السبت، 22 أغسطس 2026
تفسير قوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } الشيخ حسن بخاري
الدرس الثاني والسبعون/ تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٧)
تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٧) (وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ...)/ صوتي
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم* ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم* ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) أي واذكر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس واستمرارهما على هذا العمل العظيم وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله تعالى أن يتقبل منهما عملهما حتى يجعل فيه النفع العظيم النفع العميم ودعوا لأنفسهما وذريتهما بالإسلام الذي حقيقته خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح، (وأرنا مناسكنا) أي علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة ليكون أبلغ.
• يحتمل أن يكون المراد بالمناسك أعمال الحج كلها كما يدل عليه السياق والمقام
• ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله والعبادات كلها كما يدل عليه عموم اللفظ لأن النسك التعبد ولكن غلب على متعبدات الحج تغليبا عرفيا فيكون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، ولما كان العبد مهما كان لابد أن يعتريه التقصير ويحتاج إلى التوبة قالا (وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)، (ربنا وابعث فيهم) أي في ذريتنا (رسولا منهم) ليكون أرفع لدرجتهما ولينقادوا له وليعرفوه حقيقة المعرفة (يتلو عليهم آياتك) لفظا وحفظا وتحفيظا، (ويعلمهم الكتاب والحكمة) يتلو عليهم آياتك لفظا وحفظا وتحفيظا، (ويعلمهم الكتاب والحكمة) معنى، (ويزكيهم بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الرديئة التي لا تزكو النفس معها، (إنك أنت العزيز) أي القاهر لكل شيء الذي لا يمتنع على قوته شيء، (الحكيم) الذي يضع الأشياء مواضعها فبعزتك وحكمتك ابعث فيهم هذا الرسول، فاستجاب الله تعالى لهما فبعث الله هذا الرسول الكريم الذي رحم الله به ذريتهما خاصة وسائر الخلق عامة ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (أنا دعوة أبي إبراهيم)»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد: فلا يزال السياق المبارك في هذه الآيات في ذكر مآثر خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام وما حباه الله عز وجل به من المقامات الرفيعة والمكانة العلية وأيضا ما حباه الله سبحانه وتعالى به من الدعوات المستجابات وقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآيات حال إبراهيم الخليل عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام عند بنائهما البيت واجتهادهما في الدعاء، دعاء الله سبحانه وتعالى في القبول والثبات والمعونة على الخير وصلاح الذرية.
قال جل وعلا (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت)
(وإذ) عرفنا معناها أي: اذكر أيها النبي حين كان إبراهيم عليه السلام يرفع القواعد من البيت، اذكر ذلك لقومك مُذكّرا بمآثر خليل الرحمن وأعماله المجيدة العظيمة الجليلة قال: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) القواعد: الأسس والسواري التي يقوم عليها البناء، (القواعد من البيت) المراد بالبيت: الكعبة، بيت الله الحرام قال: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا)..
(ربنا تقبل منا) على حذف القول يقول جل وعلا (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) يقولان ربنا تقبل منا على حذف القول لدلالة السياق عليه، (ربنا تقبل منا) هما في أشرف عمل وأعظمه ويقومان به بأمر من الله سبحانه وتعالى ومجتهدان في إتقانه وإتمامه، إبراهيم يقوم بمهمة البناء وإسماعيل يقوم بمهمة المناولة وجلب الأحجار ويعملان بإتقان لإتمام هذا العمل العظيم الذي أمر به ومع هذا الجد والاجتهاد والعمل والإتقان خاف أن لا يتقبل منهم فيسأل الله جل وعلا القبول ويلح على الله سبحانه وتعالى بالقبول (ربنا تقبل منا) وهذا فيها إيقاظة للمؤمن عندما يقوم بالأعمال مهما كان متقنا لها متمما مكملا لا ينظر إلى عمله معجبا به أو جازما بأنه متقبل بل يقدم العمل وهو خائف، هكذا ينبغي أن يكون المؤمن ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في صفات المؤمنين الكُمّل في سورة المؤمنون قال: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون)، في المسند وغيره فسّر النبي عليه الصلاة والسلام الوجل: خوف عدم القبول ، (يؤتون ما آتوا) أي يقدمون ما يقدمون من الأعمال الصالحات وهم خائفون ألا يتقبل منهم لأن عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن معنى هذه الآية قالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويقتل ويخاف أن يعذب؟ قال: (لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يُقبل) فمعنى قوله (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) أي يقدمون ما يقدمون من أعمال صالحات وقلوبهم خائفة ألا يتقبل منهم، هكذا ينبغي أن يكون المؤمن، قال الحسن البصري رحمه الله: «جمع المؤمن بين الإحسان والمخافة يُحسن في العمل ويخاف أن لا يُقبل» قال: «وجمع المنافق بين الإساءة والأمن يسيف العمل وأمِن من .. فالمؤمن جمع بين صفتين عظيمتين الإحسان في العمل والمخافة» مخافة عدم القبول. انظر هنا خليل الرحمن وابنه يعاونه إسماعيل عليهما السلام في أشرف الأعمال بناء البيت ويقومان بإتقان البناء على أحسن وجه وأتم صورة وبذل الجهد العظيم وهما يخافان ألا يتقبل منه ويبنيان البيت، يبنيان البيت بدأ من جهة الباب ومضيا إلى أن رجعا للباب، حتى البناء مر بمرحلة طواف بالبيت، يبنيان البيت وهما يبنيانه -يعني لم يقولا هذا مرة واحدة- وهما يبنيان يكرران (ربنا تقبل منا) يسألان الله سبحانه وتعالى القبول، روى ابن أبي حاتم عن أهيب ابن الورد رحمه الله تعالى أنه قرأ هذه الآية (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) فبكى، بكى رحمه الله لما قرأ هذه الآية وقال: "خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق ألا يتقبل منك" هذا فيه إيقاظ للمؤمن أن لا ينظر لأعماله بعين الإعجاب بها مهما كانت، مهما أتقنها، مهما كمّلها لا ينظر لها بعين الإعجاب ولا بعين الجزم أيضا بأنها مقبولة والله يقول (إنما يتقبل الله من المتقين) يعني المتقين لله عز وجل في في العمل الذي قدموه وتقربوا إلى الله سبحانه وتعالى به.
قال: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد) في الآية هذه ذكر رفعه للقواعد وفي سورة الحج أخبر سبحانه وتعالى أنه أراه موطن القواعد من البيت أين يبنيه (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) عينا له محله، (بوأنا) عينا له محله، حددنا له مكانه، هذا في سورة الحج، فحدد الله سبحانه وتعالى له المكان، عيّن له المكان وأمره ببنائه، وأيضا أمره سبحانه وتعالى أن يأمر ابنه اسماعيل بمعاونته، جاءه وحي بهذا، عيّن له المكان - مكان البيت - وأمره أن يرفع البيت، وأيضا أمره أن يأمر ابنه اسماعيل بمعاونته على ذلك كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه وهو في صحيح البخاري الحديث الطويل وفيه (قال إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل: إن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا) ها هنا في المكان الذي بوأه علّمه إياه، عيّنه له أن ابني ها هنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال فعند ذلك رفع القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر الذي يسمى المقام جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) قال: "فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان ربنا تقبل منا" جعلا يبنيان وهما يدوران حول البيت وهما يقولان ربنا تقبل منا، هذه الدعوة مستمرة معهما في البناء يدوران ويبنيان البيت ويدعوان بهذه الدعوة مثل ما تقدم هذا فيه إيقاظة عظيمة للمؤمن في عدم الالتفات للعمل بإعجاب أو نحو ذلك، وخوف عدم القبول وكثرة الدعاء بالقبول.
وقد مضت السُنة من زمن الصحابة إلى يومنا هذا إذا التقى الناس يومي عيد الفطر وعيد الأضحى بعد هاتين الطاعتين العظيمتين الصيام والحج يقول بعضهم لبعض في التهنئة تقبل الله منا ومنكم، تقبل الله منا ومنكم لا أحد يجزم لا لنفسه ولا لغيره بقبول العمل مهما أتقن العمل، مهما كمُل العمل لا يجزم المرء بالقبول بل يسأل الله سبحانه وتعالى القبول وهذا من أهم ما ينبغي أن ينتبه له ومستفاد من هذا السياق العظيم المبارك.
قال (ومن ذريتنا) (من) هنا للتبعيض، قال (ومن ذريتنا) ولم يقل مسلمَين لك وذريتنا هذا فيه ملاحظة التقييد السابق ما هو؟ (قال لا ينال عهدي الظالمين) (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين)، فـ (من) للتبعيض لتقدم قوله سبحانه وتعالى (لا ينال عهدي الظالمين).
وعرّفنا مناسكنا على وجه الرؤية لها والمعاينة، (وأرنا مناسكنا) قيل المناسك: يراد بها مناسك الحج الطواف، السعي، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، رمي الجمار، إلى غير ذلك من الأعمال، نحر الهدي، (أرنا مناسكنا) أي أعمال الحج.
وقيل (أرنا مناسكنا) أي تعبداتنا عموم العبادات، والناسك المتعبد لله عز وجل، فقوله (أرنا مناسكنا) قيل: الحج، وقيل: عموم العبادات، (وأرنا مناسكنا) أي علمناها وعرفناها وبصرنا بها.
