الثلاثاء، 7 يوليو 2026

الدرس السبعون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٤)

(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ "قوله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين* وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) يخبر تعالى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام المتفق على إمامته وجلالته الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه بل وكذلك المشركون أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات أي بأوامر ونواه كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره ويزكو عمله ويخلُص ذهبه وكان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام فأتمّ ما ابتلاه الله به وأكمله ووفاه فشكر الله له ذلك ولم يزل الله شكورا فقال (إني جاعلك للناس إماما) أي يقتدون بك في الهدي ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل والتعظيم من كل أحد وهذه لعمر الله أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام شمّر إليه العاملون، وأكمل حالة حصّلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم من كل صدّيق متبع لهم داع الى الله والى سبيله فلما اغتبط ابراهيم بهذا المقام وأدرك هذا طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضا من إمامته ونصحه لعباد الله ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية والمقامات السامية فأجابه الرحيم اللطيف وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحط قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام فإنه مقام آلته الصبر واليقين ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة والشمائل السديدة، والمحبة التامة والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام، ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة ولكن مع إتيانه بأسبابها"

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد: قول الله جل وعلا (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) الابتلاء هو الامتحان والاختبار، ابتلاه أي امتحنه واختبره، وفائدة الامتحان: تميُز الناس الصادق من الكاذب، الجاد من الهازل، العامل من العاطل.
 ابتلاه بكلمات المقصود بالكلمات التي ابتلاه بها أي الأوامر والنواهي، أمره سبحانه وتعالى بأوامر ونهاه عن نواه، أمره بأمور أن يفعلها ونهاه عن أمور أن يرتكبها.
 (فأتمهن) أتم الكلمات التي أمره الله سبحانه وتعالى بها قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "قال كثير من السلف: أي قام بجميع ما أُمر به ووفّى كل مقام من مقامات العبادة فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير" يعني من من شدة توفيته لما أمر به، العبادات الكبيرة لا تشغله عن الصغيرة، الأعمال العظيمة لا تشغله عن الأعمال أو الأعمال الكثيرة لا تشغله عن الأعمال القليلة، أتمّ كل ما أمره الله به ولهذا أثنى الله عليه في موطن آخر من القرآن قال: (وإبراهيم الذي وفّى) وفّى وفّى أي أتمّ ما أمره الله سبحانه وتعالى به من أوامر وانتهى عما نهاه تبارك وتعالى عنه من نواهي.
قال (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) هذا الآن الابتلاء والابتلاء له ثمرة ما هي الثمرة؟
قال (إني جاعلك للناس إماما) أي قدوة للعالمين، قدوة للمتقين (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم) إمام أي: قدوة (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) أمة: إمام في الخير، ولا يكون المرء إماما في الخير إلا إذا اجتمعت فيه خصال الخير ولهذا تُعد الإمامة في الدين من أعظم الرتب وأرفعها لأنه اجتمعت فيه صفات الخير فيكون قدوة للناس ولا يكون المرء إماما لمن بعده في الخير إلا إذا ائتم هو بمن قبله في الخير، ومن دعوات عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان (واجعلنا للمتقين إماما) أحد السلف في تفسيره لها قال: "(اجعلنا للمتقين إماما) أي اجعلنا مؤتمين بالمتقين" قال ابن القيم: "وهذا من أحسن التفسير.
قال "واجعلنا مؤتمين بالمتقين" ما المعنى؟ لا يكون إماما للمتقين بعده إلا إذا ائتم بالمتقين قبله. فهذه رتبة علية كانت ثمرة ماذا؟
الوفاء والتمام الذي قام به لما ابتلاه الله بالكلمات فكان أولا: الابتلاء، ثم ثانيا: التمكين (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) هذا التوفيه (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) فابتلاء أولا ثم التمكين، الإمام الشافعي سأله رجل قال: أيهما أفضل للرجل أن يُمكّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكّنهم فيستفاد من هذه الآية: العاقبة العظيمة للصبر على الابتلاء الذي هو محافظة العبد التامة وعنايته الدقيقة بالأوامر فعلا لها، والنواهي تجنبا لها، ابتعادا عنها.
