الثلاثاء، 16 يونيو 2026

الدرس الثامن والستون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٥)


068 تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٥) (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله..)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) أي (ولله المشرق والمغرب) خصهما بالذكر لأنهما محل الآيات العظيمة في مطالع الأنوار ومغاربها فإذا كان مالكا لها كان مالكا لكل الجهات فأينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمره إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها، فإن القبلة حيث ما توجه العبد أو تشتبه القبلة فيتحرى الصلاة إليها ثم يتبين له الخطأ أو يكون معذورا بصلب أو مرض أونحو ذلك، فهذه الأمور إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا و،بكل حال فما استقبل جهة من الجهات خارجة عن ملك ربه
(فثم وجه الله إن الله واسع عليم) فيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى وأن لله تعالى وجها لا تشبهه الوجوه، وهو تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها عليم بسرائركم ونياتكم فمن سعته وعلمه وسّع لكم الأمر وقبِل منكم المأمور فلله الحمد والشكر»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد:
قول الله جل وعلا (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)
(ولله المشرق والمغرب) اللام في (ولله) لام الملك أي لله جل وعلا ملك المشرق والمغرب أي وما بينهما من جهات ومخلوقات والمعنى: أن الله عز وجل له ملك الأرض كلها، (ولله المشرق والمغرب) المقصود بالمشرق: أي جهة المشرق، والمغرب: أيضا جهة المغرب، والمشرق موضع شروق الشمس موضع طلوعها، والمغرب موضع غروبها، ويأتي في بعض الآيات ذكر ذلك بالتثنية المشرقين والمغربين، ويأتي في بعضها بالجمع المشارق والمغارب، وهذا كل ما جاء من ذلك له اعتبار يعني ما جاء بالإفراد - مثل هنا - المراد الناحية أو الجهة، جهة المشرق وجهة المغرب، وبالجمع باعتبار اختلاف المشارق والمغارب كل يوم بحسب أو بعدد الأيام - أيام السنة - والمشرقين والمغربين باعتبار الشتاء والصيف.
قال (ولله المشرق والمغرب)  صُدرت الآية بهذا المُلك، ملك الله سبحانه وتعالى للمشرق والمغرب في بيان ما يتعلق بالتوجه في الصلاة وإلى أين يتوجه، والله جل وعلا يقول - سيأتي معنا – (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) البر في الطاعة، في الامتثال أينما يوجه الله عبده يتوجه فالمُلك لله والجهات كلها لله والحكم كله لله يشرع ما يشاء (ولله المشرق والمغرب) ولهذا قيل في سبب نزول هذه الآية: أنه عندما نزل تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اعترض اليهود وقالوا (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فنزل قوله (ولله المشرق والمغرب)
 وقيل: إن الآية نزلت في صلاة النافلة في السفر لأنه صح في السنة عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يصلي في سفره إلى حيث توجهت راحلته، أي جهة كانت.
• وقيل أيضا: أنها نزلت فيمن اجتهد في تحري القبلة فأخطأ، تبين له خطؤه. وهذه المعاني كلها أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية.
قال: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا) (أينما تولوا) أينما تتجهوا في صلاتكم فثم وجه الله، أينما تولوا فثم وجه الله"
قوله (فثم وجه الله) لأهل العلم في معنى قوله (وجه الله) قولان معروفان في كتب التفسير:
▪︎ الأول: أن المراد بقوله (فثم وجه الله) الوجه الذي هو صفة الله سبحانه وتعالى (فثم وجه الله) لأن الله محيط بكل شيء جل وعلا وهو فوق عرشه المجيد ولهذا نُهي المصلي أن يبصق قِبل وجهه قال: (فإن الله قِبل وجهه)
▪︎ وقيل: المراد بالوجه الجهة (ولكل وجهة هو موليها) الوجهة والجهة، والوجه يطلق ويراد به الجهة، قيل: إن المراد الجهة ويكون المعنى (فثم وجه الله) يعني الجهة التي رضيها الله لكم وشرعها لكم تستقبلونها في صلاتكم. والأول من هذين القولين هو الأظهر (فثم وجه الله) ولهذا قال الشيخ رحمه الله تعالى "فيه إثبات الوجه صفة لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق بجلاله وكماله سبحانه.
• قال: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله إن الله واسع عليم)
هذان اسمان لله خُتمت بهما الآية:
• الواسع: وهو يدل على السعة، واسع في علمه، واسع في رحمته، وسع علمه كل شيء، وسعت رحمته كل شيء، واسع في فضله وسع فضله كل شيء، ويدخل تحته معاني عديدة.
• والعليم: الذي أحاط بكل شيء علما فلا تخفى عليه سبحانه وتعالى خافية في الأرض ولا في السماء" نعم
 قال الشيخ رحمه الله: «أي ولله المشرق والمغرب خصهما بالذكر - خصّ هاتين الجهتين بالذكر- لأنهما محل الآيات العظيمة لأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله العظيمة (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر) فهما من آيات الله العظيمة فهما مطالع الأنوار ومغاربها فإذا كان مالكا لها كان مالكا لكل الجهات" وخصّتا بالذكر كما قال الشيخ رحمه الله: "لأن فيها آيات عظيمة تدل على عظمة الخالق وكمال المبدع سبحانه وتعالى"
 قال: (فأينما تولوا) أي: أينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمره - أي مأمورين بذلك - فهذه حقيقة العبادة خضوع واتجاه إلى حيث يوجه الله سبحانه وتعالى عبده (فأينما تولوا فثمّ وجه الله) فمن المعاني الداخلة في عموم الآية ما ذكره بقوله: "أينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمر الله إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس" فالذي أمركم باستقبال بيت المقدس هو الذي أمركم بعد ذلك باستقبال الكعبة (فأينما تولوا فثم وجه الله)، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها وهذا فيه أن المصلي على راحلته في السفر صلاة النافلة يصلي إلى حيث توجهت به راحلته قال: "فإن القبلة حيثما توجه" فيدخل تحت عموم قوله (فأينما تولوا فثم وجه الله) أيضا إذا اشتبهت القبلة فيتحرى الصلاة إليها ثم يتبين له الخطأ فأيضا يدخل تحت عموم ما دلت عليه الآية، أو يُصلب، يبقى في مكان ما يستطيع أن يتحرك أو يتجه إلى جهة القبلة، أو كذلك المريض على سريره ما يستطيع أن يتجه (أينما تولوا فثم وجه الله) أيضا الراكب في -مثلا- الباص ولا يقف الباص إلا بعد خروج الوقت ولا يتمكن من استقبال القبلة يدخل تحت عموم قوله (فأينما تولوا فثم وجه الله).
قال " فهذه الأمور إما أن يكون العبد فيها معذورا" مثل المريض مثل المصلوب ونحو ذلك "أو مأمورا" مثل لما كان الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس ثم صار إلى الكعبة، قال "وبكل حال فما استقبل جهة من الجهات خارجة عن ملك ربه سبحانه وتعالى.
 (فثم وجه الله إن الله واسع عليم)
قال "فيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه وهو تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها عليم بسرائركم ونياتكم فمن سعته وعلمه وسّع لكم الأمر وقبِل منكم المأمور فله الحمد والشكر" نعم

ن/ قال رحمه الله: قوله (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون* بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون*وقالوا) أي اليهود والنصارى والمشركون وكل من قال ذلك (اتخذ الله ولدا) فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله وأساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم قد حلِم عليهم وعافاهم ورزقهم مع تنقصهم إيّاه سبحانه تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، ومع رده لقولهم أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال (بل له ما في السماوات والأرض) أي جميعهم ملكه وعبيده يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده مفتقرين إليه وهو غني عنهم فكيف يكون منهم أحد يكون له ولدا، والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه والله تعالى المالك القاهر وأنتم المملوكون المقهورون وهو الغني وأنتم الفقراء فكيف مع هذا يكون له ولد هذا من أبطل الباطل وأسمجه.
والقنوت نوعان:
• قنوت عام وهو قنوت الخلق كلهم تحت تدبير الخالق.
• وقنوت خاص وهو قنوت العبادة
فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)
ثم قال (بديع السماوات والأرض) أي خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق، (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) فلا يستعصي عليه ولا يمتنع منه"

