا أضاف اليوم لهم في قوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يوْمِكُمْ هذا)؟
قال أهل العلم: هذا من باب التهكم بهم لأنهم كانوا ينكرونه ويستبعدونه ويقولون في السابق (أإذا مننا وكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) أضاف اليوم إليهم من باب التهكم بهم.
قال (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُم هذا) ولماذا جيء باسم الإشارة في قوله (يَوْمِكُم هذا)؟ لو قال فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم، معلوم أنهم الآن في حال الآخرة فلماذا جيء باسم الإشارة هذا؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب التهويل، تهويل ذلك اليوم وأنه يوم عسير قال الله عز وجل في سورة المدثر (فذلك يوْمَئِذٍ يَوْم عَسيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ).
/ قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ * إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا)
ما مناسبة هذه الآية للآية السابقة؟ لما ذكر الله عز وجل حال الكافرين وما أعده الله عز وجل لهم من العذاب ذكر المؤمنين ووصْفهم وذكر ما أعده لهم من الثواب.
قال الله عز وجل (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا) ما المراد بالآيات هنا؟ هل الآيات المقصود بها القرآن أو تشمل الآيات الكونية والشرعية؟
الذي يظهر - والله أعلم - أن المراد بها هنا القرآن، لماذا قلنا القرآن مع أن لفظ الآيات ممكن يطلق الآيات الشرعية والآيات الكونية؟ لماذا قلنا أنه الأظهر هنا القرآن؟ في سياق الآية (خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) هذا يدل على أنها القرآن، فهذا القول هو الأقرب والعلم عند الله لأن فيها سجدة، سجود التلاوة.قال الله عز وجل (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا) ما المراد بالآيات هنا؟ هل الآيات المقصود بها القرآن أو تشمل الآيات الكونية والشرعية؟
الذي يظهر - والله أعلم - أن المراد بها هنا القرآن، لماذا قلنا القرآن مع أن لفظ الآيات ممكن يطلق الآيات الشرعية والآيات الكونية؟ لماذا قلنا أنه الأظهر هنا القرآن؟ في سياق الآية (خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) هذا يدل على أنها القرآن، فهذا القول هو الأقرب والعلم عند الله لأن فيها سجدة، سجود التلاوة.
قال الله عز وجل (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا) أي الذين إذا وعظوا بهذه الآيات بادروا إلى إظهار التذلل والخضوع الله عز وجل. قال (إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ) أي سقطوا على وجوههم سجدا تعظيما لله عز وجل وخضوعا له وإقرارا بعبوديته، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد بالسجود هنا هو الركوع وليس المقصود به السجود الحقيقي، والذي يظهر - والله أعلم - أن المراد به هنا السجود الحقيقي.
قالَ (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) أي نزهوا الله سبحانه وتعالى في سجودهم عن جميع النقائص والعيوب لأن السجود مكان منخفض فناسب التسبيح، قال (وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) أي نزهوه تنزيها، (والباء) في قوله (بحمد ربهم) للملابسة يعني نزهوا الله عز وجل متلبسا بحمده وإثبات كمال صفاته سبحانه وتعالى.
هنا سؤال: لماذا جيئ بالاسم الظاهر ( بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ)؟ كان التقدير بأن يقال: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمده وهم لا يستكبرون، أو وسبحوا بحمدنا.
قال بعض أهل العلم: جيء بالاسم الظاهر هنا في قوله (وسبحوا بحمد ربهم) لأنه هنا متعلق بربوبية الله سبحانه وتعالى، وهذه الربوبية هي الربوبية الخاصة، فهم مربوبون الله وتعالى ومستجيبون لحمده جل وعلا.
قال الله جل وعلا (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15)) أي والحال أنهم لا يستكبرون، لا يستكبرون عن ماذا؟ هل لا يستكبرون عن السجود والتسبيح؟ أو لا يستكبرون عن آيات الله فهم يتبعونها وينقادون إليها؟ قولان للمفسرين:
القول الأول: المقصود به لا يستكبرون عن السجود والتسبيح.
والقول الثاني: قالوا: لا يستكبرون عن آيات الله عز وجل فهم يتبعونها وينقادون إليها.
