الجمعة، 24 أبريل 2026

الدرس الرابع والستون تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١)

 تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١) / صوتي

الحمد لله رب العالمين صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ « قوله (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون* واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) أي ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) الذي أنزل إليهم أي طرحوه رغبة عنه (وراء ظهورهم) وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبقَ في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد: سبق الكلام على معاني هذه الآيات وهي تتعلق ببيان شيء من مخازي بني إسرائيل وقبائحهم العظيمة واطراحهم للحق والهدى وإقبالهم على الباطل والضلال ونبذهم كتاب الله جل وعلا وراء ظهورهم واتباعهم لما تتلوه الشياطين وتتقوله وتمليه من ضلال وباطل، وقوله جل وعلا (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) قال الشيخ: «(نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي الذي أنزل إليهم» وعرفنا أن فيها قولان:
- إما أن يكون المراد الكتاب الذي أنزل اليهم أي التوراة كما ذكر الشيخ
- أو يكون المراد القرآن الكريم.
 وإذا أريد القرآن فيكون المراد تكذيبهم بالقرآن الكريم.
وقوله جل وعلا (ونبذوه وراء ظهورهم) قال: «وهذا أبلغ في الإعراض» يعني كونه اطّراحهم له أضيف إليه جعله وراء الظهر، وهذا إيذان منهم بعدم الرجوع إليه وهذا أبلغ ما يكون في التولي والإعراض.

ن/ قال رحمه الله: «ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ابتلي بالاشتغال بما يضره فمن ترك عبادة الرحمن ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل»

ت/
نعم، وهذا الآن واضح في حال هؤلاء لما نبذوا كتاب الله واطرحوه وراء ظهورهم ابتلاهم الله عز وجل باتباع ما تتلوه الشياطين وتتقوله الشياطين على ملك سليمان من السحر والضلال والباطل، فلما نبذوا القرآن وما فيه من الهدى والحق والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ابتُلوا بالسحر وتعلّم السحر الذي فيه الهلاك، وفيه أيضا الشقاء وعقوبه الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. نعم

ن/ قال رحمه الله: «كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله تعالى اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان عليه السلام بل نزهه الصادق في قيله (وما كفر سليمان) أي بتعلم السحر فلم يتعلمه ولكن الشياطين كفروا» نعم 

ت/ يعني هؤلاء اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان (ما تتلو الشياطين) قال الشيخ: أي تختلق أي تختلق وهذا مستفاد من قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) عُديت (تتلو) بـ (على) لأنه ضُمن معنى الاختلاق والكذب، ولهذا معنى (تتلو) اي تختلق، تكذب، تتقول على ملك سليمان، أي ما تنسبه الشياطين لسليمان عليه السلام من تعاطي السحر واستعماله وأنه إنما سُخر له الجن باستعمال السحر هكذا تقولت الشياطين على سليمان وعلى ملك سليمان على عهده وأن هذا هو الواقع ولهذا قال الشيخ "واتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان والله جل وعلا برأ نبيه سليمان عليه السلام من السحر بقوله (وما كفر سليمان)" لاحظ ما قال وما سحر قال وما كفر براه من السحر بقوله وما كفر ولهذا استدل بهذه اللفظة على كفر الساحر وأن من تعلم السحر كفر لأن الله لما برأ سليمان عليه السلام من السحر برأه بقوله (وما كفر سليمان).

ن/ قال: «(ولكن الشياطين كفروا) أي في ذلك، يعلمون الناس السحر من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بارض بابل من ارض العراق أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاءا من الله لعباده فيعلمانهم السحر، وما يعلمان من أحد حتى ينصحاه ويقولا (إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي لا تتعلم السحر فإنه كفر فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام،  وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تُعلّمه الشياطين والسحر الذي يُعلّمه الملكان فتركوا علم الأنبياء والمرسلين واقبلوا على علم الشياطين وكل يصبو إلى ما يناسبه»

ت/ نعم، لاحظ في سياق الآيات قال عن الشياطين (يعلمون الناس السحر) أي الشياطين، وأيضا في السياق قال (وما يعلمان من أحد) أي السحر والمقصود الملكان، وفرق بين هذا التعليم وهذا التعليم، تعليم الشياطين للسحر على وجه الإفساد لبني آدم وإضلالهم وإغوائهم وإبعادهم عن سواء السبيل، وتعليم الملكان على وجه الامتحان، امتحان وابتلاء في مدى التمسك بالدين أو عدمه، ولهذا يصاحب تعليم الملكين نصيحة وتحذير (إنما نحن فتنة فلا تكفر) كل من أراد أن يتعلم عليهم يبينان له أنهما أُنزلا بهذا التعليم فتنة وأن هذا السحر كفر (فلا تكفر) لأنك إن تعلمته كفرت، ففرق بين هذا وهذا.
 قال: "فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته" هذه طريقة الملكين، وأما الشياطين فقال: "فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى سليمان الذي برأه الله سبحانه وتعالى من ذلك بقوله (وما كفر سليمان)"
 هنا سؤال يتعلق بسليمان أريد جوابه بدليله من القرآن:
 سليمان عليه السلام بعد موسى أو قبله؟ نعم بعده.
ما الدليل؟ (ألم ترى إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) ثم في سياق القصة قال: (فقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة) وداوود هو والد سليمان فهو من بعد موسى وليس قبله. نعم

ن/ قال رحمه الله: « ثم ذكر مفاسد السحر فقال (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما لأن الله تعالى قال في حقهما (وجعل بينكم مودة ورحمة) وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة»

ت/ نعم. قوله: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه)
 (فيتعلمون منهما) الضمير عائد على الملكين، يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وهذا نوع من السحر يسمى سحر الصرف، يعني صرف المتحابين فيصبحا به متباغضين يسمى سحر الصرف، (فيتعلمون منهما ما يفرقون به) بهذا الذي تعلموه الذي هو السحر (بين المرء وزوجه) والتفريق بين المرء وزوجه والشيخ ينبه هنا على استحضار قوله تعالى (وجعل بينكم مودة ورحمة) يعني مودة عظيمة ورحمه تُلقى في قلب الزوجين ويصبح بينهما محبة بعد عقد الزوجية يلقيها الله عز وجل، يجعلها الله عز وجل، فهذه المحبة القوية بالسحر تصرف إلى بغض إذا السحر له حقيقة، له تأثير، من التأثير الذي يترتب عليه الصرف، صرف المتحابين، صرف هذه المودة والمحبة إلى بغض وكره. (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) هذا فيه أن السحر له حقيقة، أيضا قول الله عز وجل (ومن شر النفاثات في العقد) السحر فيه شر وفيه مضرة ويترتب عليه أضرار عظيمة جدا، فله حقيقة لكن هذه المضرة لا تقع إلا بإذن الله الكوني.

ن/ قال رحمه الله: « وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة وأنه يضر بإذن الله» أي بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري وهو المتعلق بمشيئة الله كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة (فإنه نزّله على قلبك بإذن الله)»

ت/ الإذن الشرعي مثل (ءآلله أذن لكم) (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) فالإذن يطلق على:
 ▪︎ الإذن الكوني القدري يعني هنا في قوله (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) هل يصح أن يقال (إلا بإذن الله) إلا بشرع الله؟ ما يصح، المراد الإذن الكوني، المراد يعني لا يقع شيء من السحر إلا شيء قدره الله كونا، هذا المقصود.
وهنا فيه أن الأسباب مهما قويت ومهما كانت فلا تكون إلا إذا كان الله قدّر ذلك، والله عز وجل له في أقداره حِكم سبحانه وتعالى. نعم

ن/ قال رحمه الله: «وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير ولم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد»

ت/ القدرية يقصد بهم القدرية النُفاة، المقصود بالنُفات نفات القدر وهم المعتزلة، من أضل الفرق وأشدها انحرافا، فهم نفات للقدر ويقولون أن الإنسان هو الخالق لفعل نفسه وأن الأمر أُنف ولا قدر، فيقول لم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة إلا القدرية المقصود بالقدرية أي النفاة نفات القدر. نعم

ن/ قال رحمه الله: «زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين».
ت/
من المخالفة لكتاب الله هذه الآية (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) أي بتقديره وإرادته الكونية القدرية.  نعم

ن/ قال رحمه الله: «ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة ليس فيها منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فهذا السحر مضرة محضة فليس له داع اصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها، (ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه) اأي ي رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة (ماله في الآخرة من خلاق) أي نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) علما يُثمر العمل ما فعلوه»

ت/ ثم بعدها قوله سبحانه وتعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) يعني كأن الشيخ - والله أعلم - نسي أو سهى عن هذه الآية، وتقدم الإشارة إلى شيء من معناها. ذكرت أن الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه معارج القبول ذكر هذه الآيات وبيّن رحمه الله أنها دلت على كفر الساحر من وجوه قال: «وذلك واضح صريح في آية البقرة بأمور» وذكر رحمه الله أمورا سبعة.
 واذكر لكم للفائدة ملخصا لهذه السبعة ويرجع فيها الى كتابه معارج القبول:
▪︎الأول: قال: منها سبب عدول اليهود إليه - يعني إلى السحر- هو نبذهم كتاب الله وراء ظهورهم كما قال تعالى (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) سواء - يقول الشيخ- أريد بالكتاب التوراة أو القرآن لأنهما قولان، سواء أريد بالكتاب التوراة أو القرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام كل ذلك نبذه كفر، فإذا عدولهم إلى السحر كان منبنيا على نبذ الكتاب ونبذ الكتاب كفر هذا الدليل الأول.
▪︎ الثاني: قال: قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين) أي تتقوله وتزوره (على ملك سليمان) أي في ملكه وعهده، ومعلوم أن استبدال ما تتلوه الشياطين وتتقوله والانقياد له والعمل به عوضا عما أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هذا من أعظم الكفر ومن عباده الطاغوت التي هي أصل الكفر.
▪︎الأمر الثالث: قال: ومنها قوله (وما كفر سليمان) برأ الله سبحانه نبيه سليمان عليه السلام من الكفر، وهذا الكفر الذي برأه تعالى منه هو علم السحر، وإن كان بريئا من الكفر كله، معصوما مما هو دونه لكن سياق الآية في خصوص السحر وأنه بريء منه.
▪︎ الأمر الرابع: قال: ومنها قوله (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) أكذب الله اليهود فيما نسبوه إلى نبيه سليمان عليه السلام بقوله (وما كفر سليمان) وهم إنما نسبوا السحر إليه ولازم ما نسبوه إليه هو الكفر لأن السحر كفر ولهذا أثبت كفر الشياطين بتعليمهم الناس السحر فقال (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) قال: "وكذلك كل من تعلّم السحر أو علّمه أو عمل به يكفر ككفر الشياطين الذين علموه الناس إذ لا فرق بينه وبينهم"
 ▪︎الأمر الخامس: قال: ولهذا قال تعالى في الملكين (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) فبيّن تعالى أنه بمجرد تعلمه يكفر سواء عمِل به أو لا، سواء عمِل به وعلّمه أو لا.  
▪︎السادس: قال: ومنها قوله (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) أي من حظ ولا نصيب. وهذا الوعيد ما له في الآخرة من خلاق لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للايمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة وهؤلاء قال الله (ما لهم في الآخرة من خلاق) أي من نصيب وحظ، هذا لا يقال إلا فيما هو كفرا أكبر.
الأمر السابع: قال: قوله (ولو أنهم آمنوا) يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن (واتقوا) واتقوا بتجنب السحر وسائر الذنوب (لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) قال: وهذا من أصرح الأدلة على كفر الساحر ونفي الإيمان عنه بالكلية، فإنه لا يقال للمؤمن المتقي ولو أنه آمن واتقى وإنما قال تعالى ذلك لمن كفر وفجر وعمل بالسحر. فهذه وجوه سبعه تدل على كفر الساحر كلها مستفاده من هذا السياق بدءا من قوله (ولما جاءهم رسول مصدق لما معهم) نعم.