ت/ قول الله جل وعلا (وقالوا اتخذ الله ولدا) هذا يتناول كل من قال هذا القول الباطل كالمشركين الذين قالوا إن الملائكة بنات الله - تعالى الله عما يقولون- وكقول اليهود عزير ابن الله، وكقول النصارى المسيح ابن الله، فكل من قال ذلك يتناوله هذا الذي نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عنه.
 قال: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) أي تنزه وتقدس جل وعلا عن هذا القول الباطل (وقالوا اتخذ الرحمن* ولدا لقد جئتم شيئا إدا* تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا* أن دعوا للرحمن ولدا* وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا* إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا* لقد أحصاهم وعدهم عدا* وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) كلهم عبيد لله، كلهم مخلوقون لله مربوبون لله طوع تدبيره وتسخيره سبحانه ولهذا قال هنا: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) معنى سبحانه أي تنزه  وتقدس عن قول المبطلين وكلام الضالين، (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) أي تنزه عن هذا القول وتقدس (سبحان ربك رب العزة عما يصفون)  تنزه وتقدس عن ذلك (بل له ما في السماوات والأرض) من ينسبونهم أنهم ولد لله ماذا يكونون مما في السماوات وما في الأرض وما في السماوات والأرض كله لله، (بل له) أي ليس الأمر كما افترى هؤلاء، (بل) تأتي للإضراب، ليس الأمر كما افترى هؤلاء.
(له ملك السماوات) اللام هنا لام الملك، (له) أي لله ملك السماوات والارض وما فيهما الجميع عبيده وطوع تدبيره سبحانه وتعالى فكيف يكون شيء من هذا الذي في السماوات والأرض ولدا لله!! تعالى الله عما يقولون.
 (بل له ما في السماوات وما في الأرض) أي كل ما في السماوات والأرض ملك لله فكيف يُجعل فردا من أفراد هذا الملك العظيم لله سبحانه وتعالى ولدا لله؟!
 (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون)
 (كل له قانتون) القنوت له معنيان أشار إليهما الشيخ معنى عام، ومعنى خاص المعنى الخاص: العبادة مثل قوله (وقوموا لله قانتين)، (أمّن هو قانت لله) فالقنوت يراد به العبادة ودوام العبادة. ويراد به المعنى العام: الذي هو الانقياد وأنه مسخّر لله طوع تدبيره وتسخيره سبحانه وتعالى.
 (كل له قانتون) يعني كل المخلوقات خاضعه لله طوع تدبير الله عز وجل يحكم فيها بما يشاء ويقضي فيها بما يريد جل وعلا.
 ثم ذكر أيضا في رد هذا الباطل قال (بديع السماوات والأرض) أي مبدع السماوات والأرض وخالقهما على غير مثال سابق أوجدهما سبحانه وتعالى بهذا الشكل والوصف البديع الجميل العظيم الدال على عظمة الخالق وكمال المبدع، (بديع السماوات والأرض) وفي موطن آخر قال جل وعلا (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم). قال (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ومن ذلكم عيسى عليه السلام (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فكيف يُجعل هذا المخلوق لله سبحانه وتعالى ولدا لله
- تعالى الله عما يقولون وسبحان الله عما يصفون- فالآيتان فيهما الرد على كل مُبطل قال هذا القول العظيم في حق الرب تنزه وتقدس عن ذلك جل في علاه.
قال الشيخ رحمه الله: "وقالوا" أي اليهود والنصارى والمشركون،  اليهود مثل ما قال الله (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)، والمشركون قالوا الملائكة بنات الله، "وقالوا اليهود والنصارى والمشركون وكل من قال ذلك (اتخذ الله ولدا) فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله وأساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم" الآن الذين قالوا هذا القول من النصارى واليهود والمشركين والذين يقولونه الآن، الذين يقولون هذا القول (اتخذ الله ولدا) أليس الله - وهم يقولون هذا القول- يرزقهم ويعافيهم؟ هذا من الصبر، ولهذا جاء في الصحيح - صحيح مسلم وغيره- عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنه يُشرك به يقال اتخذ ولدا ويرزقهم ويعافيهم) يشركون به ويقولون اتخذ الله ولدا، يُجعل له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم هذا من الصبر، لا أحد أصبر على أذى من الله، ولهذا يقول الشيخ: "أساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم قد حلُم عليهم وعافاهم ورزقهم مع تنقصهم إيّاه" يشير إلى الحديث الذي ذكرت وهو في صحيح مسلم.
 (سبحانه) أي تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله مثل ما قال الله عز وجل في الآية الأخرى (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) أي عما يصفه به أعداؤه وأعداء رسله وأعداء دينه سبحانه وتعالى، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. "ومع رده لقولهم أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك.
قال (بل له ما في السماوات والأرض) أي جميعهم ملكه وعبيده يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك وهم قانتون له أي مسخرون" هذا معنى القنوت لأن المراد بالقنوت هنا القنوت العام الذي يشمل جميع المخلوقات، المخلوقات قانتة لله أي مسخرة لله، مدبرة لله، طوع تدبيره سبحانه وتعالى وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده مفتقرين اليه وهو غني عنهم فكيف يكون منهم أحد يكون له ولدا، والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه وهؤلاء زعموا أنها بعض هذه المخلوقات التي خلقها الله وأوجدها وهي جزء من هذا الخلق العظيم الذي أوجده الله" قالوا لله ولد والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه والله تعالى المالك القاهر وأنتم المملوكون المقهورون، وهو الغني وأنتم الفقراء فكيف مع هذا يكون له ولد؟! هذا كله مستفاد من قوله (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون* بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) قال: "هذا من أبطل الباطل واسمجه"
قال: "والقنوت نوعان: قنوت عام وهو قنوت الخلق، الخلق كلهم تحت تدبير الخالق الذي هو التسخير مسخرون مدبرون لله، وخاص وهو قنوت العبادة" النوع الأول كما في هذه الآية (كل له قانتون) والنوع الثاني كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)
ثم قال (بديع السماوات والأرض) خالقهما على وجه قد اتقنهما وأحسنهما على غير مثال سابق، وفي موضع آخر قال (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) هذه كلها براهين وإقامة للحجة على بطلان هذا القول (واذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) أي لا يستعصي عليه ولا يمتنع منه ولا يعجزه سبحانه وتعالى شيء. نعم

ن/ قال رحمه الله: "قوله (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون* إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) أي قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم هلا يكلمنا الله كما كلم الرسل أو تاتينا آية، يعنون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة التي تجرؤوا بها على الخالق واستكبروا على رسله كقولهم (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وقولهم (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) الآية، (وقالوا لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) الايات، (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآيات، فهذا دأبهم مع رسلهم يطلبون آيات التعنت لا آيات الاسترشاد ولم يكن قصدهم تبين الحق فإن الرسل قد جاؤوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر ولهذا قال تعالى (قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون) وكل موقن فقد عرف من آيات الله الباهرة وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين واندفع عنه كل شك وريب، ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها وهي ترجع إلى ثلاثة أمور:
▪︎ الأول: في نفس إرساله 
▪︎ والثاني: في سيرته وهديه ودلّه.
▪︎ والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
 فالأول والثاني قد دخل في قوله (إنا أرسلناك)، والثالث دخل في قوله (بالحق)، وبيان الأمر الأول وهو نفس إرساله: أنه قد عُلم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران والصلبان، وتبديلهم للأديان حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمّتهم وشملتهم إلا بقايا من أهل الكتاب قد انقرضوا قبيل البعثة، وقد عُلم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى ولم يتركهم هملا لأنه حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه وهو آية كبيرة على أنه رسول الله.
 وأما الثاني: فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة وعرف سيرته وهديه قبل البعثة ونشوءه على أكمل الخصال ثم من بعد ذلك قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين فمن عرفها وسبَر أحواله عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين، لأنه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم. وأما الثالث: فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم، والقرآن الكريم المشتمل على الإخبارات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة، فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة.
وقوله (بشيرا) أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، (ونذيرا) أي لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي، (ولا تُسال عن أصحاب الجحيم) أي لست مسؤولا عنهم إنما.  عليك البلاغ وعلينا الحساب"