وأي القولين أقرب؟ كلاهما لأن عندنا قاعدة حذف المتعلق يفيد العموم.
/ (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16))
(تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ) التجافي هو: الارتفاع، فقوله (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ) يعني ترتفع وتتباعد جنوبهم، الضمير يعود إلى من؟ إلى المؤمنين في قوله (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا).
قال (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ) أي ترتفع وتتباعد متنحية عن المضاجع أي عن فرشهم حال كونهم هاجرين للنوم بسبب مناجاتهم الله تعالى في الليل خوفا من غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه وعقابه، وطمعا في رضاه ورحمته ومغفرته وثوابه.
قال (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا)
في قوله (يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ) هل المراد بالدعاء هنا الدعاء المعروف أو المراد به الصلاة؟ قولان لأهل العلم:
القول الأول: قال هو الدعاء العبادة المعروف والمناجاة
والقول الثاني: الصلاة
بناء على هذين القولين ستختلف أقوال المفسرين في المراد بقوله (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ).
قال الله سبحانه وتعالى (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا) اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بالتجافي عن المضاجع هذا متى؟
الكل متفق على انه في الليل لأنه معلوم أن الناس تنام ليلا، ما المراد به اختلفوا فيه على خمسة أقوال:
القول الأول: قالوا هي الصلاة بين المغرب والعشاء وأنها نزلت في أناس كانوا ينامون قبل وقت العشاء وقبل صلاة المغرب لأن الناس كانت تكدح في السابق ولا ينامون النهار فإذا جاء الليل قد استفرغوا جهدهم هؤلاء من صفاتهم أنهم ينتظرون الصلاة أنهم يصلون بين المغرب والعشاء وهذا وقت غفلة، ولذلك كان السلف يكثرون فيه من الصلاة، الصلاة بين المغرب والعشاء.
القول الثاني: قالوا المراد بها صلاة المغرب وهذا كما ذكرنا ينامون عن صلاة المغرب لأنهم يأتون مجهدين متعبين.
القول الثالث: قالوا عني به انتظار صلاة العشاء لأنهم كانوا يصلون المغرب فينامون وقد تفوقهم صلاة العشاء فهؤلاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى لا ينامون عن صلاة العشاء.
القول الرابع: قالوا عني بها قيام الليل.
القول الخامس: قالوا هي صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله عز وجل ...
إذا أردنا أن نقسم هذه الخمسة على القولين في قوله (يدعون ربهم) كم سيكون لمن قال أنه الصلاة وكم سيكون لمن قال بأنه للدعاء؟
الأربعة للصلاة، وواحد للدعاء، الأربعة الأولى للصلاة بين المغرب والعشاء، صلاة المغرب، انتظار صلاة العشاء، قيام الليل، والقول الأخير أنه صفة لقوم لا تخلو ألسنتهم عن ذكر الله عز وجل فهذا المقصود به الدعاء.
/ قال سبحانه وتعالى (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ)
أي ومما رزقهم الله سبحانه وتعالى ينفقون في سبيله، وهنا فائدة ما المراد بالنفقة هنا؟ قولان لأهل العلم:
▪︎ القول الأول: قالوا هي الزكاة المفروضة
▪︎ القول الثاني: قالوا هي الصدقة المستحبة
وأي القولين أقرب؟
بعض المفسرين ذهب إلى أنها الصدقات المستحبة قالوا هي أفضل وأقرب لماذا؟ قالوا: لأن هذا مقام مدح وثناء فكونه يكون للنوافل أفضل من أن يكون للفرائض.
بينما ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالنفقة هذا الصدقة الواجبة والصدقة المستحبة قالوا لأن هذا من باب إخراج الصدقة، فهم ممتثلون في العبادات البدنية والعبادات المالية.
/ (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (17))
قال الله عز وجل بعد ذلك (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ) أي فلا يعلم أي أحد، وهنا سؤال: هل يدخل الملائكة في هذا العموم في قوله (فلا تعلم نفس)؟ يعني لا يعلم أي أحد، هل حتى الملائكة لا تعلم أو المراد به فقط البشر؟ قولان للمفسرين:
القول الأول: قالوا الملائكة داخلة في هذا العموم.