(وتب علينا) منّ علينا بالتوفيق للتوبة ومجانبة الذنوب التي تسخط الله سبحانه وتعالى، منّ علينا بالتوبة.
(إنك أنت التواب الرحيم) توسلا باسمين مناسبين للمطلوب، فتوسلا إلى الله باسمه التواب، واسم الله التواب يدل على معنيين من التوبة:
فالتوّاب الذي يوفق من يشاء للتوبة وهو الذي يقبل توبة التائبين، ولهذا انتبه كل توبة تقع من العبد محفوفه بتوبتين من الرب، توبة قبل توبة العبد، وتوبة بعد توبة العبد، التي قبل بالتوفيق للتوبة، والتي بعد بالقبول لها، هذا معنى اسمه التواب،
ولهذا التوسل إلى الله بهذا الاسم يفتقر إليه العبد، يفتقر إلى هذا العبد ليُوفق للتوبة ولتُقبل منه إذا وقعت، يوفق للتوبة أي بشروطها بضوابطها التي لا يقبل الله التوبة إلا بها وبالقبول لها (إنك أنت التواب الرحيم) هذا التوسل إلى الله سبحانه وتعالى برحمته.
قالا (ربنا) هذا أيضا من الدعوات التي دعا بها إبراهيم وابنه إسماعيل (ربنا وابعث فيهم) أي الذرية، (فيهم) أي الذرية، الضمير عائد على ذريتنا، (وابعث فيهم رسولا منهم) وهو محمد عليه الصلاة والسلام، (وابعث فيهم) جاء في سورة الجمعة تعيين من هم، من المراد بهم قال (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم) الأميين بالإجماع هم العرب، وهذا لا يتنافى مع عموم رسالته وأنه بُعث عليه الصلاة والسلام للعالمين للثقلين للجن والإنس، بُعث في الأميين لكن رسالته عامة للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
(ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك) (آياتك) أي القرآن، يعلمهم ألفاظ القرآن ويعلمهم معاني القران تعليم القرآن هو تعليم للألفاظ، المعاني ليس تعليم للألفاظ فقط قوله عليه الصلاة والسلام (بلغوا عني ولو آية) والبلاغ نوعان: ألفاظ ومعاني، ومثل ما أن العبد محتاج أن يتعلم ألفاظ القرآن ليتقن قراءته محتاج أيضا إلى أن يتعلم معاني القرآن ليحسن العمل به، والقرآن ينزل ليُعمل به لا لمجرد التلاوة فقط والقراءة.
(يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة) يعني القرآن والسنة، (ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم) وهذا فيه أن التزكية للعباد بقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، عندما يراد تزكية العباد تتلى عليهم آيات القرآن وتبين لهم المعاني والهدايات وتقرأ عليهم أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ويبين لهم الدلالات والإرشادات بهذا تكون التزكية للقلوب قال (ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) العزيز: القاهر الذي لا يغلب، والحكيم: الذي يضع الأمور مواضعها. قال الشيخ رحمه الله تعالى: "واذكر أيها النبي معلما قومك ومُعرفا لهم اذكر إبراهيم وإسماعيل في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس الأعمدة السواري واستمرارهما على هذا العمل العظيم وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء حتى أنهما مع هذا العمل" ماذا يقصد الشيخ "مع هذا العمل"؟ "مع هذا العمل" يعني العظيم الكبير الجليل الذي هو بأمر الله والإتقان والإحسان في العمل، "مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما حتى يجعل فيه النفع العميم".
الآن لما ترى أعداد الطائفين على مر الليالي والأيام هذا من إجابة الدعوة، دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام وابنه إسماعيل، يبني ويسال الله القبول فتقبل الله منهما هذا العمل العظيم وصارت هذه الكعبة قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأيضا تهوي إليه أفئدتهم مثل ما تقدم مثوبه للناس و تهوي إليه أفئدتهم يتكرر مجيئهم إليه، هذا كله من إجابة الدعوة ومن قبول العمل، دعوا الله، هذا يفيد أن الدعاء والإلحاح له أثر عظيم وممتد، مثل هذه الدعوات وفي قول إبراهيم وإسماعيل (ومن ذريتنا) هذا من حبهما للعبادة أن تبقى العبادة مستمرة، أن تبقى ممتدة ولهذا من المهم في دعاء العبد أن يدعو الله عز وجل أن يصلح في ذريته لأن صلاح ذريته ينفعه حتى هو بعد موته مثل ما قال عليه الصلاة والسلام (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث) وذكر منها (أو ولد صالح يدعو له) وفي الدعاء (وأصلح لي في ذريتي)، قال: "ودعوا عليهما السلام لأنفسهما وذريتهما بالإسلام" (واجعلنا مسلمين لك) هذا لأنفسهما، (ومن ذريتنا) هذا الدعاء للذرية بالإسلام، ما الإسلام؟ قال: "الذي حقيقته خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح" ولابد أيضا أن يقيد هذا التفسير بالإخلاص، فالإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، هذا هو الاسلام، الإسلام: الاستسلام لله بالتوحيد، الاستسلام الذي قاله الشيخ: "حقيقته خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح بالتوحيد)" لابد من هذا القيد "بالتوحيد" أي بالإخلاص لله سبحانه وتعالى.
قال: "(وأرنا مناسكنا) أي علمناها عرفنا بها على وجه الإراءة والمشاهدة" ليكون أبلغ في التعلم، قال الشيخ: "يحتمل أن يكون المراد بالمناسك أعمال الحج كلها كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعمّ من ذلك وهو الدين كله والعبادات كلها كما يدل عليه عموم اللفظ مناسكنا" التنسك التعبد، والناسك العابد لله لأن النسك التعبد ولكن غلب على متعبدات الحج تغليبا عرفيا يقال مناسك أعمال الحج، ولما أتى هذه العبارة المناسك في الغالب ينصرف الذهن إلى أعمال الحج لأن أصبح بالعرف يطلق على أعمال الحج فيحتمل هذا ويحتمل هذا، فيكون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، حاصل قوله (أرنا مناسكنا) علمنا المناسك ووفقنا للعمل، ولما كان العبد مهما كان يعني في الصلاح، في الاستقامة، في التكميل للعمل لابد أن يعتريه التقصير ويحتاج إلى التوبة، قالا (وتب علينا) سألا الله عز وجل التوبة (إنك أنت التواب الرحيم).
قالا (ربنا وابعث فيهم) أي في ذريتنا (رسولا منهم) ليكون أرفع لدرجتهما ولينقادوا له وليعرفوه حقيقة المعرفة، (يتلو
عليهم آياتك) لفظا وحفظا وتحفيظا (ويعلمهم الكتاب والحكمة) معنى يعني يعلمهم المعاني والهدايات (ويزكيهم) بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الرديئة التي لا تزكو النفوس معها، ولهذا التربية تخلية وتحلية، تخلية للنفوس من الأعمال الرديئة، وتحليه لها بالأعمال الفاضلة، هذه التربية مثل ما قال الشيخ: "بالتربية على الأعمال الصالحة والتبري من الأعمال الرديئة" هذه التزكية، وجمع المعنيان في قوله (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (تطهرهم وتزكيهم بها) التطهير التخلية، والتزكية التحلية.
• قال: "(إنك أنت العزيز) أي القاهر لكل شيء الذي لا يمتنع على قوته شيء، (الحكيم) الذي يضع الأشياء مواضعها"
- وهذان اللفظان التخلية والتحلية عبّر بهما بهذا اللفظ في تفسيره في موضع لا أذكره لكن موجود في في تفسير عبر بالتخلية والتحلية – قال: "الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها فبعزتك وحكمتك ابعث فيهم هذا الرسول" قال: "فاستجاب الله لهما -
أي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فبعث الله هذا الرسول الكريم الذي رحم الله سبحانه وتعالى به ذريتهما خاصة وسائر الخلق عامة" في دعائهما قالا (وابعث فيهم) هذا لا يدل على أن بعثته خاصة بهم هوبُعث فيهم لكن دعوته ليس خاصة بهم، عامة ويدل على عمومها نصوص كثيرة جدا، قال: "فاستجاب الله لهما فبعث الله هذا الرسول الكريم الذي رحم الله به ذريتهما خاصة وسائر الخلق عامة ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (أنا دعوة أبي إبراهيم)" دعوته ما هي؟ (ابعث فيهم) هذه هي الدعوة، قال (أنا دعوة أبي إبراهيم أي قوله (وابعث فيهم)، دعا الله بهذه الدعوة فاستجاب الله سبحانه وتعالى.
ن/ قال رحمه الله: "ولما عظم الله تعالى إبراهيم هذا التعظيم وأخبر عن صفاته الكاملة قال تعالى (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين* إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين*ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون* أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون* تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) نعم.
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما ... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد واله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.
الثلاثاء، 4 أغسطس 2026
التفسير المؤصل/ بين يدي سورة آل عمران
🔘 بين يدي السورة 🔘
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:نبتدئ بإذن الله السورة وكعادة المفسرين قبل أن يشرعوا في تفسير الآيات يبتدؤا أولا بما يسمى بين يدي السورة، ويطرح في هذه المقدمات الأمور التعريفية بالسورة التي هي ليست مرتبطة بتفسير الآيات من اسم السورة ونزولها، ومناسباتها وفضائلها إن وجدت وما إلى ذلك.
