الثلاثاء، 12 مايو 2026

| الدرس السادس والستون | تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠٩)

(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير)
ن/ «ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب وأنهم بلغت بهم الحال أنهم ودوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا وسعوا في ذلك وعملوا المكائد وكيدهم راجع عليهم كما قال تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم فأمرهم الله تعالى بمقابلة من أساء إليهم بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره،  ثم بعد ذلك أتى الله تعالى بأمره إياهم بالجهاد فشفى الله أنفس المؤمنين منهم فقتلوا من قتلوا واسترقّوا من استرقوا وأجلَوا من أجلوا إن الله على كل شيء قدير، ثم أمرهم الله بالاشتغال بالوقت الحاضر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير فإنه لا يضيع عند الله بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه (إن الله بما تعملون بصير)»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،  اللهم يا ربنا فقّهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت حسبنا ونعم الوكيل أما بعد: فلا يزال السياق في هذه الآيات الكريمات من سورة البقره في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وبيان ما تنطوي عليه قلوبهم من الشر العظيم والحقد الكبير والحسد لأمة الإسلام أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى بما قام في قلوب اليهود من ودّ ومحبة وتمنّ أن يكفر أهل الإسلام بدين الله الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) أي في الكفر، في هذه الآية يقول جل وعلا (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) فهذا شيء قائم في قلوب هؤلاء مستقر في نفوسهم مودة ومحبة وتمني لهذا الأمر أن يكفر أو أن تكفر أمة الإسلام بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام محمد وبما بُعث به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قال جل وعلا (ودّ كثير من أهل الكتاب) (ودّ) أي أحب وتمنّى كثير من أهل الكتاب وهذا فيه أن هذا التمني لكفر المسلمين ليس في آحاد وأفراد من هؤلاء بل هو في كثير منهم، كثير منهم قام في قلوبهم هذا الودّ وهذا التمنّي لكفر المسلمين بدين الله جل وعلا.
 (ودّ كثير من أهل الكتاب) أي الذين قام في قلبهم هذا الود ليسوا جهالا الدين بل علماء من أهل الكتاب عندهم علم وهذا أخذ منه أهل العلم فائدة: أن المرء قد يكون على حظ من العلم ونصيب من العلم ويكون في الوقت نفسه مفسدا في الأرض، عنده علم لكنه بما قام في قلبه من حقد أو حسد أو غير ذلك يُفسد في الأرض ولهذا قال (ودّ كثير من أهل الكتاب) يعني يُنسبون إلى العلم والدّين، أهل الكتاب يُنسبون إلى العلم والدّين ومع ذلك يجري منهم ذلك، ما هو؟ السعي والتمني لكفر المسلمين.
• قال (ودّ كثير من أهل الكتاب) والمقصود هنا اليهود والسياق كله في بيان مخازيهم في الآيات الكريمات في هذا السياق كلها في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وشنائع أفعالهم.
• قال (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) الفعل "يردون" ينصب مفعولين الأول: الكاف في قوله (يردونكم)، والثاني: كفارا
(يردونكم من بعد إيمانكم كفارا) أي يتمنى هؤلاء لكم يا معاشر المسلمين الكفر بعد الإسلام، والضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور، يتمنون ذلك لكم، وهذا التمني لم يقف عند حد الأمنية فقط والمودة بل يتبعه منهم سعي وعمل حثيث على إفساد المسلمين وإخراجهم من دينهم، والذي ينبغي أن يُعلم هنا أن هذا الوصف لليهود ليس وصفا لليهود الذين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فقط، بل لا يزال وصفا لهم إلى يومنا هذا، لا يزال هذا الذي ذُكر وصفا لهم إلى يومنا هذا، هذه المودة موجودة وهذا التمني موجود وهذا السعي في إفساد المسلمين بالطرائق والوسائل المختلفه أيضا موجود في زماننا هذا وخاصة مع تيسر وسيلة التواصل وانتشار المعلومة فإن اليهود لهم سعي حثيث وعمل دؤوب في إفساد المسلمين بطرائق شتى وحيل وأساليب متنوعة، 
وقانا وأبناءنا والمسلمين من شرهم وكيدهم ومكرهم بمنّه وكرمه سبحانه وتعالى.
• قال (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) (حسدا) هذا مفعول لأجله، يعني هذا الود الذي قام في قلوبهم وما يتبعه من سعي لإخراج المسلمين من دينهم سببه الحسد الذي قام في نفوسهم، حسد المسلمين (حسدا من عند أنفسهم) الحسد كله من أين؟ من النفس، الحسد كله من النفس فقوله (من عند أنفسهم) هذا فيه التأكيد على الخبث العظيم الذي تنطوي عليه أنفسهم وتُكنّه قلوبهم لأمة الإسلام (حسدا من عند أنفسهم) يحسدون أمة الإسلام حسدا عظيما على الخير الذي هم فيه والإيمان الذي هداهم الله سبحانه وتعالى إليه، (حسدا من عند أنفسهم) أي من قِبل أنفسهم، هذا يستفاد منه فائدة نبّه عليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، له رحمه الله تفسير لآيات كثيرة من القرآن طريقته فيها يُنبه على الفوائد المستنبطة من الآيات منها هذه الآية والتي بعدها ذكر فوائد عظيمة جدا مستنبطة منها، ذكر سبع عشرة فائدة استنبطها من هاتين الآيتين. من هذه الفوائد قال رحمه الله: «أن الحسد قد يكون سببا للكفر» يعني يقوم في قلب الإنسان حسد فيوصله إلى الكفر.
الآن هؤلاء ما الذي أوصلهم إلى هذا الكفر بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ ما هو إلا الحسد (حسدا من عند أنفسهم).
• قال (من بعد ما تبين لهم الحق) وهذا أيضا يفيد أن الكفر الذي هم فيه كفر عناد، الحق تبيّن واضح بدلائله وبراهينه ويجدون صدق هذا الرسول عليه الصلاة والسلام مكتوبا عندهم في التوراة يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فكان كفرهم به كفر عناد، فكان كفرهم به صلى الله عليه وسلم وبما جاء به عليه الصلاة والسلام كفر عناد وإلا فإنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، يجدون نعته وأمره ونبوته كل ذلك مكتوبا عندهم في التوراة ويعلمون ذلك لكن منعهم من قبول ما جاء به الحسد الذي قام في نفوسهم.
• قال جل وعلا (فاعفوا واصفحوا) هذا خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام لأن الحسد تبِعه أذى واعتداء على المسلمين وعمل في صدهم عن دين الله عز وجل فخوطبوا أول الأمر بهذا الخطاب (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) المقصود (بأمره) أي أمره لهم سبحانه وتعالى بقتال هؤلاء ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الفوائد المستنبطة من هذه الآيات قال: "منها الإشعار بالنسخ قبل وقوعه" هنا قال (حتى يأتي الله بأمره) هذا فيه إشعار أن هذا الحكم لن يستمر سيُنسخ، سيأتي ما ينسخه ففيه إشعار بالنسخ (حتى يأتي الله بأمره) يعني حتى يأتي وحي آخر بنسخ هذا الحكم، فهذه الفترة عاملوهم بالعفو والصفح، عاملوهم في هذه الفترة بالعفو والصفح (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) ثم أتى أمر الله، جاء ما ينسخ هذا الحكم في سورة التوبة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فنزلت هذه الآية ناسخة لقوله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)، بعد نزولها بدأ عليه الصلاة والسلام بقتالهم - قتال اليهود - الذين كانوا في المدينة وهم ثلاث طوائف بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، فقُتل منهم من قتل، وأُجلي منهم من أجلي، قال ابن عباس رضي الله عنه في معنى قول الله جل وعلا (حتى يأتي الله بأمره) قال: "بعذابه، القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير"
جاء في الحديث وله أصل في صحيح البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعفون عن المشركين وأهل الكتاب يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله (فاعفوا واصفحوا) كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله تعالى (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول من العفو ما أمره الله به حتى أُذن له فيهم بالقتل فقتل الله به من قتل من صناديد قريش) رواه ابن ابي حاتم وقال الحافظ ابن كثير إسناده صحيح.
• (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير) (إن الله على كل شيء قدير) أي لا يعجزه سبحانه وتعالى شيء في الأرض ولا في السماء.
• ثم قال جل وعلا (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) وهذا فيه حث - كما قال الشيخ- على العناية بفرض الوقت والاهتمام به الاهتمام البالغ ولا سيما هذان الركنان العظيم من أركان الدين الصلاة والزكاة، (أقيموا الصلاة) أي ائتوا بها تامة بشروطها وأركانها وضوابطها في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، (وآتوا الزكاة) أي أدوها، أدوا الزكاة المفروضة التي كتب الله عليكم بنفوس سمحة سخية تزكو بها نفوسكم وتطيب، وأيضا تزكو بها أموالكم وتتنامى،  وأيضا يزكو فيها الخير ويتزايد بين المسلمين، والأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في هذا الموطن، في هذا السياق فيه أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من موجبات النصر والتمكين قال (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا  الزكاة) فالأمر بها في هذا الموطن فيه أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والعناية بهاتين الفريضتين العظيمتين من فرائض الإسلام من موجبات التمكين والنصر على الأعداء.
• قال (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) أي مع إقامتكم للصلاة وإيتائكم للزكاة اعتنوا بأبواب الخير الكثيرة وأعمال البر المتنوعة وكل ما تقدمونه من خير وبر وعمل وإحسان (تجدوه عند الله) أي أجرا وثوابا.
• (إن الله بما تعملون بصير) والختم بقوله (إن الله بما تعملون بصير) فيه أن أعمالكم محفوظة لا تضيع قلّت أو كثُرت، دقت أو جلّت، كلها محفوظة والله بصير بها مطلع عليها يحفظها لكم ويوفيكم أجرها تاما يوم تلقونه سبحانه.
• قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب وأنهم بلغت بهم الحال أنهم ودوا لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ولم يكتفوا بهذا» قال «وسعوا في ذلك وعملوا المكايد وكيدهم راجع عليهم كما قال الله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)» هذه حيلة من حيلهم هذه حيله من حيل اليهود يأمرون أفرادا منهم أن يدخلوا في الإسلام وأن يُبدوا إعجابهم بالإسلام وأنهم دخلوا في هذا الدين ثم آخر النهار يقولون لمن حولهم ما وجدنا في هذا الدين أي خير ولا وجدنا فيه إلا الشر، ولا وجدنا إلا كذا ثم يعلنون كفرهم، قصدهم بهذه الحيلة والطريقة أن يزعزعوا إيمان ضعاف النفوس وأن يخرجوهم من دينهم وأن يرجعوهم كفارا، هذا إخبار من الله بسعي اليهود وعملهم واحتيالهم لإخراج المسلمين من الدين إلى درجة ماذا؟ أنهم يأمرون أفرادا منهم أن يدخلوا في الإسلام، يعلنون الدخول في الإسلام بين المسلمين ويمدحون الإسلام ويثنون عليه ثم في آخر النهار يكفرون، لماذا؟ قال: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) يعني لعل هؤلاء المسلمين يرجعون عن الدين، قال: "وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم فأمر الله بمقابلة من أساء إليهم بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره - أمره: أي الإذن- وجاء هذا الإذن في القتال في الآية الكريمة في سورة التوبة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ثم بعد ذلك أتى أمر الله بأمرهم إياهم بالجهاد فشفى الله أنفس المؤمنين منهم فقتلوا من قتلوا، واسترقّوا من استرقوا، وأجلَوا من أجلوا" وتقدم أثر ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك. (إن الله على كل شيء قدير)
 قال الشيخ رحمه الله: "ثم أمرهم الله جل وعلا بالاشتغال بالوقت الحاضر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، إقام الصلاة في قوله (أقيموا الصلاة) وآتوا الزكاة في قوله (وآتوا الزكاة) وفعل الخيرات من أين؟ (وما تقدموا لأنفسكم من خير) هذا فيه دعوة للتنافس في الخيرات بأنواعها وأبوابها الكثيرة، وفعل كل القروبات ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير فإنه لا يضيع عند الله بل يجدونه عنده وافرا موفورا قد حفظه (إن الله بما تعملون بصير) نعم.