والقول الثاني: قالوا فقط هو خاص بالبشر
والصواب - والله أعلم - أن المراد به كل نفس سواء ملائكة أو البشر فلا تعلم نفس أي فلا يعلم أي أحد ما أخفي.
في قوله (ما أُخفى) قراءتان:
القراءة الأول: (ما أُخفيَ لهم)
والقراءة الثانية: (ما أُخفي لهم)
يعني القراءة الثانية ما أخفى الله لهم، يعني "ما أخفي لهم أنا" تقدير هذا الكلام هذه القراءة الثانية، والقراءتان صحیحتان متواترتان، فلا تعلم نفس ما أخفى الله عز وجل لهؤلاء، ولا شك ان القراءة في قوله (ما أُخفي لهم) أنها تدل على عظم الكرم لأنها من الكريم جل وعلا، نحن لا نقول مبني للمجهول لأن هذا لا يقال في حق الله سبحانه وتعالى نقول مبني للمفعول لماذا؟ تأدبا ، أو لم يسمى فاعله.
قال الله سبحانه وتعالى (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) لمن يعود الضمير في قوله (لهم) ؟ لهؤلاء الذين ذُكرت صفاتهم (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا) وما بعدها، (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) أي من النعيم العظيم في الجنة مما تقرّ به العين.
وكلمة (قرة أعين) قيل مأخوذة من القرّ الذي هو البرد فيقال قرت عينه: بردت، ولذلك يقال أن دموع الفرح باردة ودموع الحزن حارة.
وقيل: (قرة أعين) مأخوذة من القرار أي أعطاهم الله عز وجل ما تسکن به أعينهم فلا تطمح إلى غيره.
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).
قال (فَلا تَعْلَمُ نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين)
وهنا فائدة نفيسة: قال الحسن البصري رحمه الله "أخفى قوم عملهم فأخفى الله عز جل لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر، وكلما كان الإنسان أخفى في العمل الصالح كان الجزاء من جنس العمل" نحن الآن في زمن الناس تجاهر بأعمالها الصالحة، يعني يأخذ عمرة ويصور ماذا فعل في العمرة، وماذا دعا، وماذا قال .. إلخ وكان من الإخلاص أن يُخفي عمله، وقد كان السلف رحمهم الله يخفون أعمالهم الصالحة كما نخفي نحن أعمالنا السيئة، فلذلك ينبغي للإنسان أن يخفي أعماله الصالحة، كان السلف رحمهم الله يفعلونه حتى أن أهل بيته لا يعرفون - الذين هم أقرب الناس إليه - لا يعرفون ماذا يعمل، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل.
قال الله عز وجل (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) لماذا قال قرة أعين؟ ولم يقل "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعينهم"؟ قال بعض أهل العلم هذا فيه فائدة: أن ما أخفي لهم هو في غاية الحسن والكمال. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم من فضله..
/ قال الله عز وجل (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ) أي ثوابا لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا، وهذا فيه فائدة فإن الله سبحانه وتعالى شكور يشكر لعباده القليل ويرضى منهم اليسير، والله سبحانه وتعالى كريم، متفضل، بر، جواد، منان سبحانه وتعالى خزائنه ملئ لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم من فضله.
(أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ (18) أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (19) وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (21) وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22))
غريب القرآن:
المأوى = التي يأوون إليها، ويقيمون بها
نزلا = ضيافة لهم
العذاب الأدنى = البلايا والمصائب في الدنيا
مناسبة هذه الآيات للآيات السابقة:
أن الله سبحانه وتعالى لما بيّن حال المجرم وحال المؤمن ذكر سبحانه وتعالى هنا أنهما لا يستويان (أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ) فقال سبحانه وتعالى (أفمن كان مؤمنا) أي أفمن كان مؤمنا بالله سبحانه وتعالى ومتبعا لرسله عليهم السلام، ومؤمنا بوعد الله عز وجل ووعيده، ومطيعا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالأمر والنهي، (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) أي أيكون في حكم الله عز وجل كمن كان كافرا مكذبا خارجا عن دائرة الإيمان وعن طاعة الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى (لا يستوون) أي لا يستوون عند الله يوم القيامة فكل له جزاء مختلف حسب ما قدمه.
