تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١) / صوتي
الحمد لله رب العالمين صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:ن/ « قوله (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون* واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) أي ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) الذي أنزل إليهم أي طرحوه رغبة عنه (وراء ظهورهم) وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبقَ في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد: سبق الكلام على معاني هذه الآيات وهي تتعلق ببيان شيء من مخازي بني إسرائيل وقبائحهم العظيمة واطراحهم للحق والهدى وإقبالهم على الباطل والضلال ونبذهم كتاب الله جل وعلا وراء ظهورهم واتباعهم لما تتلوه الشياطين وتتقوله وتمليه من ضلال وباطل، وقوله جل وعلا (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) قال الشيخ: «(نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي الذي أنزل إليهم» وعرفنا أن فيها قولان:
- إما أن يكون المراد الكتاب الذي أنزل اليهم أي التوراة كما ذكر الشيخ
- أو يكون المراد القرآن الكريم.
وإذا أريد القرآن فيكون المراد تكذيبهم بالقرآن الكريم.
وقوله جل وعلا (ونبذوه وراء ظهورهم) قال: «وهذا أبلغ في الإعراض» يعني كونه اطّراحهم له أضيف إليه جعله وراء الظهر، وهذا إيذان منهم بعدم الرجوع إليه وهذا أبلغ ما يكون في التولي والإعراض.
ن/ قال رحمه الله: «ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ابتلي بالاشتغال بما يضره فمن ترك عبادة الرحمن ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل»
ت/ نعم، وهذا الآن واضح في حال هؤلاء لما نبذوا كتاب الله واطرحوه وراء ظهورهم ابتلاهم الله عز وجل باتباع ما تتلوه الشياطين وتتقوله الشياطين على ملك سليمان من السحر والضلال والباطل، فلما نبذوا القرآن وما فيه من الهدى والحق والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ابتُلوا بالسحر وتعلّم السحر الذي فيه الهلاك، وفيه أيضا الشقاء وعقوبه الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. نعم
ن/ قال رحمه الله: «كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله تعالى اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان عليه السلام بل نزهه الصادق في قيله (وما كفر سليمان) أي بتعلم السحر فلم يتعلمه ولكن الشياطين كفروا» نعم
ت/ يعني هؤلاء اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان (ما تتلو الشياطين) قال الشيخ: أي تختلق أي تختلق وهذا مستفاد من قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) عُديت (تتلو) بـ (على) لأنه ضُمن معنى الاختلاق والكذب، ولهذا معنى (تتلو) اي تختلق، تكذب، تتقول على ملك سليمان، أي ما تنسبه الشياطين لسليمان عليه السلام من تعاطي السحر واستعماله وأنه إنما سُخر له الجن باستعمال السحر هكذا تقولت الشياطين على سليمان وعلى ملك سليمان على عهده وأن هذا هو الواقع ولهذا قال الشيخ "واتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان والله جل وعلا برأ نبيه سليمان عليه السلام من السحر بقوله (وما كفر سليمان)" لاحظ ما قال وما سحر قال وما كفر براه من السحر بقوله وما كفر ولهذا استدل بهذه اللفظة على كفر الساحر وأن من تعلم السحر كفر لأن الله لما برأ سليمان عليه السلام من السحر برأه بقوله (وما كفر سليمان).