ن/ قال رحمه الله: «قوله (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين* بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى دعوى لابد أن يقيم البرهان على صحة دعواه وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوي أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان عُلم كذبهم بتلك الدعوى، ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد فقال (بلى) أي ليس بأمانيكم ودعاويكم ولكن (من أسلم وجهه لله) أي أخلص لله أعماله، متوجها إليه بقلبه، وهو مع إخلاصه محسن في عبادة ربه، بأن عبده بشرعه، فأولئك هم أهل الجنة وحدهم، (فلهم أجرهم عند ربهم) وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فحصل لهم المرغوب، ونجوا من المرهوب، ويُفهم منها أن من ليس كذلك فهو من أهل النار الهالكين فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم»

ت/ ثم قال الله سبحانه وتعالى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) هذا فيه الغرور الذي فيه اليهود والاغترار مع الكفر الكبير الذي هم فيه والعناد والصد عن دين الله سبحانه وتعالى، والتكذيب بالرسول عليه الصلاة والسلام، ومرّ معنا الكثير والكثير من قبائحهم وشنائعهم وفضائع أعمالهم مع ذلك كله فيهم غرور وصل بهم إلى أن جزموا لأنفسهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، مع كل هذا الذي هم فيه عندهم غرور بأنفسهم عجيب، ومرّ معنا أنهم يقولون أن الجنة خالصة لهم لا يشاركهم فيها أحد من الناس، مرّ معنا قول الله تعالى (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) الدار الآخرة يعني: الجنة - تقدم معنا- الدار الآخرة أي الجنة (خالصة) أي لكم وحدكم هذا مثل قولهم هنا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا يعني خالصة لهم هناك، قال لهم (فتمنوا الموت) وهنا قال لهم (هاتوا برهانكم) فيذكر الدعوة التي يدعونها ثم يذكر الجواب مثل ما تقدم (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) وسيأتي أيضا قول الله سبحانه وتعالى (وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق) فهذه كلها دعاوى لا برهان عليها من واقعهم، واقعهم يدل على أن أفعالهم أفعال لا تُوصل إلا إلى النار، لا تُوصل إلى رحمة الله، ولا تُوصل إلى فضل الله وإنعامه وإنما توصل صاحبها إلى النار وبئس القرار.
(وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ما المعنى؟ يعني اليهود تقول لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، والنصارى تقول لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، لهذا سيأتي في الآية القادمة (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) فإذا كل واحدة منهم تدعي أن الجنة لها،  اليهود تقول الجنة لنا فقط، والنصارى يقولون الجنة لنا فقط، خالصة من دون الناس، هذا معنى الآية، فيقول الله عز وجل (تلك أمانيهم) هذه مجرد أماني لا تُقدم ولا تؤخر ولا تجدي شيئا، يقول الله عز وجل في آية أخرى (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجزى به) ليس الإيمان بالتمني، ليس الدين مجرد أماني، وليست الجنة بمجرد أماني، لا يكفي يقول الإنسان أتمنى أن أكون من أهل الجنة لابد من برهان عملي يترتب عليه الفوز العظيم والنجاة من عقاب الله.
(قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) في هذه الدعوى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا (كنتم صادقين) في دعواكم هاتوا البرهان، هاتوا الدليل على صدق هذه الدعوى.
 ثم ذكر جل وعلا أن الدليل يتلخص في أمرين، أن الدليل والبرهان الذي يتحقق به الفوز العظيم ودخول الجنة يتلخص في أمرين قال جل وعلا: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) بهذين الأمرين يحصل الفوز ويتحقق الدخول للجنة (بلى من أسلم وجهه لله) هذا فيه الإخلاص لله، (وهو محسن) هذا فيه الاتباع للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذان الوصفان كلاهما اليهود مفارقون لهما وليسوا من أهلهما، ليسوا من أهل الإخلاص، وليسوا من أهل المتابعة، فما عندهم أي برهان على هذه الدعوى.
(بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن) وهذا فيه حث للمسلم الذي هداه الله للإسلام أن يعتني بهذين الأمرين عظيم العناية الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، فإنه لا نجاة إلا لأهلهما، الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.
• قال (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قال الشيخ رحمه الله: «أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم مثل ما تقدم (خالصة من دون الناس) وحدهم وهذا مجرد أماني غير مقبولة إلا بحجة وبرهان فأتوا بها إن كنتم صادقين كما قال الله (تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وهكذا كل من ادعى دعوى» هذه فائدة ثمينة تستفاد من الاية: كل من ادعى دعوى لابد ان يأتي عليها بالبرهان، والدعاوى إذا لم يُقم عليها بيّنات فأهلها أدعياء، لابد من برهان على الدعوى. يستفاد من الآية هذه القاعدة: أن كل دعوى لابد أن تقرن ببرهان يدل على صدقها، وهكذا كل من ادعى دعوى لابد أن يقيم البرهان على صحة دعواه وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، إذا ما الذي يميز بين الصحيح من غيره؟ بين المحق من المبطل؟ إلا البرهان والا لو ادعى دعوى شخص بغير برهان وقابله آخر بعكسها بغير برهان تساووا كلها دعاوى فلا قيمة لها، الدعوى لا قيمه لها إلا بالبرهان الذي يعضدها ويؤيدها ويقويها، قال: «وإلا فلو قُلبت عليه دعواه وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها ولما لم يكن بأيديهم برهان عُلم كذبهم بتلك الدعوى»
 • ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد فقال: (بلى) أي ليس بأمانيكم ودعاويكم، (بلى) هذه يؤتى بها للإضراب عما ذكر قبلها، و(بلى) ليس بأمانيكم ودعاويكم ولكن من أسلم وجهه لله أي أخلص لله أعماله متوجها إليه بقلبه وهو مع إخلاصه محسن في عبادة ربه بأن عبده بشرعه فأولئك هم أهل الجنة وحدهم (فلهم أجرهم عند ربهم) وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فحصل لهم المرغوب ونجوا من المرهوب، ويُفهم منها أن من ليس كذلك فهو من أهل النار الهالكين ومن هؤلاء أهل تلك الدعوى الذين يقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، هذه دعاوى لا برهان عليها، ليس عليها حجة، والدعوى إذا لما يقُم عليها برهان في هذا الباب صاحبها هالك ليس من أهل النجاة وليس من أهل الجنة بل من أهل النار الهالكين. قال: «فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول» وهذان هما شرطا قبول الأعمال كلها، لا يُقبل أي عمل من عامل إلا إذا أخلصه لله واتبع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ذكر الشرطان، ويقول الله جل وعلا (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) قال الفضيل بن عياض: "أخلصه وأصوبه قيل يا أبا علي وما أخلصه وأصوبه؟ قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقبل حتى يكون خالصا صوابا" والخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة.
نسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا جميعا لوجهه خالصة ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم موافقة وأن لا يجعل لأحد فيها شيئا ونسأل الله جل وعلا أن ينفعنا أجمعين بما علمنا وأن يزيدنا علما وتوفيقا وأن يصلح لنا شأننا كله وأن يهدينا إليه صراطا مستقيما ... سبحانك اللهم وبحمدك وأشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 5 مايو 2026

الدرس الخامس والستون | تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠٦)

065| تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠٦) / صوتي

(ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها…)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله
ن/ « قوله (ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير* ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير)
النسخ هو: النقل فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع إلى حكم آخر أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز وهو مذكور عندهم في التوراة فإنكارهم له كفر وهوى محض فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ فقال (ما ننسخ من آية أو نُنسها) أي نُنسها العباد فنزيلها من قلوبهم (نأتي بخير منها) وأنفع لكم (أو مثلها) فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة التي سهّل عليها دينها غاية التسهيل وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير* ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فإذا كان مالكا لكم متصرفا فيكم تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقدير كذلك لا يُعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام فالعبد مدَبر مسخَّر تحت أوامر ربه تفسيرالدينية والقدرية فما له والاعتراض وهو أيضا ولي عباده ونصيرهم فيتولاهم في تحصيل منافعهم وينصرهم في دفع مضارهم فمن ولايته لهم أن يشرع لهم من الأحكام ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ عرف بذلك حكمة الله ورحمته بعباده وإيصالهم إلى مصالحهم من حيث لا يشعرون بلطفه»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعُنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،  اللهم يا ربنا فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام أما بعد: هذه الآية الكريمة قول الله جل وعلا (ما ننسخ من آية أو ننسها..) تمامها والاية التي بعدها هذه نزلت في الرد على اليهود في إنكارهم النسخ وقولهم أن النسخ لا يجوز على الله سبحانه وتعالى فأبطلوا النسخ وادعوا عدم صحته، ولما نزلت  آيات من القرآن الكريم ناسخة لآيات قبلها قالوا هذا دليل على أن هذا ليس من عند الله لأن النسخ- بزعمهم - لا يجوز على الله سبحانه وتعالى وأن هذا من عند محمد عليه الصلاة والسلام وأنه يفتري ذلك على الله -بزعمهم - قال الله جل وعلا (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) (قالوا إنما أنت مفتر) يعني ليس من عند الله، الله عز وجل لا يجوز عليه النسخ هكذا بزعمهم مع أنهم يعلمون من التوراة هذا الحكم الذي هو النسخ أليست التوراة وهم يعلمون ذلك نسخت ما قبلها من الكتب؟ فكذلك ما بعدها نسخها، وهذا فيه أن هذا كله في حكم الله يحكم بما يشاء في عباده جل وعلا وينزل ما يريد من الأحكام، ولهذا جاء في سياق هذه الآيات الاستدلال عليه وعلى صحته بأنه داخل في المقدورات (إن الله على كل شيء قدير) وأيضا بقوله (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) يحكم بما يشاء الملك ملكه والخلق خلقه يحكم بما يريد سبحانه وتعالى، فالحاصل أن هذه الآية الكريمة نزلت ردا على اليهود في إنكارهم النسخ وقد قال اليهود عندما نزلت بعض الأحكام مثل نسخ القبلة قالوا: إن محمدا عليه الصلاة والسلام يأمر بالشيء ثم يأمر بخلافه مثل ما تقدم في الآية (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) فقالوا يحكم بالشيء أو يأمر بالشيء ثم يأمر بخلافه أو بضده وأن هذا ليس من عند الله – بزعمهم – أن هذه الأحكام ليست من عند الله، تأتي آية ثم تُنسخ بآية، قالوا هذا ليس من عند الله وانما هو مفترى -بزعمهم- فجاءت هذه الآية رادّة عليهم وفي الوقت نفسه مُبينة الحِكمة من النسخ.
 يقول الله جل وعلا (ما ننسخ من آية) والنسخ:  هو رفع الحكم وتارة يكون الرفع للحُكم مع بقاء التلاوة، تبقى الآية متلوة والحكم الذي فيها نسخ، وهذا الذي يعده هؤلاء أمرا لا يجوز على الله عز وجل جعله أئمة الإسلام وعلماء الأمة نوع من العلوم الشريفة العظيمة من علوم القرآن ولهذا ألفت مؤلفات كثيرة جدا في الناسخ والمنسوخ اهتماما بهذا العلم.
انظر الفرق الشاسع والبون الكبير ممن هداه الله عز وجل وأرشده إلى الصواب وسواء السبيل ومن أضلهم الله جل وعلا، أولئك الذين أضلهم الله يقولوا هذا لا يصح وهذا لا يجوز، وأهل العلم والبصيرة بدين الله قالوا هذا علم من علوم القرآن العظيمة وانتدب عدد من أئمة المسلمين وعلماء الأمة انتدبوا إلى إفراد الناسخ والمنسوخ بكتب خاصة بل اعتبروا هذا علما ضروريا في فهم القرآن، أن يفهم متعلِّم القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه، وأولئك يقولوا لا، هذا لا يصح ولا يجوز، انظر الفرق الشاسع وانظر أيضا النعمة العظيمة على أمة الإسلام فيما آتاهم الله سبحانه وتعالى من بصيرة وما هداهم إليه من دراية ومعرفة بالحق.
 قال: (ما ننسخ من آية أو ننسها) النسيان من معانيه الترك، ويكون المعنى (ما ننسخ من آية أو ننسها) أي نتركها دون نسخ، هذا المعنى نتركها، (نُنسها) أي نتركها دون نسخ. ومن المعاني ما ذكره الشيخ رحمه الله في تفسيره قال: «ننسها العباد فنزيلها من قلوبهم»
 قال: (ما ننسخ من آية أو ننسها) وفي قراءة ننسأها من النسيئة وهي التأخير، فيكون المعنى على القراءتين: ما ننسخ من آية او نُنسها او ننسأها. أي ما نبدل من آية ونتركها لا نبدلها، هذا المعنى الأول، أو نؤخرها فلا ننسخها. هذا المعنى الثاني ننسأها: نؤخرها النسيء التأخير، ننسأها أي نؤخرها لا ننسخها.
قال (ما ننسخ من آية أو ننسها  نأتي بخير منها أو مثلها) هذه الحكمة، حكمة النسخ أو الحكمة من النسخ (نأتي بخير منها أو مثلها) في ماذا؟ في الثواب والمنفعة والمصلحة للعباد لأن هذه أحكام فيها مصالح للعباد ومنافع عظيمة جدا لهم فيها ثواب عند الله على في فعلهم ما أمرهم الله سبحانه وتعالى به، نأتي بخير منها يعني انفع، (خير منها) أنفع للعباد وأصلح لهم وأعظم ثوابا عند الله سبحانه وتعالى، (أو مثلها) في الثواب والمنفعة.
 قال: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) هذا خُتمت به الآية استدلالا بالقدرة، قدرة الله سبحانه وتعالى على جواز النسخ، فقوله (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) ختما للآية بذلك فيه استدلال على جواز النسخ لأنه داخل في المقدورات. وأيضا الآية التي بعدها دليل آخر قال (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) (ملك السماوات والأرض) السماوات والأرض ومن فيهن ملكه سبحانه وتعالى يحكم بما يشاء، يُنزّل من الأحكام ما يريد، ينزل حكما ويرفع حكما، الملك ملكه (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فهو الملِك جل وعلا يحكم بما يشاء من الأحكام، المملوك العبد ما الواجب عليه؟ الواجب عليه الطاعة والقبول، نزل حكما يطيع ويمتثل، رُفع وجاء حكم آخر يطيع ويقبل، لا يعترض على أحكام الله، من يكون هذا العبد حتى يعترض على أحكام ربه وسيده ومولاه، لا يعترض لا يقول لمَ؟ دائما يكون السؤال بمَ؟ لا يكون لمَ أمر الله، لا تقل لمَ أمر الله؟ ولكن قل بمَ أمر الله؟ الذي يقول بمَ أمر الله ما شأنه؟ هذا مستعد للعمل يريد أن يعرف ليعمل، لكن الذي يقول لمَ أمر الله؟ هذا ذهنه مهيأ للانتقاد والاعتراض ولهذا قال قديما السلف: "لا تقل لمَ أمر الله؟ ولكن قل بمَ أمر الله؟ والمعنى: أي كن متهيئا للعمل بأوامر الله حتى لو نزلت آية وجاءت بحكم قد تضمنته ثم نُسخ، تترك المنسوخ وتعمل بالناسخ والحكم لله عز وجل.
(ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) كثيرا ما يأتي وسيأتي معنا في آيات كثيرة يجمع بين (الولي والنصير) (ما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) والجمع بينهما فيه أن الولاية في تحقيق المنافع والمصالح للعبد والنصرة في دفع المضار عنه. (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير).
عرفنا أن قوله (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) والتي بعدها (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فيها التكذيب لمن يدعي عدم صحة النسخ، يقال لمن يدعي عدم صحة النسخ يقال له ذلك (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير)، (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض).
الخطاب في قوله (ألم تعلم) للنبي عليه الصلاة والسلام وأمته لأنه قال بعدها (وما لكم)، (ألم تعلم) ثم قال بعدها (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) وهذا فيه أن الواجب على العبد أن يخضع خضوعا تاما لله سبحانه وتعالى القدير على كل شيء، الملك لكل شيء سبحانه وتعالى أن يكون مطيعا طاعة تامة متقبلا قبولا كاملا لما يأتي من أحكام الله ولهذا خُتمت بقوله (ما لكم من دون الله من ولي ولا نصير)
قال الشيخ رحمه الله: «النسخ هو النقل» فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع إلى حكم آخر أو إلى إسقاطه -أي الحكم- فالنسخ والحكم أو قل أيضا النسخ الرفع، رفع الحكم الحكم بإبداله بحكم آخر، أو رفعه دون أن يكون هناك حكما آخر بدله والذي عبّر عنه الشيخ بقوله «أو إسقاطه» وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة يعلمون ذلك ويعلمون أن التوراة نفسها كتاب مُنزل من الله نسخ ما قبله من الكتب نعم، وإذا كانوا يعلمون أنها نسخت ما قبلها من الحكم ثم يقولون ما بعدها لا ينسخها هذا يكون تحكّم قال: «وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز وهو مذكور عندهم في التوراة فإنكارهم له كفر وهوى محض يعني هذا الإنكار دليل على أن القوم إنما يتبعون أهواءهم (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) فإنكارهم له كفر وهوى محض فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ وأنه ما ينسخ من آية أو ننسها أي: نُنسها العباد فنزيلها من قلوبهم هذا قول، والقول الآخر ما هو؟ نتركها، النسخ النسيان الترك ننسخها نتركها يعني نتركها بدون نسخ (ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها) وأنفع لكم (أو مثلها) فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم 
وهذه قاعدة في هذا الباب مستفادة من الآية: أن النسخ يأتي إما بحكم مماثل أو بحكم أعلى وأرفع، لكن لا يأتي بحكم أقل فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول
لأن فضل الله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة التي سهّل عليها دينها غاية التسهيل وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في المُلك والقدرة..
انتبه أخبر سبحانه وتعالى أن من قدح في النسخ قدح في المُلك والقدرة، في ملك الله وقدرته من أين هذا أخذه؟ (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض) فالذي يقدح في النسخ يقدح في المُلك والقدرة فقال (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فإذا كان مالكا لكم متصرفا فيكم تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه فكما أنه لا حجر عليه في تقديره يُقدّر على عباده من أنواع التقادير أي ما يشاء كذلك لا يُعترض عليه فيما يشرعه للعباد من الأحكام  فالعبد مدبر مسخّر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية فما له والاعتراض؟!
 أي لماذا يعترض؟ من يكون حتى يعترض وهو عبد مربوب ومسخر مدبر، طوع تدبير سيده ومولاه، ما له والاعتراض، وهو: أي الله سبحانه وتعالى أيضا ولي عباده ونصيرهم فيتولاهم في تحصيل منافعهم وينصرهم في دفع مضارهم فمن ولايته لهم أن يشرع لهم من الأحكام ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده وإيصالهم إلى مصالحهم من حيث لا يشعرون بلطفه سبحانه. نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل* ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير* وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) ينهى الله المؤمنين أو اليهود بأن يسألوا رسولهم كما سئل موسى من قبل والمراد بذلك أسئلة التعنت والاعتراض كما قال تعالى (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فهذه ونحوها هي المنهي عنها، وأما سؤال الاسترشاد والتعلم فهذا محمود قد أمر الله تعالى به كما قال تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ويُقرُّهم عليه كما في قوله (يسألونك عن الخمر والميسر) وقوله (ويسألونك عن اليتامى) ونحو ذلك، ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة قد تصل بصاحبها إلى الكفر قال تعالى (ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل)»

ت/ ثم قال جل وعلا (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) المراد بما يُسأل عنه هنا في هذه الآية -كما يدل عليه ظاهر السياق- طلب الآيات- قد كان المشركون يطلبون الآيات على وجه التعنت، نريد حتى نُصدق بما جئت به أن تحول جبال مكة إلى ذهب، ونريد كذا ونريد كذا حتى قالوا نريد أن تأتي بالله والملائكة قبيلا، تأتي بهم، واسئلة من هذا القبيل ومثلها فعل قوم موسى مع موسى قالوا (أرنا الله جهرة) وهؤلاء قالوا تأتي بالله والملائكة قبيلا، فتشابهت القلوب، قال (أم تريدون) قيل أن (أم) هنا بمعنى (بل) أي "بل تريدون"، وقيل: أنها استفهام على وجه الإنكار (أم تريدون أن تسألوا رسولكم) أي محمد عليه الصلاة والسلام، (تسألوا رسولكم) ما المراد بـ (تسألوا) أي تطلبوا منه آيات، المقصود بالآيات المعجزات البراهين، براهين الرسالة وصدق ما جاء به، (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) من قبل قالوا لموسى (أرنا الله جهرة) قالوا (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وهنا قالوا (حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا) فتشابهت القلوب وتشابهت الأقوال.
 قال (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان)
(ومن يتبدل الكفر بالإيمان) يشتري الكفر بالإيمان، يعني يترك الإيمان ويشتري الكفر (فقد ضل سواء السبيل) السواء: هو الوسط (وأن هذا صراطي مستقيما) لا غلو ولا جفاء، دين الله هكذا وسط، (فقد ضل سواء السبيل) أي ضل الطريق المستقيمة السوية الموصلة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى والفوز بجنته.
 قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ينهى الله المؤمنين أو اليهود» ينهى المؤمنين هذا على معنى قيل في الآية سيذكره الشيخ رحمه الله، «أو اليهود بأن يسألوا رسولهم» أي محمد عليه الصلاة والسلام «كما سئل موسى من قبل» أو يكون أيضا الخطاب للمشركين في الأسئلة التعنتية التي كانوا يسألونها (حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) والآيات بعدها في سورة الإسراء وفيها (حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا) فهذا فيه أن الأسئلة كانت أسئلة تعنت من الكفار والمشركين، قال: «ينهى الله المؤمنين أو اليهود بأن يسألوا رسولهم كما سئل موسى من قبل» والمراد بذلك أسئلة التعنت والاعتراض كما قال تعالى (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فهذه ونحوها هي المنهي عنها، أما سؤال الاسترشاد والتعلم، من يسأل ليتفقه، يسأل ليتعلم دين الله سبحانه وتعالى فهذا محمود لا يُذم، ولهذا الأسئلة فيها أسئلة تفقّه في الدين هذه محمودة ومطلوبة من العبد وفيه أسئلة اعتراض لما يعترض أو أسئلة تعنت تدل على أن السائل لا يريد أصلا دين الله وإنما يأتي بأمور على وجه التعنت، قال: «أما سؤال الاسترشاد والتعلم فهذا محمودا قد أمر الله به كما قال الله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ويُقرّهم عليه» جاءت آيات كثيره في القرآن فيها إقرار على هذا النوع من الأسئلة بدليل أنها جاءت الأجوبة عليها (يسألونك عن المحيض قل هو أذى)، (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت)، (يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير)، (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما..) وهكذا.
 قال: «كما في قوله (يسألونك عن الخمر والميسر)، (ويسألونك عن اليتامى) ونحو ذلك» ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة قد تصل بصاحبها إلى الكفر بالله عز وجل ختمت الآية بقوله (ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل)
تبدل الكفر بالإيمان يشتري الكفر بالإيمان بمعنى يترك الايمان ويأخذ بالكفر (فقد ضل سواء السبيل) أي ضل الطريق السوية المستقيمة الواضحة الموصلة إلى رضوان الله سبحانه وتعالى وجنته.
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك.
اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الأحد، 26 أبريل 2026

مدارسة سورة السجدة (12- 22)

(وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ (13) فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15) تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (17))

غريب القرآن 
ناكسو رؤوسهم = قد خفضوها وأطرقوا خزيا وندما 
حق القول = ثبت وتحقق ووجب 
تتجافي = ترتفع وتتنحى للعبادة
المضاجع =  فرش النوم

/ (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12))
 في قوله جل ذكره (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ)  مناسبة هذه الآية للآيات السابقة: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر رجوعهم إليه يوم القيامة في قوله سبحانه وتعالى (بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ (10) ۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ) لما ذكر هذا الرجوع ذكر حالهم في قيامهم بين يدي الله سبحانه وتعالى فقال سبحانه (وَلَوۡ تَرَىٰٓ) الخطاب هنا لمن؟ 
قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي ولو ترى يا محمد إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم
وقيل: الخطاب هذا يدخل فيه غير النبي صلى الله عليه وسلم ممن يصلح له الخطاب.