وهنا لفتة وهي: أنه سبحانه وتعالى ذكر فريقين ذكر المؤمن وذكر الفاسق فلماذا جمع في قوله (لا يستون)؟ لماذا لم يقل لا يستويان؟
قال بعض أهل العلم: المقصود في قوله (لا يستوون) هذا باعتبار جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلذلك قال (لا يستوون) جاء بصيغة الجمع.
ثمة سؤال لماذا جيء بهذه الجملة بقوله لا يستوون مع ان الأمر واضح (أفمن كان مؤمنا كان كمن كان فاسقا) الأمر واضح أن المؤمن ليس كالفاسق؟
قال أهل العلم: المجيء به هنا لزيادة التأكيد فحينئذ لا يستوي حال المؤمن التقي مع الفاسق الشقي، فكل له جزاء على ما قدمه يوم القيامة.
قال الله عز وجل (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) والاستفهام هنا استفهام انكاري، أي كيف يستوون في حكم الله سبحانه وتعالى والله قال في سورة الجاثية (أم حسب الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سواء محياهم ومماتهم سَاءَ ما يحكمون)، وقال سبحانه وتعالى (أفنجعل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36))، وقال سبحانه وتعالى (أم نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كالفجار) فحينئذ شتان بين مُشرّق و مُغرّب، شتان بين فريق الإيمان وشتان بين فريق الفسق والعصيان.
/ (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (19))
قال الله سبحانه وتعالى (أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ (18) أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) هنا تفصيل لمراتب الفريقين في الآخرة، الآن سيأتي التفصيل عن مراتب المؤمنين في الآخرة ثم سيأتي التفصيل المرتبة الفاسقين في الآخرة.
قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ) أي أما الذين آمنوا بما وجب عليه الإيمان به من الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره، (وعملوا الصالحات) أي عملوا الأعمال الصالحة ، والعمل الصالح لا يُطلق عليه عمل صالح إلا إذا اجتمع فيه شرطان:
الشرط الأول: الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
والشرط الثاني؛ المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ) هنا تقديم وتأخير في قوله (فلهم جنات المأوى) كيف سيكون ترتيب الآية؟ أن يقال جنات المأوى لهم، فلماذا جيء بالتقديم في قوله (فلهم جنات المأوى)؟ أي هذه الجنات خاصة بهم وهذا دليل على تشريف هؤلاء. قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ) أي جنات يأوون إليها فهم فيها مقيمون ومنها لا يخرجون.
قال (فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا) النُزُل؛ هو الضيافة وما يُعد للضيف. في قوله (فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ) أي هذه الجنات ضيافة كريمة مهيئة لهؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات بسبب ما كانوا يعملونه في الدنيا، قال أهل العلم: وإذا كانت هذه الضيافة التي هي جنات المأوى فما بالك فيما سيأتي بعدها؟ والله سبحانه وتعالى كريم وذكر ذلك في الآيات السابقة في قوله سبحانه وتعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) لا يخطر على قلب بشر ما لهؤلاء من النعيم.
هنا ذكر أهل العلم فائدة في قوله (فلهم جنات المأوى) أي هذه الجنات يأوون إليها ابتداء وينزلون فيها كضيوف وذكر الله سبحانه وتعالى في مواضع أخرى في كتابه أنهم يرتفعون في درجات الجنة وهم متفاوتون فيها ولهم مكان عظيم (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات كانت لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوس نزلا)
قال الله هنا (فلهُمْ جَنَّاتُ المأوى نزلا بما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي إذا قدِموا على الله عز وجل أكرمهم الله عز وجل وأعده لهم ضيافة ونزلا، وما عند الله خير للأبرار، قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران (لكن الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبهُمْ لَهم جَنَّاتُ تجري من تحتها الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ للأبرار) نسأل الله عز وجل من فضله.
/ (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ ) قال سبحانه وتعالى (أمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانُوا يَعْمَلُونَ) ثم ذكر الفريق الآخر قال (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ) أي خرجوا عن الإيمان، الفسق في اللغة المراد به الخروج، والفسق في القرآن غالبا يطلق على الكفر.