ت/ قول الله جل وعلا (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) قيل: المراد بـ (لا يعلمون) أي مشركوا العرب، وقيل اليهود والنصارى.
(وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) أي يكلمنا كلاما نسمعه منه بلا واسطة، يكلمنا الله كلاما نسمعه من الله يخبرنا فيه أن هذا مُرسل -الذي هو محمد عليه الصلاة والسلام- (لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) أي تدل على صدق هذا الرسول وصدق ما جاء به، ويقصدون بالآية الآيات التي يقترحونها تعنتا لا على وجه الاسترشاد وطلب الحق وإنما يتعنتون بذكر آيات يطلبونها يعينونها، يطلبون من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يأتي بها لتكون دليلا وشاهدا على صدقه (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا* او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك) لاحظ يعني هم هذه كلها تعنت ليس سؤال وطلب مسترشد (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) هذه الآيات يقترحونها نريد كذا ونريد كذا حتى من الذي قالوه (أو تأتي بالله والملائكة) أيضا تأتي بهم مع الله وتفعل كذا وتفعل كذا وتفعل كذا، هذه ليست آيات يطلبها مسترشد يريد فقط أن يطمئن، أبدا وإنما هي آيات اقتراح، تسمى آيات اقتراح المقصود منها العناد وعدم القبول، كأنه يقول هات آيات ومهما جئت به فلن نؤمن قال: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) أي نسمع كلامه منه مباشرة بأنك رسول مرسل من الله (أو تأتينا آية) تدل على صدق ما جئت به. (أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) يعني الأمم التي قبلهم قالت مثل هذا القول لأنبيائهم مثل ما قال مشرك العرب لأنبيائهم هذا القول أيضا الأمم التي قبلهم قالوا مثله ما السبب؟ (تشابهت قلوبهم) تشابهت قلوبهم في ماذا؟ في الكفر بالله والتكذيب بالأنبياء، فلما وُجِد التشابه في القلوب بالكفر والتكذيب تشابهت الأقوال، قال (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) مثل قولهم يعني مثل هذا القول (لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية تشابهت قلوبهم) أي في الكفر بالله سبحانه وتعالى مع أن الأمر الذي يطلبون البرهان عليه هو واضح قامت عليه البراهين الواضحة الجلية التي تؤكد لهم صدق هذا الرسول وصدق ما جاء به صلى الله عليه وسلم، والقوم إنما هم أهل عناد يقترحون فقط اقتراحات وما عندهم تهيؤ أصلا لقبول ما جاء به صلوات الله وسلامه عليه.
(قد بيّنا الآيات) يعني على صدقه والبراهين الواضحة الظاهرة البّينة (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) وهذا فيه أن هؤلاء الذين أشار الله إليهم بقوله (يوقنون) هم أهل الانتفاع بالآيات وأما غيرهم فيمرون على الآيات ولا ينتفعون بها لأن قلوبهم معرضة ومعاندة ومكابرة (قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون)
(إنا أرسلناك) أي أيها الرسول، (بالحق)، أرسلناك أي بعثناك. 
(أرسلناك بالحق) (أرسلناك) هذا فيها الرسول عليه الصلاة والسلام وصفاته العظيمة والرسالة التي بُعث بها وعظمتها
وهذان نوعان من البرهان -كما سياتي في كلام الشيخ رحمه الله تعالى-
(بالحق) كل ما جاء به حق، ما أمر بشيء إلا وهو حق ومصلحة للعباد، ولا نهى عن شيء إلا وفي مضرة للعباد، قيل لأحد الأعراب كيف عرفت صدق الرسول؟ قال: "ما رأيته أمر بشيء فقال العقل ليته لم يأمر به، أو نهى عن شيء وقال العقل ليته لم ينهَ عنه" يعني لم يأمر إلا بخير ولم ينهَ إلا عن شر.
(إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم)
 (لا تُسأل) مبني لما لم يسمَ فاعله أي لا يسألك الله، (لا تُسال عن أصحاب الجحيم) أي لا يسألك الله عنهم من مات منهم على كفره لا يسألك الله عنه، عليك البلاغ،  وقد أدى عليه الصلاة والسلام ما أمره الله ببلاغه وافيا كاملا والله عز وجل يقول (عليك البلاغ) بلاغ هذه الرسالة ومن لم يقبل منك ومات على كفره لا تُسأل عنه.
 (ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) من هم اصحاب الجحيم؟ الذين ماتوا على الكفر، أبوا قبول دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام وماتوا على هذا الإباء فهم أصحاب الجحيم.
 (ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) وفي قراءة (ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم) على النهي مع الجزم (لا تسأل عن أصحاب الجحيم) أي أنه عليه الصلاة والسلام نُهي عن السؤال عمن مات على كفره (ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم).
 قال الشيخ رحمه الله: «أي قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم - يعني مثل مشركي العرب- (لولا يكلمنا الله) أي هلا يكلمنا الله كما كلم الرسل أو تأتينا آية يعنون آيات الاقتراح، - ما هي آيات الاقتراح؟ التي هم يحددونها نريد كذا ونريد كذا ونريد- يحددون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة التي تجرأوا بها على الخالق واستكبروا على رسله كقولهم (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وقوله (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) وقوله (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها)" هذه كلها ماذا؟ آيات اقتراح يقترحونها هم وكذلك قوله (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) والآيات بعدها- فهذا دأبهم مع رسلهم يطلبون آيات التعنت لا آيات الاسترشاد، فرق بين آيات التعنت وآيات الاسترشاد، آيات يطلبونها تعنتا لا طلبا للهداية والاسترشاد وآيات التي يطلبها المسترشد الذي يريد الهداية.
 قال: "ولم يكن قصدهم تبيين الحق فإن الرسل قد جاؤوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر" شاهده فيما تقدم ماذا؟ (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) الرسل كل رسول بعثه الله أيّده بآية كافية لأن يؤمن البشر بمشاهدتها ومع ذلك يأتي بعض الرسل ما آمن معه من قومه كلهم إلا رجل واحد او رجلين مع أنه معه آية على مثلها يؤمن البشر كلهم، واضحة (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فإن الرسل قد جاءوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر ولهذا قال (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فكل موقن قد عرف من آيات الله الباهرة وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين واندفع عنه كل شك وريب.
 ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به قال (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها وهي ترجع إلى أمور ثلاثة:
• الأول: في نفس الرسالة
• والثاني: في سيرته وهديه ودلّه سمته صفته عليه الصلاة والسلام.
• والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
 فهذه ثلاث، قال: "الأول والثاني دخل في قوله (إنا أرسلناك) فهذا فيه معرفة الرسالة ومعرفة الرسول" الآن طرق معرفة صدق الرسول ليست هي الآيات وحدها، المعجزات ليست هي وحدها من طرق معرفة الرسول النظر فيما أُرسل به هذا طريق عظيم جدا، النظر فيما أُرسل به ينظر في نفس الرسالة التي أرسل بها ما مضمونها، ما محتوياتها، والطريق الآخر النظر في سيرة المرسل، صفاته ما الذي يُعرف عنه في سيرته (أم لم يعرفوا رسولهم) معرفه الرسول، معرفة سيرته موجبة للتصديق هي نفسها آية، هي نفسها برهان السيرة سيرة الرسول عليه الصلاه والسلام.
 قال: "الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودلّه، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. فالأول والثاني قد دخل في قوله (إنا أرسلناك) والثالث دخل في قوله (بالحق) وبيان الأمر الأول -وهو نفس إرساله- أنه قد عُلم حال أهل الأرض قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران والصلبان وتبديلهم للأديان حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمتهم وشملتهم مثل ما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من أهل الكتاب) يعني كانت الأرض كلها أطبق عليها الظلام وخيمت بالظلام فبعث في هذا الظلام عليه الصلاة والسلام، بعثه الله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور. "حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمتهم وشملتهم إلا بقايا من أهل الكتاب قد انقرضوا قبيل البعثة وقد عُلم أن الله لم يخلق خلقه سدى ولم يتركهم هملا لأنه حكيم، عليم، قدير، رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، هذا برهان واحد واضح مجرد الرسالة، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله ينظر فيما بُعث به، ما هي الرسالة التي بُعث بها، ما مضمونها، ما محتوياتها.
الثاني: من عرف النبي عليه الصلاة والسلام معرفة تامة وعرف سيرته وهديه قبل البعثه ونشوئه على أكمل الخصال ثم من بعد ذلك -يعني بعد البعثة - قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين، فمن عرفها وسبر أحواله عرف أنه لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين لأنه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم أو كذبهم.
 أما الثالث: من البراهين فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم والقرآن الكريم المشتمل على الإخبارات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاث.
• قوله (بشيرا) أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، (ونذيرا) لمن عصاك بالشقاء والهلاك الدنيوي والأخروي.
 قال (ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) أي لست مسؤولا عنهم إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. وتقدم في قراءة (ولا تَسأل) هذا نهي للرسول عليه الصلاة والسلام (لا تسأل عن أصحاب الجحيم) أي لا تسأل عن من مات على كفره بالله سبحانه وتعالى.
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الجمعة، 12 يونيو 2026

فوائد سورة المدثر (۱-۱۰)

 بسم الله الرحمن الرحيم

فوائد عامة في سورة المدثر: 
قال القرطبي: «قال مقاتل: معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة». «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٥٩). 
وقال ابن كثير: «ثبت في صحيح البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر أنه كان يقول: "أول شيء نزل من القرآن: (يا أيها المدثر)"  وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق ....)
عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي: فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملَك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه (أي: فزعت حتى هويت إلى الأرض، فجئثت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله : {يا أيها المدثر. قم فأنذر} إلى: {فاهجر }... ثم حمي الوحي وتتابع). هذا لفظ البخاري. 
وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: (فإذا الملك الذي جاءني بحراء)، وهو جبريل حين أتاه بقوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق*خلق الإنسان من علق*اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم*علم الإنسان ما لم يعلم} ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة». «تفسير ابن كثير (٨ ٢٦١-٢٦٢).

(يا أيها المدثر)
قال القرطبي: قوله تعالى: (يا أيها المدثر) ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله، وعبّر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمد ويا فلان ليستشعر اللين والملاطفة من ربه..
ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي إذ نام في المسجد : ("قم أبا تراب" وكان خرج مغاضبا لفاطمة رضي الله عنها، فسقط رداؤه وأصابه تراب) خرجه مسلم. 
ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق: (قم يا نومان)». «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٦١).

(قم فأنذر)
قال ابن تيمية: "قوله: {فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث) هذا متناول لجميع الأمة، وقوله: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا) فإنه كان خطابا للمؤمنين كلهم، وكذلك قوله: (يا أيها المدثر *قم فأنذر ) لما أمر بتبليغ ما أنزل إليه من الإنذار، وهذا فرض على الكفاية، فواجب على الأمة أن يُبلغوا ما أنزل إليه، وينذروا كما أنذر. قال تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، والجن لما سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين» «مجموع الفتاوى (١٦ / ٣٢٧)»

(وربك فكبر)
قال ابن العربي المالكي: "هذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس والتنزيه بخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليا غيره، ولا تعبد ولا ترى لغيره فعلا إلا له، ولا نعمة إلا منه؛ لأنه لم تكن صلاة عند نزولها، وإنما كان ابتداء التوحيد". «أحكام القرآن» (٤ / ٣٣٩).

(وثيابك فطهر)
قال ابن الجوزي: (وثيابك فطهر) فيه ثمانية أقوال:
•أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر ... 
روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس.
•والثاني : لا تكن ثيابك من مكسب غير طاهر
 روي عن ابن عباس أيضا.
•والثالث: طهر نفسك من الذنب، 
قاله مجاهد وقتادة... وهذا مذهب ابن قتيبة. قال: "المعنى طهر نفسك من الذنوب، فكنى عن الجسم بالثياب، لأنها تشتمل عليه، والعرب تقول للعفاف: إزار، لأن العفيف كأنه استتر لما عف" 
•والرابع: وعملك فأصلح، قاله الضحاك.
•والخامس : خلقك فحسن، قاله الحسن، والقرظي
•والسادس: وثيابك فقصر وشمر، قاله طاووس
•والسابع: قلبك فطهر، قاله سعيد بن جبير 
•والثامن : اغسل ثيابك بالماء ونقها، قاله ابن سيرين وابن زيد.
 «زاد المسير في علم التفسير» (٤ / ٣٥٩).
وقال القرطبي : وإذا حملناها على الثياب المعلومة الظاهرة فهي تتناول معنيين:
▪︎أحدهما: تقصير الأذيال، لأنها إذا أُرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيا: ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار). فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقائدة العجب.

▪︎والمعنى الثاني: غسلها من النجاسة، وهو ظاهر منها، صحيح فيها المهدوي وبه استدل بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، قال ابن سيرين وابن زيد: "لا تصل إلا في ثوب طاهر". 
«الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٦٥-٦٦)

(والرجز فاهجر)
قال الطبري: (والرجز فاهجر ) اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة: (والرِجز) بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين: (والرُجز ) بضم الراء، فمن ضم الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: "معنى الكلام والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها" ومن كسر الراء وجهه إلى العذاب، وقال: معناه والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر». «تفسير الطبري» (۲۳/ ۱۲).
■ وقال ابن كثير : "وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك، كقوله: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) وقوله: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين). «تفسير ابن كثير (٨/ ٢٦٤)».

(ولا تمنن تستكثر)
قال ابن الجوزي: ولا تمنن تستكثر فيه أربعة أقوال:
▪︎ أحدها: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها .
 قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة ....
▪︎ والثاني: لا تمنن بعملك تستكثره على ربك، قاله الحسن.
▪︎ والثالث: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه، قاله مجاهد.
▪︎ والرابع: لا تمنن على الناس بالنبوة لتأخذ عليها منهم أجرا ، 
قاله ابن زيد. «زاد المسير في علم التفسير» (٤/ ٣٦٠)

(ولربك فاصبر)
قال ابن تيمية: «افتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، وختمها بالأمر بالصبر. ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر. وقال : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) وقال تعالى: ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا)، (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)، (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت)، (واصبر وما صبرك إلا بالله)، (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي؛ والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا؛ ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه"» «مجموع الفتاوى» (۲۸) ۱۳۷)

وقال السعدي: «فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهّر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس - بعد منة الله - من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، حتى فاق أولي العزم من المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين". «تفسير السعدي» (ص ٨٩٥).

(فإذا نقر في الناقور)
عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينظر متى يؤمر ) قال المسلمون يا رسول الله، فما نقول ؟ قال: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا». مسند أحمد (۱۷) (۸۹) ، سنن الترمذي (٣٧٣/٥).

( فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير)
قال القرطبي: "(غير يسير) أي غير سهل ولا هين، وذلك أن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف منها، حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى". «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۰).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. أبصار الإسلام
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

الدرس السابع والستون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٣) 

 تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٣) (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء... ) / صوتي

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا وكفّر بعضهم بعضا كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم فكل فرقه تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد:
 قول الله جل وعلا (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) هذه الآية ذكر الله سبحانه وتعالى فيها ما بين هؤلاء من التباغض والتعادي - معاداة كل طائفة منهم للأخرى- وأيضا ما في كل طائفة منهم من الغرور والعجب بما هم فيه من العمل الذي هو ضلال وباطل فكل طائفة منهم ترى أن الذي هي عليه هو الحق وهو الهدى وأن الطائفة الأخرى هي التي على الباطل والضلال (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) مقصود (على شيء) أي ليست على دين صحيح، ليست على شيء أي في الدين ليس عندهم دين صحيح، ومثلهم أيضا تقول النصارى في اليهود (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي ليس عندهم في ذلك دين صحيح. قد ذُكر أن الآية نزلت في نزاع كان عند النبي عليه الصلاة والسلام بين أحبار يهود المدينة وبين نصارى نجران لما أتوا المدينة فتنازعوا كل طائفة ذمت الأخرى قالت ليست على شيء، ليست على شيء أي ليس عندها دين صحيح والله جل وعلا يقول (وهم يتلون الكتاب) لأن المعنى: أن اليهود لما قالت النصارى ليست على شيء هذا كفر منهم بعيسى وبما أنزل به،  ولما قالت النصارى ليست اليهود على شيء هذا كفر منهم بموسى وبما أنزل به (وهم يتلون الكتاب) كل طائفة منهم الكتاب الذي عندهم فيما يصدق هذا الذي كفروا به، كل طائفة منهم في كتابها ما يصدق هذا الذي كفروا به، فاليهود يجدون في التوراة البشارة بعيسى، وأيضا أخذ الميثاق على الإيمان به إذا بُعث، والنصارى يجدون في الإنجيل ما يُصدق التوراة التي أنزلت على موسى ويصدق موسى عليه السلام وما جاء به، يجدون ذلك في الإنجيل وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى (وهم يتلون الكتاب) يعني يقولون هذا القول وهم يتلون الكتاب أي ويجدون فيه ما يصدق الذي يكفرون به، قال: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) المعنى: أن اليهود يتلون التوراة ويجدون فيها ما يصدق هذا الذي يكفرون به، والنصارى يتلون الإنجيل ويجدون فيه ما يصدق هذا الذي يكفرون به (وهم يتلون الكتاب)
(كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) مثل قول هؤلاء يعني من عُجب بما عندهم من باطل ونقض ونقد ما عند الآخرين وإبطاله على أي حال كان.
 و(قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قيل في الذين لا يعلمون قولان:
/ قيل المراد مشركوا العرب  قالوا ذلك لمحمد عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام قالوا ليسوا على شيء أي الدين الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وتبعه من تبعه فيه ليسوا على شيء ليسوا على دين حق وليسوا على دين صواب، ما الدين الصواب الذي يرونه؟ عبادة الأوثان، عبادة الأصنام المتخذة من دون الله سبحانه وتعالى.
/ وقيل: أن المراد بالذين لا يعلمون من كان قبل اليهود والنصارى من الأمم كقوم نوح، قوم عاد وقوم ثمود وغيرهم من الأقوام السابقة فكانوا يقولون ذلك في حق أنبيائهم، يقولون في حق أنبيائهم ومن اتبع أنبياءهم يقولون ليسوا على شيء فتشابهت قلوب الكفار كما سيأتي معنا (تشابهت قلوبهم).
 قال (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
(فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ما المراد بالحكم هنا؟ الحكم الذي هو بيان الحق، هذا حصل في الدنيا، الحكم الذي هو بيان الحق، بيان الأهدى سبيلا والأقوم طريقا بُيّن هذا بحجج الله وبراهينه المُنزلة على رسله وأنبيائه، بيّن من أهل الحق ومن أهل الباطل، من أهل الهدى ومن أهل الضلال، بيّن ذلك، لكن المراد بالحكم الذي يوم القيامة الفصل بينهم، الآن في الدنيا كل طائفة تقول إنها هي على الحق، على ما هي عليه من ضلال وكفر باطل تقول إنها على الحق والله سبحانه وتعالى يقول (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) يريد حكم الفصل بينهم بأن يريهم، يرون ويشاهدون من يدخل الجنة ومن يدخل النار (فريق في الجنة وفريق في السعير) يرون ذلك، هذا الفصل، الفصل بينهم يعني ما يرونه ويعاينونه ويشاهدونه يوم القيامة من الفصل بين العباد الآن مجرد دعاوى لكن يوم القيامة يرون حقائق الأمور، ومن هذا الذي مر معنا الآن يقول (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) الذين يقولون لن تمسنا النار إلا أياما معدودة سيرون يوم الفصل الحقائق، هذا المعنى في قوله (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) مثلها في سورة الحج (إن الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة)  المراد بالحكم هنا الفصل كما توضحه هذه الآية، المراد بالحكم الفصل، (يحكم) أي يفصل، هذا معنى (يحكم بينهم يوم القيامة) يفصل بينهم يوم القيامة، الفصل يكون فيه ماذا؟ يرى الجميع من الذي وجهته أو جهته الجنة ومن الذي هو إلى النار (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
 قال الشيخ رحمه الله: "وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا" أهل الكتاب اليهود والنصارى بعضهم ضلل بعضا، اليهود ضللت النصارى، والنصارى ضللت اليهود وكفّر بعضهم بعضا "كما فعل الأميين من مشركي العرب وغيرهم" يقصد ماذا؟ قول الله في الآية (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قال كما فعل الأميون مشركي العرب أو غيرهم على القول الثاني ماذا؟ الأمم التي سبقت اليهود في قولها في أنبيائها.
« فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك» وهذا بُيّن في الدنيا في الكتب المنزلة، بيّنته الرسل عليهم صلوات الله وسلامه والحكم الذي يكون يوم القيامة هو حكم الفصل، حكم الجزاء لأن الحكم الذي هو حكم الله سبحانه وتعالى ثلاثه أنواع:
الحكم الشرعي
والحكم القدري
والحكم الجزائي
 الحكم الجزائي هو الذي إليه الإشارة هنا (يحكم بينهم) أي يفصل بينهم، يفصل بينهم بما بمآل كل فريق، فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير. نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) أي لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي،  فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها وتقذيرها
والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله تعالى فيها. وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادّة لله ومشاقّة فجازاهم الله بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع المشركين من قربان بيته فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وأصحاب الفيل قد ذكر الله تعالى ما جرى عليهم، والنصارى سلّط الله عليهم المؤمنين فأجلوهم، وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر،  واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد.
 (لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها فقال تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة»