في قوله (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بالمجرمين على قولين:
 القول الأول: قالوا المراد بالمجرمين هنا هم منكروا البعث الذين سبق الحديث عنهم في الآيات السابقة في قوله (بل هم بلقاء ربهم كافرون) وإذا قلنا بأن المراد بالمجرمين هنا منكري البعث فهنا لفتة بيانية وهي: أنه يكون جيء بالاسم الظاهر مكان المُضمر، يعني كان التقدير: ولو ترى إذ هم ناكسو رؤوسهم عند ربهم، فلماذا جيء بالاسم الظاهر هنا مقام المُظهر إذا قلنا بأن المراد بالمجرمين منكرو البعث؟ قال بعض أهل العلم: وفائدة الإظهار هنا مقام الإضمار لبيان عظم فعلهم وأن فعلهم عظيم وكبير وهو إنكارهم للبعث.
القول الثاني: المراد بالمجرمين هنا هم كل مجرم ويدخل فيهم منكرو البعث دخولا أوليا.

/ قال الله جل ذكره (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) أي مطاطئو رؤوسهم يوم القيامة. قال (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ) أي مطاطئو رؤوسهم يوم القيامة عند الله عز وجل، واختلف في سبب تنكيسهم لرؤوسهم على قولين:
 القول الأول: قالوا سبب ذلك هو حياء من الله وخجل مما فعلوه و ارتكبوه.
والقول الثاني: قالوا بل كان سبب تنكيسهم لرؤوسهم هو الندم والخزي والذل والغم الذي حل بهم. والقولان متلازمان.

قال سبحانه وتعالى (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا) أي قائلين يا ربنا أبصرنا وسمعنا
 ما الذي أبصروه؟ وما الذي سمعوه؟ اختلف المفسرون رحمهم الله في ذلك على أقوال:
 فقال بعضهم: يقولون ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به من البعث وسمعنا مِصداق ما جاءت به الرسل من عندك
وقال بعضهم: ربنا أبصرنا قبح أعمالنا وسمعنا قول الملائكة أن مصيركم إلى النار. والآية تحتمل ذلك.

قال (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا) أي ارجعنا إلى هذه الدنيا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) أي نعمل فيها عملا صالحا، (إِنَّا مُوقِنُون) أي إنا موقنون الآن بالحق.
 هنا ربط مهم جدا في الآيات السابقة التي مرت معنا لما الله عز وجل قال (ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ) هنا ذكر هذه الأشياء الثلاثة السمع والبصر والفؤاد، أين ذكر هذه الأشياء الثلاثة؟ أما السمع فقوله (وسمعنا) وأما البصر فقوله (أبصرنا) أين الحديث عن الفؤاد؟ في قوله (مُوقِنُون).
وهنا فائد مهمة جدا لاحظوا النظم القرآني كيف تغير في قوله (أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) كان التقدير: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا أيقنا، لكن جاء بلفظ (إنا موقنون) فلماذا غاير في النظم القرآني؟ لاحظوا أنه جيء بالاسم بالجملة الإسمية في قوله (إِنَّا مُوقِنُون) وهناك قال (أبصرنا وسمعنا) ثم جيء بقوله (إنا موقنون)، قال بعض أهل العلم: جيء بالجملة الإسمية هنا للدلالة على أنهم قد أيقنوا وأنهم ثابتون على الإيقان راغبون إلى الله عز وجل بعد أن ظهرت لهم العواقب. فهذه فائدة المجيء بالجملة الإسمية.
 بقي سؤال يتعلق بهذه الآية وهو أين جواب لو ؟ (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) ماذ؟ لأن (لو) تحتاج جواب، قال بعض أهل العلم: جواب (لو) محذوف تقديره: "ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون لرأيت أمرا فظيعا وعجيبا" جواب (لو) محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما وفظيعا.

/ (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ (13)) 
ثم قال الله عز وجل بعد ذلك (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا) هذه الآية جواب لمقولة قالوها في الآية السابقة ما هي المقولة التي تصلح لهذه الآية؟ عند قوله (رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا) أي فكأنه قيل لهم لو أردت لكم الإيمان لهديتكم في الدنيا ولكن لم أرد هدايتكم ولذلك قال (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا) أي ولو شئنا لهدينا كل إنسان في الدنيا للحق ووفقناه للإيمان والعمل.
قال (وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي) في قوله (وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي) (حق القول) أي: وجب القول وثبت ثبوتا لا تغير فيه ما هو القول؟ 
هذا جاء بيانه في سورة (ص) في قوله سبحانه وتعالى (قال فالحق والحق أقول لأملان جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين) لاحظوا أن هذه الآية لها صلة الآن ما تبقى من الآية وسنشير إليها.
قال (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ) أي وجب القول مني وثبت ثبوتا لا تغير فيه (لأملأن جهنم) أي أن أملأ جهنم (من الجِنة) يعني من كفار الجن (والناس أجمعين) فأعذبهم فيها عذابا أليما ومهينا، وحينئذ لما قال إبليس (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قال الله عز وجل (قال فالحق والحق أقول) وهذا هو السر في تقديم الجِنّة على الناس لأن الخطاب في سورة (ص) كان لإبليس. هذا قول. والقول الثاني: قيل التقديم للجِنّة على الناس لأن أكثر أهل النار من الجن.
   قال الله سبحانه وتعالى (وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ) وهذا فيه فائدة: أن الإنسان يسأل الله عز وجل الهداية وأن يهديه سبيل الرشاد وأن يثبته على الهدى.

/ (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14)) 
قال الله عز وجل بعد ذلك: (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ) في قوله (فذوقوا) الضمير يعود إلى من؟ إلى المجرمين، فذوقو أيها المجرمون (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا) يعني ذوقوا العذاب بسبب نسيانكم يوم القيامة وتكذيبكم به وترككم العمل استبعادا للقاء الله عز وجل.
قال (إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ)  أي تركناكم في العذاب، والنسيان في اللغة يطلق على معنيين:
 المعنى الأول: يطلق على معنى الغفلة والذهول وهذا منتفي في حق الله عز وجل
 المعنى الثاني: يطلق ويراد به الترك وهذا هو المقصود في الآية في قوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يَوْمِكُمْ هذا إنا نسيناكم) أي تركناكم في العذاب، (وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ) أي وذوقوا عذاب تخلدون فيه إلى الأبد. بسبب ماذا؟ قال بما كنتم تعملون أي يسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والتكذيب والجزاء من جنس العمل.
في قوله (فَذُوقُوا بما نسيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُم هذا) هنا سؤال وهو: لماذا أضاف اليوم لهم في قوله (فذوقوا بما نسيتم لقاء يوْمِكُمْ هذا)؟
قال أهل العلم: هذا من باب التهكم بهم لأنهم كانوا ينكرونه ويستبعدونه ويقولون في السابق (أإذا مننا وكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) أضاف اليوم إليهم من باب التهكم بهم.
قال (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُم هذا) ولماذا جيء باسم الإشارة في قوله (يَوْمِكُم هذا)؟ لو قال فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم، معلوم أنهم الآن في حال الآخرة  فلماذا جيء باسم الإشارة هذا؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب التهويل، تهويل ذلك اليوم وأنه يوم عسير قال الله عز وجل في سورة المدثر (فذلك يوْمَئِذٍ يَوْم عَسيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ).

/ قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: (فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ * إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا)
 ما مناسبة هذه الآية للآية السابقة؟ لما ذكر الله عز وجل حال الكافرين وما أعده الله عز وجل لهم من العذاب ذكر المؤمنين ووصْفهم وذكر ما أعده لهم من الثواب.
قال الله عز وجل  (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا) ما المراد بالآيات هنا؟ هل الآيات المقصود بها القرآن أو تشمل الآيات الكونية والشرعية؟
 الذي يظهر - والله أعلم - أن المراد بها هنا القرآن، لماذا قلنا القرآن مع أن لفظ الآيات ممكن يطلق الآيات الشرعية والآيات الكونية؟ لماذا قلنا أنه الأظهر هنا القرآن؟ في سياق الآية (خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) هذا يدل على أنها القرآن، فهذا القول هو الأقرب والعلم عند الله لأن فيها سجدة، سجود التلاوة.قال الله عز وجل  (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا) ما المراد بالآيات هنا؟ هل الآيات المقصود بها القرآن أو تشمل الآيات الكونية والشرعية؟
 الذي يظهر - والله أعلم - أن المراد بها هنا القرآن، لماذا قلنا القرآن مع أن لفظ الآيات ممكن يطلق الآيات الشرعية والآيات الكونية؟ لماذا قلنا أنه الأظهر هنا القرآن؟ في سياق الآية (خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) هذا يدل على أنها القرآن، فهذا القول هو الأقرب والعلم عند الله لأن فيها سجدة، سجود التلاوة.
قال الله عز وجل (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا) أي الذين إذا وعظوا بهذه الآيات بادروا إلى إظهار التذلل والخضوع الله عز وجل. قال (إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ)  أي سقطوا على وجوههم سجدا تعظيما لله عز وجل وخضوعا له وإقرارا بعبوديته، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد بالسجود هنا هو الركوع وليس المقصود به السجود الحقيقي، والذي يظهر - والله أعلم - أن المراد به هنا السجود الحقيقي.
قالَ (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ)  أي نزهوا الله سبحانه وتعالى في سجودهم عن جميع النقائص والعيوب لأن السجود مكان منخفض فناسب التسبيح، قال (وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ) أي نزهوه تنزيها، (والباء) في قوله (بحمد ربهم) للملابسة يعني نزهوا الله عز وجل متلبسا بحمده وإثبات كمال صفاته سبحانه وتعالى.
هنا سؤال: لماذا جيئ بالاسم الظاهر ( بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ)؟ كان التقدير بأن يقال: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمده وهم لا يستكبرون، أو وسبحوا بحمدنا.
 قال بعض أهل العلم: جيء بالاسم الظاهر هنا في قوله (وسبحوا بحمد ربهم) لأنه هنا متعلق بربوبية الله سبحانه وتعالى، وهذه الربوبية هي الربوبية الخاصة، فهم مربوبون الله وتعالى ومستجيبون لحمده جل وعلا.
قال الله جل وعلا (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ (15))  أي والحال أنهم لا يستكبرون، لا يستكبرون عن ماذا؟ هل لا يستكبرون عن السجود والتسبيح؟ أو لا يستكبرون عن آيات الله فهم يتبعونها وينقادون إليها؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: المقصود به لا يستكبرون عن السجود والتسبيح.
والقول الثاني: قالوا: لا يستكبرون عن آيات الله عز وجل فهم يتبعونها وينقادون إليها.
 وأي القولين أقرب؟ كلاهما لأن عندنا قاعدة حذف المتعلق يفيد العموم.

(تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16))
(تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ) التجافي هو: الارتفاع، فقوله (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ) يعني ترتفع وتتباعد جنوبهم، الضمير يعود إلى من؟ إلى المؤمنين في قوله (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا).
 قال (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ) أي ترتفع وتتباعد متنحية عن المضاجع أي عن فرشهم حال كونهم هاجرين للنوم بسبب مناجاتهم الله تعالى في الليل خوفا من غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه وعقابه، وطمعا في رضاه ورحمته ومغفرته وثوابه.
قال (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا) 
في قوله (يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ) هل المراد بالدعاء هنا الدعاء المعروف أو المراد به الصلاة؟ قولان لأهل العلم:
 القول الأول: قال هو الدعاء العبادة المعروف والمناجاة
والقول الثاني: الصلاة
 بناء على هذين القولين ستختلف أقوال المفسرين في المراد بقوله (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ).
قال الله سبحانه وتعالى (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا) اختلف المفسرون رحمهم الله في المراد بالتجافي عن المضاجع هذا متى؟
الكل متفق على انه في الليل لأنه معلوم أن الناس تنام ليلا، ما المراد به اختلفوا فيه على خمسة أقوال:
 القول الأول: قالوا هي الصلاة بين المغرب والعشاء وأنها نزلت في أناس كانوا ينامون قبل وقت العشاء وقبل صلاة المغرب لأن الناس كانت تكدح في السابق ولا ينامون النهار فإذا جاء الليل قد استفرغوا جهدهم هؤلاء من صفاتهم أنهم ينتظرون الصلاة أنهم يصلون بين المغرب والعشاء وهذا وقت غفلة، ولذلك كان السلف يكثرون فيه من الصلاة، الصلاة بين المغرب والعشاء.
 القول الثاني: قالوا المراد بها صلاة المغرب وهذا كما ذكرنا ينامون عن صلاة المغرب لأنهم يأتون مجهدين متعبين.
القول الثالث: قالوا عني به انتظار صلاة العشاء لأنهم كانوا يصلون المغرب فينامون وقد تفوقهم صلاة العشاء فهؤلاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى لا ينامون عن صلاة العشاء.
 القول الرابع: قالوا عني بها قيام الليل.
القول الخامس: قالوا هي صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله عز وجل ...
إذا أردنا أن نقسم هذه الخمسة على القولين في قوله (يدعون ربهم) كم سيكون لمن قال أنه الصلاة وكم سيكون لمن قال بأنه للدعاء؟
 الأربعة للصلاة، وواحد للدعاء، الأربعة الأولى للصلاة بين المغرب والعشاء، صلاة المغرب، انتظار صلاة العشاء، قيام الليل، والقول الأخير أنه صفة لقوم لا تخلو ألسنتهم عن ذكر الله عز وجل فهذا المقصود به الدعاء.
/ قال سبحانه وتعالى (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ)
 أي ومما رزقهم الله سبحانه وتعالى ينفقون في سبيله، وهنا فائدة ما المراد بالنفقة هنا؟ قولان لأهل العلم:
▪︎ القول الأول: قالوا هي الزكاة المفروضة
▪︎ القول الثاني: قالوا هي الصدقة المستحبة
 وأي القولين أقرب؟
 بعض المفسرين ذهب إلى أنها الصدقات المستحبة قالوا هي أفضل وأقرب لماذا؟ قالوا: لأن هذا مقام مدح وثناء فكونه يكون للنوافل أفضل من أن يكون للفرائض.
 بينما ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالنفقة هذا الصدقة الواجبة والصدقة المستحبة قالوا لأن هذا من باب إخراج الصدقة، فهم ممتثلون في العبادات البدنية والعبادات المالية.

/ (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (17)) 
قال الله عز وجل بعد ذلك (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ) أي فلا يعلم أي أحد، وهنا سؤال: هل يدخل الملائكة في هذا العموم في قوله (فلا تعلم نفس)؟ يعني لا يعلم أي أحد، هل حتى الملائكة لا تعلم أو المراد به فقط البشر؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: قالوا الملائكة داخلة في هذا العموم.
والقول الثاني: قالوا فقط هو خاص بالبشر
والصواب - والله أعلم - أن المراد به كل نفس سواء ملائكة أو البشر فلا تعلم نفس أي فلا يعلم أي أحد ما أخفي.
في قوله (ما أُخفى) قراءتان:
 القراءة الأول: (ما أُخفيَ لهم)
والقراءة الثانية: (ما أُخفي لهم)
 يعني القراءة الثانية ما أخفى الله لهم، يعني "ما أخفي لهم أنا" تقدير هذا الكلام هذه القراءة الثانية، والقراءتان صحیحتان متواترتان، فلا تعلم نفس ما أخفى الله عز وجل لهؤلاء، ولا شك ان القراءة في قوله (ما أُخفي لهم) أنها تدل على عظم الكرم لأنها من الكريم جل وعلا، نحن لا نقول مبني للمجهول لأن هذا لا يقال في حق الله سبحانه وتعالى نقول مبني للمفعول لماذا؟ تأدبا ، أو لم يسمى فاعله.
قال الله سبحانه وتعالى (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) لمن يعود الضمير في قوله (لهم) ؟ لهؤلاء الذين ذُكرت صفاتهم (إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا) وما بعدها،  (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ) أي من النعيم العظيم في الجنة مما تقرّ به العين.
 وكلمة (قرة أعين) قيل مأخوذة من القرّ الذي هو البرد فيقال قرت عينه: بردت، ولذلك يقال أن دموع الفرح باردة ودموع الحزن حارة.
وقيل: (قرة أعين) مأخوذة من القرار أي أعطاهم الله عز وجل ما تسکن به أعينهم فلا تطمح إلى غيره.
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).

قال (فَلا تَعْلَمُ نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين)
 وهنا فائدة نفيسة: قال الحسن البصري رحمه الله "أخفى قوم عملهم فأخفى الله عز جل لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر، وكلما كان الإنسان أخفى في العمل الصالح كان الجزاء من جنس العمل" نحن الآن في زمن الناس تجاهر بأعمالها الصالحة، يعني يأخذ عمرة ويصور ماذا فعل في العمرة، وماذا دعا، وماذا قال .. إلخ وكان من الإخلاص أن يُخفي عمله، وقد كان السلف رحمهم الله يخفون أعمالهم الصالحة كما نخفي نحن أعمالنا السيئة، فلذلك ينبغي للإنسان أن يخفي أعماله الصالحة، كان السلف رحمهم الله يفعلونه حتى أن أهل بيته لا يعرفون - الذين هم أقرب الناس إليه - لا يعرفون ماذا يعمل، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل.
قال الله عز وجل (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖلماذا قال قرة أعين؟ ولم يقل "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعينهم"؟ قال بعض أهل العلم هذا فيه فائدة: أن ما أخفي لهم هو في غاية الحسن والكمال. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم من فضله..
/ قال الله عز وجل (فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ) أي ثوابا لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا، وهذا فيه فائدة فإن الله سبحانه وتعالى شكور يشكر لعباده القليل ويرضى منهم اليسير، والله سبحانه وتعالى كريم، متفضل، بر، جواد، منان سبحانه وتعالى خزائنه ملئ لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم من فضله.

(أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ (18) أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (19) وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (21) وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22))

غريب القرآن:
المأوى = التي يأوون إليها، ويقيمون بها
نزلا = ضيافة لهم
العذاب الأدنى = البلايا والمصائب في الدنيا
مناسبة هذه الآيات للآيات السابقة:
أن الله سبحانه وتعالى لما بيّن حال المجرم وحال المؤمن ذكر سبحانه وتعالى هنا أنهما لا يستويان (أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ) فقال سبحانه وتعالى (أفمن كان مؤمنا) أي أفمن كان مؤمنا بالله سبحانه وتعالى ومتبعا لرسله عليهم السلام، ومؤمنا بوعد الله عز وجل ووعيده، ومطيعا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالأمر والنهي، (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) أي أيكون في حكم الله عز وجل كمن كان كافرا مكذبا خارجا عن دائرة الإيمان وعن طاعة الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى (لا يستوون) أي لا يستوون عند الله يوم القيامة فكل له جزاء مختلف حسب ما قدمه.
وهنا لفتة وهي: أنه سبحانه وتعالى ذكر فريقين ذكر المؤمن وذكر الفاسق فلماذا جمع في قوله (لا يستون)؟ لماذا لم يقل لا يستويان؟
قال بعض أهل العلم: المقصود في قوله (لا يستوون) هذا باعتبار جميع المؤمنين وجميع الفاسقين فلذلك قال (لا يستوون) جاء بصيغة الجمع.
ثمة سؤال لماذا جيء بهذه الجملة بقوله لا يستوون مع ان الأمر واضح (أفمن كان مؤمنا كان كمن كان فاسقا) الأمر واضح أن المؤمن ليس كالفاسق؟
 قال أهل العلم: المجيء به هنا لزيادة التأكيد فحينئذ لا يستوي حال المؤمن التقي مع الفاسق الشقي، فكل له جزاء على ما قدمه يوم القيامة.
قال الله عز وجل (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) والاستفهام هنا استفهام انكاري، أي كيف يستوون في حكم الله سبحانه وتعالى والله قال في سورة الجاثية (أم حسب الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سواء محياهم ومماتهم سَاءَ ما يحكمون)، وقال سبحانه وتعالى (أفنجعل الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36))، وقال سبحانه وتعالى (أم نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كالفجار) فحينئذ شتان بين مُشرّق و مُغرّب، شتان بين فريق الإيمان وشتان بين فريق الفسق والعصيان.

/ (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (19)) 
قال الله سبحانه وتعالى (أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ (18) أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ) هنا تفصيل لمراتب الفريقين في الآخرة، الآن سيأتي التفصيل عن مراتب المؤمنين في الآخرة ثم سيأتي التفصيل المرتبة الفاسقين في الآخرة.
قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ)  أي أما الذين آمنوا بما وجب عليه الإيمان به من الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره، (وعملوا الصالحات) أي عملوا الأعمال الصالحة ، والعمل الصالح لا يُطلق عليه عمل صالح إلا إذا اجتمع فيه شرطان:
 الشرط الأول: الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
والشرط الثاني؛ المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ)  هنا تقديم وتأخير في قوله (فلهم جنات المأوى) كيف سيكون ترتيب الآية؟ أن يقال جنات المأوى لهم، فلماذا جيء بالتقديم في قوله (فلهم جنات المأوى)؟ أي هذه الجنات خاصة بهم وهذا دليل على تشريف هؤلاء. قال (أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ) أي جنات يأوون إليها فهم فيها مقيمون ومنها لا يخرجون.
قال (فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا)  النُزُل؛ هو الضيافة وما يُعد للضيف. في قوله (فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ)  أي هذه الجنات ضيافة كريمة مهيئة لهؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات بسبب ما كانوا يعملونه في الدنيا، قال أهل العلم: وإذا كانت هذه الضيافة التي هي جنات المأوى فما بالك فيما سيأتي بعدها؟ والله سبحانه وتعالى كريم  وذكر ذلك في الآيات السابقة في قوله سبحانه وتعالى (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) لا يخطر على قلب بشر ما لهؤلاء من النعيم.
هنا ذكر أهل العلم فائدة في قوله (فلهم جنات المأوى) أي هذه الجنات يأوون إليها ابتداء وينزلون فيها كضيوف وذكر الله سبحانه وتعالى في مواضع أخرى في كتابه أنهم يرتفعون في درجات الجنة وهم متفاوتون فيها ولهم مكان عظيم (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات كانت لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوس نزلا)
قال الله هنا (فلهُمْ جَنَّاتُ المأوى نزلا بما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي إذا قدِموا على الله عز وجل أكرمهم الله عز وجل وأعده لهم ضيافة ونزلا، وما عند الله خير للأبرار، قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران (لكن الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبهُمْ لَهم جَنَّاتُ تجري من تحتها الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ للأبرار) نسأل الله عز وجل من فضله.

(وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ ) قال سبحانه وتعالى (أمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانُوا يَعْمَلُونَ) ثم ذكر الفريق الآخر قال (وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ) أي خرجوا عن الإيمان، الفسق في اللغة المراد به الخروج، والفسق في القرآن غالبا يطلق على الكفر. 
قال الله عز وجل (وأما الذين فسقوا) أي خرجوا عن الإيمان بالله عز وجل ، وعن طاعة الله عز وجل، وكفروا بالله سبحانه وتعالى، قال (فَمَأْواهم النار) لاحظوا المقابلة بين الفريقين الفريق المؤمن قال (فلهم جنات المأوى) وفي هذه الآية قال (فمأواهم النار) وهذا دليل على أن أهل الكفر والعياذ بالله وأهل الفسق المتصفين بهذه الصفة أنهم مباشرة يحشرون إلى جهنم هذا فيه إهانة لهم قال الله عز وجل (يَوْمَ يُدعُّون إلى نار جهنم دعّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِما تُكَذِّبُونَ (14))، قال الله سبحانه وتعالى (وأمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمأواهم النار) أي مسكنهم ومستقرهم النار يأوون إليها ويقيمون فيها.
قال (كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ) أي كلما أراد أولئك الفاسقون أن يخرجوا من النار (أعيدوا فيها) أي أُعيدوا فيها مكرهين جاء في بعض الآثار أنهم يصلون إلى أعالي النار فكأنهم يريدون الخروج ثم يعودون مرة أخرى فهذا ما يجيدونه من العذاب الأليم - والعياذ بالله - قال (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) أي رجعوا فيها مكرهين، (وقيل لهم) تقول لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكَذَّبُونَ فهنا جمعوا بين العذابين:
العذاب الأول: العذاب الحسي الجسدي 
العذاب الثاني: العذاب النفسي
(وقيل لهم ذوقوا عذاب النار) أي قالت لهم الملائكة ذوقوا عذاب النار (الذي كنتم به) أي كنتم به في الدنيا (تكذبون) أي تكذبون بوقوعه وأنه إنما عيشة في هذه الدنيا ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع فلا ثمة حساب ولا عذاب ولا آخرة ، ولا بعث ، ولا جنة، ولا نار ، قال الله عز وجل (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنم به تُكَذِّبون)
 وهنا سؤال: جيء بالاسم الظاهر مكان المضمر وهو لفظ (النار) فقال (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها) أي يخرجوا من النار لم يقل "كلما أرادوا أن يخرجوا من النار"
 (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقُوا عَذَاب النار الذي كنتم به تكذبون) كان تقدير  النظم أن يقال "كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذابها" فلماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (وقيل لهم ذوقُوا عَذَاب النار)؟
 هذا من باب التهويل، التهديد والتخويف، وتعظيم الأمر، لذلك قال (وقيل لهم ذوقوا عَذاب النار) أي أن هذا العذاب عذاب أليم ومخيف، وهذا فيه قرع لقلوبهم في تهديدهم من هذا العذاب قال (كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ).

/ ثم قال بعدها سبحانه وتعالى بعدها
 (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ (21))
لاحظ المجيء بلفظ "نذيقنهم" هذا اللفظ تكرر قبل هذه الآية مباشرة قال (ذوقوا عذاب النار) وفي هذه الآية قال (ولنذيقنهم) هذا من باب التأكيد (اللام) و (النون) في قوله (ولنذيقنهم) هذا فيه أمر شديد لذلك قال (ولنذيقنهم) أي ولنصيبن، الضمير يعود على من في قوله (ولنذيقنهم)؟ يعود على الفاسقين في الآية قال (وأما الذين فسقوا)، قال (ولنذيقنهم) جاء بالمؤكدات لام القسم والنون هذه كلها من باب التأكيد. قال (ولنذيقنهم) أي ولنصيبن هؤلاء الفاسقين المكذبين (من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر)
 ما المراد بالعذاب الأدنى في قوله (من العذاب الأدنى)؟ 
اختلف المفسرون رحمهم الله فيه على أقوال أوصلها بعضهم إلى ستة أقوال:
 القول الأول: المراد بالعذاب الأدنى هو مصائب الدنيا التي تصيبهم في أنفسهم وفي أموالهم.
القول الثاني: هو الحدود التي تقام عليهم 
القول الثالث: القتل بالسيف وهذا كالذي حصل يوم بدر.
القول الرابع: سنون أصابتهم يعني الجوع والقحط.
القول الخامس: قالوا هو عذاب الدنيا.
والقول السادس: هو عذاب القبر.
المراد بالأقوال العذاب الأدنى الذين قالوا مصائب الدنيا في النفس والأموال هذا واضح ان الله عز وجل يبتليهم ويصيبهم في أنفسهم وأموالهم.
الذين قالوا إنها الحدود هذا يكون في حق الفاسقين من المؤمنين الذين تُقام عليهم الحدود.
الذين قالوا القتل بالسيف هذا أيضا حصل لكفار قريش، ويحصل للكفار عموما وهو الذي يكون في الجهاد سبيل الله.
 الإصابة بالجوع والقط واضح وجلي حتى هذا أصاب قريش وعذاب الدنيا شامل لجميع أنواع العذاب وعذاب القير.
السؤال المهم كيف يكون عذاب القبر العذاب الأدنى والله قال (لعلهم يرجعون)؟ إذا توفي الإنسان فكيف يرجع عن كفره وغيه إذا قلنا بأن العذاب الأدنى هو عذاب القبر؟
قال بعض أهل العلم: لم يقل الله سبحانه وتعالى: ولنذيقنهم العذاب الأدنى، قال (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) والعذاب الأدنى يحصل لهم في دنياهم وعند موتهم وانتقالهم أيضا إلى قبورهم لأن هذا العذاب قبل الآخرة، هذا يحصل لهم في الدنيا وعند موتهم قال الله سبحانه وتعالى (ولو ترى إذ يتوفى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذاب الحريق) والعذاب ممتد ويحصل لهم بعد ذلك عند موتهم وانتقالهم إلى قبورهم. هذا توجيه لمن قال المراد به العذاب الأدنى هو عذاب القبر.
 أي الأقوال الأقرب إلى الصواب؟
الأقرب - والله أعلم - أنها كلها صواب من باب التنوع
 من العذاب الأدنى المصائب التي تصيبهم والحدود التي تقام عليهم، والقحط والجوع، وعذاب القبر وإلى آخره. وهذا اختيار شيخ المفسرين ابن جرير عليه رحمة الله.
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ) ما المراد بالعذاب الأكبر؟ هو عذاب الآخرة.
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ) أي لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل من كفرهم وعصيانهم.
 سؤال: في قوله (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ) الأدنى لا يقابل الأكبر ، الأدنى يقابل الأقصى والأكبر يقابله الأصغر لماذا غاير هنا؟
لماذا لم يقل: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأقصى؟ لماذا لم يقل ولنذيقنهم من العذاب الأصغر دون العذاب الأكبر؟
لماذا قال الأدنى في مقابل الأكبر ؟
 قال أهل العلم: حصل لهم في عذاب الدنيا أمران:
الأمر الأول: أنه قريب
والأمر الثاني: قليل صغير
 وفي عذاب الآخرة ينطبق عليه وصف أنه بعيد وعظيم كثير فالقُرب في عذاب الدنيا هو الذي يحصل به التخويف ولذلك قال (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) لو قال لنذيقنهم من العذاب الأصغر استهانوا بالعذاب فذكر لهم العذاب الأدنى يعني العذاب القريب وهذا الذي يحصل به التخويف ، والذي يحصل به التخويف في عذاب الآخرة يقال العذاب الأقصى أو يقال العذاب الأكبر؟ يقال العذاب الأكبر . هذه هي المناسبة بين العذاب الأدنى والعذاب الأكبر. قال الله عز وجل: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ)

/ (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22))
 (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم، وسبق أن أشرنا لها سابقا وقلنا أحيانا تأتي بصيغة (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ثم تأتي أوصاف بعد ذلك فيظن الظان أنه تعارض فقلنا كل واحد الأظلمية في مكانه فالتكذيب لا أحد أعظم ممن ذكر بآيات ربه ، وفي الكذب على الوحي (ومن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا) وهكذا.
قال (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم (ممن ذُكر بآيات ربه) 
ما المقصود بالآيات هنا؟
هل المقصود بها الحُجج والعلامات؟ أو مقصود بها القرآن؟ أو المقصود بها الكتب السماوية؟ الآية تحتمل الجميع.
 قال الله عز وجل (ومن أظلم ممن ذُكر بآيات ربه)
 في قوله (ومن أظلم) ما نوع الاستفهام؟ استفهام انكاري ينكر عليه.
(ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه) لماذا جيء بلفظ الربوبية؟ ولم يقل ومن أظلم ممن ذكر بآياتنا؟ لأنه قال في آية أخرى (إنما يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكروا بها) لماذا جيء بلفظ الربوبية؟ 
قال بعض أهل العلم: أن لفظ الربوبية يقتضي الانقياد والطاعة الله سبحانه وتعالى لذلك جيء به هنا بما أنك مربوب أنت مطيع لربك وتحت تدبيره وقهره وغير خارج عن سلطانه.
قال الله عز وجل (ومن أظلم ممن ذُكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) أي ثم أعرض عنها مستكبرا عن قبولها، ومستنكفا عن الانقياد لها. س: لماذا جيء بـ (ثم) مع أنه جاء بآية مشابهة في سورة الكهف قال الله عز وجل (فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه) لأن (ثم) تفيد التراخي فلماذا جيء بها هنا؟
ج: قال بعض أهل العلم: إنما جيء بـ (ثم) ليدل على أنه لم يكن معرضا إلا بعد ما فكر، وقدر ، وتأمل ثم بعد ذلك أعرض، فلم يأتي الإعراض فجأة وإنما جاء بعد تأمل وتفكر وتقدير ونحو ذلك ولذلك وصف بأنه لا أحد أظلم منه.
قال الله عز وجل  (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) أي سنتقم من الذين أعرضوا وكفروا، وكذبوا واكتسبوا السيئات.
وهنا فائدة: قال بعض أهل العلم: (المنتقم) ليس من أسماء الله عز وجل ولا يصح أن يوصف الله تعالى به على سبيل الإطلاق وإنما يجوز إضافة الانتقام إلى الله عز وجل مقيدة يعني الاخبار عن الله عز وجل أنه منتقم اخباراً مقيداً، وهذا هو الصحيح أنه لا يجوز أن يقال من أسماء الله المنتقم، وقد ورد في حديث أن من أسماء الله المنتقم، لكن هذا الحديث مدرج وليس مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام.
س: لماذا جيء بالجملة الاسمية في قوله إنا من المحرمين منتقمون؟
ج: لأن الجملة الإسمية تدل على الدوام والاستمرار وهذا يدل على أن الانتقام يتحقق في كل مجرم في الدنيا والآخرة، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى ومن سنة الله سبحانه وتعالى فإن الله سبحانه وتعالى ذكر أنه (لَا يُصْلِحْ عَمَل الْمُفْسِدِينَ) وأن الله عز وجل ينصر أوليائه ..
س: لماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (المجرمين)؟ كان التقدير ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا منهم منتقمون، ج: ذكر أهل العلم علتين:
العلة الأولى: هذا ليعم كل مجرم.
العلة الثانية؛ قالو هذا زيادة في بيان حالهم وفظاعة حالهم، وبأنهم مجرمون مع أنهم ظالمون وهذا أمر عظيم أن يوصف الإنسان بوصف الجرم ولذلك وصف الإجرام في القرآن الكريم يطلق على الكافر.
قال الله عز وجل ( (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) وهذا فيه تسلية للمؤمن في أن الله سبحانه وتعالى يدافع عنه، وأن من سنة الله سبحانه وتعالى أن ينتقم من المجرم، وهذا فيه تهديد شديد لكل من اقترف واكتسب شيئا من الإثم، إن هذا فيه تهديد ووعيد شديد أن الله سينتقم منه.

الهدايات العلمية والعملية:
١- اعمل الصالحات قبل أن تتمنى عملها ولا تستطيع.
٢- ليكن لك خبيئة عمل صالح فاعمل عملا صالحا لا يظلع عليه إلا الله.
٣- لا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم فى الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد.

العمل اليومي:
١- اضبط منبهك لتقوم وتصلي من الليل وتدعو ربك وتصدق بصدقة.
٢- تذكر مصيبة نزلت بك ثم حاسب نفسك، وارجع إلى ربك.

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدا ما أبقيتنا واجعله الوارث منا.. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اقرأ المزيد...

