بسم الله الرحمن الرحيم
الجمعة، 12 يونيو 2026
فوائد سورة المدثر (۱-۱۰)
الثلاثاء، 2 يونيو 2026
الدرس السابع والستون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٣)
تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٣) (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء... ) / صوتي
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:ن/ «قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا وكفّر بعضهم بعضا كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم فكل فرقه تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد:
قول الله جل وعلا (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) هذه الآية ذكر الله سبحانه وتعالى فيها ما بين هؤلاء من التباغض والتعادي - معاداة كل طائفة منهم للأخرى- وأيضا ما في كل طائفة منهم من الغرور والعجب بما هم فيه من العمل الذي هو ضلال وباطل فكل طائفة منهم ترى أن الذي هي عليه هو الحق وهو الهدى وأن الطائفة الأخرى هي التي على الباطل والضلال (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) مقصود (على شيء) أي ليست على دين صحيح، ليست على شيء أي في الدين ليس عندهم دين صحيح، ومثلهم أيضا تقول النصارى في اليهود (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي ليس عندهم في ذلك دين صحيح. قد ذُكر أن الآية نزلت في نزاع كان عند النبي عليه الصلاة والسلام بين أحبار يهود المدينة وبين نصارى نجران لما أتوا المدينة فتنازعوا كل طائفة ذمت الأخرى قالت ليست على شيء، ليست على شيء أي ليس عندها دين صحيح والله جل وعلا يقول (وهم يتلون الكتاب) لأن المعنى: أن اليهود لما قالت النصارى ليست على شيء هذا كفر منهم بعيسى وبما أنزل به، ولما قالت النصارى ليست اليهود على شيء هذا كفر منهم بموسى وبما أنزل به (وهم يتلون الكتاب) كل طائفة منهم الكتاب الذي عندهم فيما يصدق هذا الذي كفروا به، كل طائفة منهم في كتابها ما يصدق هذا الذي كفروا به، فاليهود يجدون في التوراة البشارة بعيسى، وأيضا أخذ الميثاق على الإيمان به إذا بُعث، والنصارى يجدون في الإنجيل ما يُصدق التوراة التي أنزلت على موسى ويصدق موسى عليه السلام وما جاء به، يجدون ذلك في الإنجيل وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى (وهم يتلون الكتاب) يعني يقولون هذا القول وهم يتلون الكتاب أي ويجدون فيه ما يصدق الذي يكفرون به، قال: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) المعنى: أن اليهود يتلون التوراة ويجدون فيها ما يصدق هذا الذي يكفرون به، والنصارى يتلون الإنجيل ويجدون فيه ما يصدق هذا الذي يكفرون به (وهم يتلون الكتاب)
(كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) مثل قول هؤلاء يعني من عُجب بما عندهم من باطل ونقض ونقد ما عند الآخرين وإبطاله على أي حال كان.
و(قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قيل في الذين لا يعلمون قولان:
/ قيل المراد مشركوا العرب قالوا ذلك لمحمد عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام قالوا ليسوا على شيء أي الدين الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وتبعه من تبعه فيه ليسوا على شيء ليسوا على دين حق وليسوا على دين صواب، ما الدين الصواب الذي يرونه؟ عبادة الأوثان، عبادة الأصنام المتخذة من دون الله سبحانه وتعالى.
/ وقيل: أن المراد بالذين لا يعلمون من كان قبل اليهود والنصارى من الأمم كقوم نوح، قوم عاد وقوم ثمود وغيرهم من الأقوام السابقة فكانوا يقولون ذلك في حق أنبيائهم، يقولون في حق أنبيائهم ومن اتبع أنبياءهم يقولون ليسوا على شيء فتشابهت قلوب الكفار كما سيأتي معنا (تشابهت قلوبهم).