قال الله عز وجل (وأما الذين فسقوا) أي خرجوا عن الإيمان بالله عز وجل ، وعن طاعة الله عز وجل، وكفروا بالله سبحانه وتعالى، قال (فَمَأْواهم النار) لاحظوا المقابلة بين الفريقين الفريق المؤمن قال (فلهم جنات المأوى) وفي هذه الآية قال (فمأواهم النار) وهذا دليل على أن أهل الكفر والعياذ بالله وأهل الفسق المتصفين بهذه الصفة أنهم مباشرة يحشرون إلى جهنم هذا فيه إهانة لهم قال الله عز وجل (يَوْمَ يُدعُّون إلى نار جهنم دعّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِما تُكَذِّبُونَ (14))، قال الله سبحانه وتعالى (وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمأواهم النار) أي مسكنهم ومستقرهم النار يأوون إليها ويقيمون فيها.
قال (كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ) أي كلما أراد أولئك الفاسقون أن يخرجوا من النار (أعيدوا فيها) أي أُعيدوا فيها مكرهين جاء في بعض الآثار أنهم يصلون إلى أعالي النار فكأنهم يريدون الخروج ثم يعودون مرة أخرى فهذا ما يجيدونه من العذاب الأليم - والعياذ بالله - قال (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) أي رجعوا فيها مكرهين، (وقيل لهم) تقول لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكَذَّبُونَ فهنا جمعوا بين العذابين:
العذاب الأول: العذاب الحسي الجسدي
العذاب الثاني: العذاب النفسي
(وقيل لهم ذوقوا عذاب النار) أي قالت لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار (الذي كنتم به) أي كنتم به في الدنيا (تكذبون) أي تكذبون بوقوعه وأنه إنما عيشة في هذه الدنيا ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع فلا ثمة حساب ولا عذاب ولا آخرة ، ولا بعث ، ولا جنة، ولا نار ، قال الله عز وجل (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنم به تُكَذِّبون)
وهنا سؤال: جيء بالاسم الظاهر مكان المضمر وهو لفظ (النار) فقال (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها) أي يخرجوا من النار لم يقل "كلما أرادوا أن يخرجوا من النار"
(كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقُوا عَذَاب النار الذي كنتم به تكذبون) كان تقدير النظم أن يقال "كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذابها" فلماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (وقيل لهم ذوقُوا عَذَاب النار)؟
هذا من باب التهويل، التهديد والتخويف، وتعظيم الأمر، لذلك قال (وقيل لهم ذوقوا عَذاب النار) أي أن هذا العذاب عذاب أليم ومخيف، وهذا فيه قرع لقلوبهم في تهديدهم من هذا العذاب قال (كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ).
/ ثم قال بعدها سبحانه وتعالى بعدها
(وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (21))
لاحظ المجيء بلفظ "نذيقنهم" هذا اللفظ تكرر قبل هذه الآية مباشرة قال (ذوقوا عذاب النار) وفي هذه الآية قال (ولنذيقنهم) هذا من باب التأكيد (اللام) و (النون) في قوله (ولنذيقنهم) هذا فيه أمر شديد لذلك قال (ولنذيقنهم) أي ولنصيبن، الضمير يعود على من في قوله (ولنذيقنهم)؟ يعود على الفاسقين في الآية قال (وأما الذين فسقوا)، قال (ولنذيقنهم) جاء بالمؤكدات لام القسم والنون هذه كلها من باب التأكيد. قال (ولنذيقنهم) أي ولنصيبن هؤلاء الفاسقين المكذبين (من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر)
ما المراد بالعذاب الأدنى في قوله (من العذاب الأدنى)؟
اختلف المفسرون رحمهم الله فيه على أقوال أوصلها بعضهم إلى ستة أقوال:
القول الأول: المراد بالعذاب الأدنى هو مصائب الدنيا التي تصيبهم في أنفسهم وفي أموالهم.
القول الثاني: هو الحدود التي تقام عليهم
القول الثالث: القتل بالسيف وهذا كالذي حصل يوم بدر.
القول الرابع: سنون أصابتهم يعني الجوع والقحط.