أولا: نبتدئ باسم السورة: سورة آل عمران، ولها اسم آخر مستنبط من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يصدق أن يسمى وصفا أكثر من كونه اسما وهو الزهراء أخذا من حديث النبي صل الله عليه وسلم (الزهراوان) البقرة وآل عمران. هذه هي الأسماء التوقيفية، وهناك أسماء ليس عليها دليل قد يذكرها بعض المفسرون.
نزول السورة: السورة كما هو معلوم مدنية.
هل لنا من طريق إلى تحديد سنوات معينة داخل المدني؟ يعني عادة الذي يروى في الأحاديث في نزول السور المكي والمدني هذه ثابتة فيها روايات، لكن كما نعلم أن المكي ثلاثة عشر سنة، والمدني عشر سنوات، أحيانا يحتف بالسورة بالمقاطع أو بالآيات قرائن تقرب لك الوقت داخل هذه المدة الطويلة.
فهل في هذه السورة من قرائن تحدد لي وقت معين، داخل المدني في الجزء الثاني للسورة؟ نجد أن عندنا في هذه السورة قرينتان وليست قرينة واحدة.
القرينة الأولى: أن غزوة أحد وردت في هذه السورة، وكما نعلم أن غزوة أحد كانت في السنة الثالثة تقريبا.
وعندنا سبب نزول الذي هو قصة وفد نصارى نجران كما سنفصل فيما بعد.
طبعا كونه قصة وفد إذا هو مرتبط بماذا؟ بعام الوفود، وعام الوفود كان في السنة التاسعة، أي أنه متأخر في النزول.
إذن أنا عندي تاريخان يمكن أن يحددا لي أو يقولب لي الفترة الزمنية التي هي السنة الثالثة والسنة التاسعة، لكن هناك قول قوي من المفسرين أن قصة نصارى نجران لم تكن في عام الوفود وإنما كانت بين بدر وأُحد، كانت بعد غزوة بدر. فإن كان هذا القول هو الصحيح - طبعا هذا يحتاج إلى تحقيق تاريخيا – فإن هذا يعني أن السورة متقاربة في النزول وفد نصارى نجران زمنا قريب من غزوة أحد، فهي بين السنة الثانية والثالثة تقريبا.
طبعا هذا نستفيد منه عادة المفسرون لما يحددوا الفترة الزمنية هو في الأول مجرد تحليل، لكن لما ندخل في ثنايا التفسير قد ترتبط كثير من موضوعات السورة بتلك الفترة الزمنية، فهي أحيانا معينة في الترجيح، أحيانا معينة في التوضيح، أحيانا معينة في تحديد بعض القضايا التي ترِد في هذه السورة لكن عادة نحررها في البداية ثم في ثنايا التفسير إن احتجنا إلى استدعاء هذه المعلومة لتوضيح قضية معينة فإنها الأمور تكون قد قُعّدت في بداية هذه السورة.
لما ندخل في موضوعات السورة لنخلص بعدها إلى المقاصد، وبعدها نخلص إلى المناسبات لكن قبل ذلك سنتحدث في فضل السورة. فضل السورة: لم يرد في سورة آل عمران فضل خاص بها وإنما فضل مقترن بغيرها من السور.
أنا عندي حديثان مما أخذناه في فضائل سورة البقرة قُرن به سورة آل عمران، وكان هذا الفضل يتدرج من القرآن بأكمله، ثم البقرة وآل عمران، ثم البقرة، تدرج الفضل في هذه الأحاديث، ما هي هذه الأحاديث؟
حديث عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه) إذا هذا فضل عام لجميع سور القرآن، أي أنه كلما كنت مرتبطا بالقرآن بتلاوته يأتي يوم القيامة شفيعا وكلما كان الإنسان أكثر إخلاصا وأكثر تدبرا فإن الشفاعة تتحقق في هذا المقام. تتمة الحديث (اقرؤا الزهراويين البقرة وسورة آل عمران) ثم يأتي بعده الفضل (فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما) هذا فضل، بعدها سيخصص لسورة البقرة (اقرؤا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة) إذا رأينا التدرج: القرآن، ثم البقرة وآل عمران، ثم خُصص فضل لسورة البقرة، لكن سنفصل في القول الذي يعنينا في هذا المقام، الذي هو فضل سورة آل عمران، ونقف أولا مع بعض المفردات:
غيايتان أو غمامتان: الغياية أو الغمامة هي كل ما أظلك من فوق، وإذا استحضرنا قيمة هذا الفضل من أحاديث وآيات أُخر تتحدث عن كُرب يوم القيامة وأن الشمس تدنو على الخلائق وكيف أحوال الناس في هذا المقام، وأحوال الناس في نجاتهم من الكُرب في هذا المقام، فصاحب سورة البقرة وصاحب سورة آل عمران يكون لهم ظل خاص يوم القيامة، فلذلك ينبغي للإنسان أن يستعد، من الاستعداد ليوم المعاد هو الأخذ بالأسباب المذكورة سواء كانت في القرآن أو في السنة وهذه إحدى هذه الأمور التي هي قراءة سورة آل عمران، ولاشك أن قراءتها باستحضار معانيها أوقع في تحصيل هذا الفضل. وهذه قاعدة عامة في فضائل السور بشكل عام، كلما كان فيه سورة لها فضل فأنت تكسب هذا الفضل ويتحقق لك كلما كان هذا الفضل مرتبطا بالمعاني في السورة ولعلنا نركز عليها أثناء التفسير ما الذي في هذه السورة يستدعي أن تكون سببا لنجاة صاحبها يوم القيامة بحيث تظله هذه السورة من كرب يوم القيامة. فهذه تأتي أثناء التفسير لكن بشكل عام نقول: أنه إذا أردت أن يتحقق لك هذا الفضل فلتكن قراءتك لهذه السورة تدبرا وعملا بما فيها من أحكام وعقائد وهدايات، فإذا ارتبط القول بالعمل تحقق هذا الفضل.
فرقان من طير صواف: أيضا الفِرق التي هي قطع فكأن فيها مجموعتين طير، معروف أن الطيور حين تطير تلتحم مع بعض بحيث بالفعل تشكل مثل الغمامة ومثل الغياية، إذا هذه الأمثال الثلاثة كلها تصب في نفس المعنى، ولعل الحديث الثاني يركز على هذه القضية بشكل أكبر.
الحديث الثاني وهو عند مسلم أيضا، عن جبير بن ** قال: سمعت النواس بن سمعان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعلمون به) لاحظ كلمة (يعملون به) وهذا الذي نركز عليه في قضية الفضائل (تقدمهم سورة البقرة وآل عمران) إذا من كان أكثر تلاوة للقرآن، أكثر تدبرا، أكثر عملا بالقرآن الكريم، فإنه يصبح لهم تميز في مراحل الحشر يوم القيامة، وتميز في النجاة في ذلك اليوم. قال - راوي الحديث -النواس بن سمعان: وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد) طبعا هذا يعطيك قيمة ضرب الأمثال، ضرب الامثال يعني هذا حديث واسع لو أُفرد الحديث في قضية ما تأثيره على القلوب، ما تأثيره على العقول في استيعاب المعاني، ما تأثيره على التطبيق، لأنه يراه رأي العين، يعني فرق بين الأمور المعقولة أن تُسرد وبين أن تُربط هذه الأمور المعقولة بشيء يبصر بالعين، ويحس ويُشاهد، فتأثيره في الأنس على النفوس، واستقبالا لهذه المعاني وإمكانية التطبيق أكثر بكثير مما لو كان سُرد نظريا خاليا عن المثال، فلذلك النواس بن سمعاني يقول: "ما نسيتهن بعد" وهذا يعني كأني أتخيل النواس بن سمعان كلما همّ بقراءة القرآن وافتتح سورة البقرة وآل عمران يستحضر هذه المعاني أن يقول: "ما نسيتهن بعد" طبعا وما أحرنا أن يكون هؤلاء قدوتنا في تلقي الكثير من المعاني، كيفية كيف يتلقون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، كيف يتلقون القرآن، هذه كلها أمور تربوية مواضع قدوة في هذا المقام. عدّ هذه الثلاثة الأمثال كما ورد في الحديث السابق (كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف) شرق: بمعنى نور وضياء. إذا هما ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو فرقان طير، أيضا جماعة من الطيور. فكأن هاتان الإثنتان إحداهما البقرة والأخرى آل عمران، هذا هو التشبيه.
قال: (تحاجان عن صاحبهما) فإذا كأنها يعني جندي يتقدم هذا الشخص ليدافع عنه، ومعروف أن مسألة يوم القيامة فيه الحساب وفيه السؤال، وفيه الكربات وفي الختم على الأفواه ونطق الأيدي، يعني هي كُرب في قضية الحساب في هذا الأمر، فمن كان في صدره البقرة وآل عمران، من كان في صدره العمل بهاتين السورتين فهي ستُحاجّ يوم القيامة طبعا لا شك أن هذا فضل عظيم وما أحرانا أن نستحضر هذا الفضل ونحن نستقبل معاني هذه السورة لتقع موقعها في العمل وزيادة الإيمان. نسأل الله عز وجل أن نكون جميعا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
فضل آخر: وهو حديث خاص بآية واحدة في هذه السورة الذي هو اسم الله الأعظم في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وسورة طه فقال راوي الحديث القاسم أبوعبد الرحمن: "التمسته في سورة البقرة فإذا هي آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وفي آل عمران فاتحتها، وفي طه (وعنت الوجوه للحي القيوم) فهذا وإن كان طبعا في المسألة خلاف في اسم الله الأعظم فيسرد من فضائل هذه السورة.