ن/ قال: «(ولكن الشياطين كفروا) أي في ذلك، يعلمون الناس السحر من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بارض بابل من ارض العراق أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاءا من الله لعباده فيعلمانهم السحر، وما يعلمان من أحد حتى ينصحاه ويقولا (إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي لا تتعلم السحر فإنه كفر فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تُعلّمه الشياطين والسحر الذي يُعلّمه الملكان فتركوا علم الأنبياء والمرسلين واقبلوا على علم الشياطين وكل يصبو إلى ما يناسبه»
ت/ نعم، لاحظ في سياق الآيات قال عن الشياطين (يعلمون الناس السحر) أي الشياطين، وأيضا في السياق قال (وما يعلمان من أحد) أي السحر والمقصود الملكان، وفرق بين هذا التعليم وهذا التعليم، تعليم الشياطين للسحر على وجه الإفساد لبني آدم وإضلالهم وإغوائهم وإبعادهم عن سواء السبيل، وتعليم الملكان على وجه الامتحان، امتحان وابتلاء في مدى التمسك بالدين أو عدمه، ولهذا يصاحب تعليم الملكين نصيحة وتحذير (إنما نحن فتنة فلا تكفر) كل من أراد أن يتعلم عليهم يبينان له أنهما أُنزلا بهذا التعليم فتنة وأن هذا السحر كفر (فلا تكفر) لأنك إن تعلمته كفرت، ففرق بين هذا وهذا.
قال: "فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته" هذه طريقة الملكين، وأما الشياطين فقال: "فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى سليمان الذي برأه الله سبحانه وتعالى من ذلك بقوله (وما كفر سليمان)"
هنا سؤال يتعلق بسليمان أريد جوابه بدليله من القرآن:
سليمان عليه السلام بعد موسى أو قبله؟ نعم بعده.
ما الدليل؟ (ألم ترى إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) ثم في سياق القصة قال: (فقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة) وداوود هو والد سليمان فهو من بعد موسى وليس قبله. نعم
ن/ قال رحمه الله: « ثم ذكر مفاسد السحر فقال (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما لأن الله تعالى قال في حقهما (وجعل بينكم مودة ورحمة) وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة»
ت/ نعم. قوله: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه)
(فيتعلمون منهما) الضمير عائد على الملكين، يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وهذا نوع من السحر يسمى سحر الصرف، يعني صرف المتحابين فيصبحا به متباغضين يسمى سحر الصرف، (فيتعلمون منهما ما يفرقون به) بهذا الذي تعلموه الذي هو السحر (بين المرء وزوجه) والتفريق بين المرء وزوجه والشيخ ينبه هنا على استحضار قوله تعالى (وجعل بينكم مودة ورحمة) يعني مودة عظيمة ورحمه تُلقى في قلب الزوجين ويصبح بينهما محبة بعد عقد الزوجية يلقيها الله عز وجل، يجعلها الله عز وجل، فهذه المحبة القوية بالسحر تصرف إلى بغض إذا السحر له حقيقة، له تأثير، من التأثير الذي يترتب عليه الصرف، صرف المتحابين، صرف هذه المودة والمحبة إلى بغض وكره. (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) هذا فيه أن السحر له حقيقة، أيضا قول الله عز وجل (ومن شر النفاثات في العقد) السحر فيه شر وفيه مضرة ويترتب عليه أضرار عظيمة جدا، فله حقيقة لكن هذه المضرة لا تقع إلا بإذن الله الكوني.
ن/ قال رحمه الله: « وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة وأنه يضر بإذن الله» أي بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري وهو المتعلق بمشيئة الله كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة (فإنه نزّله على قلبك بإذن الله)»
ت/ الإذن الشرعي مثل (ءآلله أذن لكم) (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) فالإذن يطلق على:
▪︎ الإذن الكوني القدري يعني هنا في قوله (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) هل يصح أن يقال (إلا بإذن الله) إلا بشرع الله؟ ما يصح، المراد الإذن الكوني، المراد يعني لا يقع شيء من السحر إلا شيء قدره الله كونا، هذا المقصود.
ن/ قال رحمه الله: «وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير ولم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد»
ت/ القدرية يقصد بهم القدرية النُفاة، المقصود بالنُفات نفات القدر وهم المعتزلة، من أضل الفرق وأشدها انحرافا، فهم نفات للقدر ويقولون أن الإنسان هو الخالق لفعل نفسه وأن الأمر أُنف ولا قدر، فيقول لم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة إلا القدرية المقصود بالقدرية أي النفاة نفات القدر. نعم
ن/ قال رحمه الله: «زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين».