قال (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
(فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ما المراد بالحكم هنا؟ الحكم الذي هو بيان الحق، هذا حصل في الدنيا، الحكم الذي هو بيان الحق، بيان الأهدى سبيلا والأقوم طريقا بُيّن هذا بحجج الله وبراهينه المُنزلة على رسله وأنبيائه، بيّن من أهل الحق ومن أهل الباطل، من أهل الهدى ومن أهل الضلال، بيّن ذلك، لكن المراد بالحكم الذي يوم القيامة الفصل بينهم، الآن في الدنيا كل طائفة تقول إنها هي على الحق، على ما هي عليه من ضلال وكفر باطل تقول إنها على الحق والله سبحانه وتعالى يقول (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) يريد حكم الفصل بينهم بأن يريهم، يرون ويشاهدون من يدخل الجنة ومن يدخل النار (فريق في الجنة وفريق في السعير) يرون ذلك، هذا الفصل، الفصل بينهم يعني ما يرونه ويعاينونه ويشاهدونه يوم القيامة من الفصل بين العباد الآن مجرد دعاوى لكن يوم القيامة يرون حقائق الأمور، ومن هذا الذي مر معنا الآن يقول (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) الذين يقولون لن تمسنا النار إلا أياما معدودة سيرون يوم الفصل الحقائق، هذا المعنى في قوله (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) مثلها في سورة الحج (إن الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) المراد بالحكم هنا الفصل كما توضحه هذه الآية، المراد بالحكم الفصل، (يحكم) أي يفصل، هذا معنى (يحكم بينهم يوم القيامة) يفصل بينهم يوم القيامة، الفصل يكون فيه ماذا؟ يرى الجميع من الذي وجهته أو جهته الجنة ومن الذي هو إلى النار (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
قال الشيخ رحمه الله: "وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا" أهل الكتاب اليهود والنصارى بعضهم ضلل بعضا، اليهود ضللت النصارى، والنصارى ضللت اليهود وكفّر بعضهم بعضا "كما فعل الأميين من مشركي العرب وغيرهم" يقصد ماذا؟ قول الله في الآية (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قال كما فعل الأميون مشركي العرب أو غيرهم على القول الثاني ماذا؟ الأمم التي سبقت اليهود في قولها في أنبيائها.
« فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك» وهذا بُيّن في الدنيا في الكتب المنزلة، بيّنته الرسل عليهم صلوات الله وسلامه والحكم الذي يكون يوم القيامة هو حكم الفصل، حكم الجزاء لأن الحكم الذي هو حكم الله سبحانه وتعالى ثلاثه أنواع:
والحكم القدري
والحكم الجزائي
الحكم الجزائي هو الذي إليه الإشارة هنا (يحكم بينهم) أي يفصل بينهم، يفصل بينهم بما بمآل كل فريق، فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير. نعم
ن/ قال رحمه الله: «قوله (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) أي لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها وتقذيرها
والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله تعالى فيها. وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادّة لله ومشاقّة فجازاهم الله بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع المشركين من قربان بيته فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وأصحاب الفيل قد ذكر الله تعالى ما جرى عليهم، والنصارى سلّط الله عليهم المؤمنين فأجلوهم، وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر، واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد.
(لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها فقال تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة»
ت/ ثم قال الله سبحانه وتعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) مساجد الله هي بيوت الله التي أذن الله سبحانه وتعالى برفعها وبنائها وتشييدها وتطهيرها وتطييبها لتكون موطن عبادة لله سجودا وركوعا وخضوعا وذل لله جل وعلا وهي أحب بقاع الأرض إلى الله كما صح بذلك الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم فهو جل وعلا أمر ببنائها، أمر برفعها، أمر بتشييدها، فمن أعظم المحادة لله ولأمره ولشرعه أن يعمل إنسان على تخريب المساجد وتعطيل العبادة فيها ومنع الناس من ذكر الله وأداء الصلاة في بيوت الله سبحانه وتعالى والآية في نزولها سبب -كما سيأتي- لكنها كما ذكر الشيخ عامة، اللفظ عام والقاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فقوله (ومن أظلم) الاستفهام هنا المراد به النفي أي لا أحد أظلم (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، يعني أن من يفعل هذا الفعل ظلمه أشد الظلم، لا أحد أظلم منه (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) النصوص دلت على أن العمارة لمساجد الله لبيوت الله عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية ببنائها وتنظيفها وتطييبها، والعناية بها.
المعنوية بالذكر والعبادة لله سبحانه وتعالى، فأظلم الظلم أن يعمل الإنسان على تعطيل هاتين العمارتين للمساجد،
(وسعى في خرابها) هذا تعطيل العمارة الحسية تخريب المساجد، فلا أحد أظلم ممن كان على هذا الوصف يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعى ويعمل على تخريب المساجد. وقد اختلف المفسرون في المراد بالذين منعوا مساجد الله من هم على قولين:
والآخر: أن المراد مشركو العرب عندما صدوا ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أراد الاعتمار والطواف بالبيت وعبادة الله سبحانه وتعالى (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون) (يصدون) فصدوا النبي عليه الصلاة والسلام هذا الصد منع.
فقيل المراد بالآية مشرك العرب وقيل المراد النصارى لكن الآية عامة كما وضح الشيخ المصنف رحمه الله تعالى.
الإمام بن جرير رحمه الله تعالى رجّح أن المراد بالآية النصارى، رجّح ذلك وذكر وجه الترجيح.
والحافظ ابن كثير رجح القول الثاني أنها نزلت في مشركي العرب وقال رحمه الله: «والذي يظهر - والله أعلم- القول الثاني كما قال ذلك ابن زيد ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما» ومما يؤيد الثاني قول الله عز وجل (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون) هذه واضحة أنها في مشركي العرب (وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه الا المتقون).