الجمعة، 24 أبريل 2026

الدرس الرابع والستون تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١)

 تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١) / صوتي

الحمد لله رب العالمين صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ « قوله (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون* واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو انهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) أي ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) الذي أنزل إليهم أي طرحوه رغبة عنه (وراء ظهورهم) وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبقَ في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد: سبق الكلام على معاني هذه الآيات وهي تتعلق ببيان شيء من مخازي بني إسرائيل وقبائحهم العظيمة واطراحهم للحق والهدى وإقبالهم على الباطل والضلال ونبذهم كتاب الله جل وعلا وراء ظهورهم واتباعهم لما تتلوه الشياطين وتتقوله وتمليه من ضلال وباطل، وقوله جل وعلا (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) قال الشيخ: «(نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي الذي أنزل إليهم» وعرفنا أن فيها قولان:
- إما أن يكون المراد الكتاب الذي أنزل اليهم أي التوراة كما ذكر الشيخ
- أو يكون المراد القرآن الكريم.
 وإذا أريد القرآن فيكون المراد تكذيبهم بالقرآن الكريم.
وقوله جل وعلا (ونبذوه وراء ظهورهم) قال: «وهذا أبلغ في الإعراض» يعني كونه اطّراحهم له أضيف إليه جعله وراء الظهر، وهذا إيذان منهم بعدم الرجوع إليه وهذا أبلغ ما يكون في التولي والإعراض.

ن/ قال رحمه الله: «ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ابتلي بالاشتغال بما يضره فمن ترك عبادة الرحمن ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل»

ت/
نعم، وهذا الآن واضح في حال هؤلاء لما نبذوا كتاب الله واطرحوه وراء ظهورهم ابتلاهم الله عز وجل باتباع ما تتلوه الشياطين وتتقوله الشياطين على ملك سليمان من السحر والضلال والباطل، فلما نبذوا القرآن وما فيه من الهدى والحق والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ابتُلوا بالسحر وتعلّم السحر الذي فيه الهلاك، وفيه أيضا الشقاء وعقوبه الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. نعم

ن/ قال رحمه الله: «كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله تعالى اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان عليه السلام بل نزهه الصادق في قيله (وما كفر سليمان) أي بتعلم السحر فلم يتعلمه ولكن الشياطين كفروا» نعم 

ت/ يعني هؤلاء اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان (ما تتلو الشياطين) قال الشيخ: أي تختلق أي تختلق وهذا مستفاد من قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) عُديت (تتلو) بـ (على) لأنه ضُمن معنى الاختلاق والكذب، ولهذا معنى (تتلو) اي تختلق، تكذب، تتقول على ملك سليمان، أي ما تنسبه الشياطين لسليمان عليه السلام من تعاطي السحر واستعماله وأنه إنما سُخر له الجن باستعمال السحر هكذا تقولت الشياطين على سليمان وعلى ملك سليمان على عهده وأن هذا هو الواقع ولهذا قال الشيخ "واتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان والله جل وعلا برأ نبيه سليمان عليه السلام من السحر بقوله (وما كفر سليمان)" لاحظ ما قال وما سحر قال وما كفر براه من السحر بقوله وما كفر ولهذا استدل بهذه اللفظة على كفر الساحر وأن من تعلم السحر كفر لأن الله لما برأ سليمان عليه السلام من السحر برأه بقوله (وما كفر سليمان).

ن/ قال: «(ولكن الشياطين كفروا) أي في ذلك، يعلمون الناس السحر من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بارض بابل من ارض العراق أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاءا من الله لعباده فيعلمانهم السحر، وما يعلمان من أحد حتى ينصحاه ويقولا (إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي لا تتعلم السحر فإنه كفر فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام،  وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تُعلّمه الشياطين والسحر الذي يُعلّمه الملكان فتركوا علم الأنبياء والمرسلين واقبلوا على علم الشياطين وكل يصبو إلى ما يناسبه»

ت/ نعم، لاحظ في سياق الآيات قال عن الشياطين (يعلمون الناس السحر) أي الشياطين، وأيضا في السياق قال (وما يعلمان من أحد) أي السحر والمقصود الملكان، وفرق بين هذا التعليم وهذا التعليم، تعليم الشياطين للسحر على وجه الإفساد لبني آدم وإضلالهم وإغوائهم وإبعادهم عن سواء السبيل، وتعليم الملكان على وجه الامتحان، امتحان وابتلاء في مدى التمسك بالدين أو عدمه، ولهذا يصاحب تعليم الملكين نصيحة وتحذير (إنما نحن فتنة فلا تكفر) كل من أراد أن يتعلم عليهم يبينان له أنهما أُنزلا بهذا التعليم فتنة وأن هذا السحر كفر (فلا تكفر) لأنك إن تعلمته كفرت، ففرق بين هذا وهذا.
 قال: "فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته" هذه طريقة الملكين، وأما الشياطين فقال: "فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى سليمان الذي برأه الله سبحانه وتعالى من ذلك بقوله (وما كفر سليمان)"
 هنا سؤال يتعلق بسليمان أريد جوابه بدليله من القرآن:
 سليمان عليه السلام بعد موسى أو قبله؟ نعم بعده.
ما الدليل؟ (ألم ترى إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) ثم في سياق القصة قال: (فقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة) وداوود هو والد سليمان فهو من بعد موسى وليس قبله. نعم

ن/ قال رحمه الله: « ثم ذكر مفاسد السحر فقال (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما لأن الله تعالى قال في حقهما (وجعل بينكم مودة ورحمة) وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة»

ت/ نعم. قوله: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه)
 (فيتعلمون منهما) الضمير عائد على الملكين، يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وهذا نوع من السحر يسمى سحر الصرف، يعني صرف المتحابين فيصبحا به متباغضين يسمى سحر الصرف، (فيتعلمون منهما ما يفرقون به) بهذا الذي تعلموه الذي هو السحر (بين المرء وزوجه) والتفريق بين المرء وزوجه والشيخ ينبه هنا على استحضار قوله تعالى (وجعل بينكم مودة ورحمة) يعني مودة عظيمة ورحمه تُلقى في قلب الزوجين ويصبح بينهما محبة بعد عقد الزوجية يلقيها الله عز وجل، يجعلها الله عز وجل، فهذه المحبة القوية بالسحر تصرف إلى بغض إذا السحر له حقيقة، له تأثير، من التأثير الذي يترتب عليه الصرف، صرف المتحابين، صرف هذه المودة والمحبة إلى بغض وكره. (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) هذا فيه أن السحر له حقيقة، أيضا قول الله عز وجل (ومن شر النفاثات في العقد) السحر فيه شر وفيه مضرة ويترتب عليه أضرار عظيمة جدا، فله حقيقة لكن هذه المضرة لا تقع إلا بإذن الله الكوني.

ن/ قال رحمه الله: « وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة وأنه يضر بإذن الله» أي بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري وهو المتعلق بمشيئة الله كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة (فإنه نزّله على قلبك بإذن الله)»

ت/ الإذن الشرعي مثل (ءآلله أذن لكم) (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) فالإذن يطلق على:
 ▪︎ الإذن الكوني القدري يعني هنا في قوله (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) هل يصح أن يقال (إلا بإذن الله) إلا بشرع الله؟ ما يصح، المراد الإذن الكوني، المراد يعني لا يقع شيء من السحر إلا شيء قدره الله كونا، هذا المقصود.
وهنا فيه أن الأسباب مهما قويت ومهما كانت فلا تكون إلا إذا كان الله قدّر ذلك، والله عز وجل له في أقداره حِكم سبحانه وتعالى. نعم

ن/ قال رحمه الله: «وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير ولم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد»

ت/ القدرية يقصد بهم القدرية النُفاة، المقصود بالنُفات نفات القدر وهم المعتزلة، من أضل الفرق وأشدها انحرافا، فهم نفات للقدر ويقولون أن الإنسان هو الخالق لفعل نفسه وأن الأمر أُنف ولا قدر، فيقول لم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة إلا القدرية المقصود بالقدرية أي النفاة نفات القدر. نعم

ن/ قال رحمه الله: «زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين».
ت/
من المخالفة لكتاب الله هذه الآية (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) أي بتقديره وإرادته الكونية القدرية.  نعم

ن/ قال رحمه الله: «ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة ليس فيها منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فهذا السحر مضرة محضة فليس له داع اصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها، (ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه) اأي ي رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة (ماله في الآخرة من خلاق) أي نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) علما يُثمر العمل ما فعلوه»

ت/ ثم بعدها قوله سبحانه وتعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) يعني كأن الشيخ - والله أعلم - نسي أو سهى عن هذه الآية، وتقدم الإشارة إلى شيء من معناها. ذكرت أن الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه معارج القبول ذكر هذه الآيات وبيّن رحمه الله أنها دلت على كفر الساحر من وجوه قال: «وذلك واضح صريح في آية البقرة بأمور» وذكر رحمه الله أمورا سبعة.
 واذكر لكم للفائدة ملخصا لهذه السبعة ويرجع فيها الى كتابه معارج القبول:
▪︎الأول: قال: منها سبب عدول اليهود إليه - يعني إلى السحر- هو نبذهم كتاب الله وراء ظهورهم كما قال تعالى (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) سواء - يقول الشيخ- أريد بالكتاب التوراة أو القرآن لأنهما قولان، سواء أريد بالكتاب التوراة أو القرآن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام كل ذلك نبذه كفر، فإذا عدولهم إلى السحر كان منبنيا على نبذ الكتاب ونبذ الكتاب كفر هذا الدليل الأول.
▪︎ الثاني: قال: قوله (واتبعوا ما تتلو الشياطين) أي تتقوله وتزوره (على ملك سليمان) أي في ملكه وعهده، ومعلوم أن استبدال ما تتلوه الشياطين وتتقوله والانقياد له والعمل به عوضا عما أوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم هذا من أعظم الكفر ومن عباده الطاغوت التي هي أصل الكفر.
▪︎الأمر الثالث: قال: ومنها قوله (وما كفر سليمان) برأ الله سبحانه نبيه سليمان عليه السلام من الكفر، وهذا الكفر الذي برأه تعالى منه هو علم السحر، وإن كان بريئا من الكفر كله، معصوما مما هو دونه لكن سياق الآية في خصوص السحر وأنه بريء منه.
▪︎ الأمر الرابع: قال: ومنها قوله (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) أكذب الله اليهود فيما نسبوه إلى نبيه سليمان عليه السلام بقوله (وما كفر سليمان) وهم إنما نسبوا السحر إليه ولازم ما نسبوه إليه هو الكفر لأن السحر كفر ولهذا أثبت كفر الشياطين بتعليمهم الناس السحر فقال (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) قال: "وكذلك كل من تعلّم السحر أو علّمه أو عمل به يكفر ككفر الشياطين الذين علموه الناس إذ لا فرق بينه وبينهم"
 ▪︎الأمر الخامس: قال: ولهذا قال تعالى في الملكين (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) فبيّن تعالى أنه بمجرد تعلمه يكفر سواء عمِل به أو لا، سواء عمِل به وعلّمه أو لا.  
▪︎السادس: قال: ومنها قوله (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) أي من حظ ولا نصيب. وهذا الوعيد ما له في الآخرة من خلاق لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للايمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة وهؤلاء قال الله (ما لهم في الآخرة من خلاق) أي من نصيب وحظ، هذا لا يقال إلا فيما هو كفرا أكبر.
الأمر السابع: قال: قوله (ولو أنهم آمنوا) يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن (واتقوا) واتقوا بتجنب السحر وسائر الذنوب (لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) قال: وهذا من أصرح الأدلة على كفر الساحر ونفي الإيمان عنه بالكلية، فإنه لا يقال للمؤمن المتقي ولو أنه آمن واتقى وإنما قال تعالى ذلك لمن كفر وفجر وعمل بالسحر. فهذه وجوه سبعه تدل على كفر الساحر كلها مستفاده من هذا السياق بدءا من قوله (ولما جاءهم رسول مصدق لما معهم) نعم.