باقي شيء لا نسميه فضل، ولكن يكشف قضية تلقي الصحابة لهذا الفضل كما ورد في المسند عن أنس رضي الله عنه قال: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران يُعد فينا عظيما" لأنه مر على نسبة كبيرة من القرآن الكريم بما فيها الجوامع، بما فيها أصول الاعتقاد، بما فيها أصول الشرائع، نظرنا في سورة البقرة كيف جمعت بين هاتين القضيتين، فإذا أصبح ما يحمله من العلم، ما يحمله من الإيمان، يستحق أن يُكرّم صاحبه ويُعد فينا عظيم، فهذه لا شك أنها إجمالا تكشف لنا طريقة تلقي القرآن ومنزلة القرآن في تكريم الأشخاص ليس بالمال، وليس بالجاه، أو بكثرة الولد وما إلى ذلك، وإنما بما يحمل في صدره من القرآن.
أحدهما: كان سببا لنزول السورة وهو المرتبط بوفد نصارى نجران والحِجَاج، إقامة الحجاج على النصارى في عقائدهم نظرا لأن هذا الوفد قدم للنبي صلى الله عليه وسلم وسأله أسئلة وحصل فيها اتباع للمتشابه، فكانت هذه السورة -تقريبا ثمانون آية من هذه السورة في هذا الموضوع، وهي طبعا يعني كما رأينا في سورة البقرة تنقُل من موضوع إلى موضوع، من تاريخ إلى تاريخ، ومن حادثة إلى حادثة من حياة اليهود، فهذه السورة من موضوع إلى موضوع في مناقشة النصارى في قضايا الاعتقاد التي حصل فيها الضلال لهذه الفئة، طبعا معروف أن النصارى اشتُهروا وأصبح علما عليهم قضية الضلال، فمواطن الضلالة المتمسكين بها كانت هذه السورة تقيم الحِجاج فيها، وسنرى فيما بعد كيف نُوقش النصارى في هذا.
الموضوع الثاني: هو غزوة أُحد، ومعلوم أن أطول الآيات النازلة في الغزوات ما ورد في غزوة أُحد، وهي طبعا حُق لها أن ينزل فيها قرآن أكثر نظرا لأنها اختلفت عن باقي الغزوات في حصول هزيمة، وبالتالي الدروس المتلقاة من مواطن الفشل -وهذه تأخذها حتى في حياتك- المواطن التي أخفقت فيها أو فشلت فيها أو حصل لك فيها كرب نسبة تعلمك من الحدث أكثر بكثير من الموضوعات التي تمر بسلام، فكذلك لو بسطت الأمر بالنسبة لمغازي النبي صلى الله عليه وسلم تجد أن الغزوة التي حدث فيها هزيمة أو حدث فيها حدث سلبي يكون فيها نسبة الاتعاظ أكثر، فبالتالي دروس النصر والهزيمة تستلهم من آيات غزوة أحد، وهي شغلت تقريبا ستين آية. إذا هذا أهم موضوعين واردين في هذه السورة.
الآن هذان موضوعان لكن هل مثلا نقول مقصد السورة هو وفد نصارى نجران؟ أو مقصد السورة هو غزوة أُحد؟ أم أنه موضوع يتولد من هذين الموضوعين؟
مسألة المقاصد نخرج من الجزء وننتقل بعده للكل، كيف نقولب هذين الموضوعين لنخرج بمقصد واحد؟ مثل ما رأينا في سورة البقرة عندنا بني إسرائيل وتحديدا اليهود، عندنا الأحكام الشرعية، وقلنا هذان موضوعان رئيسيان ثم انتقلنا إلى كل جمع بين هذين الموضوعين، فكذلك في سورة آل عمران عندي موضوعان رئيسيان، وأريد بعدها أن أنتقل من الجزء إلى الكل.
كما تعلم موضوع مقاصد السور ووحدتها الموضوعية أمر اجتهادي، وإذا كان اجتهادي فممكن أن ينتج أكثر من قول، وكل قول كما تحدث عمدة الباحثين في التفسير الموضوعي أنها حسب زاوية الرصد، يأتي باحث أو متأمل ومتدبر ينظر من زاوية وتخرج له القولبة بطريقة معينة، ويأتي آخر ينظر من زاوية أخرى تخرج له قضايا أخرى لكنها لا تتعارض، كلها تسهم في الوصول إلى كليات السورة أو الرسالة العظمى في هذه السورة. ممكن أنا بالنسبة لي يأتي عندي قضية النظر في قولبة هذان الموضوعان ممكن من زاويتين: زاوية ممكن أنظر لها إلى قضية الحديث عن طاعة الله وطاعة الرسول. طاعة الله وطاعة الرسول نجد لها عمق كبير في هذه السورة، أنا أصلا في البداية قلت لك هي موضوعان، لكن هذان الموضوعان قبلهم مقدمة وبعدهم خاتمة، فإذا قارنت المقدمة بالخاتمة وربطتيها مع هذين الموضوعين تجدين أنها يتجلى فيها قضية الطاعة، يعني بمعنى أن وفد نصارى نجران آتى بعد آية (32) تقريبا.. الثلاثين آية الأولى وهو ما نسميه مقدمة كان فيه تأصيل لكيفية التعامل مع الشُبه بشكل عام، يعني مخاطبة مؤمنين كمؤمنين بصرف النظر عن النصارى، كيف يؤصل في القلب أن يُعصم من الشُبه، كيف يؤصل في القلب أن يكون عنده قوة إيمان وأن يعرف المسار الصحيح، المعروف أنك ما تستطيع ترُد على أحد، أو تُبين خطأ أحد إلا وأنت عارف الصحيح، إذا أنت ما تعرف الصحيح كيف ترد على الخطأ!!فتثبيت الطريق المستقيم والصحيح يكون في البداية كالجاهزية للاطلاع على شُبه الآخرين وكيفية الردود عليها، فلو اطلعت على الآيات أو تمعنت ما هو مسار القضايا الجزئية التي وردت في الثلاثين الآية الأولى كلها تصب في قضية التمهيد لكيفية الرد على الشُبه وحماية القلب من اتباع المتشابه، ولذلك يأتي في بدايتها -مثلا- الحديث على أقسام الناس في تلقي القرآن، والمحكم والمتشابه وما إلى ذلك، ويأتي في ثناياه (إن الدين عند الله الإسلام) إذا هذا هو الطريق الصحيح، وحول هذه (إن الدين الإسلام) سباقها ولحاقها كلها تأصيل أن هذا هو الطريق المستقيم، ليس كما ضلت النصارى، وليس كما حصل من ضلال اليهود، يعني هم أكبر فرقتين يظهرون على السطح في قضية محاربة الإسلام. فإذا أول ثلاثين آية كانت تتحدث عن هذا الموضوع.
في ثنايا هذه الثلاثين آية، وفي ثنايا مقطع وفد نصارى نجران، وفي ثنايا أيضا الحديث عن معركة أُحد كان يؤتى بين الفينة والأخرى بالأمر بطاعة الله وطاعة الرسول، يعني – مثلا- (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) هذه توسطت هذان الموضوعان، لكن عندي أيضا آية كانت مفصلية في هذه السورة التي هي (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فهذه كانت موقعها (32) وبعدها مباشرة بدأ الحديث عن نصارى نجران وما حصل منهم من هذه المحاجّة. فإذا يعني هذا الموضوع تجدينه أيضا عميق في قصة غزوة أحد، وأن الهزيمة أصلا ما حصلت إلا بسبب المعصية، تخلفهم عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل الرماة عن الجبل حصلت الهزيمة، فكانت إذا محور رئيسي في الإطالة في الحديث عن غزوة أُحد، فإذا طاعة الله وطاعة الرسول وأسس هذه الطاعة، وكيفية التفتيش عنها داخل القلوب، ولماذا يحصل هذا الأمر، والإيمانيات التي في أول السورة، والإيمانيات التي في آخر السورة كلها تقولب لي هذا الموضوع، فيمكن أن يكون مقصد.
● زاوية أخرى يمكن أن ينظر فيها وهي أيضا جديرة بالتأمل والنظر: أن هذه السورة لفت نظرنا فيها أنها ركزت على موضوع الاصطفاء، وإذا تأملت في موضوع الاصطفاء هذا يربطني باسم السورة أو ارتباطه باسم السورة بشكل أكبر، يعني عندما قال الله (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) هذه صريحة في الاصطفاء.
دعنا نقول أن هذه ذكرت الاصطفاء باللفظ، لكن لو نظرنا إلى الاصطفاء باللفظ وبالمعنى، وبدأنا نفتش عنه في السورة وجدنا عددا من المستويات التي تحدثت عن الاصطفاء بشكل عام، طبعا معروف أن كلمة الاصطفاء معناها اختيار من متعدد، اختيار الأفضل من متعدد، يعني بمعنى الاجتباء يكون فيه كثير ومتفاوتين، قد يكون هذا التفاوت بين جيد وأجود، وقد يكون بين خروج من ملة ودخول في ملة، المهم أنه يوجد تباين المتعدد والاصطفاء هو اختيار أفضلهم. فإذا إذا نظرنا إلى موضوع الاصطفاء سنجد أنه في أكثر من مستوى:
ثم بعد ذلك قال في آية الاصطفاء ( آل إبراهيم) وليس إبراهيم في حد ذاته، إذن إبراهيم وآله وأبرز آل إبراهيم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا هذه أيضا فيها مقومات اصطفاء يطول الحديث عنها لعلنا إذا وصلنا إلى هذه الآية نتحدث بشكل أكبر.