ن/ قال رحمه الله: «قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم* ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول صلى الله عليه وسلم عند تعلمهم أمر الدين راعنا اي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا فانتهزوا الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله تعالى المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال (وقولوا انظرنا) فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، (واسمعوا) لم يذكر المسموع ليعم ما أمر باستماعه فيدخل فيه سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة، ثم توعّد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين أنهم ما يودون (أن ينزل عليكم من خير) أي لا قليلا ولا كثيرا (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة»

ت/ قول الله جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هنا نهي عن لفظ ودلالة إلى لفظ آخر بدله،  لفظ كان يقوله الصحابة في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام ونهو عنه وأُرشدوا إلى لفظ آخر يحل محله لأن اللفظ الأول فيه شبهة واللفظ الثاني لا إشكال فيه، واضح لا إشكال فيه والصحابة رضي الله عنهم لما كانوا يتكلمون باللفظ الأول الذي جاء النهي عنه (راعنا) هل قام في نفوسهم معنى فاسد أو مقصد فاسد؟ أبدا ليس في قلوبهم إلا مقصد صحيح وهي لفظة استعملوها على معنى صحيح تدل عليه هذه اللفظة فكانوا يقولون راعنا قاصدين بها معنى صحيح، اليهود فرحوا بهذه الكلمة وباستعمال المسلمين لها وبدأوا أيضا يقولونها لكن على معنى فاسد،  الصحابة كانوا يقولونها راعنا من المراعاة، واليهود صاروا يقولونها ويضحكون إذا سمعوا المسلمين يقولونها للنبي عليه الصلاة والسلام لأنهم يحملونها على الرعونة لا المراعاة، انظر ما يوضح ذلك في قوله سبحانه وتعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) يلوون ألسنتهم بهذه الكلمة راعنا يقولونها ويلوون ألسنتهم بها ويريدون بها الرعونة ووصف النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فجاء النهي عن استعمال هذا اللفظ  وأمروا أن يقولوا بدله (انظرنا)، و(انظرنا) تؤدي المعنى نفسه الذي يريده الصحابة وليس فيها هذا الأمر، 
ولهذا تُعد هذه الآية أصل في مراعاة الألفاظ حتى وإن سلم المقصد.
الآن كثير من الناس لما تنهاه عن اللفظ وتبين له الخطأ الذي في اللفظ ماذا يقول لك؟ لم أقصد ذلك أنا نيتي طيبة، يقول أنا لم أقصد ذلك، يقال: حتى وإن لم تقصد لابد أن تراعي اللفظ نفسه سلامته بدليل ماذا؟ أن الصحابة لما كانوا يقولون راعنا هل كانوا يقصدون معنى سيء؟ أبدا حاشاهم ومع ذلك جاء النهي قال (لا تقولوا راعنا) جاء نهي مع أنهم ما كانوا يقصدون أصلا أي معنى سيء، فلا يصح أن الإنسان عندما يُنبه على لفظ خاطئ ويقول لا أنا قصدي طيب يقال له نعم يعني قصدك طيب هذه نعمة، نعمة عظيمة سلامة القصد لكن أيضا زد مع سلامة قصدك ماذا؟ زد مع سلامة قصدك سلامة لفظك، وينبغي أيضا مراعاة الرفق في التوجيه، لما قال أنا قصدي طيب قل له أحسنت على حسن القصد وهذا هو الحري بك وأنعِم وأكرِم لكن انتبه يا أخي اللفظ لابد واذكر له هذه الآية واذكر له أن الصحابة ما كان قصدهم سيئا، ولهذا هذا محل خلل موجود كثير في الناس ألفاظ كثيرة يخطئون فيها عندما يوجه إلى الصواب يقول أنا قصدي صحيح هذا المعنى الذي تقصد أنا ما أقصده يقال: حتى وإن لم تكن تقصد هذا المعنى الفاسد لابد من إصلاح اللفظ، فالشريعة كما أنها جاءت بإصلاح المقاصد أيضا جاءت بإصلاح الألفاظ مثل ما في هذه الآية قال (لا تقولوا راعنا)، (لا تقولوا راعنا) هذا لفظ، هذا ليس قصد هذا لفظ، الآن النهي عن لفظ ليس عن قصد (لا تقولوا راعنا) هذا نهي عن اللفظ ليس نهي عن قصد فاسد صحيح، (لا تقولوا راعنا) لا تقولوا هذا اللفظ (وقولوا انظرنا) قولوا بدلها انظرنا لأنها تؤدي المعنى الذي تريدونه وتقصدونه ولا فيها الإشكال الذي في اللفظة الأولى، قال (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) المسلمون كانوا يقولونها في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام يقولون راعنا من المراعاة،
واليهود يقولونها يريدون بها الرعونة كما في الآية التي أشرت إليها،  ومن المقاصد في ذلك بُدلت اللفظة للمسلمين ليزول تعلق اليهود بها، أيضا هذا من المقاصد في هذا النهي ليزول تعلق اليهود، صاروا يتعلقون بهذه اللفظة ويقولونها على المعنى الفاسد فجاء النهي لأهل الإيمان ألا يقولوا هذه الكلمة، إذا نُهي أهل الإيمان عن قولها انقطع قول اليهود لها على المعنى الفاسد الذي يريدونه لأنه جاء نهي عن هذه الكلمة التي يلوون ألسنتهم بها، يلوون ألسنتهم بها يريدون بها الدعاء على النبي عليه الصلاة والسلام بالرعونة.
قال (وقولوا انظرنا واسمعوا) أي سمع قبول وإجابة، (وللكافرين عذاب أليم) أي عذاب شديد موجع مؤلم.
ثم ذكر جل وعلا شدة عداوة الكفار من المشركين وأهل الكتاب لأهل الإيمان وحسدهم الشديد لأهل الإيمان في الخير الذي يتفضل الله به عليهم، قال في بيان شدة العداوة (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزل عليكم من خير من ربكم) هذا على وجه ماذا؟ الحسد، هذا على وجه الحسد، (من خير من ربكم) أي أدنى خير ولو قليل من الخير، ما يودون ذلك، يكرهون ذلك من علم، من هدى، من صلاح، من نصر، من رزق، (من خير من ربكم) أي خير قلّ او كثُر، لا يودون أن ينزل عليكم شيء من الخير (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء) هذه عظيمة جدا، هذه عظيمة في طيتها نعمة لأهل الإيمان كأنه يقال لهم يا أهل الإيمان رزق الله الذي كتبه لكم لا يرده حسد حاسد، ولا كراهية كاره، ما يرده (والله يختص برحمته من يشاء) فالخير الذي أراده لعبده المؤمن يصل إليه وإن حسده الحاسد، وإن كره نزوله عليه أو وصوله إليه كاره (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ولهذا في الآية دعوة إلى الإقبال على الله وسؤاله سبحانه وتعالى من واسع فضله، فالفضل بيد الله يختص به من يشاء، يخصّ به من يشاء، ومن خصّه جلّ وعلا بفضله لا رادّ لفضله، لا يمنع فضل الله عز وجل مانع ولا يرد عطاءه أحد. قال الشيخ رحمه الله: «كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عليه الصلاة والسلام عند تعلمهم أمر الدين يقولون راعنا يقولون، راعنا أي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا» إذا سمعوا المسلمين يقولون راعنا يضحكون وهم أيضا يقولون في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام راعنا ويقصدون المعنى الفاسد، فانتهزوا الفرصة - أي اليهود - فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب. 
ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن.
يراعي الإنسان في ألفاظه أن يأتي باللفظ الذي لا يحتمل إلا المعنى الحسن، واللفظ إذا كان يحتمل ويحتمل يتركه ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل، ولهذا سبحان الله يعني وهذا لابد أن ننبه عليه بهذه المناسبة من يقرأ في كتب التفسير خاصة لما يكون الحديث عن إعراب الآية تجد ألفاظ ما تليق، هي غير مقصودة، لا يقصدها المفسر، لكن اللفظ لا بد من مراعاته يقول مثلا في بعض الكلمات في الآية "هذا لغو"، أو يقول "هذا حشو"، أو مثلا في الإعراب يقول فيما يتعلق بالرب يقول مثلا مبني للمجهول (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني المجهول، المقصود بالمجهول هنا الرب العظيم أعلم المعلومات، من يعرب يقول لك: لا أنا ما أقصد هذا المعنى الفاسد، يقال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) المعنى الفاسد اتركه حتى وإن كنت ما تقصد اترك المعنى، حتى مثلا (وخُلق الإنسان ضعيفا) يقول( الإنسان) نائب فاعل، هذا أيضا ما يصلح أدبا مع الله عز وجل ومراعاة الألفاظ، ما يصلح أن يقال مثل هذا الكلام، يقول أنا أقصد الإعراب ما اقصد هذه المعاني، يقال لا، اللفظ مطلوب إصلاحه أدبا مع الله.
الآن هنا مُنع من هذا اللفظ أدبا مع من؟ أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام، والأدب مع الله أعظم وأولى وأهم،  مراعاة الأدب هنا أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) الصحابة رضي الله عنهم لما نزل (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هل قالوا نحن ما قصدنا مثل ما يقول الآن الكثير؟ هل قالوا ما قصدنا هذا المعنى؟ استجابوا مباشرة، هكذا ينبغي للمسلم الألفاظ التي فيها تشويش،  فيها إشكال، فيها معنى فاسد إلى آخره يتركها ويستعمل اللفظ الصحيح، فلما يأتي يعرب (خُلق الانسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني لما لم يُسمى فاعله، ما يقول لمجهول، مبني لما لم يسمى فاعله، ولما يأتي يعرب (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (الإنسان) مرفوع ما لم يسمى فاعله، ما يقول نائب فاعل، فيه ألفاظ مؤدبة مهذبة صحيحة سليمة تؤدي المعنى المقصود وهي المستعملة عند النحاة المتقدمين، مثل هذه الألفاظ في الغالب الأعم جاءت متأخرة، ولما تنظر في كتب الأعاريف عند المتقدمين ما فيها مثل هذه الألفاظ، فهذه تفتح للعبد باب الأدب رفيع جدا في ألفاظه يترك طريقة الجُهّال أنا ما أقصد وأنا نيتي طيبة، هذا يتركه هذه الآية تفتح له باب صلاح عظيم جدا في ألفاظه وسلامتها وصلاحها واستقامتها. انظر ماذا يقول الشيخ «وفيه الأدب في استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن» هكذا ينبغي أن نتأدب ونتعلم من هذه الآية.
فقال «وقولوا انظرنا فإنها كافية بحصوله» يحصل بها المقصود من غير محظور واسمعوا قال الشيخ «ولم يذكر المسموع ليعم ما أُمر باستماعه فيدخل سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة ففيه الأدب والطاعة» الأدب في قوله (وقولوا انظرنا) والطاعة في قوله (واسمعوا) لأن السماع هنا سماع إجابة وطاعة. ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع قال: «وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين انهم ما يودون أن ينزل عليكم أي معاشر أهل الإيمان من خير أي لا قليل ولا كثير (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم الله بفضله فانه سبحانه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة.
جاء عن ابن عباس في الأثر قال: "راعنا بلسان اليهود السب القبيح" فكان اليهود يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرا هذه الكلمة (راعنا) سرا يقصدون بها سب، فلما سمعوا أصحابه يقولون راعنا على معنى صحيح، فلما سمعوا أصحابه يقولون (راعنا) أعلنوا بها صاروا يقولونها لكن هم يقصدون بها المعنى القبيح فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم فأنزل الله الآية (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).

نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..
جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

تدارس سورة السجدة ( 1- 11)

(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))

غريب القرآن:
افتراه = اختلقه من عند نفسه
استوى = علا وارتفع استواء يليق بجلاله وعظمته
يعرج إليه = يصعد إليه
نسله = ذريته
سلالة = وهي النطفة لأنها مستلة من جميع البدن
مهين = ضعيف، رقيق 
ضللنا في الأرض = تحولنا ترابا بعد الموت

(الم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
قال الله عز وجل في مفتتح هذه السورة (الم) هذه من الحروف المقطعة وسبق أن ذكرنا الحديث عنها في سورة لقمان وفي سورة الروم، وغالبا ما يأتي ذكر القرآن بعد هذه السورة، فأين ذكر القرآن في هذه السورة؟ الجواب في قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب) قال الله عز وجل (الم تنزيل الكتاب) أي هذا القرآن منزل من عند الله سبحانه، (لا ريب فيه) أي لا شك أنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى رب العالمين الخالق المالك المدير الجميع العالمين.
وفي قوله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) فيه دليل على أن هذا القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا قاعدة ينبغي أن تستصحبوها دائما في قراءتكم للقرآن حين ورود الحديث عن كتاب الله عز وجل، أنه دائما إذا قدح الكافرون في القرآن كريم فإنهم يقدحون في من جاء به وهو النبي عليه الصلاة والسلام، والعكس إذا جاء القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يقدحون فيه وبما جاء به، فالقدح في القرآن ملازم للقدح في الرسول عليه الصلاة والسلام، والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ملازم للقدح في القرآن فهما متلازمان، ولذلك الآن سيأتي الحديث لما قال الله عز وجل (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) هذا ما يتعلق بالكتاب، سيأتي الآن الحديث على ماذا؟ على الحديث على المُنزل عليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال الله سبحانه وتعالى (تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين) من أي لا شك أنه منزل من عند الله سبحانه وتعالى.

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)) 
في قوله (أم يقولون) الضمير يعود إلى من؟ الجواب يعود إلى المشركين الذين قدحوا في القرآن الكريم
 (أم يقولون) أي بل أيقول المشركون أفتراه أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم أي جاء بهذا الكتاب من عند نفسه ونسبه إلى الله عز وجل كذبا، هكذا كان زعمهم في قوله (أم يقولون افتراه)، ثم سبب المجيء بالفعل المضارع في قوله (أم يقولون) لماذا لم يقل مثلا قالوا؟ لأن هذه الفرية مستمرة ومتجددة في القدح في هذا الكتاب ، وهكذا القدح في القرآن يكون فيه قدح للنبي عليه الصلاة والسلام والعكس، لأن الأمرين متلازمان.
قال الله عز وجل (أم يقولون أفتراه) أي بل أيقول المشركون اختلق هذا القرآن محمد صلى الله وسلم وأتى به من تلقاء نفسه ونسبه إلى الله كذبا، ثم جاء الرد عليهم قال الله عز وجل (بل هو الحق) أي ليس الأمر كما يقول أولئك القوم (بل هو الحق) أي القرآن هو الحق، أي الصدق الثابت المُنزل إليك يا محمد من عند ربك.
قال (بل هو الحق من ربك) لماذا جيء بقوله (من ربك)؟ ولم يقل مثلا بل هو الحق من الله عز وجل، ذكر بعض أهل العلم أن الربوبية نوعان: أولا الربوبية العامة فالله عز وجل رب الخلق أجمعين إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، وهناك ربوبية خاصة وهي التي تقتضي العناية والرعاية والتوفيق، فالله عز وجل قال ( بل هو الحق من ربك) وهذا فيه اعتناء بالنبي صلى الله عليه وسلم واصطفاء له عليه الصلاة والسلام، وأيضا رفعة لشأنه، كيف يكون ذلك؟ ما وجه الاستدلال في أنه في قوله (من ربك) رفعة لشأن النبي صلى الله عليه وسلم؟ الإتيان بكاف الخطاب في قوله من (ربك) وهذا فيه دليل على عناية الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم.

قال (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ) أي لتنذر يا محمد بالقرآن وتحذر بهذا القرآن (قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) 
اختلف المفسرون - رحمهم الله - في المراد بهؤلاء القوم من هم هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ على أقوال:
القول الأول قالوا: هم كفار قريش فإنهم كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل النبي صلى الله عليه وسلم
القول الثاني قالوا هم العرب كافة والله عز وجل قال (هوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ)
القول الثالث قالوا هم أهل الفترة الذين هم بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يرِد إشكال وهو أن ظاهر هذه الآية يعارض قول الله عز وجل (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، هنا قال (لتنذر قوْما مَا أتاهم من نذير من قبلك) وجاءت أية أخرى تقول (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فكيف يجيب أهل العلم عن هذا الإشكال الظاهر؟
 قال بعض أهل العلم الجواب: أنه هنا لم يأتهم نذير معاصر لهم فلا يعارض هذا قول الله عز وجل (إن من أمة إلا خلا فيها نذير)
وقيل: المراد بقوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أي هم محتاجون إلى الإنذار لكونهم لم يتقدم من ينذرهم. هذا اشكال.

 ثمة إشكال آخر وهو يتعلق بالقول الثالث في المراد بالقوم، يتعلق به إشكال، أهل الفترة الذين بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام هنا إشكال وهو قوله سبحانه وتعالى (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) هل هذه تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُرسل بالنذارة فقط للعرب أو لأهل الكتاب أيضا؟ فإن أهل الكتاب قد جاءهم نذير فكيف يكون قوله عز وجل (لتندر قَوْما ما أتاهم من نذير من قبلك) وأهل الكتاب قد أتاهم نذير قبل النبي عليه الصلاة والسلام فهل تكون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة بالعرب؟ الجواب: لا ، كيف إذا تدفع الإشكال؟
نقول هذا التخصيص في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) لا يوجب نفي من عداهم لكن يُوجه قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) أنهم هم أولى الناس بالنذارة من غيرهم.
 الجواب الثاني: قالوا في قوله (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) يدخل فيه أهل الكتاب، لماذا؟ قالوا لأن أهل الكتاب بعد رسولهم عيسى عليه السلام قد ضلوا ولم يأتهم نذير فجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين وإلى العرب وغيرهم.
قال الله عز وجل (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) أي من قبلك يا محمد (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي لعلهم يعرفون الحق ويؤمنون به ويتبعون هذا الحق الذي جئت به يا محمد. 
قال (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وهذا فيه فائدة: أن القرآن طريق إلى الهداية، وأن من تمسك بالقرآن فقد اهتدى قال الله عز وجل (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2))، وقال سبحانه وتعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رب لم حشرتني أعْمَى وقد كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذلِك أتَتكَ آيَاتُنَا فَنسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126))

 (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما في ستة أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم من دونه من ولي ولا شَفِيعُ أَفَلا تتَذَكَّرُونَ (4)) 
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (الله الذي خلق السموات والأرض) أي الله سبحانه وتعالى الإله المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له هو الذي خلق السماوات السبع والأرضين وما بينهما في ستة أيام وهذا يسمى عند أهل العلم الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، لأن الكفار مقرون بأن الذي خلق السماوات والأرض الله (ولئن سألتهم من خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْض ليقولن الله) فهذه الآية فيها تعريض بهؤلاء الكفار، فكأنه قيل لهم ألستم مُقرين بأن الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما هو الله؟ الجواب نعم، إذا فهو المستحق للعبادة، وهو الإله المعبود الذي يستحق العبادة ولا تُصرف العبادة إلا له ، ولذلك بدأ بلفظ الجلالة هذا الاسم العظيم (الله الذي خلق السموات والأرض) لو قيل:  الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام الله، صح لكن هنا قُدم لتعظيم هذا الأمر.
قال الله سبحانه وتعالى (الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَوتِ وَالْأَرْض وما بينهما) يعني من الخلائق على أن في السماوات خلق وفي الأرض خلق وبين السماء والأرض خلق الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في سنة أيام وهذه الأيام تبدأ من يوم الأحد وتنتهي يوم الجمعة .
قال الله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السموات) السبع، (والأرض) والأرضين، (وما بينهما في ستة أيام)  هنا سؤال قد يرد على الأذهان وهو ما الحكمة من خلق السماوات والأرض في ستة أيام مع أن الله عز وجل قادر على أن يخلقها في طرفة عين؟ فلماذا كان خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ 
قال بعض أهل العلم: في ذلك دليل على حكمة الله عزوجل ولطفه وتدبيره، وأيضا فيه تعليم للناس وتنبيه على التأني في الأمور، وأن لكل شيء أجلا، والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل والخلق يسألون.