ن/ قال رحمه الله: «قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم* ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول صلى الله عليه وسلم عند تعلمهم أمر الدين راعنا اي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا فانتهزوا الفرصة فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله تعالى المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب واستعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال (وقولوا انظرنا) فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، (واسمعوا) لم يذكر المسموع ليعم ما أمر باستماعه فيدخل فيه سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة، ثم توعّد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين أنهم ما يودون (أن ينزل عليكم من خير) أي لا قليلا ولا كثيرا (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة»

ت/ قول الله جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هنا نهي عن لفظ ودلالة إلى لفظ آخر بدله،  لفظ كان يقوله الصحابة في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام ونهو عنه وأُرشدوا إلى لفظ آخر يحل محله لأن اللفظ الأول فيه شبهة واللفظ الثاني لا إشكال فيه، واضح لا إشكال فيه والصحابة رضي الله عنهم لما كانوا يتكلمون باللفظ الأول الذي جاء النهي عنه (راعنا) هل قام في نفوسهم معنى فاسد أو مقصد فاسد؟ أبدا ليس في قلوبهم إلا مقصد صحيح وهي لفظة استعملوها على معنى صحيح تدل عليه هذه اللفظة فكانوا يقولون راعنا قاصدين بها معنى صحيح، اليهود فرحوا بهذه الكلمة وباستعمال المسلمين لها وبدأوا أيضا يقولونها لكن على معنى فاسد،  الصحابة كانوا يقولونها راعنا من المراعاة، واليهود صاروا يقولونها ويضحكون إذا سمعوا المسلمين يقولونها للنبي عليه الصلاة والسلام لأنهم يحملونها على الرعونة لا المراعاة، انظر ما يوضح ذلك في قوله سبحانه وتعالى (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (ليا بألسنتهم وطعنا في الدين) يلوون ألسنتهم بهذه الكلمة راعنا يقولونها ويلوون ألسنتهم بها ويريدون بها الرعونة ووصف النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فجاء النهي عن استعمال هذا اللفظ  وأمروا أن يقولوا بدله (انظرنا)، و(انظرنا) تؤدي المعنى نفسه الذي يريده الصحابة وليس فيها هذا الأمر، 
ولهذا تُعد هذه الآية أصل في مراعاة الألفاظ حتى وإن سلم المقصد.
الآن كثير من الناس لما تنهاه عن اللفظ وتبين له الخطأ الذي في اللفظ ماذا يقول لك؟ لم أقصد ذلك أنا نيتي طيبة، يقول أنا لم أقصد ذلك، يقال: حتى وإن لم تقصد لابد أن تراعي اللفظ نفسه سلامته بدليل ماذا؟ أن الصحابة لما كانوا يقولون راعنا هل كانوا يقصدون معنى سيء؟ أبدا حاشاهم ومع ذلك جاء النهي قال (لا تقولوا راعنا) جاء نهي مع أنهم ما كانوا يقصدون أصلا أي معنى سيء، فلا يصح أن الإنسان عندما يُنبه على لفظ خاطئ ويقول لا أنا قصدي طيب يقال له نعم يعني قصدك طيب هذه نعمة، نعمة عظيمة سلامة القصد لكن أيضا زد مع سلامة قصدك ماذا؟ زد مع سلامة قصدك سلامة لفظك، وينبغي أيضا مراعاة الرفق في التوجيه، لما قال أنا قصدي طيب قل له أحسنت على حسن القصد وهذا هو الحري بك وأنعِم وأكرِم لكن انتبه يا أخي اللفظ لابد واذكر له هذه الآية واذكر له أن الصحابة ما كان قصدهم سيئا، ولهذا هذا محل خلل موجود كثير في الناس ألفاظ كثيرة يخطئون فيها عندما يوجه إلى الصواب يقول أنا قصدي صحيح هذا المعنى الذي تقصد أنا ما أقصده يقال: حتى وإن لم تكن تقصد هذا المعنى الفاسد لابد من إصلاح اللفظ، فالشريعة كما أنها جاءت بإصلاح المقاصد أيضا جاءت بإصلاح الألفاظ مثل ما في هذه الآية قال (لا تقولوا راعنا)، (لا تقولوا راعنا) هذا لفظ، هذا ليس قصد هذا لفظ، الآن النهي عن لفظ ليس عن قصد (لا تقولوا راعنا) هذا نهي عن اللفظ ليس نهي عن قصد فاسد صحيح، (لا تقولوا راعنا) لا تقولوا هذا اللفظ (وقولوا انظرنا) قولوا بدلها انظرنا لأنها تؤدي المعنى الذي تريدونه وتقصدونه ولا فيها الإشكال الذي في اللفظة الأولى، قال (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) المسلمون كانوا يقولونها في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام يقولون راعنا من المراعاة،
واليهود يقولونها يريدون بها الرعونة كما في الآية التي أشرت إليها،  ومن المقاصد في ذلك بُدلت اللفظة للمسلمين ليزول تعلق اليهود بها، أيضا هذا من المقاصد في هذا النهي ليزول تعلق اليهود، صاروا يتعلقون بهذه اللفظة ويقولونها على المعنى الفاسد فجاء النهي لأهل الإيمان ألا يقولوا هذه الكلمة، إذا نُهي أهل الإيمان عن قولها انقطع قول اليهود لها على المعنى الفاسد الذي يريدونه لأنه جاء نهي عن هذه الكلمة التي يلوون ألسنتهم بها، يلوون ألسنتهم بها يريدون بها الدعاء على النبي عليه الصلاة والسلام بالرعونة.
قال (وقولوا انظرنا واسمعوا) أي سمع قبول وإجابة، (وللكافرين عذاب أليم) أي عذاب شديد موجع مؤلم.
ثم ذكر جل وعلا شدة عداوة الكفار من المشركين وأهل الكتاب لأهل الإيمان وحسدهم الشديد لأهل الإيمان في الخير الذي يتفضل الله به عليهم، قال في بيان شدة العداوة (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزل عليكم من خير من ربكم) هذا على وجه ماذا؟ الحسد، هذا على وجه الحسد، (من خير من ربكم) أي أدنى خير ولو قليل من الخير، ما يودون ذلك، يكرهون ذلك من علم، من هدى، من صلاح، من نصر، من رزق، (من خير من ربكم) أي خير قلّ او كثُر، لا يودون أن ينزل عليكم شيء من الخير (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء) هذه عظيمة جدا، هذه عظيمة في طيتها نعمة لأهل الإيمان كأنه يقال لهم يا أهل الإيمان رزق الله الذي كتبه لكم لا يرده حسد حاسد، ولا كراهية كاره، ما يرده (والله يختص برحمته من يشاء) فالخير الذي أراده لعبده المؤمن يصل إليه وإن حسده الحاسد، وإن كره نزوله عليه أو وصوله إليه كاره (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ولهذا في الآية دعوة إلى الإقبال على الله وسؤاله سبحانه وتعالى من واسع فضله، فالفضل بيد الله يختص به من يشاء، يخصّ به من يشاء، ومن خصّه جلّ وعلا بفضله لا رادّ لفضله، لا يمنع فضل الله عز وجل مانع ولا يرد عطاءه أحد. قال الشيخ رحمه الله: «كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عليه الصلاة والسلام عند تعلمهم أمر الدين يقولون راعنا يقولون، راعنا أي راعي أحوالنا فيقصدون بها معنى صحيحا وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا» إذا سمعوا المسلمين يقولون راعنا يضحكون وهم أيضا يقولون في خطابهم للنبي عليه الصلاة والسلام راعنا ويقصدون المعنى الفاسد، فانتهزوا الفرصة - أي اليهود - فصاروا يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويقصدون المعنى الفاسد فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا الباب. 
ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم وفيه الأدب استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن.
يراعي الإنسان في ألفاظه أن يأتي باللفظ الذي لا يحتمل إلا المعنى الحسن، واللفظ إذا كان يحتمل ويحتمل يتركه ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل ويأخذ المعنى الذي لا يحتمل، ولهذا سبحان الله يعني وهذا لابد أن ننبه عليه بهذه المناسبة من يقرأ في كتب التفسير خاصة لما يكون الحديث عن إعراب الآية تجد ألفاظ ما تليق، هي غير مقصودة، لا يقصدها المفسر، لكن اللفظ لا بد من مراعاته يقول مثلا في بعض الكلمات في الآية "هذا لغو"، أو يقول "هذا حشو"، أو مثلا في الإعراب يقول فيما يتعلق بالرب يقول مثلا مبني للمجهول (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني المجهول، المقصود بالمجهول هنا الرب العظيم أعلم المعلومات، من يعرب يقول لك: لا أنا ما أقصد هذا المعنى الفاسد، يقال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) المعنى الفاسد اتركه حتى وإن كنت ما تقصد اترك المعنى، حتى مثلا (وخُلق الإنسان ضعيفا) يقول( الإنسان) نائب فاعل، هذا أيضا ما يصلح أدبا مع الله عز وجل ومراعاة الألفاظ، ما يصلح أن يقال مثل هذا الكلام، يقول أنا أقصد الإعراب ما اقصد هذه المعاني، يقال لا، اللفظ مطلوب إصلاحه أدبا مع الله.
الآن هنا مُنع من هذا اللفظ أدبا مع من؟ أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام، والأدب مع الله أعظم وأولى وأهم،  مراعاة الأدب هنا أدبا مع النبي عليه الصلاة والسلام قال (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) الصحابة رضي الله عنهم لما نزل (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) هل قالوا نحن ما قصدنا مثل ما يقول الآن الكثير؟ هل قالوا ما قصدنا هذا المعنى؟ استجابوا مباشرة، هكذا ينبغي للمسلم الألفاظ التي فيها تشويش،  فيها إشكال، فيها معنى فاسد إلى آخره يتركها ويستعمل اللفظ الصحيح، فلما يأتي يعرب (خُلق الانسان ضعيفا) يقول (خُلق) مبني لما لم يُسمى فاعله، ما يقول لمجهول، مبني لما لم يسمى فاعله، ولما يأتي يعرب (خُلق الإنسان ضعيفا) يقول (الإنسان) مرفوع ما لم يسمى فاعله، ما يقول نائب فاعل، فيه ألفاظ مؤدبة مهذبة صحيحة سليمة تؤدي المعنى المقصود وهي المستعملة عند النحاة المتقدمين، مثل هذه الألفاظ في الغالب الأعم جاءت متأخرة، ولما تنظر في كتب الأعاريف عند المتقدمين ما فيها مثل هذه الألفاظ، فهذه تفتح للعبد باب الأدب رفيع جدا في ألفاظه يترك طريقة الجُهّال أنا ما أقصد وأنا نيتي طيبة، هذا يتركه هذه الآية تفتح له باب صلاح عظيم جدا في ألفاظه وسلامتها وصلاحها واستقامتها. انظر ماذا يقول الشيخ «وفيه الأدب في استعمال الألفاظ التي لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو التي فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن» هكذا ينبغي أن نتأدب ونتعلم من هذه الآية.
فقال «وقولوا انظرنا فإنها كافية بحصوله» يحصل بها المقصود من غير محظور واسمعوا قال الشيخ «ولم يذكر المسموع ليعم ما أُمر باستماعه فيدخل سماع القرآن وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ومعنى واستجابة ففيه الأدب والطاعة» الأدب في قوله (وقولوا انظرنا) والطاعة في قوله (واسمعوا) لأن السماع هنا سماع إجابة وطاعة. ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع قال: «وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين انهم ما يودون أن ينزل عليكم أي معاشر أهل الإيمان من خير أي لا قليل ولا كثير (من ربكم) حسدا منهم وبغضا لكم أن يختصكم الله بفضله فانه سبحانه ذو الفضل العظيم ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم ليزكيكم (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فلله الحمد والمنة.
جاء عن ابن عباس في الأثر قال: "راعنا بلسان اليهود السب القبيح" فكان اليهود يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرا هذه الكلمة (راعنا) سرا يقصدون بها سب، فلما سمعوا أصحابه يقولون راعنا على معنى صحيح، فلما سمعوا أصحابه يقولون (راعنا) أعلنوا بها صاروا يقولونها لكن هم يقصدون بها المعنى القبيح فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم فأنزل الله الآية (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).

نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..
جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...