● آل عمران، من تفرع من آل عمران؟
مريم أولا، ومن مريم عيسى، لكن أيضا هناك نبوات فهناك زكريا، وهناك يحيى، فهذا كله من بيت آل عمران، فهؤلاء أيضا من المصطفين، وخُصت مريم بالاصطفاء في آية مستقلة ولذلك ننتقل إلى مستوى آخر من الاصطفاء الذي هو: الاصطفاء على مستوى النساء، لأن هي التي ذُكرت في القرآن وكانت السنة تحدثت عن أربع نساء، لكن الذي ورد في القرآن هو اصطفاء مريم عليها السلام، ولذلك مريم في آية واحدة كُرر الاصطفاء مرتين، مرة عام، ومرة بمربوط بعمل، فهذا يعطيك ما هي مقومات الاصطفاء ولعلنا نفصلها إذا وصلنا هذه الآية. لكن طبعا لا شك أنه ملفت للنظر أن تُخص مريم باصطفاء مع أنها من ضمن آل عمران، ثم يذكر كلمة الاصطفاء مرتين، يعني مرة هي داخلة مع الجماعة ومرتين لها خاصة، فهي لها خاصة كان لها مرتين غير إنها أصلا خُصت بعد العموم فهي من آل عمران. فإذا هذا أيضا مستوى آخر من مستويات الاصطفاء الذي هو اصطفاء على مستوى النساء.
● ثم بعد ذلك نلمح مفهوم الاصطفاء، وهذا يمكن أن ينطبق في كل لحظة من لحظات الابتلاء، وهذه ظهرت لنا جلية في دروس غزوة أُحد، في دروس غزوة أحد فيه فرقة انهزمت، وفيه فرقة عصت، لكن في الأخير تمحض منها تمييز الخبيث من الطيب، وأصبحت فيه فرقة مصطفاة، وهذا الاصطفاء تمحض أكثر لما حدثت موقعة حمراء الأسد التي هي بعد أن انقضت الغزوة وفيه جراحات وما إلى ذلك يدعون للقتال مرة ثانية، فحصل منهم تسليم وانقياد لله عز وجل مع هذه الجراحات، فكُفوا القتال وسُجل لهم هذا الموقف، فكان اصطفاء، فلذلك أتت الآيات تثني عليهم وتثبت لهم الأجور إلى أن قال في نهاية هذه الآيات (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) إذا فيه عملية اصطفاء، عملية اصطفاء بعد هذا الموضوع، (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) يعني مسألة الاصطفاء ليست خبرا سماويا سيأتي ولكنه مواقف تُلمح، وهذه المواقف يترتب عليها أمور في الحياة، يُعلم المؤمن من المنافق، قوي الإيمان من ضعيف الإيمان (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) إلى آخر النصف.
فإذا هذا أيضا نوع من أنواع الاصطفاء ويبنى عليه مواقف كثيرة في الحياة، لعله إذا أتت هذه الآيات نُفصل فيها أكثر.
● إذا موضوع الاصطفاء يمكن أن يكون مقصدا من مقاصد السورة، لأنه في كل موضوع نجد أنه يمكن أن يتلبسه في ثنايا هذه الآيات. إذن هذا أيضا يمكن أن ينظر إليه كمقصد من مقاصد السورة.
نوع آخر من المناسبات: مناسبة سورة البقرة لآل عمران وهذه محطة رئيسية ليس فقط لأنها سورتين متتاليتين، بل لأن أحاديث الفضائل جمعت بينهما وأعطتهم فضل واحد، وهذا معروف في قضية المناسبات في القرآن بشكل عام، أن المناسبة تطلب بين سورة وسورة ولكن إذا وردت نصوص جمعت سور فإن المناسبة تطلب بشكل أكبر لدرجة أنه يمكن أن تطلب مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التي تليها بحيث كأنها قطعة واحدة، يعني كأن البقرة وآل عمران سورة واحدة فنطلب مناسبة فاتحة البقرة بخاتمة آل عمران، فهذا أيضا صنف من أصناف المناسبات، بل حتى تجد البعض يتحدث عن أن يستخرجوا مقصد واحد في السورتين، طالما أنه فيه عندي حديث أو نص يجمع بين هذه السور، مثلا كالحواميم، مثل المسبحات، مثل البقرة وآل عمران، وكالمعوذات، إذا وردت نصوص تجمع لي سور فهذا يعني أني أصعد -غير الذي عادة أنا أنفذه مع باقي السور- أصعد إلى مستوى آخر وأطلب لهم مقصد واحد، وأطلب لهم أيضا مناسبة بين فاتحة وخاتمة. ما علاقة أو ما مناسبة فاتحة البقرة لآل عمران؟
قبل قليل وجدنا أنها جمعت بين السورتين بفضل واحد، وكونها جمعت بين السورتين بفضل واحد معناه أن هاتين السورتين بينهما من الالتحام وبينهما من التناسق ما جعلهما يؤدون إلى نفس النتيجة من أن هاتين السورتين تحاجّان، هاتين السورتين تظللهما، فاذا ما فيهما واحد فلا شك ان هذا من أعظم المناسبات بين السورتين.
مناسبة أخرى: وهي حقيقة بالنظر وهي قضية أهل الكتاب. أهل الكتاب في سورة البقرة رأيناها ركزت على مَن مِن أهل الكتاب؟ اليهود، فتحدثت عن اليهود، وتاريخ اليهود والشبهات اللي أقاموها، وما هي المحطات الرئيسية التي ينبغي المؤمنون أن يحذروا معهم في التعامل معهم. ورأينا هذا الموضوع أخذ شق كبير في هذه السورة.
في سورة آل عمران ركزت على النصارى، أيضا شرحت ما هي شبههم وكيف يواجهون، وكيف يُرد عليهم، وكيفية الوقاية من الوقوع في جنسهم، كما البقرة حذرت المؤمنين من الوقوع في جنس ما فعله اليهود ألا وهو التلكؤ، وكثرة السؤال، وعدم الاتباع، حذرت أيضا المؤمنين في سورة آل عمران من إتباع ما تشابه، لأن هذا هو الذي وقع مع النصارى. فإذن المعالجة أنهم كانوا كلهم أهل الكتاب لكن هؤلاء فيهم صفات يحذر على المؤمنين أن يقعوا فيها فيضلوا مثلما ضل اليهود، وأيضا في النصارى صفات يحذر على المؤمنين أن يفعلوا ما فعلوه فيضلوا. فإذا بمجموع هاتين السورتين أصبح حديث عن أهل الكتاب، أصبح فيه تعريف بهاتين الفرقتين، وهما أكثر ما يكون الاحتدام والصراع بين هاتين الفرقتين. وهذا وجدناه على مر التاريخ البشري أن اليهود وأن النصارى -صح ظهرت فِرق ومذاهب وما إلى ذلك- لكن الصراع المستمر كان بين هاتين الديانتين من أهل الكتاب بمجموع هاتين السورتين أصبح فيه رسم خارطة طريق في كيفية التعامل معهم، وما الذي يحذر منه، وحتى الثناء على من يثنى عليه فيهم وتقسيم هذين الفريقين يعني إن حصل تقسيمهم الذين دخلوا في الدين أسباب دخولهم، ما الصفات التي تخلصوا منها حتى وصلوا الى هذا الأمر.
لو نظرت إلى فاتحة البقرة وخاتمة آل عمران، البقرة (هدى للمتقين) وآخر آل عمران (اصبروا وصابروا ورابطوا لعلكم تتقون) ، فإذًا ذُكرت التقوى في فاتحة البقرة وخاتمة آل عمران، فأصبحت كأنها وحدة واحدة.
ذكر الكتاب: ذُكر في أول البقرة وذُكر في أول آل عمران أيضا. وتفصيلات للكتاب ذكرت أيضا في آل عمران.
هناك قاعدة قعّدها السيوطي وهو يؤلف كتابه تناسق الدرر في تناسب السور. - من المعروف إن الإنسان إذا ألّف في شيء معين إذا احتدم في التأليف وأوشك أن ينتهي تتبلور عنده قواعد و تصبح قواعد خبير في هذا الموضوع- ففيه قاعدة نصّ عليها السيوطي يقول: "ما من إجمال في سورة إلا وله تفسير في التي تليها"، طبعا هذا لا ينطبق على جميع موضوعات السورة، لكن أي سورتين متتاليتين يمكن أن تجد إجمال في سورة ويليها تفصيل. لنطبق هذه القاعدة:
■ أولا الكتاب:
أيضا في قوله تعالى (وما أنزل من قبلك) في سورة البقرة ذُكر التوراة لكن التفصيل أتى أكثر في فاتحة سورة آل عمران لما قال (وأنزل التوراة والإنجيل) فأضيفت الإنجيل، لم تكن مذكورة في سورة البقرة.
■ في الحديث عن الشهداء:
في البقرة ذكرت أكثر إيجازا، فذُكر (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) ما تفصيل لا تقولوا لهم أموات؟ قوله (أحياء عند ربهم يرزقون) وتفصيل هذه الحياة أتت في سورة آل عمران.