قال الله عز وجل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) أي ثم علا وارتفع سبحانه وتعالى على عرشه كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، وهذا فيه دليل على أن العرش مخلوق قبل السماوات والأرض.

قال (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي ولا شفيع. هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المخاطببين في قوله (ما لكم من دونه) على قولين:
 القول الأول: قالوا الخطاب هنا للكافرين أي ما لكم أيها الكافرون من دون الله من ولي ولا شفيع.
القول الثاني: قالوا المراد به عموم الناس.
قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ) أي ليس لكم من دونه، الضمير في قوله (من دونه) يعود على من؟ على (الله) عز وجل أي ليس لكم من دون الله عز وجل ولي.
 هنا في قوله (من ولي) هذه (مِن) يسميها العلماء مِن مزيده أو صلة لماذا جاء بها؟ جيء بها للتوكيد وتقدير الآية ليس لكم سوى الله عز وجل ولي يتولى أمركم وينفعكم ولا شفيع يشفع لكم عند ربكم، لأن الإنسان في نصرته يتحقق فيه أمران: إما أن يكون هناك من ينصره، وإما أن يكون هناك من يشفع له فنفى الله عز وجل الناصر والشفيع.

قال (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) ما تعلمونه من أن الله عز وجل هو الخالق وحده الذي خلق السماوات والأرض واستوى على عرشه، وأنه لا حجة لشيء مما أشركتموه به فإن الله عز وجل هو الذي يستحق العبادة وهو الذي ينبغي أن تصرف له العبادة، فهو الإله الحق المعبود، وهذا معنى تحقيق قول لا إله إلا الله أنه لا معبود بحق إلا الله.

قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5))
قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي يدبر الله عز وجل أمر خلقه بما يشاء، وما المراد بالأمر في قوله (يدبر الأمر)؟ 
هل المراد به الأمر القدري الكوني أو المراد به الأمر الشرعي؟ الجواب كلاهما مراد ، الأمر الكوني القدري الذي هو مقادير الناس وخلقهم وأرزاقهم ...الخ ، والأمر الشرعي الذي هي الشرائع والفرائض والنوافل ....الخ ، فالمراد بهما هنا الأمر الشرعي والأمر الكوني القدري.
قال الله عز وجل (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) أي فينزل تقديره سبحانه وتعالى وقضاؤه من السماء إلى الأرض.
 ثم قال بعد ذلك (ثم يعرج إليه) أي ثم يصعد إليه من الأرض إلى السماء، وفي قوله (ثم يعرج إليه) دليل على إثبات علو الله سبحانه وتعالى، لأن العلو يكون من فوق إلى أسفل، فدل ذلك على علو الله سبحانه وتعالى.
 ثم هنا اختلف المفسرون رحمهم الله في الذي يعرج إليه أي الذي يصعد ما هو؟ في قوله سبحانه وتعالى (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه)، ما الشيء الذي يصعد إليه؟ اختلف المفسرون في ذلك على قولين:
 القول الأول: قالوا المراد به المَلك الذي ينزل بالأمر، أي يعرج الملك إليه بعد نزوله بالأمر يصعد مرة أخرى.
القول الثاني: المراد به الأمر الذي سبقت الاشارة إليه في قوله (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) أي ثم يصعد الأمر إليه.

قال (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5)) أي في يوم كان مقداره ألف سنة مما تحسبون من أيامكم في الدنيا، وهنا اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بقوله (في يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّونَ) على أقوال أوصلها بعضهم إلى خمسة أقوال أصحها وأرجحها: أن المراد به في قوله (في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِما تَعُدُّونَ) أي الأمر ينزل من السماء إلى الأرض ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد وقدر ذلك اليوم ألف سنة مما يحسبه الناس، كيف يكون؟ قالوا لأن ما بين الأرض والسماء خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك فذلك ألف سنة، يعنى الأمر ينزل ويصعد في ألف سنة، هذه أصح الأقوال، ثمة أقوال ضعّفها بعض أهل العلم لأن بعضها لا يحتمل السياق، وبعضها مبني على روايات ضعيفة. فهذا أصح الأقوال وهذا اختيار الإمام ابن جرير الطبري عليه رحمة الله.

(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) ۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11))

(ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6))
يقول ربنا جل وعلا (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) اسم الإشارة في قوله (ذلك) يعود إلى الله سبحانه وتعالى أي ذلك الإله العظيم الشأن العالي القدر الذي فعل ما وصف من الآيات السابقة، هو عالم الغيب والشهادة.
في قوله سبحانه وتعالى (الله الذي خلق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..) الآيات قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي هو الله سبحانه وتعالى، وجيء باسم الإشارة هنا بعد تلك الأمور التي وصفها الله عز وجل في الآيات التي قبل في قوله (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما..) إلى آخره، جيء بعد تلك الأشياء التي وصفها الله عز وجل لها قبل جاء باسم الإشارة هنا للتنبيه على أن المشار إليه باسم الاشارة وهو الله عز وجل حقيق بما يرِد بعد اسم الاشارة في قوله (عالم الغيب والشهادة).

قال سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ) أي عالم بكل ما غاب عن خلقه، والغيب نوعان:
/ غيب مطلق وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى
/ والنوع الثاني غيب نسبي وهو ما يكون غائبا عن شخص غير غائب عن شخص آخر
 والله سبحانه وتعالى يعلمهما يعلم الغيب المطلق والغيب النسبي.

قال (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الشهادة المقصود بها كل ما هو مشاهد أو مدرك من خلقه، وهنا سؤال: لماذا قدم الغيب على الشهادة؟ لماذا لم يقل ذلك عالم الشهادة والغيب، فبدأ بالأمر المشاهد ثم بالأمر الذي يغيب عن الخلق؟ 
قال أهل العلم: قدم الغيب هنا على الشهادة لأنه أقوى وأشد في التنبئة عن كمال العلم - كمال علم الله سبحانه وتعالى - فإذا كان عالما بالغيب فمن باب أولى أن يكون عالما بالشهادة.
قال هنا سبحانه وتعالى (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) العزيز: أي العزيز الغالب القاهر المُنزه عن كل عيب ونقصص عظيم القدر سبحانه وتعالى الرحيم بعباده. وهنا سؤال: لماذا جيء باسم الرحيم؟ دائما ما يقترن اسم (العزيز) باسم (الحكيم).
 قال أهل العلم: جيء باسم (الرحيم) لأن الله عز وجل رحيم بعباده، فهو يرسل الرسل وينزل الكتب رحمة بعباده وهذا من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى إنزال الكتب إرسال الرسل إقامة الحجة هذه كلها من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى.
 قال بعض أهل العلم: في هذه الجملة في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الكلام هنا فيه معنى التهديد والوعيد، كأنه قيل أخلصوا أفعالكم وأقوالكم فإني أجازيكم عليها في قوله (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7)) 
ثم قال بعد ذلك جل ذكره (ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) (الذي أحسن) أتقن خلق كل شيء واحكمه سبحانه وتعالى، وفي مفردة (خَلَقَه) قراءتان، فإن القراءات - كما مرّ معنا آنفا في أكثر من موضع من المواضع التي تدارسنا فيها السور - أن القراءتين بمنزلة الآيتين، كل قراءة تُحمل على أنها آية ويكون لها معنى.
 هنا قال: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) في مفردة (خَلَقَهُ) قراءتان:
 القراءة الأولى بفتح اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) وهذه قراءة نافع والكوفيين.
القراءة الثانية بإسكان اللام (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ ) وهذه قراءة الباقين.

/ قراءة الفتح في قوله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ ) قال بعض المفسرين لها معنيان:
 المعنى الأول: بمعنى أتقن كل شيء وأحكمه.
المعنى الثاني: بمعنى حسّن، أي الذي حسّن خلق كل شيء
/ أما قراءة الاسكان (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ۖ )  قالوا أي أعلم كل شيء خلْقه أي: أنهم خلقهم وما يحتاجون إليه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ)
 
/ ثم قال بعد ذلك جل ذكره (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) وهنا سؤال وهو: أليس الإنسان من الخلق وهو داخل في قوله سبحانه وتعالى (الذي أَحْسَنَ كُل شيء خلْقه) أو (خلَقه) على القراءتين؟ الجواب: بلى.
 فلماذا خصّ الإنسان بالذكر هنا؟ 
قال أهل العلم: خصّ الإنسان بالذكر هنا من باب أن هذا المخلوق هو من أشرف المخلوقات، أشرف المخلوقات في الحيوانات هو الإنسان والله عز وجل قال (وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا).

 قال (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) ما المراد بالإنسان هنا ؟ هل يُراد به آدم عليه السلام أو يراد به جنس الإنسان؟ قولان لأهل العلم هنا. تنبيه: الضمائر لا بد من ترتيبها في الآية. فأحيانا قد يرِد إشكالات لابد أن ننتبه لها. قولان للمفسرين:
القول الأول: قالوا المراد به آدم عليه السلام، والمعنى: وخلق آدم أبا البشر من طين هذا المقصود.
القول الثاني: قالوا المراد بالإنسان هنا الجنس البشري أي وابتدأ خلقه الذي هو أصله آدم عليه السلام.
ننتبه بعد ذلك على ترتيب الضمائر على هذين القولين.