قال (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك) يعني أهل هذا الوصف، أهل هذه الأفعال الشنيعة (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أن هذا خبر بمعنى الطلب، قيل أن هذا خبر (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أنه خبر بمعنى الطلب أي: يا معاشر المؤمنين لا تمكنوهم من دخول المساجد إذا قدرتم عليهم وهذا الذي وقع إن كان المعني كفار قريش لما مكّن الله سبحانه وتعالى المسلمين منهم وفُتحت مكة نزل قول الله سبحانه (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قيل: أن هذا خبر بمعنى الطلب، وقيل: أنه بشارة أنه يحمل بشارة للمؤمنين بأن هذا الذي سيحصل لن يدخلوها سيأتي يومهم، الآن يخربون، يمنعون، يصدون، سيأتي يوم لا يكون لهم فيها أي تمكن وأن الأمر سيكون بأيدي المسلمين، فقيل أنها تحمل بشارة لأهل الإيمان.
(أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) (يدخلوها) أي المساجد (إلا خائفين لهم في الدنيا خزي) ذل وفضيحة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم)
قال الشيخ رحمه الله: «أي لا أحد أظلم وأشد جرما، (أظلم من) (أظلم) الاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من أنواع الطاعات، (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي منع الذاكرين لاسم الله فيها» والمعنى الثاني هذا يدل عليه ما قبله قال: «(ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) هذا يتناول العمارة المعنوية، وقوله (وسعى في خرابها) هذا يتعلق بالعمارة الحسية والله تعالى أعلم - وهذا عام -
يقول الشيخ: "وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة لأن القاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فاللفظ عام فيعم كل من كان بهذه الصفة - كل من كان يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها – قال: فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادة لله ومشاقّة فجازاهم الله، عاقبهم بأن منعهم من دخولها شرعا وقدرا"
شرعا كما هو مبين في الآيات، وقدرا بما قدّره وكتبه سبحانه وتعالى من ذل وصغار لكل من كان كذلك.
(إلا خائفين) ذليلين وهذا جزاء من جنس العمل، أخافوا المؤمنين وعملوا على المنع والصد، الصد عن بيوت الله سبحانه وتعالى "فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله" عاقبهم بعقوبة من جنس أعمالهم، هذه أمثلة يذكرها الشيخ "فالمشركون الذين صدوا رسوله صلى الله عليه وسلم لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا -أي لم يمضي إلا الوقت اليسير- حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع صلى الله عليه وسلم المشركين من قربان بيته قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قال: وأصحاب الفيل قد ذكر الله ما جرى عليهم (ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، والنصارى سلّط عليهم المؤمنين فأجلوهم عنه -أي عن بيت المقدس- وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه -أي من عقوبة الله والخزي- وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر بها قبل وقوعها، (ما كان لهم) هذا إخبار بها قبل وقوعها ووقعت طبقا لما أُخبروا، لهذا بعض أهل العلم قالوا: إن الآية جاءت تحمل بشارة لأهل الإيمان، الآن تُصَدون وتُمنَعون سيكون التمكين لكم وهؤلاء الذين يمنعونكم سيكونون بهذا الحال، وسيكونون بهذه الصفة (وما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين).
قال: "واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكافر أو الكفار من دخول المساجد (ما كان لهم أن يدخلوها) أخذوا من هذا (لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- أي كما تقدم فيما حصل لأصحاب الفيل، وما حصل لكفار قريش، وما حصل للنصارى (ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
ثم يذكر الشيخ رحمه الله تعالى فائدة نفيسة جدا مستفادة من هذه الآية قال: "إذا كان لا أظلم -كما تدل على ذلك الآية- ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد" الآية فيها مفهوم وفيها منطوق
ومن نعمة الله علينا في هذه البلاد ما تقوم به دولتنا وولاة أمرنا من عمل عظيم في خدمة الحرمين خاصة وفي خدمة عموم المساجد عامة، والواجب أن يذكر الإحسان ويُشكر، الواجب أن يُذكر الإحسان لأهله وأن يُشكر وأن يُدعى لهم بمزيد التوفيق ومزيد العون والتسديد.
قال: "وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والعمارة المعنوية" الحسية: بالبناء والتنظيف والتهيئة لها والعمل على خدمتها، والمعنوية: الصلاة والذكر وعبادة الله سبحانه وتعالى فيها، وتعلم العلم والتفقّه في دين الله، إلى غير ذلك.