■ في سورة البقرة كان من موضوعاتها الأولى الحديث عن قصة خلق آدم وفي سورة آل عمران قُرن معها خلق عيسى لأنه بنفس الكيفية اشتركا في كونهما غير أب فكان سبب الحجاج. هذه أيضا من المناسبات.
■ في قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) في سورة البقرة ورد فيها أن اليهود لما سمعوا هذه الآية قالوا: افتقر ربك، فأتى في سورة آل عمران (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) فأتى الرد عليها بالتفصيل في سورة آل عمران.
■ في قول إبراهيم عليه السلام (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) كيف وردت هذه الآية في آل عمران؟ استجابة هذا الدعاء (لقد منّ الله على المؤمنين) فأتى تفصيلها وحقيقتها وما آلت إليه في سورة آل عمران.
هذه تقريبا مجمل المناسبات بين هاتين السورتين، ولا شك أن الحديث عنها الآن عام، وقد ما يستحضر دقائقه، ولكن أثناء التفسير لعلنا نشير إلى مثل هذه الموضوعات لما يأتي التفسير.
السبت، 25 يوليو 2026
اسم الله (النور) من كتاب فقه الأسماء الحسنى
الدرس الحادي والسبعون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٥)
تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٥) (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في قوله تعالى (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)
ن/ « ثم ذكر تعالى أنموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم عليه السلام وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده ركنا من أركان الإسلام حاطّا للذنوب والآثام وفيه من آثار الخليل وذريته ما عُرف به إمامته وتذكرت به حالته فقال (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) أي مرجعا يثوبون إليه بحصول منافعهم الدينية والدنيوية يترددون إليه ولا يقضون منه وطرا وجعله آمنا يأمن به كل أحد حتى الوحش وحتى الجمادات كالأشجار ولهذا كانوا في الجاهلية على شركهم يحترمونه أشد الاحترام ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه، فلما
جاء الإسلام زاده حرمة وتعظيما وتشريفا وتكريما.
(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) يحتمل أن يكون المراد بذلك المقام المعروف الذي قد جُعل الآن مقابل باب الكعبة وأن المراد بهذا ركعتا الطواف يستحب أن تكون خلف مقام إبراهيم عليه السلام وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج وهي المشاعر كلها من الطواف والسعي والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والنحر وغير ذلك من أفعال الحج فيكون معنى قوله (مصلى) أي معبدا أي اقتدوا به في شعائر الحج ولعل هذا المعنى أولى لدخول المعنى الأول فيه واحتمال اللفظ له، (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي ومن الرجس والنجاسات والأقذار ليكون للطائفين فيه والعاكفين والركع السجود أي المصلين، قدّم الطواف لاختصاصه بالمسجد الحرام ثم الاعتكاف لأن من شرطه المسجد مطلقا ثم الصلاة مع أنها أفضل لهذا المعنى، وأضاف الباري البيت إليه لفوائد منها:
• أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتطهيره لكونه بيت الله فيبذلان جهدهما ويستفرغان وسعهما في ذلك.
• ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام ففي ضمنهما أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.
•ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجالب للقلوب إليه»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا رب العالمين فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا
التاويل أما بعد: قول الله جل وعلا (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) هذه الجملة معطوفة على التي قبلها قول الله جل وعلا (وإذ ابتلى إبراهيم ربه) وعرفنا فيما سبق معنى قول (وإذ) أي واذكر إذ، و(إذ) اسم بمعنى حين، واذكر حين ابتلى ابراهيم ربه، واذكر حين جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا.
(جعلنا البيت مثابة للناس) أي يثوبون إليه يقصدونه يترددون عليه لا يقضي وطرهم منه كلما جاؤوه ازداد شوقهم إليه وإلى المجيء مرة أخرى فيودعونه وهم في شوق إلى العودة إليه، جعله الله هكذا في قلوب الناس تهوي أفئدة الناس إليه وتشتاق إليه وجميع مسلم في أنحاء الدنيا يشتاق إلى هذا البيت الشوق العظيم وتهوي إليه الأفئدة هكذا جعله الله، هكذا جعل الله سبحانه وتعالى البيت قال (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) (مثابة للناس) أي يقصدونه يترددون من كل الجهات من أصقاع الأرض ليشهدوا منافع لهم، لأن إتيانهم للبيت حجاجا أو معتمرين ليشهدوا المنافع العظيمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في هذا البيت لقاصديه، في هذا البيت العظيم لقاصديه، ولهذا فإن من يقصدون البيت - وهذا من الآيات العظيمة الباهرة - من يقصدون البيت ويترددون عليه ربما يكون في الزمن الأول الأمر أعظم، يعني الرحلة إلى الحج فيها مخاطر عظيمة جدا وتحتاج أحيانا من بعض المناطق الرحلة للذهاب ما يقل عن ثلاثة شهور والإياب لا تقل عن ثلاثة شهور مع المشاق العظيمة جدا ومع ذلك إذا وصلوا البيت وقرت أعينهم به وأدوا المناسك ودعوا بيت الله سبحانه وتعالى ازداد شوقهم إليه مرة أخرى، ينسون كل تعب وكل نصب، ولهذا يعد هذا من آيات الله (مثابه للناس) يقول شيخ الإسلام الإمام المجدد -رحمه الله- محمد بن عبد الوهاب في مسائله المستنبطة على هذه الآيات، له مسائل عظيمة مستنبطة على الآيات من قوله (وإذ ابتلى) إلى نهاية الجزء مسائل عظيمة جدا مستنبطة من هذه الآيات منها:
➢ كونه سبحانه جعل البيت الذي بناه إبراهيم مثابة مع المشاق العظيمة وذلك من الآيات.
هذا من الآيات العظيمة يعني يجدون المشاق العظيمة ولا تزال قلوبهم تهفوا إليه وتشتاق إلى المجيء إليه، والتعب الذي يحصل في طريق الذهاب، التعب الشديد في الزمن الأول يختلف عن حالنا في هذا الزمان، التعب الشديد، النصب الشديد، المخاطر التي يمرون بها في الطريق، إذا رأوا بيت الله، رأوا الكعبة نسوا كل شيء من التعب.
ابن القيم رحمه الله له ميمية من ضمن محتوياتها وصف الحجيج في رحلة الحج وماذا كانوا يعاينون وما يمرون به من شدة ومخاطر ومشاق يقول رحمه الله: «ولما رأت - يعني لما وصلوا إلى الكعبة ورأوا بيت الله عز وجل-
قال: ولما رأت أبصارهم بيته الذي** قلوب الورى شوقا إليه تضرموا
كأنهم لم ينصبوا قط قبله** لأن شقاهم قد ترحل عنهم.
الشقاء المشقة، التعب الجهد لما يرون بيت الله كله يذهب وينسون كل تعب. هذه من من الآيات العظيمة الباهرة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في البيت (مثابة للناس) يعني لأهل الإسلام يثوبون إليه يترددون إليه يشتاقون إليه، يقول ابن عباس رضي الله عنه: "لا يقضون منه وطرا" معنى لا يقضون منه وطرا ما يشبعون كلما رحلوا إليه أرادوا مرة أخرى المجيء والمجيء والمجيء للشوق العظيم الذي جعل في قلوب أهل الإيمان لبيت الله قال ابن عباس: "لا يقضون منه وطرا ويأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه" وهذا المعنى الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما نظمه أحد الشعراء في بيت فقال:
جُعل البيت مثابا لهم**ليس منه الدهر يقضون الوطر
يعني مهما ذهبوا إليه لا ينقضي وطرهم ولا يشبعون من إتيانهم لهذا البيت.
هذا معنى قوله (وإذ جعلنا البيت مثابه للناس وأمنا) يوضحه قوله تعالى (ومن دخله كان آمنا) يجد الأمان التام في البيت وهذا شيء جعله الله سبحانه وتعالى للبيت قدرا وشرعا وهذا أيضا من الآيات العظيمة أن جعله بلدا امنا.
قال (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)
(واتخِذوا) هذا أمر (واتخِذوا من مقام إبراهيم مصلى) بكسر الخاء اتخذوا، وقُرئ بفتحها (واتخَذوا) على الماضي بمعنى الخبر. (واتخِذوا من مقام ابراهيم مصلى) أي يُصلى وراء المقام، وهذا جاء أيضا فيها حديث مفسِر في الصحيح في قصة عمر رضي الله عنه لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "لو اتخذنا مقام إبراهيم" فنزلت الآية موافقة لما أشار به عمر رضي الله عنه. وهذا من موافقات عمر الكثيرة للوحي، نزل قول الله عز وجل (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ولهذا قول جمهور المفسرين - مثل ما أشار الشيخ رحمه الله أن المقصود بـ (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) الصلاة، الركعتين خلف المقام بعد الطواف كما كان نبينا صلوات الله وسلامه وبركاته عليه يفعل ذلك. (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وهذا من سنن الطواف ومستحباته.
➢ وينبغي أن يُعلم في هذا المقام:
أن الأصل في صحن المطاف الذي حول الكعبة أنه للطائفين، الأصل أنه للطائفين والأحقية فيه للطائفين فليس لإنسان أن يأتي في وسط الطائفين وصحن المطاف ممتلئ ويصلي خلف المقام ليعمل بهذه السنة، السنة تُفعل إذا كان ليس فيها إيذاء للناس والحاق ضرر بالناس، من يأتون ويصلون خلف المقام تطبيقا لهذه السنة في زحمة الطواف هؤلاء يرتكبون مخالفة فيها أذى للمسلمين في سبيل تطبيق سنة، ولما أراد عمر رضي الله أن يُقبل الحجر قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك رجل قوي لا تزاحم الناس) نهاه عن تطبيق
تلك السنة لأن فيه مزاحمة، المزاحمة قد يترتب عليها أذى للناس ولهذا الأصل في الطواف أنه للطائفين.