 (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8))
قال (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ثم جعل الله نسل هذا الإنسان - على الخلاف السابق - آدم عليه السلام أو جنس الإنسان. قال  (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي ولده، والنسل مأخوذ من الانفصال عن الشيء ولذلك سمي هذا نسله، قال (ثم جعل نسله) أي الإنسان (جعل نسله) يعني ذريته - ذرية آدم - على القول بأنه آدم، أو الإنسان جنس الإنسان. (ثم جعل نسله من سلالة) السلالة مأخوذة من السَلّ وهو: استخراج الشيء من الشيء، فكأن المعنى (ثم جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سلالة) أي مستخلصة من ماء والمقصود بالماء هنا المني.

قال (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) ما معنى مهين هل يراد به أنه ضعيف؟ أو يراد به مهين يعني ممتهن؟ ما المراد به؟ 
قولان لأهل العلم:
 القول الأول: قالوا المراد من ماء مهين يعني ضعيف، ووصف الماء - المني هذا - بأنه ضعيف، قالوا لأنه لا يسيل سيلان الماء فهو يسير ببطء، وهذا وجه الضعف فيه.
القول الثاني: قالوا المقصود بـ (مهين) هنا يعني ممتهن لا يعبأ به ، والغرض من هذا الوصف ماذا؟ في وصفه كونه ضعيف أو ممتهن؟ هو التنويه إلى عظمة التكوين هذا الجنس المكتمل العجيب، فإذا رأيت الشخص الممتلئ قوة ونشاطا ونحو ذلك ورأيت أصل خلقِه دل ذلك على عظمة الخالق جل وعلا قال الله عز وجل (ألم نخلفكُم مِّن مَاء مَّهِينٍ (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23))، وقال (أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نحنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بمسبوقين (60)) الآية
 أي القولين هنا مراد في قوله مهين هل هو ضعيف أو ممتهن؟ الجواب: كلا القولين مراد فهو ماء ضعيف وماء ممتهن.

 (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
قال الله سبحانه بعد ذلك (ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير يعود إلى من؟ يعود إلى آدم أو الإنسان؟
 إذا جعلت الضمير في (وبدأ خلق الإنسان) لآدم تجري الضمائر على آدم، وإذا جعلت الضمير على الإنسان على جنس الإنسان تجري الضمير على جنس الإنسان.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) هنا الإشكال: يعني هل آدم خلق من طين ثم جاء نسله بعد ذلك، ثم بعد ذلك نفخ فيه الروح؟ الجواب: لا، الإشكال: أولا خلق آدم من طين ثم نفخ فيه الروح ثم بعد ذلك جاء نسله، هنا في الآية أنه خلق الإنسان من طين ثم بعد ذلك جعل نسله ثم بعد ذلك سواه ونفخ فيه من روحه ، هنا الترتيب في قوله (ثم) ليس المقصود به ترتيب الأحداث إنما هو مجرد الأخبار والذكر فقط .
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) يعني إذا كان قلنا الضمائر لآدم، لكن إذا كان الضمائر جنس الإنسان فالأمر مستقيم.
  (ثُمَّ سَوَّاهُ) الضمير هنا من يعود إلى آدم أو إلى جنس البشر، وأنت تستطيع بعد ذلك أن تُركب الأقوال على عود الضمائر.
قال(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) ثم جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا كما قال سبحانه وتعالى في سورة الانفطار (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بربك الكريم (6) الذي خلقك فَسَوَّاكَ فَعَدلك (7)) في قراءة عدّلك.
قال (ثُمَّ سَوَّاهُ) جعله الله عز وجل خلقا مستويا مستقيما معتدلا،(وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) أي وجعل فيه الروح فصار حيا، وهذا إذا قلنا على أن القول هذا المراد به جنس الإنسان، إذا المراد به آدم فإن الله قد نفخ فيه من روحه، وفي قوله من روحه الإضافة ماذا؟ إضافة المخلوق لخالقه أن الروح مخلوقة وخالقها هو الله عز وجل، وهنا من باب التشريف.
 المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان:
النوع الأول: إضافة صفة إلى موصوف كصفة السمع والبصر وغيرها الله عز وجل
والنوع الثاني: إضافة مخلوق إلى خالقه كبيت الله عز وجل، وناقة الله، ورسول الله، ونحو ذلك. وهذه الإضافة تقتضي التخصيص والتشريف كما هنا في قوله ونفخ فيه من زوجه يعني جعل فيه الروح فصار حيا..

/ ثم قال سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ) وهنا فيه تغيير في الأسلوب يُسمى الالتفات لأنه كان يتكلم عن شيء غيب، من أسلوب الغيب إلى أسلوب الخطاب، كان يتكلم عن (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ ) كان تقدير الكلام أن يقال وجعل له السمع والأبصار والأفئدة، هذا تقدير الكلام فقال هنا (وَجَعَلَ لَكُمُ) لماذا جيء بهذا الأسلوب الالتفات؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب الامتنان عليهم بهذه النعمة. 
قال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) لتسمعوا به الأصوات (وَالْأَبْصَارَ) لتبصر بها المبصَرات، (وَالْأَفْئِدَةَ) التي هي القلوب لتدركوا بها المعقولات، وهنا سر بلاغي جميل وهو أنه وحّد السمع فقال (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ) والأبصار والأفئدة جمعها، فلماذا وحّد السمع وجمع الأبصار والأفئدة؟
قال أهل العلم وحّد السمع هذا لأنه مصدر فالسمع هو قوة واحدة، ومحلها واحد وهو الأذن ولا اختيار لصاحبها فيها، بخلاف البصر فإنه يستطيع أن يدرك بالزوايا ونحو ذلك، أما السمع فلا، ولذلك جمع البصر والفؤاد لأن للإنسان فيها اختيار، وهنا استدل بعض أهل العلم بالمفضلة في أيهما أفضل السمع أو البصر؟ الجواب: الأفضل السمع فإن الإنسان بالسمع يدرك العلوم ويفقه ويفهم ويعقل بخلاف لو كان أصم فإنه لا يستطيع أن يدرك ما يدركه السميع، لو كان الإنسان أعمى فإنه يدرك ويفهم ويصل إليه الخطاب، ويستطيع أن يتعامل وهكذا، فالسمع أفضل هنا قدمه لأنه أفضل لصاحبه فإنه تدرك به الحُجّة ولذلك يقول أهل العلم: السمع منفذ إلى القلب.

قال الله سبحانه وتعالى (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9))
 هنا سؤال في قوله (قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) يعني قليلا شكركم هل المراد بالقليل على أصله فعل القليل، أو يراد به المعدوم يعني الشيء الذي لا يوجد؟ قولان لأهل العلم:
/ القول الأول: قالوا المراد بقوله (قليلا ما تشكرون) أي أنتم مع ما أنعم الله عز وجل عليكم به من هذه النعم المتوافرة الكثيرة شكركم قليل، والشاكر من العباد قليل كما ذكر الله سبحانه وتعالى في قوله (وقليل من عبادي الشكور)
/ القول الثاني: قالوا بل المقصود به هنا (قليلا ما تشكرون) أي لا تشكرون الله عز وجل على هذه النعم، فهنا جعله منزلة المعدوم فإنهم لم يستعملوا هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى.

(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)
ثم قال بعد ذلك (وقالوا) الضمير يعود إلى من في قوله (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)؟ إلى المشركين المنكرين للبعث. 
قال سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا) واستفهامهم هنا هل هو استفهام على بابه استفهام حقيقي؟ الجواب: لا ، استفهامهم هذا استفهام استنكار وتعجب واستبعاد أيضا للبعث، (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا) أي بمعنى ذهبت أجسادنا وتفرقت لحومنا وعظامنا وغابت في التراب، وصارت مثل التراب بحيث لا تتميز هذه الأعضاء وهذه الأجساد التي كانت في التراب بعد أن صارت ترابا يفرق بينها وبين التراب، قالوا (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) هذا من شدة إنكارهم جاؤوا بـ (في) الظرفية يعني كأنهم التراب والأرض شيء واحد،(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) يعني هل سنعود أحياء بعد تلك الحال؟ بعد أن خالطنا التراب وصرنا ترابا نعود أحياء بعد ذلك كما قال الله سبحانه وتعالى (وإن تَعْجَب فَعَجَبٌ قَوْلهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقِ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأولئك الأغلال في أعْنَاقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فهم مستبعدون لقضية البعث، والله عز وجل قد ردّ عليهم في أكثر من موضع بأكثر من حجة.
قال الله عز وجل هنا (بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) هنا (بل) يسمونها للإضراب يعني ليس الأمر كما يقولون هم، فهؤلاء لا يجحدون بقدرة الله عز وجل، يجحدون ماذا؟ يجحدون لقاء ربهم للحساب والبعث وإلا فالذي كان قادرا على بدء الخلق قادر على إعادته مرة أخرى كما قال الله سبحانه وتعالى (أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ) قال سبحانه وتعالى (وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ) في قوله (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) فهو هين على الله سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه وتعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) الإنسان بقدر بعده عن الآخرة بقدر تجاسره على المعاصي، فإذا الإنسان غفل عن البعث والجزاء فإن يكون مقدما على المعاصي تاركا للطاعات والعكس.

(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُم)
قال هنا سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم) الخطاب لمن ؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث (يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) (يتوفاكم) مأخوذة من الاستيفاء يعني يستوفي ملك الموت الذي وكله الله عز وجل أرواحكم، فلا يترك منكم أحدا (إنك ميت وإنهم ميتونَ) و (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) هذه حقيقة لا مفر منها 
الموت باب وكل الناس داخله = يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
 الدار دار نعيم إن عملت بما = يرضى الإله وإن قصّرت فالنار 
فهذه حقيقة لابد أن يدركها الإنسان أنه يوما ما سيذوق الموت لا محالة 
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته = يوما على آلة حدباء محمول
 ولكن ليست المصيبة في الموت ، المصيبة فيما بعد الموت.
قال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) من هو ملك الموت هذا؟ لم يرِد في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام تسمية هذا الملك، لكن ورد في بعض الروايات الإسرائيلية أن هذا الملك اسمه عزرائيل معناها عبد الله، لكن لم يرد في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية هذا الملك.
قال الله عز وجل هنا (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) هنا فيه إشكال، الإشكال أنه في هذه الآية أسند الموت إلى المَلك فقال (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) وجاء في آيات أخرى أنه أسند ذلك إلى الملائكة فقال (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ)، (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وجاء في آية أخرى أنه أسند هذا التوفي إلى الله سبحانه وتعالى فقال الله سبحانه وتعالى (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) فكيف نجيب عن هذا التعارض الظاهر؟ قال أهل العلم: أما إسناد التوفي إلى الله سبحانه وتعالى في قوله (اللهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) فهذا إسناده إلى الله سبحانه وتعالى لأن كل شيء كائن لا يكون إلا بقضاء الله وقدره وأمره سبحانه وتعالى وملك الموت لا يقبض روح أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فهو المتوفي حقيقة ، هذا إسناد التوفي إلى الله سبحانه.
 إسناده إلى الملائكة في قوله (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكة) أن لملك الموت بأعوان من الملائكة فإنهم يأخذون هذه النفس حتى يصلون بها إلى الحلقوم ثم بعد ذلك ينتزعها ملك الموت، وأما اسناده إلى ملك الموت فهو الملك المباشر والمأمور بقبض الأرواح.

قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) 
طبعا هناك مسائل خلافية في ملك الموت وهل ملك الموت هو الذي يقبض أرواح بني آدم هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بقية المخلوقات كالجن وكالحيوانات وإلى آخره، الكلام هذا ليس هذا محله لكن هو ملك الموت الذي يقبضه الأرواح هو ملك الموت الذي يقبض أرواح بني آدم وغيره هذا الصحيح.

قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) في الآية تقديم وتأخير كيف سيكون نظام الآية في قوله (ثم إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) سيكون تقدير الآية ثم ترجعون إلى ربكم، لماذا جيء بالتقديم والتأخير؟ في الأصل ثم ترجعون إلى ربكم، قال (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) هذا من باب التنبيه والتحذير، وأن الإنسان محاسب ومجزي، في قوله (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) أي ثم أنتم بعد موتكم تردون أحياء يوم القيامة ثم ترجعون إلى ربكم سبحانه وتعالى فيجازيكم على أعمالكم، وهذا فيه تنبيه على أن الإنسان يُحسن عمله، لأنه راجع إلى ربه وسائر إليه، ومسؤول عن ما عمله في هذه الدار.

الهدايات العلمية والعملية:
/ بيان عظيم قدرة الله في تدبير الأمور
/ السمع والبصر نعمتان وشكرهما يكون باستعمالهما فيما يُقرب إلى الله.
/ تذكر لحظة الوفاة التي تقابل الله تعالى فيها بعملك إن خيرا أو شرا.

العمل اليومي:
/ادع الله تعالى أن يدبر لك أمورك ويرزقك العلم النافع فهو المدبر والعليم.
/ ادع الله أن يُحسّن خُلقك كما حسّن خلْقَك.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك اللهم نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها ، سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله واصحابه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يتدارسونه
اقرأ المزيد...

الأحد، 19 أبريل 2026

تدارس سورة السجدة / مقدمة

 المقدمة الأولى: أسماء هذه السورة 
سميت هذه السورة باسم سورة السجدة، وهذا الاسم هو الذي اشتهرت به هذه السورة وكُتبت به في المصاحف وكتب التفسير وبعض كتب السنة، ووجه تسميتها بهذا الاسم ظاهر لاشتمالها على سجدة التلاوة في قوله سبحانه وتعالى (إنما يُؤْمِنُ بآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِمَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يستكبرون)
وسميت كذلك باسم سورة (الم تنزيل) وقد جاء ذلك عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم منهم أبو هريرة رضي الله عنه كما جاء عند مسلم في قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح يوم الجمعة (الم تنزيل) في الركعة الأولى وفي الثانية (هل أتى على الإنسان حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مذكورا)
 وسميت كذلك الم تنزيل السجدة وهذا جاء أيضا مصرحا به في حديث ابن عباس رضي الله عنهما كما عند مسلم وغيره (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة (الم (1) تنزيل) السجدة)
 وسميت كذلك باسم سورة المضاجع، ووجه التسمية هو لوقوع لفظ المضاجع فيها في قوله سبحانه وتعالى (تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا..) الآية.

المقدمة الثانية: فضل هذه السورة
من فضائل هذه السورة استحباب القراءة بها في صلاة الصبح يوم الجمعة وقد مر معنا حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدمين قال بعض أهل العلم: " الحكمة في القراءة بها وبسورة الإنسان في صلاة الصبح يوم الجمعة أنها اشتملت عما كان وما سيكون من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق وبعثهم من قبورهم إما إلى الجنة وإما إلى النار، جاءت كذلك في بيان خلق الإنسان وآدم أنه خلق يوم الجمعة، وفيهما أيضا ذكر يوم القيامة وفي يوم الجمعة تقوم الساعة، ففي قراءتها في باكورة هذا اليوم أعنى يوم الجمعة تذكير الأمة بما كان في هذا اليوم وما سيكون.

المقدمة الثالثة : نوع السورة
 تتضمن الحديث عن نوع السورة فهذه مكية بالإجماع وقد حكى الاجتماع غير واحد من أهل العلم منهم الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله في زاد المسير، واستثنى بعضهم من مكيتها قوله تعالى (تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبُّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ومما رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) فقالوا هذه الآية مدنية معتمدين في ذلك على أثر ضعيف وهو أنها نزلت في المدينة، وقيل مما استثني من هذه السورة الكريمة قوله سبحانه وتعالى (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) وآيتين بعدها، وحجتهم أيضا في ذلك أثر ضعيف نزولها بالمدينة والصواب والله أعلم أن السورة كلها مكية.

المقدمة الرابعة : عدد آيات هذه السورة 
فهي عشرون وتسع آيات في البصري، وثلاثون آية في عدّ الباقين، واختلاف في آيتين: الآية الأولى (الم) عدّها الكوفي ولم يعدها الباقون، وفي قوله سبحانه وتعالى (أإنا لفي خلق جديد) لم يعدها الكوفي والبصري وعدها الباقون.

المقدمة الخامسة: موضوعات هذه السورة 
هذه السورة تتحدث عن موضوعات يمكن أن تجمل في ست موضوعات: 
الموضوع الأول: في التنويه بالقرآن الكريم، وأنه منزل من عند الله عز وجل، وأيضا فيه الرد على المشركين في دعواهم أن هذا القرآن مفترى، وهذا ما تحدثت عنه الآيات من بداية السورة إلى نهاية الآية الثالثة
 ثم تطرقت السورة إلى الاستدلال على بطلان إلهية ما يُعبد من دون الله عز وجل، بإثبات انفراد الله عز وجل بخلق السماوات والأرض، وذكر البعث، والاستدلال على كيفية خلق الإنسان ونسله ، وإحياء الأرض بعد موتها وهذا جاء الحديث عنه من الآية الرابعة وحتى نهاية الآية الحادية عشرة من هذه السورة الكريمة.
الموضوع الذي يليه وهو عرض مشهد من يوم القيامة وهو مشهد المجرمين بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهذا ما تحدثت عنه الآيات من الآية الثانية عشرة وحتى نهاية الآية الرابعة عشر
 ثم تعرضت الآية على الثناء على المُصدقين بآيات الله سبحانه وتعالى وما أعده الله عز وجل لهم من نعيم، كذلك ما ذكر من حال الفاسقين من نار الجحيم ونحو ذلك هذا تحدثت عنه الآيات من الآية الخامسة عشرة وحتى نهاية الآية الثانية والعشرين
 ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن موسى عليه السلام وما امتن الله عز وجل عليه به من إعطاء التوراة وكذلك ما امتنّ الله عز وجل به على قومه وهذا كان الحديث عنه من الآية الثانية والعشرين إلى نهاية الآية الخامسة والعشرين.
ثم ختمت السورة بدعوة المشركين للتدبر والتفكر بآيات الله عز وجل وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم، ووعده عليه الصلاة والسلام بالنصر عليهم وهذا ما تحدثت عنه الآيات من الآية السادسة والعشرين وحتى نهاية هذه السورة الكريمة.





اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 7 أبريل 2026

فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (٦٩- ٨٩)

 عرضت الآيات بين يدي قصة لوط - عليه السلام ـ وقومه خبر نبي الله إبراهيم - عليه السلام - والبشارة التي تفضّل الله تعالى بها عليه لبيان العاقبة الطيبة للذين يلتزمون الحدود المشروعة المنسجمة مع الفطرة السليمة في علاقاتهم الجنسية ، من حصول الخيرات والبركات والنسل الطيب والذرية الطاهرة ، وبيان النتيجة الوخيمة لمن يتجاوزون الحدود المشروعة ،ويشذون عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها . 

(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)
 " اختلف في من هم من الملائكة والأرجح أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل . لكن لا أعلم في هذا نصا صريحا يمكن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(١) وفي مجيء الملائكة له بالبشارة من ربه دلالة على أنه إذا استطاع الإنسان أن يحمل بشارة إلى أحد فليفعل ، لأن هذا مما يتنافس فيه العقلاء ، والنبي قال : (إن ملكا نزل من السماء إلى الأرض ، لم ينزل إلى الأرض من قبل ، استأذن الله بأن يبشرني بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) فهذا الملك فقِه معنى البشارة وعلم في الملكوت الأعلى أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فنزل بهذه البشارة ، فإن فاتته البشارة استحب له تهنئته ، والفرق بين البشارة والتهنئة: أن البشارة إعلام له بما يسره ، والتهنئة دعاء له بالخير فيه بعد أن علم به . ولهذا لما أنزل الله توبة كعب بن مالك وصاحبيه ذهب إليه البشير فبشره ، فلما دخل المسجد جاء الناس الناس فهنئوه .
المقصود بالبشارة هنا البشارة بالولد إسحاق ، وفي التعبير العلمي يقول العلماء : كون إبراهيم يولد له وهو في هذا السن وكون سارة تولد لها في هذا السن مع كونها عاقر منذ أن خلقت هذا يقال له معجزة نبي وكرامة ولي . وله نظير من الأنبياء والرسل وهو : زكريا ، فإن زكريا رزق ولداً كما رزق إبراهيم على كبر فهي بالنسبة لزكريا معجزة وبالنسبة لزوجته كرامة لأن المعجزة تلحق بالرسول والكرامة تلحق بالأولياء.