قال: "فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها قال: (في بيوت أذن الله أن تُرفع) (أذن الله أن تُرفع) هذه العمارة الحسية، (ويذكر فيها اسمه) هذه العمارة المعنوية. (ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) قال الشيخ رحمه الله: "وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة، المساجد لها أحكام كثيرة لكنها في الجملة ترجع إلى ماذا؟ إلى جانبين: عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية يدخل تحتها البناء، النظافة، التطييب، إلى غير ذلك من الأمور الحسية التي تخدم بها المساجد، والعمارة المعنوية بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والتفقّه في دين الله إلى غير ذلك. نعم
ن/ قال رحمه الله: "قوله (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)"
نعم نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
الاثنين، 1 يونيو 2026
اسم الله (الوارث) / من كتاب فقه الأسماء الحسنى
الأحد، 31 مايو 2026
فوائد منتقاة / سورة هود (٩٠ - ٩٩)
/ وبه تفتح مغاليق الأمور ، قال سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه ..)
- (قَالُوا يَاشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) ما نفهم أكثر كلامك، مما يدل على تبلد مشاعرهم وغلظة طباعهم ، وكثيرا ما نشاهد في عصرنا الحاضر أمثال الملأ من قوم شعيب ممن طغى حب المال على نفوسهم ، وسيطر على أفكارهم ، فلا يفهمون إلا ما يُسمى في العصر الحاضر لغة المال ، وهي في الحقيقة لغة الجشع والشره والطمع ، فإذا ما حدثتهم بلغتهم أنصتوا إليك بكل ذرة في أجسادهم ، وأما إذا حدثتهم حديثا آخر أعرضوا عنك وأغلقوا دون حديثك أسماعهم وعقولهم ، ورأوا فيما تحدثهم به مضيعة للوقت.
/ ختمت الآيات استعراضها التاريخي لبعض قصص الأنبياء مع أممهم بوقفة قصيرة عند نبي الله موسى مع فرعون أظهرت فيها مسؤولية شخصية فردية ، وأشارت إلى أن اتباع قوم فرعون وطاعتهم له لا يخلصهم من مسؤوليتهم أمام الله تعالى .
/ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يتقدمهم يوم الحساب والجزاء ، فكما كان قدوتهم في الضلال في الدنيا ، كذلك يتقدمهم إلى النار يوم القيامة .
الاثنين، 25 مايو 2026
الوقف والابتداء في سورة القيامة
السبت، 23 مايو 2026
تدبر سورة الحج / أصناف الناس والجدال في الله
أصناف الناس والجدال في الله
الثلاثاء، 19 مايو 2026
العلاقة بين الحج ويوم القيامة
العلاقة بين الحج ويوم القيامة
ولكن قبل أن نستمر في تدبر آيات سورة الحج، لنا أن نتساءل: يا ترى لماذا جاءت سورة الحج بهذه البداية العظيمة، والحديث المتواصل القوي الحاضر عن قضية البعث؟ لماذا؟ ما العلاقة بين الإيمان بالبعث، وبين الحديث عن الحج؟ ما العلاقة بين هذه البداية المركزة التي تركز في نفس الإنسان الإيمان بالبعث، والكلام عن الحج؟ السورة تتحدث عن الحج، وسيأتي الحديث عن الحج، فلماذا الكلام في البداية عن البعث؟ سبحان الله العظيم، هذا القرآن العظيم، كما ذكرنا قبل قليل، معجز في كل شيء، معجز في تناسب الآيات والسور، معجز في ترتيب الآيات في السورة الواحدة، معجز في تقديم الأمثال، معجز في كل شيء. يا سبحان الله.
من أراد أن ينظر إلى منظر مصغر ليوم البعث، وليوم القيامة، فليتدبر الحج. من أراد أن يرى مواقف وأهوال يوم القيامة بصورة مصغرة مبسطة بطبيعة الحال فليذهب إلى الحج. كيف؟ مواقف يوم القيامة، مواقف الحشر، وقوف الناس، ازدحام الناس، ما يظهر عليهم من آثار السهر، والتعب الشديد، والنصب، مظاهر كلها أريد لها أن تجعل الإنسان يقترب قليلاً، بعض الشيء، من مواقف الحج. الحر الشديد، الزحام الخانق، الانتظار الطويل، حال البشر وهم يجتمعون في حالة انكسار، وذل، وخضوع، وتضرع بين يدي الله سبحانه. اللباس البسيط الذي يلبسه كل الحجيج، دون طبقية، دون فرق بين عزيز أو ذليل، دون فرق بين غني أو فقير، دون طبقية على الإطلاق، دون فرق بين أسود أو أبيض. الكل يلهج بالدعاء، والتضرع، والخشوع، والانكسار، والذل لله