أنا أوضح ذلك بكلمة أقول: لو اختلف طائف ومصلي في الأحقية يمكن للطائف أن يقول له: "يا أخي صلي في أي مكان الحرم واسع" هذه الكلمة هل يستطيع أن يقولها المصلي للطائف؟ يقول له طف في أي مكان ما عنده الا هذا المكان هذا مكان الطواف لكن الصلاة صلي في أي مكان، الحرم واسع لكن ما يمكن أن يقولها المصلي للطائف ويمكن يقول يا أخي اذهب طف في أي مكان، الطواف حول البيت ما هناك مكان آخر.
• قال (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى)
ما العبادة التي تعلقت بهذا الموطن؟
الصلاة (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) انظر ماذا يقول قتادة -رحمه الله- من أئمة السلف قال: "إنما أُمروا أن يصلوا عنده -يعني عند المقام- ولم يُؤمروا بمسحه ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفت به الأمم قبلها" دخلوا فيه هذا المسح الذي ما أُمروا به ولا شُرع لهم ولا جاءت فيها سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، المسح إنما جاء في الحجر الأسود لمن لم يتمكن من التقبيل والركن اليماني، حتى أطراف البيت الأخرى لم يأتِ فيها مسح، المسح في موطنه فقط. فالذين يمسحون المقام يفعلون بدعة من البدع وعملا لم يُشرع
المشروع الصلاة عند المقام متى؟ إن كان متيسرا ما فيه إيذاء للناس (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).
• (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل)
إبراهيم وابنه إسماعيل عهدنا اليهما أي أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير البيت (أن طهرا بيتي) طهرا بيتي من ماذا؟
لم يذكر ليتناول كل ما ينبغي أن يُطهر منه، من النجاسات والدنس والأوثان، وكل باطل وكل سيء، أن يُطهر يُجعل نقيا طاهرا تُبعد عنه كل ما كان كذلك.
(أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) /
في الحج قال (للطائفين والقائمين والركع السجود) ذكر أجزاء الصلاة الثلاثة القيام
والركوع والسجود، وهنا لم يذكر القيام لأن الركوع والسجود يدل عليه، لا يكون ركوع وسجود إلا عن قيام، هناك في الحج
ذكر أجزاء الصلاة الثلاثة القيام الركوع والسجود ولم يذكر العاكفين في الحج لأنها ذُكرت قبلها بقليل (سواء العاكف فيه).
فالحاصل أن الله جل وعلا قال (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) أي لأجل هؤلاء، طهراه لأجل هؤلاء لأجل الطائفين والعاكفين والركع السجود.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "ثم ذكر تعالى أنموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم التي تقدم ذكرها في قول الله عز وجل (إني جاعلك للناس إماما) من الدلائل والشواهد على هذه الإمامة في الدين هذا البيت الذي بناه إبراهيم وعاونه على بنائه ابنه إسماعيل -كما سياتي (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل)- قال هذا البيت الحرام الذي جعل سبحانه وتعالى قصده ركنا من أركان الإسلام حطا للذنوب والآثام" حطا للذنوب والآثام هذا من منافع الحج (ليشهدوا منافع لهم) منافع الحج كثيرة جدا منها حط الذنوب (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد)، (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، قال في حديث عمرو بن العاص (والحج يهدم ما كان قبله) يعني من الذنوب، فجعله سبحانه ركنا من أركان الإسلام حاطا للذنوب والآثام.
سبحان الله هذا أمر عظيم جدا يأتي الحاج وعمره مثلا ستين سنة وسبعين سنة ويحقق الحج يكمله ويدخل حجه تائبا ويخرج من حجه كيوم ولدته أمه، يوم ولدته أمه يعني بلا ذنب ولا خطيئة هذا من فضل الله عز وجل وعظيم منّه جل في علاه. قال: "وفيه من آثار الخليل وذريته ما عُرف به إمامته وتُذكِرت به حالته" لما وقف النبي عليه الصلاة والسلام بعرفة قال للناس: (أنتم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم عليه السلام) فالطواف يُذكر بإبراهيم، السعي يُذكِّر بإبراهيم، الوقوف بعرفة يُذكر بإبراهيم، رمي الجمار يُذكر بإبراهيم، نحر الهدي يُذكر بإبراهيم عليه السلام، أعمال الحج كلها تذكر بإبراهيم، ولهذا سياتي معنا في قول لبعض أهل العلم (مقام ابراهيم) أي مقامات إبراهيم، مناسك الحج كلها، أعمال الحج كلها لأن كل عمل من أعمال الحج يُذكر بإبراهيم وهذا كله من الدلائل على إمامته فقال: "(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) أي مرجعا يثوبون إليه بحصول منافعهم الدينية والدنيوية يترددون إليه ولا يقضون منه وطرا" - هذه كلمة ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لايقضون منه وطرا"- وجعله آمنا يأمن به كل أحد حتى الوحوش وحتى الجمادات كالأشجار" الوحوش تأمن لأن حُرم الصيد فيه ولا يُنفّر صيد الحرم، فالوحوش آمنة ولما أمِنت أيضا الشجر لا يُقطع الذي هو طعامها، لا يُقطع فهي آمنة وطعامها لا يتعرض له.
قال: "ولهذا كانوا في الجاهلية على شركهم -أي وكفرهم وضلالهم- يحترمونه أشد الاحترام ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه -لا يتعرض له من شدة التعظيم للبيت- فلما جاء الإسلام زاده حرمة وتعظيما وتشريفا وتكريما"
• قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال الشيخ: "يحتمل أن يكون المراد بذلك المقام المعروف الذي قد جُعل الآن مقابل باب الكعبة" المقام المراد به الحجَر الذي كان يضعه إسماعيل لوالده إبراهيم عليهما السلام وهو يتولى بناء البيت لما ارتفع الجدار أتى بحجر وكان يقف عليه إبراهيم حتى يتمكن بناء ما علا من الجدار ثم ينقل معه الحجر، يطوف بالبيت وهو يبني ينقل الحجر إلى أن انتهى إلى موطن البدء بعد الباب -باب الكعبة- أو عند باب الكعبة، من هذا الموطن بدأ البناء ثم انتهى إليه والحجر يحمل وينقله إسماعيل لوالده يقف عليه حتى يبني ما علا من الجدار إلى أن وضع وبقي في هذا الموطن ملاصقا لجدار الكعبة إلى زمن نبينا عليه الصلاة والسلام وخلافة أبي بكر رضي الله عنه ثم جعله عمر رضي الله عنه في هذا الموطن وقد قال عليه الصلاة والسلام (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها) فنقله عمر رضي الله عنه إلى هذا الموطن.
قال: "وأن المراد بهذا -إذا كان المقام هذا المراد به- المراد بهذا ركعة الطواف يستحب أن تكون خلف مقام إبراهيم عليه السلام
وعليه جمهور المفسرين" وهناك أحاديث عديده تقوي هذا القول وهو الأظهر في معنى قوله (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ومن الحديث الذي أشير إليه، وفي الصحيح لما قال عمر هذا "لاتخذنا مقام إبراهيم مصلى" فنزلت الآية وجاء أحاديث في ذكر طواف النبي عليه الصلاة والسلام وأنه بعد الطواف يصلي خلف المقام فالأظهر فيه معنى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) أي الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم اتخذوا منه مصلى أي عنده مصلى، يتخذوا عنده مصلى وهي سنة مستحبة إذا كان متيسر فعلها.
قال: "ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا فيعُم جميع مقامات إبراهيم في الحج" (واتخذوا من مقام إبراهيم) مقام مفرد
مضاف فيعُم، يعني مقامات إبراهيم في الحج، ما هي؟ قال: "هي المشاعر كلها" من الطواف والسعي، الوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار، والنحر وغير ذلك من أفعال الحج، وهذا المعنى الذي ذكر الشيخ رحمه الله يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال ابن عباس رضي الله عنهما مقام إبراهيم الحج كله" يعني أعمال الحج كلها هي مقامات أفعال مناسك قام بها إبراهيم.
"مقام إبراهيم الحج كله قال عطاء مفسرا قول ابن عباس رضي الله عنهما- التعريف -يعني الوقوف بعرفة- وصلاتان -يعني الظهر والعصر بعرفة- والمشعر -يعني مزدلفة- ومنى ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة"
يفسر قول ابن عباس ماذا؟ مقام إبراهيم الحج كله يعني أعمال الحج، لكن الأظهر هو القول الأول وعليه جمهور المفسرين كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى فيكون معنى قوله (مصلى) أي معبدا، أي اقتدوا به في شعائر الحج هذا معنى القول الثاني معنى (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) اقتدوا بإبراهيم في مشاعر الحج في الطواف، في السعي، في الوقوف بعرفة، في المبيت بمزدلفة، رمي الجمار إلى أخره. يقول الشيخ: "ولعل هذا المعنى أولى لدخول المعنى الأول فيه واحتمال اللفظ له" يقصد بقول "احتمال اللفظ له" لأنه جاء مفرد مضاف فيفيد العموم.