ت/ ثم قال الله سبحانه وتعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) مساجد الله هي بيوت الله التي أذن الله سبحانه وتعالى برفعها وبنائها وتشييدها وتطهيرها وتطييبها لتكون موطن عبادة لله سجودا وركوعا وخضوعا وذل لله جل وعلا وهي أحب بقاع الأرض إلى الله كما صح بذلك الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم فهو جل وعلا أمر ببنائها، أمر برفعها، أمر بتشييدها، فمن أعظم المحادة لله ولأمره ولشرعه أن يعمل إنسان على تخريب المساجد وتعطيل العبادة فيها ومنع الناس من ذكر الله وأداء الصلاة في بيوت الله سبحانه وتعالى والآية في نزولها سبب -كما سيأتي- لكنها كما ذكر الشيخ عامة، اللفظ عام والقاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فقوله (ومن أظلم) الاستفهام هنا المراد به النفي أي لا أحد أظلم (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله،  يعني أن من يفعل هذا الفعل ظلمه أشد الظلم، لا أحد أظلم منه (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) النصوص دلت على أن العمارة لمساجد الله لبيوت الله عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية ببنائها وتنظيفها وتطييبها، والعناية بها.
 المعنوية بالذكر والعبادة لله سبحانه وتعالى، فأظلم الظلم أن يعمل الإنسان على تعطيل هاتين العمارتين للمساجد،
  التعطيل الأول: منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه،هذا تعطيل العمارة المعنوية التي هي العبادة والذكر والصلاة وتلاوة القرآن وغير ذلك من العبادات.
 (وسعى في خرابها) هذا تعطيل العمارة الحسية تخريب المساجد، فلا أحد أظلم ممن كان على هذا الوصف يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعى ويعمل على تخريب المساجد. وقد اختلف المفسرون في المراد بالذين منعوا مساجد الله من هم على قولين:
الأول: أن المعنيين بذلك هم النصارى والمقصود بالمسجد بيت المقدس عندما قاموا على تخريبه.
 والآخر: أن المراد مشركو العرب عندما صدوا ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أراد الاعتمار والطواف بالبيت وعبادة الله سبحانه وتعالى (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون) (يصدون) فصدوا النبي عليه الصلاة والسلام هذا الصد منع.
 فقيل المراد بالآية مشرك العرب وقيل المراد النصارى لكن الآية عامة كما وضح الشيخ المصنف رحمه الله تعالى.
الإمام بن جرير رحمه الله تعالى رجّح أن المراد بالآية النصارى، رجّح ذلك وذكر وجه الترجيح.
 والحافظ ابن كثير رجح القول الثاني أنها نزلت في مشركي العرب وقال رحمه الله: «والذي يظهر - والله أعلم- القول الثاني كما قال ذلك ابن زيد ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما» ومما يؤيد الثاني قول الله عز وجل (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون) هذه واضحة أنها في مشركي العرب (وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه الا المتقون).
 قال (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك) يعني أهل هذا الوصف، أهل هذه الأفعال الشنيعة (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أن هذا خبر بمعنى الطلب، قيل أن هذا خبر (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أنه خبر بمعنى الطلب أي: يا معاشر المؤمنين لا تمكنوهم من دخول المساجد إذا قدرتم عليهم وهذا الذي وقع إن كان المعني كفار قريش لما مكّن الله سبحانه وتعالى المسلمين منهم وفُتحت مكة نزل قول الله سبحانه (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قيل: أن هذا خبر بمعنى الطلب، وقيل: أنه بشارة أنه يحمل بشارة للمؤمنين بأن هذا الذي سيحصل لن يدخلوها سيأتي يومهم، الآن يخربون، يمنعون، يصدون، سيأتي يوم لا يكون لهم فيها أي تمكن وأن الأمر سيكون بأيدي المسلمين، فقيل أنها تحمل بشارة لأهل الإيمان.
 (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) (يدخلوها) أي المساجد (إلا خائفين لهم في الدنيا خزي) ذل وفضيحة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم)
قال الشيخ رحمه الله: «أي لا أحد أظلم وأشد جرما، (أظلم من) (أظلم) الاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من أنواع الطاعات، (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي منع الذاكرين لاسم الله فيها» والمعنى الثاني هذا يدل عليه ما قبله قال: «(ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) هذا يتناول العمارة المعنوية، وقوله (وسعى في خرابها) هذا يتعلق بالعمارة الحسية والله تعالى أعلم - وهذا عام -
يقول الشيخ: "وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة لأن القاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فاللفظ عام فيعم كل من كان بهذه الصفة - كل من كان يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها – قال: فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادة لله ومشاقّة فجازاهم الله، عاقبهم بأن منعهم من دخولها شرعا وقدرا"
 شرعا كما هو مبين في الآيات، وقدرا بما قدّره وكتبه سبحانه وتعالى من ذل وصغار لكل من كان كذلك.
(إلا خائفين) ذليلين وهذا جزاء من جنس العمل، أخافوا المؤمنين وعملوا على المنع والصد، الصد عن بيوت الله سبحانه وتعالى "فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله" عاقبهم بعقوبة من جنس أعمالهم، هذه أمثلة يذكرها الشيخ "فالمشركون الذين صدوا رسوله صلى الله عليه وسلم لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا -أي لم يمضي إلا الوقت اليسير- حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع صلى الله عليه وسلم المشركين من قربان بيته قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قال: وأصحاب الفيل قد ذكر الله ما جرى عليهم (ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، والنصارى سلّط عليهم المؤمنين فأجلوهم عنه -أي عن بيت المقدس- وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه -أي من عقوبة الله والخزي- وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر بها قبل وقوعها، (ما كان لهم) هذا إخبار بها قبل وقوعها ووقعت طبقا لما أُخبروا، لهذا بعض أهل العلم قالوا: إن الآية جاءت تحمل بشارة لأهل الإيمان، الآن تُصَدون وتُمنَعون سيكون التمكين لكم وهؤلاء الذين يمنعونكم سيكونون بهذا الحال، وسيكونون بهذه الصفة (وما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين).
 قال: "واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكافر أو الكفار من دخول المساجد (ما كان لهم أن يدخلوها) أخذوا من هذا (لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- أي كما تقدم فيما حصل لأصحاب الفيل، وما حصل لكفار قريش، وما حصل للنصارى (ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
 ثم يذكر الشيخ رحمه الله تعالى فائدة نفيسة جدا مستفادة من هذه الآية قال: "إذا كان لا أظلم -كما تدل على ذلك الآية- ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد" الآية فيها مفهوم وفيها منطوق
منطوقها: لا أظلم ممن يمنع المساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها 
ومفهومها: أن الذي يهيئ المساجد ويعمر المساجد ويعدها للمصلين ويعمل على خدمتها ورعايتها والعناية بها هذا له عند الله سبحانه وتعالى الثواب العظيم لعنايته العظيمة ببيوت الله سبحانه وتعالى.
 ومن نعمة الله علينا في هذه البلاد ما تقوم به دولتنا وولاة أمرنا من عمل عظيم في خدمة الحرمين خاصة وفي خدمة عموم المساجد عامة، والواجب أن يذكر الإحسان ويُشكر، الواجب أن يُذكر الإحسان لأهله وأن يُشكر وأن يُدعى لهم بمزيد التوفيق ومزيد العون والتسديد.
 قال: "وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والعمارة المعنوية" الحسية: بالبناء والتنظيف والتهيئة لها والعمل على خدمتها، والمعنوية: الصلاة والذكر وعبادة الله سبحانه وتعالى فيها، وتعلم العلم والتفقّه في دين الله، إلى غير ذلك.
قال: "فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها قال: (في بيوت أذن الله أن تُرفع) (أذن الله أن تُرفع) هذه العمارة الحسية، (ويذكر فيها اسمه) هذه العمارة المعنوية. (ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) قال الشيخ رحمه الله: "وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة، المساجد لها أحكام كثيرة لكنها في الجملة ترجع إلى ماذا؟ إلى جانبين: عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية يدخل تحتها البناء، النظافة، التطييب، إلى غير ذلك من الأمور الحسية التي تخدم بها المساجد، والعمارة المعنوية بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والتفقّه في دين الله إلى غير ذلك. نعم
ن/ قال رحمه الله: "قوله (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)"
 نعم نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الاثنين، 1 يونيو 2026

اسم الله (الوارث) / من كتاب فقه الأسماء الحسنى

.. وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع كلها بصيغة الجمع، وهي:
 قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ [الحجر: ٢٣]
 وقوله تعالى: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٩]
وقوله تعالى : ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص : ٥٨]. 
ومعنى «الوارث» أي: الباقي بعد فناء الخلق، فكلُّ مَن سواه زائل، وكلُّ مَن عداه فان، وهو جل وعلا الحي الذي لا يموت، الباقي الذي لا يزول، إليه المرجع والمنتهى، وإليه المال والمصير، يفني المُلاك وأملاكهم، ويرث تبارك الخلق أجمعين؛ لأنه باق وهم فانون، ودائم وهم زائلون. 
فقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ أي: نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل، إذ الجميع يفنى وكل يموت، ويبقى الله وحده الحي الذي لا يموت. وقال عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: ٤٠]، وفي هذا تنبيه لمن ألهته الدنيا وشغلته عما خُلِقَ لأجله وأُوجِد لتحقيقه؛ أن الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها ستذهب عن أهلها ، ويذهبون عنها، وسيرث الله عزوجل الأرض ومن عليها، ويُرجعهم إليه فيجازيهم بما عملوا فيها.
وفي موضع آخر من القرآن توعد سبحانه كفار قريش الذين مَنَّ الله عليهم بأن مكّن لهم حَرَمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنه سبحانه، وأبوا قبول دعوة رسول الله والإيمان بما جاء به توعدهم بما فعله بالأمم الماضية حيث قال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص : ٥٨]، أي: أنه سبحانه الوارث للعباد حيث يُميتهم سبحانه ويرجع إليه جميع ما متعهم به من النعم، ثم يعيدهم إليه ليجازي كلا منهم بعمله.
وفي ذلك اليوم ينكشف للناس الغطاء، وتذهب أوهام من تعلقت قلوبهم بالدنيا، وظنوا أنهم باقون فيها، وأن ملكهم فيها سيبقى، وأنهم إلى الله لا يرجعون، فيوقنون حينئذ بأن الملك الله الواحد القهار، وأنه سبحانه الوارث لديارهم وأموالهم، ولا ينفعهم حينئذ تقطع قلوبهم حسرات وامتلاؤُها بالندم والأسف.
وكان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فإنكم لم تُخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سُدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر مَنْ خرج من رحمة الله، وحُرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافداً بباق، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتى تُردّون إلى خير الوارثين ؟!. ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله جل وعلا، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه، ونزول الموت بكم» ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله (۱).
وقد حث الله عباده المؤمنين على النفقة في سبيله مِنَ المال الذي مَنَّ عليهم به، وجعلهم مستخلفين فيه، مُذكّرًا لهم بأنه الوارث سبحانه، قال تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد: ٧] إلى أن قال : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: ١٠].
روى مسلم في صحيحه (۲) عن مطرف، عن أبيه عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يقرأ: (ألهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم مِن مَالِكَ إِلَّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت».
ثم إنَّ الله عز وجل هو المالك للسموات والأرض، والمالك لكل شيء، والأرض له سبحانه يورثها من يشاء من عباده. 
قال تعالى: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: ۱۲۸]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقال تعالى : ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢٧].
والجنة دار كرامته يورثها من يشاء من عباده (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَا* لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: ٦١ - ٦٣] ، وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الزخرف: ٧٢].
وكتابه جل وعلا هو كتاب الهداية والعز والفلاح، يورثه سبحانه من اصطفاهم لمنته واجتباهم لكرامته، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [فاطر: ٣٢]، فكلهم قد اصطفاهم الله لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتمايزت أحوالهم، فلكل منهم قسط ونصيب من وراثته.
ثم إن التوسل إلى الله بهذا الاسم داخل في عموم قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: ۱۸۰] ، ولا سيما بمراعاة المناسبة بين المطلوب والاسم المذكور كما في دعاء نبي الله زكريا عليه السلام ، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ۸۹ - ۹۰]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم : ٥ - ٦]. والإرث المذكور هنا إنما هو إرث علم ونبوة ودعوة إلى الله جل وعلا،  إرث مال، وقد توصل له في هذا السياق باسم الله الوارث مراعاة لمناسبة المسألة والمطلوب.
وقد استجاب الله عز وجل لدعاء نبيه زكريا ، فجعل امرأته ولوداً بعد أن كانت عقيما، ورزقه ولدًا ذكرًا صالحا سماه يحيى، وجعله نبيا من الأنبياء، ورث النبوة من بعد أبيه .
ومثل هذا الإرث المبارك ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦]، أي: ورث سليمان أباه داود النبوة، والأمر لله من قبل ومن بعد، وهو المانّ وحده، وإليه المرجع والمآب، وهو تبارك وتعالى خير الوارثين.
________________________
(۱) رواه ابن أبي حاتم ، كما في تفسير ابن كثير » ( ٥ / ٤٩٤).
(٢) (رقم : ٢٩٥٨).




اقرأ المزيد...

الأحد، 31 مايو 2026

فوائد منتقاة / سورة هود (٩٠ - ٩٩)

/ (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) 
فيه ربط بين الاستغفار والتوبة من جهة وبين كونه تعالى (رحيما ودودا) من جهة أخرى، وذلك أن التوبة والاستغفار هما كالمقدمة للوصول إلى رحمة الله تعالى والحصول على محبته ومودته. فالاستغفار أعظم طرائق جلب رحمة الله بدليل القرآن ، قال الله جل وعلا عن نبيه صالح (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل: ٤٦ ]، وفي الخبر الصحيح (من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه سبع مرات غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف)
والاستغفار جاء على السنة أنبياء الله ورسله :
• فعلى لسان نبينا محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- : (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ )
• وقال على لسان نبيه هود عليه الصلاة والسلام : (وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ..)
• وجاء على لسان صالح عليه الصلاة والسلام : (قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيبٌ )
• وعلى لسان شعيب عليه الصلاة والسلام : (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) .