سبحانه وتعالى، للواحد، للملك. يقفون على هذه المواقف والمشاعر، يطلبون شيئاً واحداً، الكل يشتركون في طلب شيء واحد، تركوا من ورائهم الدنيا، تركوا الأعمال، تركوا المناصب، تركوا الأهل، تركوا الأولاد، تركوا كل شيء، وجاءوا لله الواحد القهار، يسألونه صفحاً، عفوًا، مغفرةً، رحمةً من عنده. هذه المواقف العظيمة تذكر بشيء واحد، تذكر بمواقف يوم القيامة، مع فارق واحد، أني حين أقف في الحج في المشاعر المقدسة، على جبل عرفة، على منى، على مزدلفة، حين أقف تلك المواقف، أنا لا زلت في دار العمل، لا زلت فيها، والحج عمل، ومن أعظم العمل، أما يوم القيامة فسأقف مواقف الذل، والتضرع، والخضوع، والترقب، والتوجس، ولا يمكن أن يكون بين يدي عمل آخر أستطيع أن أقدمه. فالآخرة، ومواقف يوم القيامة، دار جزاء لا دار عمل. انظر إلى الفارق، وانظر إلى الربط العظيم الذي ينبغي أن يستحضره كل من يقف في مواقف الحج العظيمة. كل من يقف على جبل عرفة عليه أن يتذكر ذلك الموقف المهيب الذي سيأتي لا محالة. كل من يقف وينفر من منى إلى عرفة، إلى مزدلفة، عليه أن يتذكر تلك المواقف العظيمة، عليه أن يتذكر تنقله بين مواقف وأرصات يوم القيامة، عليه أن يتذكر الحالة التي سيكون عليها، وعليه أن لا ينسى أبداً أنه اليوم لا يزال في رحمة من الله سبحانه، هو لا يزال في دار العمل، فليقدم بين يدي الله سبحانه من الأعمال ما يستطيع أن يقدمه قبل فوات الأوان.
الإيمان بالبعث والتقوى في سورة الحج
الإيمان بالبعث يبقى دائما حاضر في سورة الحج ليؤكد على معاني التقوى ليكون هو الدافع الرئيس للإنسان للعمل للتزود بزاد الدنيا إلى زاد الآخرة للتزود بالأعمال الصالحة للقيام بكل ما يمكنه أن يقوم به ويتزود به من عمل في هذه الدنيا قبل فوات الأوان.
تأتي آيات الحج بعد هذا المقطع العظيم لتؤكد على نفس الحقيقة التي ابتدأت بها وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. القضية حقيقة ولكن ليست المسألة في وقوع هذه الحقيقة التي ستقع لمحال دون شك أو ريب. الإشكالية في بعض الناس في أصناف من الناس الإيمان بالبعث لديهم فيها شك فيها جدال فيها عدم استحضار لهذه الحقيقة استحضاراً يدفع بهم إلى العمل وإلى التضحية وإلى تقديم كل غالي ونفيس في سبيل العمل الصالح في سبيل نيل رضا الله سبحانه وتعالى. وانظر معي إلى قول الله عز وجل في الآيات التي تليها وهو يقسم أنواع من البشر أنواع من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة حاضرة في حياتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تدبر سورة الحج / د. رقية العلواني
تدبر سورة الحج / أهمية الإيمان بالبعث
الآيات التي بعد هذه الآية مباشرة أتت لتقسم الناس إلى أنواع وأصناف. على الرغم من أن قضية البعث وقضية يوم القيامة قضية محسومة تماماً، لا جدال فيها، على الرغم من كل ذلك، إلا أن هناك صنف من البشر يجادل ويحاجج بغير الحق في وقوع ذلك اليوم العظيم. لماذا يجادل يا رب؟ يجادل بغير علم، ليس لديه علم، ليس لديه حجة قوية، ليس لديه دليل على ما يتوهم من عدم وقوع ذلك اليوم العظيم، ويتبع كل شيطان مريد، اتباع الهوى، اتباع الشيطان الذي يدلي للإنسان بغرور، ويمنيه، ويعده، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. يعد الإنسان بأن يوم البعث لا يمكن أن يأتي، يعد الإنسان بأنه ليس هناك حياة بعد الموت، يعد الإنسان بأنه من المستبعد تماماً أن تعود الحياة من جديد للإنسان بعد موته.
قضية في غاية الخطورة، ولذا كان الإيمان بالبعث قضية محورية. الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الواحد منا أبداً إلا بالإيمان بالبعث. لماذا يا رب الإيمان بالبعث؟ ولماذا كان الإيمان بالبعث على هذه الدرجة من الأهمية؟ الإيمان بالبعث قضية مصيرية، قضية تعتمد عليها كل الأعمال التي يقوم بها الإنسان في الحياة الدنيا في دار العمل. الحياة، أنا لا أستطيع أن أعيش وأقدم العمل الصالح الطيب الخير، وقد لا أجد ثمر له في الدنيا، دون أن يكون لدي رصيد كافي ويقين من الإيمان بالبعث.