• قال (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي ومن الرجس والنجاسات والأقذار. من أين أخذ هذا التفصيل الشيخ؟
لأنه قال (طهرا) ولم يذكر سبحانه وتعالى مم يطهر فيتناول كل ما ينبغي أن يُطهر منه من الشرك، من النجاسات، من الآثام، من قبائح الأفعال، يطهر يكون طاهرا نقيا قال: "بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي ومن الرجس والنجاسات والأقذار ليكون للطائفين فيه" جاء عن عبيد بن عمير وأبي العالية ومجاهد وقتادة وغيرهم قالوا: "طهرا بيتي بـ لا إله إلا الله" من الشرك رواه ابن أبي حاتم. وهذه كلمة عظيمة جدا وأن الطهارة لا تكون إلا بالتوحيد (وثيابك فطهر) الطهارة لا تكون إلا بتوحيد الله وإخلاص الدين له، فكيف يُطهر؟
يطهر بـ لا إله إلا الله، أن تحقق لا إله إلا الله وأن يخلص الدين لله سبحانه وتعالى. قال: " للطائفين فيه والعاكفين والركع السجود" أي المصلين قدم الطواف لاختصاصه بالمسجد الحرام، ما هناك طواف في أي مكان آخر في الدنيا، وكل طواف يفعل عند مقام أو عند قبر أو حول شجرة أو غير ذلك هذا كله من وحي الشيطان ليس من دين الله وهو من الشرك، الطواف من خصائص البيت لا يطاف إلا بالبيت (وليطّوفوا بالبيت العتيق) هذا خاص من الاختصاص بالمسجد الحرام، ثم ذكر بعده الاعتكاف لأن من شرطه المسجد مطلقا، ثم الصلاة مع أنها أفضل، يعني قُدمت هذه الاعتكاف والطواف على الصلاة مع أنها أفضل لهذا المعنى الذي ذكر الشيخ الطواف أولا لاختصاصه بالبيت الاعتكاف لاختصاصه بالمساجد مطلقا ليس هناك اعتكاف في البيوت أو نحو ذلك ثم ذكرت الصلاة، قال: "وأضاف الباري البيت إليه لفوائد منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره.
لما يقول بيتي هذا يقتضي شدة الاهتمام ممن أُمر بهذا التطهير لكونه بيت الله فيبذلان جهدهما ويستفرغان وسعهما في ذلك.
➢ ومنها فوائد هذه الإضافة: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه بيت أضافه إلى نفسه سبحانه وتعالى ينبغي أن يعظمه عباد الله ويقدروا للبيت قدره.
➢ ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجالب للقلوب (مثابة للناس) هي السبب الجالب للقلوب نعم.
ن/ قال رحمه الله قوله: « (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) أي وإذ دعا إبراهيم عليه السلام لهذا البيت أن يجعله الله تعالى بلدا آمنا ويرزق أهله من أنواع الثمرات ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين تأدبا مع الله إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم فلما دعا لهم بالرزق وقيده بالمؤمن وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر والعاصي والطائع قال تعالى (ومن كفر) أي أرزقهم كلهم مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر فيتمتع فيها قليلا (ثم أضطره) أي ألجئه وأخرجه مكرها إلى عذاب النار وبئس المصير»
ت/ ثم قال جل وعلا (واذ قال إبراهيم) واذكر أيها النبي صلوات الله وسلامه عليه حين قال إبراهيم داعيا ربه سبحانه وتعالى (رب اجعل هذا بلدا آمنا) وأتت في سورة إبراهيم (اجعل هذا البلد) بالتعريف ولهذا قال جماعة من أهل العلم: أن هذه الدعوة حصلت مرتين مرة قبل بنائه البيت وهي هذه (رب اجعل هذا بلدا) يعني هذا الموطن، ولما بني قال (رب اجعل هذا البلد) هذا البلد المعروف الذي بني فيها البيت فقيل أن هذه الدعوة كانت مرتين مرة قبل بناء البيت ومرة بعد بنائه.
قال: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا امنا وارزق أهله) سأل الله عز وجل أمرين: الأمن والرزق، تذكر الحديث قال: (من أصبح منكم آمنا في سربه عنده قوت يومه معافا في بدنه فقد جمعت له الدنيا بحذافيرها) لأن ما زاد على هذه الثلاث هذه كلها مكملات، هذه الأساسيات أمن ورزق وصحة، هذه الأساسيات فدعا الله عز وجل للبيت بهذين الأمرين الأمن والرزق
(بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) خص السؤال بمن؟ بالمؤمنين (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) فلا يدخل الكفار فيما سأل ربه عليه السلام قال (من آمن منهم) وتقدم في دعاء إبراهيم الأول لما سأل أمر الآخرة قال (ومن ذريتي) ولم يقيد ومن ذريتي دون الظالم قال الله عز وجل (لا ينال عهدي الظالمين) لما أطلق في دعائه جاء جواب الدعاء مقيدا (لا ينال عهدي) يعني أجبنا دعاءك لكن لا ينال عهدي الظالم، وهنا لما قيد والتقييد يتعلق بأمر دنيوي قال الله عز وجل (ومن كفر) هذا الأمر الدنيوي نعطيه المسلم والكافر، ليس مثل الأول، الإمامة هذه لا تعطى إلا لمن هو أهل لها (لا ينال عهدي الظالمين)
ولهذا يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في مسائل جميلة له على الآيات قال: " لما دعا بأمر الدين -أين؟ (ومن
ذريتي)- لما دعا بأمر الدين منع الله الظالم من ذريته قال (لا ينال عهدي الظالمين) ولما خصّ بالأمر الآخر - لما خصّ مَن؟ إبراهيم عليه السلام- بالأمر الآخر -ما هو؟ الدنيا- ولما خصّ بالأمر الآخر من آمن بالله قال الله (ومن كفر) يعني نعطيه، نرزقه، قال -رحمه الله-: "وذلك للفرق بين الدارين اقرأ في هذا قول الله تعالى (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء المسلمين والكفار، (من عطاء ربك) يعني الدنيوي (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا* انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا)، (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) والكفار بدليل قوله (خالصة يوم القيامة) لهم في الدنيا ليست خالصة، يشاركهم فيها الكفار لكن يوم القيامة خالصة لا ينال كافر منها شيئا. قال (رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات) أجاب الله سبحانه وتعالى دعوته وجاءت آيات تبين ذلك مثل قوله (ومن دخله كان آمنا)، (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء) هذه الآيات كلها فيها أن الله أجاب دعوة نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام قال: (من آمن بالله واليوم الآخر)
كثيرا ما يُجمع بين الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان بالله لأنه المعبود المقصود بالتعبد، واليوم الآخر لأنه دار الجزاء على التعبد وعلى العمل فكثيرا ما يُجمع بينهما، قال: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال) أي الله (ومن كفر) ما معنى (ومن كفر)؟ أي سأرزقه، سأعطيه من العطاء الدنيوي.
قال (ومن كفر فأمتّعه) وفي قراءة (فأمتِعه) بالتشديد والتخفيف، بالتشديد من التمتيع وبالتخفيف من الإمتاع وهما بمعنى واحد يعني يعطيه من العطاء الدنيوي، أعطيه ما يحصل به المتعة الدنيوية، أمتعه يعني أعطيه الرزق الذي يحصل به المتعة الدنيوية.
قال: (فأمتعه قليلا) ما معنى قليلا؟ مدة حياته، لو كان عمر الكافر مئة سنة قليل هذه بالنظر إلى الآخرة، بالنظر إلى الأخرة
يعتبر قليل، مدة قليلة جدا (نمتعه قليلا) وهذا مما يبين أن عمر الإنسان في الدنيا مهما كبُر ومهما كثُر ومهما طال هو يُعد قليل بالنسبة للآخرة.
قال: (فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار) يتوهم متوهم أن أمتع هذا فيه إكرام له، يمتع إكراما له، لا ليس على وجه الإكرام ولهذا قال (ثم أضطره إلى عذاب النار) (أضطره) أي ألجئه في الآخرة -يوم القيامة- مرغما كارها إلى عذاب النار.
(وبئس المصير) أي بئس المآل والمرجع.
• قال الشيخ -رحمه الله-: "وإذ دعا أي واذكر إذ دعا إبراهيم لهذا البيت أن يجعله الله بلدا آمنا ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين تأدبا مع الله إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق" ما هو دعاؤه الأول؟ (ومن ذريتي) ما قيد إبراهيم عليه السلام قال (ومن ذريتي) أطلق فقال: "فلما تأدب مع الله إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق فجاء الجواب فيه مقيدا في الموطن الأول بغير الظالم قال (لا ينال عهدي الظالمين)" هناك تقييد (قال لا ينال عهد الظالمين) تقييد وهنا قال (ومن كفر) هنا إطلاق فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم فلما دعا لهم بالرزق وقيده أي إبراهيم عليه السلام بالمؤمن وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر والعاصي والطائع قال تعالى (ومن كفر) أي سأرزقه سأعطيه، (ومن كفر) أي أرزقهم كلهم مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر فيتمتع فيها أي الدنيا قليلا ثم أضطره أي ألجئه وأخرجه مكرها إلى عذاب النار وبئس المصير.
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما ...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.