ت/ من المخالفة لكتاب الله هذه الآية (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) أي بتقديره وإرادته الكونية القدرية. نعم
ن/ قال رحمه الله: «ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة ليس فيها منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فهذا السحر مضرة محضة فليس له داع اصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها، (ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه) اأي ي رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة (ماله في الآخرة من خلاق) أي نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) علما يُثمر العمل ما فعلوه»
ت/ ثم بعدها قوله سبحانه وتعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) يعني كأن الشيخ - والله أعلم - نسي أو سهى عن هذه الآية، وتقدم الإشارة إلى شيء من معناها. ذكرت أن الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه معارج القبول ذكر هذه الآيات وبيّن رحمه الله أنها دلت على كفر الساحر من وجوه قال: «وذلك واضح صريح في آية البقرة بأمور» وذكر رحمه الله أمورا سبعة.
واذكر لكم للفائدة ملخصا لهذه السبعة ويرجع فيها الى كتابه معارج القبول:
▪︎الأول: قال: منها سبب عدول اليهود إليه - يعني إلى السحر- هو نبذهم كتاب الله وراء ظهورهم كما قال تعالى (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) سواء - يقول الشيخ- أريد بالكتاب التوراة أو القرآن لأنهما قولان، سواء أريد بالكتاب التوراة أو القرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام كل ذلك نبذه كفر، فإذا عدولهم إلى السحر كان منبنيا على نبذ الكتاب ونبذ الكتاب كفر هذا الدليل الأول.
▪︎ الثاني: قال: قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين) أي تتقوله وتزوره (على ملك سليمان) أي في ملكه وعهده، ومعلوم أن استبدال ما تتلوه الشياطين وتتقوله والانقياد له والعمل به عوضا عما أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هذا من أعظم الكفر ومن عباده الطاغوت التي هي أصل الكفر.
▪︎الأمر الثالث: قال: ومنها قوله (وما كفر سليمان) برأ الله سبحانه نبيه سليمان عليه السلام من الكفر، وهذا الكفر الذي برأه تعالى منه هو علم السحر، وإن كان بريئا من الكفر كله، معصوما مما هو دونه لكن سياق الآية في خصوص السحر وأنه بريء منه.
▪︎ الأمر الرابع: قال: ومنها قوله (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) أكذب الله اليهود فيما نسبوه إلى نبيه سليمان عليه السلام بقوله (وما كفر سليمان) وهم إنما نسبوا السحر إليه ولازم ما نسبوه إليه هو الكفر لأن السحر كفر ولهذا أثبت كفر الشياطين بتعليمهم الناس السحر فقال (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) قال: "وكذلك كل من تعلّم السحر أو علّمه أو عمل به يكفر ككفر الشياطين الذين علموه الناس إذ لا فرق بينه وبينهم"
▪︎الأمر الخامس: قال: ولهذا قال تعالى في الملكين (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) فبيّن تعالى أنه بمجرد تعلمه يكفر سواء عمِل به أو لا، سواء عمِل به وعلّمه أو لا.
▪︎السادس: قال: ومنها قوله (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) أي من حظ ولا نصيب. وهذا الوعيد ما له في الآخرة من خلاق لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للايمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة وهؤلاء قال الله (ما لهم في الآخرة من خلاق) أي من نصيب وحظ، هذا لا يقال إلا فيما هو كفرا أكبر.
الأمر السابع: قال: قوله (ولو أنهم آمنوا) يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن (واتقوا) واتقوا بتجنب السحر وسائر الذنوب (لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) قال: وهذا من أصرح الأدلة على كفر الساحر ونفي الإيمان عنه بالكلية، فإنه لا يقال للمؤمن المتقي ولو أنه آمن واتقى وإنما قال تعالى ذلك لمن كفر وفجر وعمل بالسحر. فهذه وجوه سبعه تدل على كفر الساحر كلها مستفاده من هذا السياق بدءا من قوله (ولما جاءهم رسول مصدق لما معهم) نعم.