ودعونا نقف عند مثال واحد فقط، من منا في الحياة التي نعيشها اليوم في حاضرنا، من منا لم تمر عليه ساءة استشعر فيها موقفاً قد وقع عليه فيه ظلم، موقفاً قد بخس فيه حقه، موقفاً نال منه شخص من الناس من البشر بغير حق، وشعر بمعنى الظلم حقيقة؟ من منا لم يشعر في لحظات في حياته أنه لا بد أن تكون هناك محكمة عادلة، محكمة لا تقوم على أساس اختبارات البشر، ولا على أساس أحكام البشر، ولا على تصوراته؟ من منا لم تمر عليه لحظة من لحظات الدنيا لم يستشعر بحاجته إلى عدالة السماء، لم يستشعر بأن هذه الأرض التي نعيش على ظهرها ينقصها عدالة وعدل حقيقي، عدل غير خاضع لأهواء البشر، عدل غير خاضع لمصالحهم، عدل مطلق وليس عدلاً نسبياً؟ من منا لم تمر عليه هذه اللحظات؟
الإيمان بالبعث، هذا الركن العظيم، هو الذي يجعل هذه الأحاسيس وهذه المشاعر تقف عند الحد الذي ينبغي أن تقف عنده. بمعنى آخر، أني حتى حين يقع علي ظلم، ولا أستطيع أن أرده لسبب أو لآخر، أشعر بأن هناك عدالة، وبأن هناك جزاء، وبأن هناك محكمة ستأتي لا محالة، محكمة يوم القيامة. من منا لم يستشعر بالحاجة إلى عدالة الله المطلقة؟ من منا لم يستشعر بالحاجة إلى الله سبحانه وتعالى الحكم العدل الذي لا يماري ولا يداهن أحداً من خلقه؟ من منا لم يقل في يوم من الأيام بصدق، وبحاجة، وبخشوع، وتضرع: يا رب خذ لي الحق الذي قد انتُهب أو اختُلس مني؟ من منا لم يشعر بهذه الحاجة؟ الإيمان بالبعث يخفف وطأة وقائع الحياة وما يدور حولنا من أحداث على نفوسنا، على قلوبنا، يشعرنا بحقيقة قد نغفل عنها أحياناً، أن هذه الدنيا التي نعيش فيها هي دار عمل، هي ليست دار جزاء. أنا قد أعمل أعمالاً صالحة عظيمة وكبيرة، ولكني لا أجد ثمر لهذا العمل لسبب أو لآخر. أنا قد أقوم بكل ما أستطيع أن أقوم به كبشر، ولكن لا ثمر لعملي، لا أجد من أهلي، ومن أقاربي، ومن مكان العمل الذي أعمل فيه، والمجتمع الذي أعيش فيه، لا أجد منهم الجزاء الأوفى. من الذي سيجازيني؟ من الذي سيعطيني؟ من الذي سيكافئني؟ الله سبحانه وتعالى. متى سيكون هذا؟ ليس فقط في الدنيا، قد لا أجد الجزاء، ولكن الذي يوفي الجزاء الأوفى هو الحق سبحانه وتعالى.
ولذا جاءت الآيات في أوائل سورة الفاتحة، أول سورة في القرآن: (مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ) يوم الجزاء، يوم الحساب، يوم المصير، يوم المكافأة لمن لم يجد من يكافئه في الدنيا. يوم الجزاء الأوفى لمن ظُلم ووقع عليه الظلم، ولم يجد في محاكم البشر، ولا في محاكم الدنيا من ينصفه. يوم الجزاء هو يوم الراحة والهناء للمؤمن، وللإنسان الصادق المخلص الوفي في عمله، الذي نال في الدنيا ما نال. لا يتم إيمان الإنسان إلا به، ومع ذلك يجادل فيه من يجادل تكبراً، وعناداً، واستبعاداً، وإصراراً، وربما رغبة في الخلاص من العقوبة، رغبة في الخلاص من الحساب. الإنسان حين يعيش دون أن يستشعر أن هناك رقيب عليه، أن هناك حساب، سيقف بين يدي الله سبحانه ويحاسبه على الكلمة، وعلى التصرف، وعلى الفعل، وعلى الدرهم، وعلى الدينار، لماذا فعلت؟ وكيف فعلت؟ ومن أين أتيت؟ حين يشعر بأنه بعيد عن كل هذه القيود، وأنه طليق في تصوره، وفي أوهامه التي ينسجها له شياطين الجن والإنس، حين يشعر بالبعد والانفصال عن كل هذه الأنواع من الرقابات، قد تسول له نفسه أن يعبث في الأرض بما يشاء من أنواع الفساد، من أنواع التخريب، من أنواع الظلم، والاعتداء على حقوق الآخرين. ما الذي يردعه؟ يوم البعث، يوم الجزاء، يوم العدل، يوم الإنصاف، يوم الحساب.