- (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ﴾
 السلام سنة ، ورده واجب ، هذا ما كان من ضيوف إبراهيم عليه السلام حين دخلوا فسلموا ورد عليهم السلام ، فكان ما فعله سنة للمسلمين إلى يوم القيامة ، ومن السنة أيضاً أن من حياك بتحية كان عليك أن ترد عليه بأحسن منها ، فإن لم تفعل فبمثلها (وَإِذَا حُتِيتُم بِتحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) [النساء : ٨٦] ... فهل أجاب إبراهيم عليه السلام التحية بمثلها أو بأحسن منها؟
والجواب: أنه ردها بأحسن منها ، فقد حيوه بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ورد عليهم بالجملة الإسمية التي تفيد الثبوت، والثبوت أقوى من الحدوث، فكان رد النبي إبراهيم - عليه السلام- بأحسن من تحيتهم .

- (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
 كان إبراهيم - عليه السلام - من أكرم خلق الله ولفظ (عجل) أفادنا أي نوع من بهيمة الأنعام ذبح إبراهيم لضيفه ، ولفظ (حنيذ) أفادنا أي طريقة طهى بها إبراهيم العجل لضيفه، وفي قوله جل وعلا في سورة أخرى (بعجل سَمِينٍ) أفاد وصفا لذلك العجل .

ومن حسن الاستقبال :
/ أن تكرم الضيف بالطعام أو الفاكهة
/ وأن تقرب لهم الطعام أو الضيافة ، فقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام بعد أن سلم عليه الملائكة وهو لا يدري أنهم ملائكة قدم بين أيديهم لحماً مشوياً (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
وفي سورة الذاريات (فَراغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) وكلمة (راغ) توحي بأنه كان حريصاً على قِراهم فلم يسألهم : أتأكلون فآتي بالطعام ، بل إن على صاحب البيت أن يأتي بالطعام دون أن يسألهم حتى لا يستحيوا فيجيبوا بالنفي. كما أن على صاحب الدار أن يكون قراه طيباً وكثيراً " فالعجل مشوي سمين " وهذا من مكارم الأخلاق وآداب الضيافة ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ، لقوله: (الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة) والمقصود بالجائزة: الهبة والعطية ، وقال : ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) فـ " ليلة الضيف حق " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. 
 ثم التلطف في الدعوة إلى الطعام فلم يقل لهم : " كلوا " إنما قال لهم بصيغة السؤال متلطفاً " ألا تأكلون"
ومن الإكرام أن يقدم الطعام للضيفان من صنع أهل البيت ما أمكن ، فالتكلف غير مرغوب .

ـ (فَلَمَّا رَاء أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً )
المؤاكلة حرمة يعظمها العقلاء ، وهي من أعظم ما يقرن بين الناس ، فلما رأى إبراهيم عليه السلام أيدي الملائكة لا تصل إلى الطعام وهو لا يعلم أنهم ملائكة أصابه الخوف أن هؤلاء ما جاءوا لخير إنما أرادوا سوءا بدليل أنهم رفضوا يأكلوا طعامه .
 وفيه أن الإنسان لا يوقع نفسه مواقع الريب، فإذا بدا منه شيء يجعل الآخرين يتساءلون فإنه يبين لهم ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها صفية) (٢) ، فإبراهيم - عليه السلام - خاف من الأضياف وقال لهم: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) [الحجر : ٥٢] فبينوا له حالهم وقالوا له: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) [هود: ۷۰].

- لا يعلم الغيب إلا الله ، وهذا خليل الله وليس وقتها على وجه الأرض أفضل منه ولا أتقى لله منه ، ولا يُرفع لأحد عمل صالح في زمانه أعظم منه - عليه السلام - ومع ذلك لم يكن يدري أنهم ملائكة .

ـ (وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) قال الشافعي: "وبعض العلماء إن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت، ولا أحد ينكر أن الشافعي كان إماما في اللغة ولا يجادل في هذا من له إطلاع على أحوال العلماء فقد مكث في هُذيل عشر سنوات يأخذ عنهم اللغة، لكن القول بأن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت لا يستقيم وبعيد جدا لأن هذا لا يصل إلى مفهوم الملائكة وهو شيء خفي، المقصود (فَضَحِكَتْ) يبقى الأمر على أصله وهو الضحك المعروف. "وهذا القول وإن كان معروفاً في كلام العرب إلا أنه ليس الظاهر المتبادر عند الإطلاق، ومن المعلوم أن ألفاظ القرآن ومعانيه تحمل على الظاهر المتبادر، ولا يجوز حملها على معنى آخر خفي أو قليل في الاستعمال إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ولا يوجد دليل" (٣)
والأرجح أنها ضحكت سرورا بأنها علمت أن أولئك أهل الفساد سيعذبون ، فكان هذا نوع من العمل الصالح ، تعاطفها مع أهل الإيمان وبغضها لأهل الكفر والخسران .

- (فَبَشِّرْنَهَا بِإِسْحَاق)
 الحمل الذي تحمله المرأة إذا حملته في أول الأمر يصبح بشارة وفي آخر الأمر ينقلب إلى هم الحمل، في أوله بشارة فإن الرجل أو المرأة يستبشر في الشهور الأولى من الحمل ، ولذلك قال الله (فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَاقَ) لكن الله قال (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ) أي الحمل، (فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُمَا) آخر الحمل يبقى هم لأن النفاس مظنة الموت ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة إذا ماتت في نفاسها تُعد شهيدة ولهذا قلنا إن أوله بشارة وآخره همّ .
وعند بعض العلماء كالمالكية - مثلاً أظنها رواية في المذهب - أن المرأة إذا وصلت إلى الثلاثة الأشهر الأخيرة من حملها لا يجوز لها أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأن الإنسان إذا دخل في المرض المخوفة - مرض الموت - يقل سلطانه على ماله ويبقى السلطان للورثة  فلا يجوز للمرأة في آخر حملها - وهي مظنة ولادة - أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأنها مظنة مرض مخوف حتى لا يتضرر الورثة من تصرفها.
قيام امرأة إبراهيم لا يدل بالضرورة على أنها كانت تخدم الأضياف وكل ما ورد في ذلك هو من المرويات المأخوذة عن بني إسرائيل، ولو كانت تخدمهم فهي امرأة كبيرة قد جاوزت التسعين لا تمتد إليها الأنظار، فلا بأس بجلوسها وقد قال : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور : ٦٠] ، ثم لو كانت شابة فالكلام في شرع من قبلنا معروف فليس لأحد أن يتعلق بمثل هذا الدليل.

ـ (قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عَجِيبٌ)
 فيه تربية على أن التعجب من أمر الله تعالى إذا كان حسب ما جرت به العادة والعرف فلا شيء على فاعله بل هو أمر بشري طبيعي كما هو الحال في زوجة إبراهيم عليه السلام حين تعجبت من حصول الحمل والولادة في سن اليأس وعدم القدرة على الإنجاب عند المرأة.

ـ لقد كان لآل إبراهيم، لبيت إبراهيم مقام جليل عند الله قال تعالى : (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) وهذه الآية تدل أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضى الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي ﷺ وممن قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، والبركة النمو والزيادة، ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم عليه السلام.

- (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل وقسط.

- من سمات المسلم اهتمامه بسلامة إخوانه ، وسيدنا إبراهيم قدوتنا وخير مثال على ذلك فإنه حين علم أنهم سيهلكون قوم لوط، - ولوط ابن أخيه - فزع أن يصيبه مكروه فبدأ يجادل الملائكة في أمر لوط - عليه السلام - خوفا على ابن أخيه لوط، وحتى لا يقع في قلب أحد شيء من سوء الظن بإبراهيم أثنى الله عليه قال الله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهُ منيب) كثير الأوبة إلى ربه ، كثير الصبر على من يُخطئ عليه في أعظم آية (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]

- في جميع المواضع التي وردت في القرآن لم يأت عن لوط - عليه السلام - أنه خاطبهم كخطاب الأنبياء بل قال لهم: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: ۸۰] ، وقد فهم من هذا الخطاب بعض أهل العلم أن قوم لوط - عليه السلام - لم يكن عندهم إشراك كما عند الأمم الأخرى المكذبة ، وهذا ليس بلازم ، ونهيهم عن الفاحشة لأنهم أول من ابتكرها ولا شك أنهم كفار ، فقد كذبوا نبيهم واستهزؤا به، وسخروا منه وممن آمن معه غاية السخرية وقالوا : (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتطَهَرُونَ) [الأعراف: ۸۲].

ـ (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) لا على أنهم ضيوف لكن على حالهم وما سيترتب على دخولهم بيته .

- قوله (هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) ليس فيه اعتراض على القدر لكنه وصف لليوم لا سب للدهر .

- (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) المشهور أن زوجته هي التي أنبأت قومه بأضيافه ، وامرأة نوح كانت تقول للناس إنه مجنون فكلا المرأتين خانت زوجها ، وكل منهما لم يقع منهما إيمان البتة وهذا يدلك على أن الهداية بيد الله ، فامرأة نوح تبيت وتطعم على فراش عبد قال الله فيه (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: ٣] ، وامرأة لوط تبيت وتطعم مع لوط - عليه السلام - الله يقول (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) [العنكبوت: ٢٦] ، ومع ذلك لم تنتفع أي امرأة منهما بصحبة ذلك النبي، وآسيا بنت مزاحم تبيت مع أكفر الكفرة ، مع فرعون ويُلقي الله في قلبها الإيمان ، فالهداية نور من الله جل جلاله .

- (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لوط - عليه السلام - كان مهاجرا من الشام إلى أرض سدوم ، ليس منهم ، فليس له عصبة تحميه كما كان أبو طالب يحمي النبي صلى الله عليه وسلم .