ن/ قال رحمه الله: «قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم* ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول صلى الله عليه وسلم عند تعلمهم أمر الدين راعنا اي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا فانتهزوا الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله تعالى المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال (وقولوا انظرنا) فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، (واسمعوا) لم يذكر المسموع ليعم ما أمر باستماعه فيدخل فيه سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة، ثم توعّد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين أنهم ما يودون (أن ينزل عليكم من خير) أي لا قليلا ولا كثيرا (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة»
ت/ قول الله جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هنا نهي عن لفظ ودلالة إلى لفظ آخر بدله، لفظ كان يقوله الصحابة في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام ونهو عنه وأُرشدوا إلى لفظ آخر يحل محله لأن اللفظ الأول فيه شبهة واللفظ الثاني لا إشكال فيه، واضح لا إشكال فيه والصحابة رضي الله عنهم لما كانوا يتكلمون باللفظ الأول الذي جاء النهي عنه (راعنا) هل قام في نفوسهم معنى فاسد أو مقصد فاسد؟ أبدا ليس في قلوبهم إلا مقصد صحيح وهي لفظة استعملوها على معنى صحيح تدل عليه هذه اللفظة فكانوا يقولون راعنا قاصدين بها معنى صحيح، اليهود فرحوا بهذه الكلمة وباستعمال المسلمين لها وبدأوا أيضا يقولونها لكن على معنى فاسد، الصحابة كانوا يقولونها راعنا من المراعاة، واليهود صاروا يقولونها ويضحكون إذا سمعوا المسلمين يقولونها للنبي عليه الصلاة والسلام لأنهم يحملونها على الرعونة لا المراعاة، انظر ما يوضح ذلك في قوله سبحانه وتعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) يلوون ألسنتهم بهذه الكلمة راعنا يقولونها ويلوون ألسنتهم بها ويريدون بها الرعونة ووصف النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فجاء النهي عن استعمال هذا اللفظ وأمروا أن يقولوا بدله (انظرنا)، و(انظرنا) تؤدي المعنى نفسه الذي يريده الصحابة وليس فيها هذا الأمر، ولهذا تُعد هذه الآية أصل في مراعاة الألفاظ حتى وإن سلم المقصد.
الآن كثير من الناس لما تنهاه عن اللفظ وتبين له الخطأ الذي في اللفظ ماذا يقول لك؟ لم أقصد ذلك أنا نيتي طيبة، يقول أنا لم أقصد ذلك، يقال: حتى وإن لم تقصد لابد أن تراعي اللفظ نفسه سلامته بدليل ماذا؟ أن الصحابة لما كانوا يقولون راعنا هل كانوا يقصدون معنى سيء؟ أبدا حاشاهم ومع ذلك جاء النهي قال (لا تقولوا راعنا) جاء نهي مع أنهم ما كانوا يقصدون أصلا أي معنى سيء، فلا يصح أن الإنسان عندما يُنبه على لفظ خاطئ ويقول لا أنا قصدي طيب يقال له نعم يعني قصدك طيب هذه نعمة، نعمة عظيمة سلامة القصد لكن أيضا زد مع سلامة قصدك ماذا؟ زد مع سلامة قصدك سلامة لفظك، وينبغي أيضا مراعاة الرفق في التوجيه، لما قال أنا قصدي طيب قل له أحسنت على حسن القصد وهذا هو الحري بك وأنعِم وأكرِم لكن انتبه يا أخي اللفظ لابد واذكر له هذه الآية واذكر له أن الصحابة ما كان قصدهم سيئا، ولهذا هذا محل خلل موجود كثير في الناس ألفاظ كثيرة يخطئون فيها عندما يوجه إلى الصواب يقول أنا قصدي صحيح هذا المعنى الذي تقصد أنا ما أقصده يقال: حتى وإن لم تكن تقصد هذا المعنى الفاسد لابد من إصلاح اللفظ، فالشريعة كما أنها جاءت بإصلاح المقاصد أيضا جاءت بإصلاح الألفاظ مثل ما في هذه الآية قال (لا تقولوا راعنا)، (لا تقولوا راعنا) هذا لفظ، هذا ليس قصد هذا لفظ، الآن النهي عن لفظ ليس عن قصد (لا تقولوا راعنا) هذا نهي عن اللفظ ليس نهي عن قصد فاسد صحيح، (لا تقولوا راعنا) لا تقولوا هذا اللفظ (وقولوا انظرنا) قولوا بدلها انظرنا لأنها تؤدي المعنى الذي تريدونه وتقصدونه ولا فيها الإشكال الذي في اللفظة الأولى، قال (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) المسلمون كانوا يقولونها في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام يقولون راعنا من المراعاة،
واليهود يقولونها يريدون بها الرعونة كما في الآية التي أشرت إليها، ومن المقاصد في ذلك بُدلت اللفظة للمسلمين ليزول تعلق اليهود بها، أيضا هذا من المقاصد في هذا النهي ليزول تعلق اليهود، صاروا يتعلقون بهذه اللفظة ويقولونها على المعنى الفاسد فجاء النهي لأهل الإيمان ألا يقولوا هذه الكلمة، إذا نُهي أهل الإيمان عن قولها انقطع قول اليهود لها على المعنى الفاسد الذي يريدونه لأنه جاء نهي عن هذه الكلمة التي يلوون ألسنتهم بها، يلوون ألسنتهم بها يريدون بها الدعاء على النبي عليه الصلاة والسلام بالرعونة.
قال (وقولوا انظرنا واسمعوا) أي سمع قبول وإجابة، (وللكافرين عذاب أليم) أي عذاب شديد موجع مؤلم.
ثم ذكر جل وعلا شدة عداوة الكفار من المشركين وأهل الكتاب لأهل الإيمان وحسدهم الشديد لأهل الإيمان في الخير الذي يتفضل الله به عليهم، قال في بيان شدة العداوة (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزل عليكم من خير من ربكم) هذا على وجه ماذا؟ الحسد، هذا على وجه الحسد، (من خير من ربكم) أي أدنى خير ولو قليل من الخير، ما يودون ذلك، يكرهون ذلك من علم، من هدى، من صلاح، من نصر، من رزق، (من خير من ربكم) أي خير قلّ او كثُر، لا يودون أن ينزل عليكم شيء من الخير (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء) هذه عظيمة جدا، هذه عظيمة في طيتها نعمة لأهل الإيمان كأنه يقال لهم يا أهل الإيمان رزق الله الذي كتبه لكم لا يرده حسد حاسد، ولا كراهية كاره، ما يرده (والله يختص برحمته من يشاء) فالخير الذي أراده لعبده المؤمن يصل إليه وإن حسده الحاسد، وإن كره نزوله عليه أو وصوله إليه كاره (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ولهذا في الآية دعوة إلى الإقبال على الله وسؤاله سبحانه وتعالى من واسع فضله، فالفضل بيد الله يختص به من يشاء، يخصّ به من يشاء، ومن خصّه جلّ وعلا بفضله لا رادّ لفضله، لا يمنع فضل الله عز وجل مانع ولا يرد عطاءه أحد. قال الشيخ رحمه الله: «كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عليه الصلاة والسلام عند تعلمهم أمر الدين يقولون راعنا يقولون، راعنا أي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا» إذا سمعوا المسلمين يقولون راعنا يضحكون وهم أيضا يقولون في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام راعنا ويقصدون المعنى الفاسد، فانتهزوا الفرصة - أي اليهود - فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب. ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن.