تقدم آيات سورة الحج، وتبني في نفس الإنسان بشكل عام، في نفوس كل الناس، ولذا جاء الخطاب في أول آية، وفي آيات ستأتي فيها في مواضع في سورة الحج: (يا أيها الناس) الخطاب لكل الناس. وانظر إلى الآية التي تليها، الآية الخامسة، وهي تناقش الإنسان المتكبر المتجبر الذي يجادل في الله بغير علم، تناقشه إن كان يملك بقية من منطق، ومن عقل، ومن إحساس، تناقشه بمنطق العقل، تناقشه بمنطق الحجة، بمنطق الحس الذي يؤمن به، وليس بمنطق الغيب الذي يؤمن به المؤمن فحسب.
تأتي الآية الخامسة فتقول في سورة الحج: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم) تقدم سورة الحج في هذه الآية صورة مجسدة مقربة، تقرب للإنسان، كيف تجادل في وقوع يوم البعث؟ كيف تجادل في قدرة الله عز وجل على إحياء الناس بعد الموت؟ كيف تجادل؟ كيف تجادل في قدرة الخالق سبحانه على أن يعيد الناس إلى الحياة من جديد بعد أن يصبحوا ويتحولوا إلى تراب؟ كيف تجادل؟ كيف تجادل، وأصل الخلق، الذي هو أصعب وأشد بمنطق العقل، كيف تجادل؟ والله سبحانه قد خلقك في الأصل من تراب، خلق آدم من تراب. كيف تجادل، وأنت ترى الإنسان الجنين؟ كيف ينمو، خاصة بعد أن كشف العلم الحديث أطوار نمو هذا الجنين، ولم يخرج على الإطلاق، ولا بقدر شعرة، عما وصفه الآية العظيمة هذه، الآية في سورة الحج. علماء الأجنة، الأطباء، كل ما توصلت إليه الدراسات الحديثة التي قاموا بها لم تخرج عن التوصيف العميق الدقيق الذي جاء من رب العباد سبحانه. هذه هي الأطوار التي يمر بها الجنين، وصفها القرآن، قدمتها الآية. كيف تجادل إذن؟ كيف أجادل في شيء، علام الغيب الذي قدر سبحانه، واستطاع بقدرته المطلقة أن يخلق الإنسان من تراب، ويمرر به هذه الأطوار العجيبة العظيمة، النطفة، العلقة، المضغة المخلقة وغير المخلقة، ثم تستقر في الرحم، ثم تعود إلى الحياة وتنزل بعد ذلك، ثم نخرجكم طفلاً، ثم تمر بمراحل عديدة ليبلغ الإنسان إلى مرحلة القوة والشباب، ثم بعد ذلك يبدأ بمرحلة النزول، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً. من الذي خلقها؟ من الذي سواها؟ من القادر سبحانه وحده دون سواه أن يغير من نطفة إلى علقة؟ من الذي يستطيع وحده دون سواه أن يغير من العلقة إلى المضغة؟ من؟ من؟ من يملك كل هذه القدرة المطلقة حتى يستطيع أن يجادل بعد ذلك؟ ويقول ويزعم أن الله سبحانه غير قادر على أن يعيد الإنسان إلى الحياة من جديد بعد أن يصيره إلى التراب؟ هذه الصورة الأولى في الآية الخامسة.
وتقدم الآية العظيمة صورة أخرى للإنسان، صورة تهز الإنسان من أعماقه من جديد، تدق له كل حياته أجراس الإنذار، لتوقظه من سباته العميق، لتشعره بأن يوم القيامة مهما حاولت الهروب منه، مهما حاولت من الجزاء أن تهرب من الجزاء، مهما حاولت أن تهرب من تلك المحكمة التي ستأتي لا محالة، لا تستطيع الهروب. الصورة الثانية تتعلق أيضاً بصورة حسية نراها أمام أعيننا ليل نهار. وانظر إلى قول الله عز وجل، وإعجاز القرآن في الكلمة: (وترى الأرض) أمر محسوس، أمر نبصره بأعيننا، أمر نعاينه كل يوم، كل ليلة (وترى الأرض هامدة) خامدة في حالة موت، (هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء) من الذي ينزل الماء؟ الله سبحانه وتعالى، (اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. -سبحان الله العظيم- آية في غاية الإعجاز والعظمة كل ما نحتاج إليه لاستشعار عظمة هذه الآية أن أنظر في الواقع الذي أعيش، أن أتدبر في الكون الذي حولي، الذي ينطق بقدرة الله سبحانه المطلقة من الذي يحيي الأرض بعد موتها؟ أليس هو الله سبحانه؟ من الذي يعيد الحياة إلى الأرض الميتة، بعد أن قد جفت وانتهت كل أشكال الحياة فيها؟ لا نبات ولا حياة على الإطلاق؟ يُنزل الله سبحانه وتعالى الماء بقدرته على هذه الأرض الميتة فيحييها من جديد، لينبت فيها سبحانه وتعالى كل أنواع النبات (من كل زوج بهيج)، من الذي أحياها؟ من الذي بث فيها الروح من جديد؟ أليس هو الله سبحانه؟ أليس هو القادر على أن يحيي الموتى كما يحيي هذه الأرض؟ يا سبحان الله، بجد هذه الآية العظيمة لوحدها، إذا تدبرت فيها، وربطت بين ما أراه في الكون، وبين كلمات الآية، وبين حروفها، يبدأ الإنسان بالانقياد، يبدأ الإنسان يتخلى عن كبريائه، يتخلى عن عناده، يتخلى عن إصراره الكاذب، عن إصراره، وعناده، وجداله بغير علم بقدرة الله سبحانه وتعالى على الإعادة إلى الحياة بعد الموت.