القول الخامس: قالوا هو عذاب الدنيا.
والقول السادس: هو عذاب القبر.
المراد بالأقوال العذاب الأدنى الذين قالوا مصائب الدنيا في النفس والأموال هذا واضح ان الله عز وجل يبتليهم ويصيبهم في أنفسهم وأموالهم.
الذين قالوا إنها الحدود هذا يكون في حق الفاسقين من المؤمنين الذين تُقام عليهم الحدود.
الذين قالوا القتل بالسيف هذا أيضا حصل لكفار قريش، ويحصل للكفار عموما وهو الذي يكون في الجهاد سبيل الله.
الإصابة بالجوع والقط واضح وجلي حتى هذا أصاب قريش وعذاب الدنيا شامل لجميع أنواع العذاب وعذاب القير.
السؤال المهم كيف يكون عذاب القبر العذاب الأدنى والله قال (لعلهم يرجعون)؟ إذا توفي الإنسان فكيف يرجع عن كفره وغيه إذا قلنا بأن العذاب الأدنى هو عذاب القبر؟
قال بعض أهل العلم: لم يقل الله سبحانه وتعالى: ولنذيقنهم العذاب الأدنى، قال (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) والعذاب الأدنى يحصل لهم في دنياهم وعند موتهم وانتقالهم أيضا إلى قبورهم لأن هذا العذاب قبل الآخرة، هذا يحصل لهم في الدنيا وعند موتهم قال الله سبحانه وتعالى (ولو ترى إذ يتوفى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذاب الحريق) والعذاب ممتد ويحصل لهم بعد ذلك عند موتهم وانتقالهم إلى قبورهم. هذا توجيه لمن قال المراد به العذاب الأدنى هو عذاب القبر.
أي الأقوال الأقرب إلى الصواب؟
الأقرب - والله أعلم - أنها كلها صواب من باب التنوع
من العذاب الأدنى المصائب التي تصيبهم والحدود التي تقام عليهم، والقحط والجوع، وعذاب القبر وإلى آخره. وهذا اختيار شيخ المفسرين ابن جرير عليه رحمة الله.
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ) ما المراد بالعذاب الأكبر؟ هو عذاب الآخرة.
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ) أي لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل من كفرهم وعصيانهم.
سؤال: في قوله (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ) الأدنى لا يقابل الأكبر ، الأدنى يقابل الأقصى والأكبر يقابله الأصغر لماذا غاير هنا؟
لماذا لم يقل: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأقصى؟ لماذا لم يقل ولنذيقنهم من العذاب الأصغر دون العذاب الأكبر؟
لماذا قال الأدنى في مقابل الأكبر ؟
قال أهل العلم: حصل لهم في عذاب الدنيا أمران:
الأمر الأول: أنه قريب
والأمر الثاني: قليل صغير
وفي عذاب الآخرة ينطبق عليه وصف أنه بعيد وعظيم كثير فالقُرب في عذاب الدنيا هو الذي يحصل به التخويف ولذلك قال (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) لو قال لنذيقنهم من العذاب الأصغر استهانوا بالعذاب فذكر لهم العذاب الأدنى يعني العذاب القريب وهذا الذي يحصل به التخويف ، والذي يحصل به التخويف في عذاب الآخرة يقال العذاب الأقصى أو يقال العذاب الأكبر؟ يقال العذاب الأكبر . هذه هي المناسبة بين العذاب الأدنى والعذاب الأكبر. قال الله عز وجل: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ)
/ (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22))
(ومن أظلم) أي لا أحد أظلم، وسبق أن أشرنا لها سابقا وقلنا أحيانا تأتي بصيغة (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ثم تأتي أوصاف بعد ذلك فيظن الظان أنه تعارض فقلنا كل واحد الأظلمية في مكانه فالتكذيب لا أحد أعظم ممن ذكر بآيات ربه ، وفي الكذب على الوحي (ومن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) وهكذا.
قال (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم (ممن ذُكر بآيات ربه)
ما المقصود بالآيات هنا؟
هل المقصود بها الحُجج والعلامات؟ أو مقصود بها القرآن؟ أو المقصود بها الكتب السماوية؟ الآية تحتمل الجميع.