/ وبه تفتح مغاليق الأمور ، قال سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه ..)

/ وبالاستغفار تُستمد الأرزاق ، ويُستكثر من المال والولد ، وتستمطر الرحمات، قال جل جلاله على لسان نوح عليه الصلاة والسلام (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا) 
/ وبالاستغفار يودع الميت ولذا فقد كان النبي -صلى اللّٰه عليه وسلم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال : (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) رواه أبو داوود.

/ وبالاستغفار تتحات الخطايا والذنوب قال رسول الله ﷺ : (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثا غفرت ذنوبه وإن كان فاراً من الزحف) رواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . قال ابن عيينة : "غضب الله داء لا دواء له" وعقب عليه الإمام الذهبي بقوله : "دواؤه كثرة الاستغفار بالأسحار والتوبة النصوح".
وقد كان الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عليه الصلاة والسلام يقول : (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ). رواه البخاري 
- وقال عليه الصلاة والسلام : (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ).رواه مسلم، قال الإمام النووي : "والمراد هنا ما يتغشى القلب"، قال القاضي : "قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه فإذا فَتَرَ عنه أو غفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه"، وروى مكحول عن أبي هريرة قال : "ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مكحول : "ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة" وكان مكحول كثير الاستغفار .
قال القرطبي : قال علماؤنا : "الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان ، فأما من قال بلسانه : استغفر الله ، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر ". وروي عن الحسن البصري أنه قال : "استغفارنا يحتاج إلى استغفار".
قال بكر بن عبد الله المزني : "أنتم تكثرون من الذنوب فاستكثروا من الاستغفار ، فإن الرجل إذا وجد في صحيفته بين كل سطرين استغفار سره مكان ذلك"
ونتيجة الاستغفار والتوبة في الآية الثالثة الحياة الطيبة في الدنيا والفضل العميم في الآخرة ، ونتيجته في الآية الثانية والخمسين الحياة الرغيدة والقوة العظيمة . ونتيجته في الآية الواحدة والستين التمكن في الأرض ورضاء الله تعالى ، ونتيجته في قصة شعيب الخير والنماء ، والرحمة والود ، والأمان من العذاب ."

/ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) 
هذان اسمان من أسماء الله تعالى ، والرحمة واضحة المعنى لكن سنأتي بمثال لنقرب المعنى: لو أن إنسانا رأى دابة من الدواب لنفرض كلبا يلهث من العطش فسقاه فهذه رحمة ، لكن هل سقيك للكلب ورحمتك به يدل على أنك توده وتحبه؟ محال ، فلا يلزم من الرحمة الود والمحبة، ورحمتك لشخص كافر ينزف دما وإنقاذك له في موقف إنساني لا يلزم منه أنك توده وتحبه، هنا شعيب لما عرّف بربه جل وعلا قال (إِنَّ رَبِّي رَحِيمُ ودود) يرحم أولياءه لابد من هذا القيد وعباده الصالحين وهو يودهم ويحبهم ويحبونه ، لا يرحمهم لمجرد الرحمة إنما يرحمهم وهو وادّ لهم جل وعلا .
يقول ابن القيم رحمه الله - : "وما ألطف اقتران اسم الله الودود بالرحيم؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يُحبُّ، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه " يحب التوابين" وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان"

/ حُسن المحاورة والبيان والمجاوبة من شعيب عليه السلام - كان سبباً لإطلاق خطيب الأنبياء عليه السلام، وورد هذا في بعض الآثار (۳).

- (قَالُوا يَاشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) ما نفهم أكثر كلامك، مما يدل على تبلد مشاعرهم وغلظة طباعهم ، وكثيرا ما نشاهد في عصرنا الحاضر أمثال الملأ من قوم شعيب ممن طغى حب المال على نفوسهم ، وسيطر على أفكارهم ، فلا يفهمون إلا ما يُسمى في العصر الحاضر لغة المال ، وهي في الحقيقة لغة الجشع والشره والطمع ، فإذا ما حدثتهم بلغتهم أنصتوا إليك بكل ذرة في أجسادهم ، وأما إذا حدثتهم حديثا آخر أعرضوا عنك وأغلقوا دون حديثك أسماعهم وعقولهم ، ورأوا فيما تحدثهم به مضيعة للوقت.

/ (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ )
 فيه تربية على أن المؤمن يعفو كرامة الله وغير المؤمن يعفو كرامة للناس، وشتان بين السبيلين.
تفقه من الآية السابقة : من ذكّرك بالله إقبل تذكيره ، ومن خوفك بالله إقبل تخويفه، ومن جاءك عن طريق ربك ترغيبا أو ترهيبا أو تذكيرا فاقبله ، كان ابن عمر رضي الله عنهما - إذا رأى أحد غلمانه يُصلي يُعتقه ، فلما كثر العتق في غلمانهم أصبح الغلمان كلما رأوا ابن عمر جالسا جاءوا يصلون فإذا رأى أحدا يصلي أعتقه، فجاء أحد ينصحه، قال : يا ابن عمر إنهم يخدعونك ، فقال : "من خدعنا بالله انخدعنا له " قبلنا خدعته لأنهم جاءوه عن طريق الله . لا يعني هذا أن يكون الإنسان غافلا يُسخر منه أو ما أشبه ذلك ، لا، لكن في الأشياء التي يملكها المرء ، والمراد من الآية تعظيم الله في القلب.

/ (أَلَا بُعْدًا لِمَدِّينَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) 
اتفقوا وتشابهوا في سوء المعتقد فحق عليهم أن يتشابهوا في البعد عن الله.

/ (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا)
 أخبر الله أنه نجى شعيبا ومن معه من المؤمنين برحمة منه، وفيه وجهان:
/ الأول: أنه تعالى إنما خلّصه من ذلك العذاب لمحض رحمته تنبيها على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل الله ورحمته.
والثاني: أن يكون المراد من الرحمة الإيمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضا ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى.

/ (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثمِينَ ) قال الرازي: " روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم." قال الله في قصة صالح ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وفي قصة شعيب (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) 
فما الحكمة من اختصاص الفعل في قصة شعيب بـ "التاء" وحذفها في قصة صالح؟
التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك هذا جواب السهيلي. وعندي فيه جواب أحسن من هذا -إن شاء الله- وهو : أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ، ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن ، وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ :
/ أحدها : الرجفة في قوله في الأعراف (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ )
/ الثاني: الظلة بقوله (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) [الشعراء: ۱۸۹]
/ الثالث : الصيحة (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)
وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم ، فصهرتهم الشمس بحرها ورُفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس ، فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم ..

في قصة شعيب -عليه السلام - من الفوائد والعبر الشيء الكثير نذكر بعضا منها : 
ـ أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد وإلى إيفاء المكيال والميزان وجعل الوعيد مرتبا على مجموع ذلك.
ـ أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى.
ـ أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: (إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ) أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم.
ـ أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) ففي ذلك من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة.
ـ أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره، فإنه رتب العمل به على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل فالإيمان ناقص أو معدوم.
ـ أن الصلاة، لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه، فيإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها، تختل أحواله الدينية.
ـ أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوّله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه.
ـ أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منتهٍ عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب - الله : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) .
ـ أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية .
ـ أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه.
ـ أن العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين بل لا يزال مستعينا بربه متوكلا عليه سائلا له التوفيق وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومسديه ولا يعجب بنفسه لقوله (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
ـ أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده ولا عبرة بقول من يقول "إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه العفو وأما عود الودّ والحب فإنه لا يعود فإن الله قال: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ). 
ـ أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان .

/ ختمت الآيات استعراضها التاريخي لبعض قصص الأنبياء مع أممهم بوقفة قصيرة عند نبي الله موسى مع فرعون أظهرت فيها مسؤولية شخصية فردية ، وأشارت إلى أن اتباع قوم فرعون وطاعتهم له لا يخلصهم من مسؤوليتهم أمام الله تعالى .

/ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يتقدمهم يوم الحساب والجزاء ، فكما كان قدوتهم في الضلال في الدنيا ، كذلك يتقدمهم إلى النار يوم القيامة .