يراعي الإنسان في ألفاظه أن يأتي باللفظ الذي لا يحتمل إلا المعنى الحسن، واللفظ إذا كان يحتمل ويحتمل يتركه ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل، ولهذا سبحان الله يعني وهذا لابد أن ننبه عليه بهذه المناسبة من يقرأ في كتب التفسير خاصة لما يكون الحديث عن إعراب الآية تجد ألفاظ ما تليق، هي غير مقصودة، لا يقصدها المفسر، لكن اللفظ لا بد من مراعاته يقول مثلا في بعض الكلمات في الآية "هذا لغو"، أو يقول "هذا حشو"، أو مثلا في الإعراب يقول فيما يتعلق بالرب يقول مثلا مبني للمجهول (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني المجهول، المقصود بالمجهول هنا الرب العظيم أعلم المعلومات، من يعرب يقول لك: لا أنا ما أقصد هذا المعنى الفاسد، يقال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) المعنى الفاسد اتركه حتى وإن كنت ما تقصد اترك المعنى، حتى مثلا (وخُلق الإنسان ضعيفا) يقول( الإنسان) نائب فاعل، هذا أيضا ما يصلح أدبا مع الله عز وجل ومراعاة الألفاظ، ما يصلح أن يقال مثل هذا الكلام، يقول أنا أقصد الإعراب ما اقصد هذه المعاني، يقال لا، اللفظ مطلوب إصلاحه أدبا مع الله.
الآن هنا مُنع من هذا اللفظ أدبا مع من؟ أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام، والأدب مع الله أعظم وأولى وأهم، مراعاة الأدب هنا أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) الصحابة رضي الله عنهم لما نزل (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هل قالوا نحن ما قصدنا مثل ما يقول الآن الكثير؟ هل قالوا ما قصدنا هذا المعنى؟ استجابوا مباشرة، هكذا ينبغي للمسلم الألفاظ التي فيها تشويش، فيها إشكال، فيها معنى فاسد إلى آخره يتركها ويستعمل اللفظ الصحيح، فلما يأتي يعرب (خُلق الانسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني لما لم يُسمى فاعله، ما يقول لمجهول، مبني لما لم يسمى فاعله، ولما يأتي يعرب (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (الإنسان) مرفوع ما لم يسمى فاعله، ما يقول نائب فاعل، فيه ألفاظ مؤدبة مهذبة صحيحة سليمة تؤدي المعنى المقصود وهي المستعملة عند النحاة المتقدمين، مثل هذه الألفاظ في الغالب الأعم جاءت متأخرة، ولما تنظر في كتب الأعاريف عند المتقدمين ما فيها مثل هذه الألفاظ، فهذه تفتح للعبد باب الأدب رفيع جدا في ألفاظه يترك طريقة الجُهّال أنا ما أقصد وأنا نيتي طيبة، هذا يتركه هذه الآية تفتح له باب صلاح عظيم جدا في ألفاظه وسلامتها وصلاحها واستقامتها. انظر ماذا يقول الشيخ «وفيه الأدب في استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن» هكذا ينبغي أن نتأدب ونتعلم من هذه الآية.
فقال «وقولوا انظرنا فإنها كافية بحصوله» يحصل بها المقصود من غير محظور واسمعوا قال الشيخ «ولم يذكر المسموع ليعم ما أُمر باستماعه فيدخل سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة ففيه الأدب والطاعة» الأدب في قوله (وقولوا انظرنا) والطاعة في قوله (واسمعوا) لأن السماع هنا سماع إجابة وطاعة. ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع قال: «وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين انهم ما يودون أن ينزل عليكم أي معاشر أهل الإيمان من خير أي لا قليل ولا كثير (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم الله بفضله فانه سبحانه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة.
جاء عن ابن عباس في الأثر قال: "راعنا بلسان اليهود السب القبيح" فكان اليهود يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرا هذه الكلمة (راعنا) سرا يقصدون بها سب، فلما سمعوا أصحابه يقولون راعنا على معنى صحيح، فلما سمعوا أصحابه يقولون (راعنا) أعلنوا بها صاروا يقولونها لكن هم يقصدون بها المعنى القبيح فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم فأنزل الله الآية (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..
جزاكم الله خيرا.