ولذا تأتي الآية التي تليها بقول الله عز وجل: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) انظر إلى عظمة الآية، الحق هو الله سبحانه، الحق هو الله وحده لا شريك له، قادر على كل شيء، وليس فقط على إعادة الناس إلى الحياة بعد الموت (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) الآن وبعد أن قدمت، وتم البناء في نفس الإنسان غير المكابر، غير المعاند، بعد أن تم بناء الإيمان بالبعث، والإيمان بأن هناك يوم قادم لا محالة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسب ويجازي، وهناك محكمة عادلة تحاسب الناس على أعمالهم، وسلوكياتهم، وتصرفاتهم اعمل ما شئت في الدنيا، ولكن ضع أمام عينيك أنك ستحاسب على كل ما تقوم به. هذه الحقيقة الحاضرة الغائبة عن أذهان كثير من الناس تبنيها سورة الحج.
الأحد، 17 مايو 2026
تدارس سورة السجدة (٢٣- ٣٠)
/ قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) وهذا فيه دليل على أن الأئمة الذين يُتبَعون هم يُتبَعون على الهداية وليس على آرائهم، فسبب اتباع الناس لهم هو بسبب اهتدائهم وليس بسبب آرائهم، وهذا يقود الإنسان إلى أنه لا يقلد أحدا إلا لأجل أنه متمسك بالحق ، ويقول الحق ويهدي إلى الحق ، أما أن يتبع الإنسان من يقلد من شاء لأجل آرائه فهذا غير سديد فلا يعلق الإنسان دينه بآراء الرجال بل يتبع المتبعين للحق والذين يقولون الحق بدليله.
/ قال سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) قال بعض أهل العلم - وهذا من باب الفائدة - بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين، أي لا يكون الإنسان إماما في دين الله عز وجل بحيث يقتدي به الناس ويهتدون به في سيرهم إلى الله عز وجل إلا أن يكون قد حمل الركنين وهما اليقين والصبر، ولذلك قال بعض أهل العلم نصف الإيمان يقين ونصفه صبر، ولذلك الإنسان محتاج إلى الصبر وإلى اليقين، لماذا؟ لأنه إذا لم يصير فإنه نتيجة لذلك لن يوقن، أليس كذلك؟ كيف يستطيع أن يوقن بهذه الآيات وهو ما عنده صبر، قد يتزعزع، لذلك قال بعض أهل العلم: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"، وقال بعضهم: "الطريق إلى الله سبحانه وتعالى إنما يعمره أهل اليقين والصبر لأن الإنسان قد يسبب الضغط الذي يحصل عليه من الأذى قد لا يصبر ويجزع، وتأتيه الشكوك يمنة ويسرة، ولذلك قال بعض أهل العلم: "الشهوات تُدفع بالصبر والشبهات والشكوك باليقين".
وهنا سؤال هل يدخل فيه الاختلاف في الفروع؟ ونحن دائما نقول اختلف المفسرون، الجواب: لا هذا الاختلافات في الفروع ليس داخلا في هذا نحن نتكلم عن الاختلاف في أسلوب الدين والتفرق والتشردم وفي العقائد ونحو ذلك، هذا هو الاختلاف المذموم، ينبغي للإنسان أن يتمسك بالحق، وأن يؤوب إلى الجماعة وأن يستمسك بالعروة الوثقى لذوي الكتاب والسنة قال الله عز وجل (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) .
(أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ (26) أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (28) قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (29) فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30))
غريب القرآن:
قال (أولم يهد هم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) يمشون في منازلهم فلا يرون فيها أحدا منهم بالنسبة لأولئك الذين كانوا يمرون على تلك الديار والله عز وجل حكى ذلك عن كفار قريش قال (وإنكُمْ لَتمُرُونَ عَلَيْهِم مصبحين وبالليل أفلا تَعْقِلُونَ) وقال (وإنهما لبإمام مبين) فلا يتعظون حينما یرون تلك الأمم التي أُهلكت بسبب تعنتهم على أنبيائهم وإنكارهم ما جاءت به الرسل.