/ (وَأَتَّبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) اللعنة هي الطرد والإبعاد من رحمة الله وتنقسم أحكامها إلى ما يلي:
 ـ لعن المسلم المصون - مسلم عادي - فهذا باتفاق العلماء لا يجوز لأحد أن يلعنه.
ـ لعن الأوصاف العامة وهذا جائز بالاتفاق مثل أن تقول ألا لعنة الله على الظالمين، ألا لعنة الله على الكافرين، ألا لعنة الله على الكاذبين هذا يسمى لعن ذوي الأوصاف العامة وهو جائز بالاتفاق.
ـ لعن الأوصاف الخاصة تقول لعن الله آكلي الربا، لعن الله السّراق، لعن الله من يلعن والديه، فهذا جائز جاءت به السنة، تلعن الوصف لا الشخص .
ـ  لعن الكافر الذي ثبت أنه مات على الكفر فهذا جائز كلعن أبي جهل ولعن فرعون هذا كله جائز.
ـ لعن الكافر الذي لم يتحقق موته على الكفر فهذا ينظر فيه فإن كان غالب الظن أنه مات على الكفر فيلعن وتركه أولى وإن كان غالب الظن أننا لا ندري مات على الكفر أو مات على الإيمان فإننا نتوقف في لعنه.
ـ لعن الكافر المعين الحي يجوز أو لا يجوز؟
الله - جل وعلا - يقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ فجاء الله بقيد هنا هو (وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارُ) فمن لعن كافرا معيناً أبطل القيد القرآني، وهذا قول جماهير العلماء.
ونقل عن أبي بكر ابن العربي في كتابه أحكام القرآن القول بأنه يجوز لعن الكافر المعين ، لكن الأدلة التي قالها غير صحيحة أتى بحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعن عمرو ابن العاص أيام كفره لكن الحديث ضعيف جداً ولم يقل أحد بصحته، مادام قلنا إنه لا يجوز لعن الكافر المعين فمن باب أولى لا يجوز لعن المسلم العاصي المعين.
فالمؤمن ينبغي عليه أن يفر من اللعن قدر الإمكان فلا يعود نفسه على اللعن فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال كما في حديث أبي الدرداء وهو في صحيح سنن أبي داوود ( إن العبد إذا لعن تصعد اللعنة إلى السماء تُسد أمامها أبواب السماء ثم تُعاد إلى الأرض فلا تجد لها مساغا فتلتفت يميناً وشمالاً - كما قال  صلى الله عليه وسلم - ثم تذهب إلى من لُعن فإن كان أهلاً وإلا رجعت للذي لَعن) ويؤيده كذلك ما في سنن أبي داوود من حديث صحيح أن عبد الله ابن مسعود - الصحابي المعروف - كان صديقاً لرجل يقال له أبو عمير فذهب عبد الله ابن مسعود لزيارة أبي عمير فلم يجده فأدخلته أم عمير الدار، فبينما هو ينتظر صاحبه سمع امرأة أبي عمير تقول - بعد أن بعثت جارية - لعنها الله أبطأت علي، فخرج ابن مسعود من البيت وجلس خارج الباب ناحية عن البيت، فجاء أبو عمير فوجد ابن مسعود خارج الدار فقال : ما منعك أن تدخل بيت أخيك؟ قال: قد دخلت ولكني سمعت امرأتك تلعن جارية لها أبطأت عليها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن اللعنة إذا خرجت من فيّ - يعني فم - قائلها تذهب إلى من لُعن فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى من لَعن ) فقال ابن مسعود : فكرهت أن أكون بسبيل اللعنة - في طريق اللعنة -) أي : ما أحببت أن أجلس في البيت حتى لا تمرّ اللعنة.
 كذلك ثبت أن عبد الملك ابن مروان الخليفة الأموي المعروف استضاف أم الدرداء رضي الله عنها وأرضاها فسمعته في الليل وهو في قصره يلعن فلما أصبحت قالت له: إنني سمعتك تلعن بعض خدمك وإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ( لا يكون اللعانون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء) فاللعن لا يجوز أبداً أن يُكثر الإنسان منه. وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإكثار من اللعن سبب من أسباب دخول النار، قال عليه الصلاة والسلام (معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة جزلة قالت: بم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير) الشاهد: قوله - صلى الله عليه وسلم- (إنكن تكثرن اللعن).

(بِئْسَ الرِّفدُ الْمَرْفُودُ ) 
معنى الرفد: الإعانة، فيكون المعنى أي: بئس العون الذي قدموه لهم وأعانوهم به وذلك بأن أُتبعوا لعنة بعد لعنة.
_________________________
١- الاستغفار فوائد عظيمة ومعاني جليلة / الشيخ عبد الرحمن السحيم / باختصار
٢- تأملات تربوية في سورة هود / د. عثمان قدري مكانسي .
٣- عن محمد بن إسحاق قال : و شعيب بن ميكائيل النبي صلى الله عليه وسلم - بعثه الله نبيا فكان من خبره و خبر قومه ما ذكر الله في القرآن، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا ذكره قال : "ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه". رواه الحاكم في المستدرك (٢ / ٦٢٠) (٤٠٧١)


اقرأ المزيد...

الاثنين، 25 مايو 2026

الوقف والابتداء في سورة القيامة

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله و وصحبه أجمعين، أما بعد: 
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذه الفقرة المتعلقة بالوقف والابتداء في سورة القيامة.
عامة آيات سورة القيامة آيات قصيرة يُوقف على رؤوسها اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن توجد مواضع في غير رؤوس الآيات أتكلم عنها هنا، وكلها مواضع متعلقة بالوقف على (بلى)، و(كلا).
أولا: في الآية الرابعة هل يصح الوقف على قوله : (بلى) بعد أن قال سبحانه في الآية الثالثة: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) ثم قال : (بلى)، وقال بعدها : (قادرين على أن نسوي بنانه)؟
نص جماعة من علماء الوقف والابتداء على صحة الوقف هنا، وإذا تأملنا فإن قوله: (بلى) جواب على الاستفهام الوارد في الآية التي قبلها، ويكون الجواب قد تم بقوله : (بلى)، ثم قال سبحانه: (قادرين على أن نسوي بنانه)
 و (قادرين ) هنا إذا اعتبرناها من تتمة الجواب على السؤال، فإنه لا يصح الوقف على قوله : (بلى).
وإذا اعتبرناها جملة جديدة، واعتبرنا قوله: (قادرين) منصوبا بفعل محذوف تقديره: نقدر قادرين على أن نسوي بنانه، فإنه يصح الوقف هنا.
وهذه الجملة - أعني : (قادرين على أن نسوي بنانه) فيها إضافة على الجواب على السؤال، لأن السؤال: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) فأخبر الله أنه قادر على ما هو أدق من ذلك وهو تسوية البنان، فالوقف هنا له حظ من النظر. والله تعالى أعلم.
الآية الحادية عشرة: هل يصح الوقف على قوله : (كلا) في قوله : (كلا لا وزر )؟ وقد قال الله قبلها : (يقول الإنسان يومئذ أين المفر)، ثم قال: (كلا لا وزر). 
لا بد أن نعلم أولا أن (كلا) يصح الوقف عليها إذا كانت للردع والزجر عن كلام قبلها، فإن لم تكن كذلك بل كانت بمعنى (ألا) الاستفتاحية فإنه لا يُوقف عليها
 تأمل معي هنا، قال: (يقول الإنسان يومئذ) يعني: يوم القيامة، (أين المفر)، (كلا) أي: لا مفرّ لك، فبناءً على هذا يصح الوقف على قوله: (كلا) كما نص عليه بعض علماء الوقف والابتداء. والله تعالى أعلم.
الآية العشرون: (كلا بل تحبون العاجلة هل يصح الوقف على (كلا)؟ وقد قال الله قبلها: (ثم إن علينا بيانه)، والسؤال هنا: هل (كلا) هنا فيها ردع وزجر عن الكلام الذي قبلها ؟

الجواب: لا الله سبحانه وتعالى لا ينفي أن عليه بيانه - وحاشاه سبحانه وتعالى - فـ (كلا) هنا استفتاحية، فلا يصح الوقف عليها. والله تعالى أعلم.

الآية السادسة والعشرون: كلا إذا بلغت التراقي) هل يصح الوقف على (كلا) هنا ؟ وقد قال الله قبلها : تظنّ أن يُفعل بها فاقرة) يعني الوجوه الباسرة، وجوه الكفرة، ثم قال : (كلا) فهل الله سبحانه وتعالى ينفي أن يفعل بها فاقرة؟

الجواب: لا؛ وإنما (كلا) هنا بمعنى (ألا) الاستفتاحية، ألا إذا بلغت التراقي، واستفتح جملا جديدة فيما يتعلق بنزول الموت على الإنسان، فلا يصح الوقف على (كلا) هنا ايضا. والله تعالى أعلم.

بقي التنبيه على ما يتعلق بالسكت في الآية السابعة والعشرين
 في قوله تعالى: (وقيل من راق).
هنا سكتة على قوله : ( وقيل من) عند حفص، وهذه السكتة تكون سكتة لطيفة يسيرة بمقدار حركتين تقريبا بدون تنفس، وليست وقفا؛ وإنما المراد منها ألا تدغم النون الساكنة في الراء، فيتوهم من الآية معنى غير مراد، وذلك إذا قرأها فقال : ( وقيل مراق) فقد يتوهم أن المراد كثير المروق، ففصل حفص في قراءتها : (وقيل من راق)، أي من الذي يرقي هذا الذي بلغت روحه التراقي، هذه وجهة نظر حفص في السكت هنا.
وعامة القراء لم يسكتوا هنا، واعتبروا اللفظ واضحا غير موهم، والعبرة في القراءة ما جاء في الرواية، بمعنى: أن من يقرأ برواية حفص عن عاصم فإنه يقف هنا بناءً على الرواية، ولا يجتهد من عنده في ذلك.
 وأنبه هنا إلى خطأ شائع في السكتة هذه، وهي: أن بعضهم يقف عليها وقوفا طويلا، فيطيل الوقف أكثر من حركتين، وقد يتنفس، وهذا خطأ، بل المطلوب أن يسكت سكتة قصيرة بدون تنفس. والله تعالى أعلم. 
هذا آخر ما يتعلق بالوقف والابتداء في سورة القيامة. 
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما وعملا وهدى وتقى.
والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
‐-----------------------------------
د. أبصار الإسلام 


اقرأ المزيد...

السبت، 23 مايو 2026

تدبر سورة الحج / أصناف الناس والجدال في الله

 أصناف الناس والجدال في الله

 (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ) هذا الصنف من الناس (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله) لأن القضية أصبحت جدال بالباطل. قضية البعث ليست المسألة لديه تصديق أو تكذيب هو يعلم هذه الحقيقة ولكنه يجادل بغير علم يبتعد عن هذه الحقيقة يتخذ كل الوسائل والسبل للتكذيب بها. 
هذا النوع من الناس اختار طريق الضلال والصد عن سبيل الله عز وجل يستخدم كل ما أوتي من قوة مادية، إعلامية، سياسية، لأجل الصد عن سبيل الله عز وجل. وتأملوا معي أيها الأخوة والأخوات كيف يجعل الله سبحانه وتعالى في آيات سورة الحج الإيمان بالبعث حقيقة واقعة. 
تأمل معي قول الله عز وجل (له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ) يجعل الإنسان يستشعر كل ما أقوم بعمل أي عمل من الأعمال صالحا أو غير ذلك، كل ما قمت بعمل علي أن أستحضر الجزاء قبل أن أقوم به علي أن أتوقف للحظة ما نتيجة العمل ما هي النتيجة التي سترتب على العمل الذي سأقوم به. 
هذا الإنسان الذي ضل عن سبيل الله وصد عن سبيله يتوعده ربنا عز وجل بخزي بفضيحة في الدنيا ربما تكون فضيحة مالية، ربما تكون أخلاقية، ربما تكون في سياسة، ربما تكون في أي شيء ولكن خزي، خزي ومذل ومهانة لماذا؟ الجزاء من جنس العمل، أراد صد وإضلال الآخرين عن طريق الله،عن الطريق الحق، لم يكتفِ فقط بإذلال نفسه، لم يكتفِ فقط بأن يكون هو مبتعدا عن خالقه سبحانه ولكنه أراد أن يردي الآخرين في هذا الطريق فكان الجزاء من نفس العمل (له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق).