قال الله عز وجل (ومن أظلم ممن ذُكر بآيات ربه)
في قوله (ومن أظلم) ما نوع الاستفهام؟ استفهام انكاري ينكر عليه.
(ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه) لماذا جيء بلفظ الربوبية؟ ولم يقل ومن أظلم ممن ذكر بآياتنا؟ لأنه قال في آية أخرى (إنما يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكروا بها) لماذا جيء بلفظ الربوبية؟
قال بعض أهل العلم: أن لفظ الربوبية يقتضي الانقياد والطاعة الله سبحانه وتعالى لذلك جيء به هنا بما أنك مربوب أنت مطيع لربك وتحت تدبيره وقهره وغير خارج عن سلطانه.
قال الله عز وجل (ومن أظلم ممن ذُكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) أي ثم أعرض عنها مستكبرا عن قبولها، ومستنكفا عن الانقياد لها. س: لماذا جيء بـ (ثم) مع أنه جاء بآية مشابهة في سورة الكهف قال الله عز وجل (فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه) لأن (ثم) تفيد التراخي فلماذا جيء بها هنا؟
ج: قال بعض أهل العلم: إنما جيء بـ (ثم) ليدل على أنه لم يكن معرضا إلا بعد ما فكر، وقدر ، وتأمل ثم بعد ذلك أعرض، فلم يأتي الإعراض فجأة وإنما جاء بعد تأمل وتفكر وتقدير ونحو ذلك ولذلك وصف بأنه لا أحد أظلم منه.
قال الله عز وجل (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) أي سنتقم من الذين أعرضوا وكفروا، وكذبوا واكتسبوا السيئات.
وهنا فائدة: قال بعض أهل العلم: (المنتقم) ليس من أسماء الله عز وجل ولا يصح أن يوصف الله تعالى به على سبيل الإطلاق وإنما يجوز إضافة الانتقام إلى الله عز وجل مقيدة يعني الاخبار عن الله عز وجل أنه منتقم اخباراً مقيداً، وهذا هو الصحيح أنه لا يجوز أن يقال من أسماء الله المنتقم، وقد ورد في حديث أن من أسماء الله المنتقم، لكن هذا الحديث مدرج وليس مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام.
س: لماذا جيء بالجملة الاسمية في قوله إنا من المحرمين منتقمون؟
ج: لأن الجملة الإسمية تدل على الدوام والاستمرار وهذا يدل على أن الانتقام يتحقق في كل مجرم في الدنيا والآخرة، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى ومن سنة الله سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه وتعالى ذكر أنه (لَا يُصْلِحْ عَمَل الْمُفْسِدِينَ) وأن الله عز وجل ينصر أوليائه ..
س: لماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (المجرمين)؟ كان التقدير ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا منهم منتقمون، ج: ذكر أهل العلم علتين:
العلة الأولى: هذا ليعم كل مجرم.
العلة الثانية؛ قالو هذا زيادة في بيان حالهم وفظاعة حالهم، وبأنهم مجرمون مع أنهم ظالمون وهذا أمر عظيم أن يوصف الإنسان بوصف الجرم ولذلك وصف الإجرام في القرآن الكريم يطلق على الكافر.
قال الله عز وجل ( (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) وهذا فيه تسلية للمؤمن في أن الله سبحانه وتعالى يدافع عنه، وأن من سنة الله سبحانه وتعالى أن ينتقم من المجرم، وهذا فيه تهديد شديد لكل من اقترف واكتسب شيئا من الإثم، إن هذا فيه تهديد ووعيد شديد أن الله سينتقم منه.
الهدايات العلمية والعملية:
١- اعمل الصالحات قبل أن تتمنى عملها ولا تستطيع.
٢- ليكن لك خبيئة عمل صالح فاعمل عملا صالحا لا يظلع عليه إلا الله.
٣- لا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم فى الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد.
العمل اليومي:
١- اضبط منبهك لتقوم وتصلي من الليل وتدعو ربك وتصدق بصدقة.
٢- تذكر مصيبة نزلت بك ثم حاسب نفسك، وارجع إلى ربك.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدا ما أبقيتنا واجعله الوارث منا.. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.