ـ اختلف العلماء اختلافا كثيرا في قول الله - جل وعلا - على لسان نبيه لوط العفيف الغيور قَالَ: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) [الحجر: ۷۱] على أقوال عدة فمنهم من قال: أنه قصد بنات القرية جميعا وقصد الزواج المعروف، لكن الآية لا تحتمل هذا لأنه يُشير (هؤلاء) اسم إشارة على شيء حاضر، وأظهر الأقوال - والعلم عند الله - : أن لوط يعلم علما يقينيا أن هؤلاء الفجار ليس لهم إربة في النساء بدليل أنهم تركوا أزواجهم خلفهم ، فهم لا يريدون زوجات ، ولا يريدون المرأة عموما ، لا بحل ولا بحرام لأنه خالطهم سنين فهو قالها لأنه يريد أن يبرئ ساحته أمام ضيوفه فهو لا يعلم أنهم ملائكة ولا يريد الخنا لأهله ، هذا محال هذا لا يفعله أي أحد فكيف بأنبياء الله والقرينة (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٌّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) .
ونصّ العلامة ابن سعدي - رحمه الله - في كتابه قصص الأنبياء على هذا القول وهو: "أنه قصد بناته عيناً وقصد أن يأذن لهم بزواج أو بدون زواج أن يأتوا بناته، وهذا من باب إقامة العذر وإقامة الحجة على المعاند، ومن باب علمه اليقيني أن هذا لن يكون من باب العلم اليقيني أن هذا لا يكون، ونظيره أن سليمان - عليه السلام - كما ثبت في الحديث الصحيح اختصمت عنده امرأتان في ابن لهما كل تدعي أنها أمُه فقال - عليه السلام -: آتوني بالسيف ثم قال أنا أقطعه قطعتين وأعطي كل واحده نصفه ، فقالت أمه الحقيقية: لا تفعل أعطه فلانة، تطلب نجاة ابنها ، الشاهد من القصة: أنه لا يعقل - حتى لو وافقت المرأتان - أن سليمان سيقطع الطفل مستحيل ، لكن هذا من باب العلم أنه لن يقع .."

سبب التأجيل للصباح حتى يخرج بأهله ، فأمرته الملائكة أن يخرج بأهله ، فلما خرج  - حتى لا يقع في قلب الفتاتين من أن أمهم ستهلك - قال الله لهم (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ) وذلك حتى تقوم الحجة على الأم، فخرج لوط وابنتاه وزوجه ، فلما خرجوا زوجة لوط ما زالت على دين قومها ، مازالت تتعاطف معهم ، مازالت تلتفت، تلتفت تريد أن تكون معهم فدب البغض من الفتاتين والبراءة من أمهم ، فتأخرت وتقدموا ، فقال الله جل وعلا (جَعَلْنَا عَالَيْهَا سَافِلَهَا) وهم نكسوا الفطرة ، فلما نكسوا الفطرة قلبهُم الله جل وعلا بأن نكس الأرض التي هم عليها ولا يقدر على هذا إلا الله.

ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً)
أخوة باعتبار القبيلة والنسب، فقد تكون الأخوة باعتبار النسب أو القبيلة، أو باعتبار الشبه في العمل، أو باعتبار الاجتماع في البلد الواحد، أو باعتبار الدِّين، فإذا كان باعتبار الدين فالمسلم ليس بأخ للكافر.

ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ)
 فيه تربية على الربط بين العبودية لله تعالى والتعامل الاقتصادي بين الناس بإقامة الميزان والعدل في الكيل، فرسالات الأنبياء كان محورها الأساسي هو الدعوة إلى توحيد الإلهية والعبادة والدعوة إلى الإصلاح في المجال الأكثر فسادا بين الناس في كل قوم من الأقوام.

ـ من الفقه في الدعوة أن الإنسان لا يُقدم شيئا على الدعوة إلى التوحيد ، ثم يأتي للناس في المنكر الذي شاع فيهم فيبدأ بما هو شائع فيهم فذكر الله هنا أن شعيبا نهى قومه عن التطفيف والبخس في الكيل والميزان لأن هذا أمر كان شائعا فيهم.

-  شعيب - عليه السلام - عالج قضيتين : قضية عقدية وقضية دنيوية ، العقدية: إشراكهم مع الله ، والدنيوية: بخسهم للناس حقوقهم والتطفيف في الكيل والميزان ، فهم ردوا عليه إنه لا يعقل أن أمرا نشأنا عليه اعتقادا وهو عبادة غير الله ، وسلوكا وهو التطفيف في الكيل والميزان أن نترك هذا وهذا من أجل ما تمليه علينا.

- (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
 لا تبخسوا الناس حقوقهم ووفوا لهم إذا كلتم في المكيال وإذا وزنتم في الوزن ويدخل في عموم الآية العدل مع الناس في كل شيء، فكما أن البخس يحرم في المكاييل والموازين كذلك يحرم في التطفيف والبخس في حقوق الناس المعنوية، كالذي ينتقص الناس ويهضمهم حقوقهم، ويظلمهم، وقد قال الله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]

- قوله (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
 فيه تربية على أن إقامة الأمور تكون بالبعد عن طرفيها، ففي قوله تعالى: (وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) نهي عن التنقيص فيهما، وفي قوله تعالى: ﴿ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ) أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التنقيص.
وفيه تربية على العدالة بشكل عام وفي كل الأمور بقوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ...)
وفيه تربية على أن الزيادة في الكيل والميزان كالنقص فيهما وهما من الفساد في الأرض الذي جاءت الأديان لمكافحته عموما وفي كل المجالات.
" ههنا قاعدة قرآنية تكررت ثلاث مرات في كتاب الله كلها في قصة شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهي في قوله تعالى : ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) وهي مثال على شمول دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجميع مناحي الحياة، وأنهم كما يدعون إلى أصل الأصول وهو التوحيد فهم يدعون إلى تصحيح جميع المخالفات الشرعية مهما ظنّ بعض الناس بساطتها، إذ لا يتحقق كمال العبودية لله تعالى إلا بأن تكون أمور الدين والدنيا خاضعة لسلطان الشرع.
وهذه القاعدة القرآنية كما هي قاعدة في أبواب المعاملات، فهي بعمومها قاعدة من قواعد الإنصاف مع الغير، والقرآن مليء بتقرير هذا المعنى - أعني الإنصاف - وعدم بخس الناس حقوقهم ، تأمل - مثلاً - قول الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فتصور! ربك يأمرك أن تنصف عدوك، وألا يحملك بغضه على غمط حقه ، أفتظن أن ديناً يأمرك بالإنصاف مع عدوك، لا يأمرك بالإنصاف مع أخيك المسلم؟! اللهم لا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذه الآية: فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع أو متأوّل من أهل الإيمان!! فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له. وفي واقع المسلمين ما يندى له الجبين من بخس للحقوق، وإجحاف وقلة الإنصاف، حتى أدى ذلك إلى قطيعة وتدابر.
وتلوح ههنا صورة مؤلمة في مجتمعنا تقع من بعض الكفلاء الذين يبخسون حقوق خدمهم أو عمالهم حقوقهم، فيؤخرون رواتبهم ، وربما حرموهم من إجازتهم المستحقة لهم، أو ضربوهم بغير حق في سلسلة مؤلمة من أنواع الظلم والبخس! أفلا يتقي الله هؤلاء؟! (أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: ٤ - ١٦] ألا يخشون أن يُسَلّط عليهم بسبب ظلمهم لمن تحت أيديهم وبخسهم حقوق خدمهم وعمالهم؟! ألا يخشون من عقوبات دنيوية قبل الأخروية تصيبهم بما صنعوا ؟!"(٤)

- (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ)
 من أحسن ما فُسر به قوله تعالى هذا قول ابن كثير رحمه الله - "أي: ما يفضُل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس"
وفيه تربية على أن الخير في المال الحلال وإن قل، وأن المال الحرام لا خير فيه وإن كثر.
وفيه تربية على أن المال الحرام يوجب زوال النعم من الله تعالى .
الدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله تعالى .

- قَالَ (يَا قَوْمِ أَرَأيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَناً)
 لم يحدد شعيب - عليه السلام - ما الرزق الحسن لكن أعظم رزق رزقه الله هو النبوة ويتبع ذلك أشياء أخر .

- (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾
 القدوة الصالحة ، فشعيب عليه السلام حين دعا قومه إلى إيفاء المكيال والميزان ، وإعطاء الناس حقوقهم والبعد عن أكل الباطل أمر بالمعروف وبدأ بنفسه ، ونهاهم عن المنكر ، وانتهى عنه أولاً وهكذا الداعية الصدوق، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - القدوة في كل شيء ، ففي المعركة كان المقدم ، فقد روى الإمام علي رضي الله عنه قال : " كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه " وحين نهى عن الربا نهى عمه العباس أول الناس ، وحين نهى عن الثأر في الدماء الجاهلية : بدأ بدم ابن عمه.
- هذا من أعظم ما يوعظ به الأئمة والخطباء ومن تصدر لوعظ الناس ، ونظيره في القرآن (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) ونظيره - وهو الثالث - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف : ٢-٣].

- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ )
 هذه الكلمة عزيزة لم ترد في القرآن متعلقة بالله إلا في هذا الموضع ، ولذلك قال العلماء إنها عزيزة ، وقالوا : من أحب أحدا ودعا له بالتوفيق فقد أخلص له في الدعاء ، قال الله عن نبيه شعيب أنه قال (وما توفيقي إِلَّا بِاللَّهِ) فأنا أعمل لكن أن أصيب ما أردت إصابته لا يمكن أن يكون إلا بتوفيق من الله .

- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
 " في هذه الآية جمع الله بين أصلين في القدر وهما : أصل قبل المقدور وهو الاستعانة بالله عز وجل، والاستعاذة به ودعاؤه رغبة ورهبة، فيكون معتمداً على ربه، ملتجئاً إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه والثاني: بعد المقدور وهو : الصبر على المقدور" (٥)

- التوكل عبادة قلبية كل يدعيها ، لكن ليس كل أحد يُقدر له أن يأخذ بأسبابها على أتم وجه وأكمل نحو .

- (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
 قال السعدي في تفسيره: " وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) ، وقال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

- (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُم ببَعِيدٍ)
 فيه أن العداوة والخصومة والشقاق قد تدفع بالإنسان إلى اختيار الباطل ومعاداة الحق والوقوع في جريمة الكفر، ومعنى هذه الآية: لا يوقعنكم في جرم الكفر معاداتكم إياي فيصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح - عليه السلام - من الغرق، ولقوم هود عليه السلام - من الريح العقيم، ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف.
________________________
١برنامج مع القرآن (1) للشيخ صالح المغامسي
٢- رواه البخاري ومسلم 
٣- المصباح المنير في تهذيب تفسير بن كثير / للشيخ خالد السبت
٤- القاعدة الثامنة والعشرون: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) / د . عمر بن عبد الله المقبل / بتصرف
٥- تقريب التدمرية للشيخ بن عثيمين 

اقرأ المزيد...