وثمت صنف آخر من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة واقع عملية مطبقة في حياتهم. هذا الصنف من الناس قد يؤمن بالبعث ولكن العلاقة بين استحضار هذه الحقيقة فيها ضعف شديد فيها نوع من أنواع الخنوع أنواع الذل والخنوع للدنيا ولمطالبها كيف؟

العبادة على حرف والابتلاء
يقول الله سبحانه وتعالى واصفاً هذه الفئة من الناس (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين).
هذا النوع من الناس علاقته مع الله عز وجل علاقة قائمة على المنفعة، قائمة على المصلحة، يعبد الله طالما أن طاعة الله سبحانه وعبادة ربه عز وجل وتقربه من الله سبحانه يأتي له بالنفع، يأتي له بالمصالح الشخصية المنافع الدنيوية، قد يجد زيادة في رزقه، قد يجد بركة في ماله، في وقته، في أولاده، في صحته، قد يجد هذه الأمور، فكلما زاد له الله سبحانه من أمور الدنيا كلما ازداد تقرباً وصلاحاً وكلما ازداد التزاماً وكلما بدأت الدنيا ولو ببعض الشيء تبتعد عنه أو تمتنع عنه أو تأتيه أي نوع من أنواع الانتكاسات أو الابتلاءات أو الامتحانات التي يتعرض لها البشر بمختلف التزاماتهم، ليس بالضرورة فقط المؤمن، ما من بشر في هذه الدنيا إلا وهو معرض للابتلاء، المؤمن وغير المؤمن في ذلك سواء ولكن المؤمن يرجو عند الله ما لا يرجوه غيره من البشر.
هذا النوع من الناس إذا جاءه أي نوع من أنواع الابتلاءات بدأ يتذمر بدأ يتراجع في التزامه مع الله عز وجل بدأت ثقته بربه تضعف، بدل أن يحسن الظن بالله عز وجل يسيء الظن بخالقه يا رب أنا ازددت لك صلاة، أنا ذهبت إلى الحج، أنا ازددت في الاتزام فلماذا بدأت الابتلاءات تأتي على رأسي واحدة بعد الأخرى كلما ازددت التزاما وتقربا منك.
هذه النوع من المساءلة، هذه النوع من العلاقة مع الله شيء غير مشروع غير مقبول علاقتي برب عز وجل ينبغي أن تكون علاقة ثابتة علاقة مطلقة لا تهزها النوائب لا تغيرها المصائب أحبه في السراء وأحبه في الضراء أحبه في الرخاء وأحبه في الشدة أحبه في الصحة وأحبه في المرض أحبه إن أقبلت الدنيا علي وأحبه سبحانه إن أدبرت الدنيا علي، ليس المقياس لدي إقبال الدنيا أو إدبار الدنيا، المقياس الحقيقي عندي ثقتي ويقيني المطلقة بالله سبحانه وتعالى يقيني الذي لا يتزعزع، ثقتي المطلقة بخالقي سبحانه أنه حتى حين يمنع عني إنما منعه عطاء، منعه لأجلي، ابتلاؤه هو خير لي، قد لا أرى الحكمة من وراء هذا الابتلاء أو الامتحان، قد لا أرى الحكمة في الانتكاسة التي أصابتني في مالي أو في تجارتي أو في صحتي أو في أولادي ولكن قطعاً هناك حكمة ولذلك أمر المؤمن كله خير إن أصابتني السراء شكرت وحمدت وتقربت لله عز وجل وإن أصابتني الضراء صبرت فكان كذلك خير لي.
هذا النوع من العلاقة هو ما تريد آيات سورة الحج أن تبنيه في نفسي علاقة حسن الظن والثقة المطلقة بالله سبحانه، اليقين بأن الله سبحانه وتعالى لا يختار لعبده المؤمن المتقرب المقبل عليه إلا الخير في كل شيء قد لا تتضح لي الحكمة في الموقف الذي أصابني، في الابتلاء الذي أصابني، في الانتكاسة التي مرت بي، ولكن الحكمة موجودة عند الخالق سبحانه الذي كل شيء لديه بقدر سبحانه وتعالى.
الجزاء قد لا أخذه في الدنيا ولكني قطعا أؤمن بالبعث وأؤمن بيوم الدين وبالتالي إيماني بالجزاء إيماني بكل هذا إيماني بنتيجة العمل الذي أقوم به قطعا هي واقع في نفسي هذا الوقوع وهذا الإحساس وهذا الاستحضار العظيم ليوم البعث يولد طاقة هائلة عند الإنسان، طاقة إحسان الظن بخالقه عز وجل، ولذا كان حسن الظن بالله سبحانه من حسن العبادة، ولذا ربنا عز وجل يقول في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي) ولذا القرطبي لديه كلام جميل في تعليقه على هذا الحديث يقول: "ظُن الإجابة عندما تدعو الله سبحانه وتتوجه إليه، وظُن القبول عندما تطلب المغفرة منه، وظن التوبة عندما تتوب وتأوب إلى خالقك" سبحانه علي أن أغلب في حياتي حسن الظن بالله سبحانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. رقية العلواني


اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 19 مايو 2026

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

ولكن قبل أن نستمر في تدبر آيات سورة الحج، لنا أن نتساءل: يا ترى لماذا جاءت سورة الحج بهذه البداية العظيمة، والحديث المتواصل القوي الحاضر عن قضية البعث؟ لماذا؟ ما العلاقة بين الإيمان بالبعث، وبين الحديث عن الحج؟ ما العلاقة بين هذه البداية المركزة التي تركز في نفس الإنسان الإيمان بالبعث، والكلام عن الحج؟ السورة تتحدث عن الحج، وسيأتي الحديث عن الحج، فلماذا الكلام في البداية عن البعث؟ سبحان الله العظيم، هذا القرآن العظيم، كما ذكرنا قبل قليل، معجز في كل شيء، معجز في تناسب الآيات والسور، معجز في ترتيب الآيات في السورة الواحدة، معجز في تقديم الأمثال، معجز في كل شيء. يا سبحان الله.

من أراد أن ينظر إلى منظر مصغر ليوم البعث، وليوم القيامة، فليتدبر الحج. من أراد أن يرى مواقف وأهوال يوم القيامة بصورة مصغرة مبسطة بطبيعة الحال فليذهب إلى الحج. كيف؟ مواقف يوم القيامة، مواقف الحشر، وقوف الناس، ازدحام الناس، ما يظهر عليهم من آثار السهر، والتعب الشديد، والنصب، مظاهر كلها أريد لها أن تجعل الإنسان يقترب قليلاً، بعض الشيء، من مواقف الحج. الحر الشديد، الزحام الخانق، الانتظار الطويل، حال البشر وهم يجتمعون في حالة انكسار، وذل، وخضوع، وتضرع بين يدي الله سبحانه. اللباس البسيط الذي يلبسه كل الحجيج، دون طبقية، دون فرق بين عزيز أو ذليل، دون فرق بين غني أو فقير، دون طبقية على الإطلاق، دون فرق بين أسود أو أبيض. الكل يلهج بالدعاء، والتضرع، والخشوع، والانكسار، والذل لله سبحانه وتعالى، للواحد، للملك. يقفون على هذه المواقف والمشاعر، يطلبون شيئاً واحداً، الكل يشتركون في طلب شيء واحد، تركوا من ورائهم الدنيا، تركوا الأعمال، تركوا المناصب، تركوا الأهل، تركوا الأولاد، تركوا كل شيء، وجاءوا لله الواحد القهار، يسألونه صفحاً، عفوًا، مغفرةً، رحمةً من عنده. هذه المواقف العظيمة تذكر بشيء واحد، تذكر بمواقف يوم القيامة، مع فارق واحد، أني حين أقف في الحج في المشاعر المقدسة، على جبل عرفة، على منى، على مزدلفة، حين أقف تلك المواقف، أنا لا زلت في دار العمل، لا زلت فيها، والحج عمل، ومن أعظم العمل، أما يوم القيامة فسأقف مواقف الذل، والتضرع، والخضوع، والترقب، والتوجس، ولا يمكن أن يكون بين يدي عمل آخر أستطيع أن أقدمه. فالآخرة، ومواقف يوم القيامة، دار جزاء لا دار عمل. انظر إلى الفارق، وانظر إلى الربط العظيم الذي ينبغي أن يستحضره كل من يقف في مواقف الحج العظيمة. كل من يقف على جبل عرفة عليه أن يتذكر ذلك الموقف المهيب الذي سيأتي لا محالة. كل من يقف وينفر من منى إلى عرفة، إلى مزدلفة، عليه أن يتذكر تلك المواقف العظيمة، عليه أن يتذكر تنقله بين مواقف وأرصات يوم القيامة، عليه أن يتذكر الحالة التي سيكون عليها، وعليه أن لا ينسى أبداً أنه اليوم لا يزال في رحمة من الله سبحانه، هو لا يزال في دار العمل، فليقدم بين يدي الله سبحانه من الأعمال ما يستطيع أن يقدمه قبل فوات الأوان.

 الإيمان بالبعث والتقوى في سورة الحج

الإيمان بالبعث يبقى دائما حاضر في سورة الحج ليؤكد على معاني التقوى ليكون هو الدافع الرئيس للإنسان للعمل للتزود بزاد الدنيا إلى زاد الآخرة للتزود بالأعمال الصالحة للقيام بكل ما يمكنه أن يقوم به ويتزود به من عمل في هذه الدنيا قبل فوات الأوان. 

تأتي آيات الحج بعد هذا المقطع العظيم لتؤكد على نفس الحقيقة التي ابتدأت بها وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. القضية حقيقة ولكن ليست المسألة في وقوع هذه الحقيقة التي ستقع لمحال دون شك أو ريب. الإشكالية في بعض الناس في أصناف من الناس الإيمان بالبعث لديهم فيها شك فيها جدال فيها عدم استحضار لهذه الحقيقة استحضاراً يدفع بهم إلى العمل وإلى التضحية وإلى تقديم كل غالي ونفيس في سبيل العمل الصالح في سبيل نيل رضا الله سبحانه وتعالى. وانظر معي إلى قول الله عز وجل في الآيات التي تليها وهو يقسم أنواع من البشر أنواع من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة حاضرة في حياتهم. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تدبر سورة الحج / د. رقية العلواني

اقرأ المزيد...