قال: (واذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما) هذه العاقبة، هذه عاقبة الوفاء، عاقبة الإتمام الذي كان من إبراهيم لما أُمر به عليه صلوات الله وسلامه، (قال إني جاعلك للناس إماما) من عظيم إحسانه عليه السلام وحرصه على الخير وبقاء الخير في الناس أحب بقاء الأئمة أئمة الخير الذين يُقتدى بهم في الخير لأن الناس على مر الأيام يحتاجون حاجة ماسة إلى أئمة الهدى، إذا كان الناس في مجتمعاتهم لا يوجد إلا أئمة الضلال دعاة باطل كيف تكون حال الناس (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) فالمجتمعات بحاجة شديدة جدا إلى أئمة هدى
ما معنى أئمة هدى؟ أن يشتغل الناس - طلاب العلم- بالعلم والعبادة والعمل والصلاح والإصلاح ويكون في بلده إماما فيصبح في بلده خلق يأتمون بهم، يقتدون بما عندهم من العلم والعمل وينتفعون بما عندهم من دعوة وتعليم، فالناس حاجتهم شديدة إلى الأئمة أئمة الهدى. والإمامة في الدين ما تنال إلا بأمور وخلاصتها أربعة أمور اليوم استمعنا إليها في صلاة الفجر في قول الله سبحانه وتعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) أربعة، وانظر شرحا عظيما لها في رسالة الإمام ابن القيم إلى أحد إخوانه، شرح لهذه الأمور الأربعة التي تُنال بها الإمامة في الدين، فإبراهيم عليه السلام حقق هذه الإمامة لما قال الله له (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي)
ما معنى (ومن ذريتي)؟ 
أي واجعل يا الله من ذريتي أئمة في الدين يُقتدى بهم فأجاب الله سبحانه وتعالى دعوته وحقق ما سأله نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام، حقق ما سأله فجعل الله سبحانه وتعالى في ذريته النبوة والكتاب هذا من إجابة الله لدعوته جعل في ذريته النبوة والكتاب، وجميع الأنبياء الذين بُعثوا من بعده كلهم من ذريته عليه السلام وهذا من إجابة دعوته قال (ومن ذريتي) سأل الله أن يجعل من ذريته أئمة في الدين يُقتدى بهم في الصلاح والإصلاح
قال الله عز وجل (لا ينال عهدي الظالمين) وهذا فيه أن الظالم حتى لو كان نسبه من أشرف الأنساب لا ينال هذه المقامات وليس أهلا لها (لا ينال عهدي الظالمين) أي هذه المرتبة العلية الرفيعة الإمامة في الدين لا ينالها ظالم ولو كان من ذرية الأنبياء، ولو كان من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام إمام الحنفاء الوجيه عند رب العالمين سبحانه وتعالى فهذا فيه دلالة على أن الظالم ليس أهلا للإمامة، الظالم لنفسه والظالم للناس ليس أهلا للإمامة في الدين. ومما ينبه عليه في هذا المقام: أن من أعظم الظلم للناس الذي له أثر في عدم نيل الإمامة ما نهى الله عنه في مواطن من القرآن مثل الهمز واللمز والنميمة والغيبة والسخرية بالناس والطعن واللعن هذه كلها تجعل الإنسان ليس أهلا
ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) الشاهد من هو؟ الذي يشهد للناس بالخير، والشافع الذي يشفع لهم بالخير، فيقول إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة، لماذا؟ لأن الناس في الدنيا ما سلموا منهم لا من جهة الشهادة فهم طعانين، ولا من جهة الشفاعة فهم لعانين فما سلموا منهم في الدنيا فليسوا أهلا أن يكونوا يوم القيامة شهداء للناس بالخير أو شفعاء للناس بالخير فمقام الإمامة في الدين مقام رفيع لا يناله ظالم، لا يُنال بالظلم، لا يُنال إلا بالرحمة والرفق والإحسان واللطف والخير والنصح والعناية بإصلاح النفس وإقامتها على طاعة الله سبحانه وتعالى، إقامتها على الطاعة، على العبادة لله جل وعلا قال (لا ينال عهدي الظالمين) ومثل ما تقدم يعني هذه الرتبة الرفيعة العالية لا ينالها ظالم ولو كان من ذرية الأنبياء، لو كان من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام، الظالم ليس أهلا لهذه الرتبة فيستفاد من هذا: من أحب لنفسه هذه الرتبة في الدين فعليه أن يجاهد نفسه على البعد عن الظلم، أن يعرف الظلم بأنواعه ويجاهد نفسه على البعد منه، لا يظلم نفسه ولا يظلم غيره، يجاهد نفسه على السلامة من الظلم، وأيضا الاتصاف بضده العدل..
وأظلم الظلم الذي يسقط فيها فاعله إلى الحضيض إلى الدركات الشرك بالله (والكافرون هم الظالمون)، (إن الشرك لظلم عظيم) أظلم الظلم هو الشرك اظلم الظلم ولهذا من يصرف شيئا من العباده لغير الله يسقط سقوطا الى الحضيض إلى الهلكات ولا يكون أهلا لا إلى إمامة ولا إلى ما هو دون الإمامة لأن الشرك يسقطه إلى أسفل الدركات والله جل وعلا يقول (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين* بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) (قال لا ينال عهدي الظالمين).
 
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "يخبر تعالى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام المتفق على إمامته وجلالته الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه" بل وكذلك المشركون، متفق على إمامته، متفق على منزلته، متفق على علو رتبته عليه السلام حتى أن كل الطوائف تدعيه، ما معنى كل الطوائف تدعيه؟
اليهود يقولون إبراهيم كان يهوديا، والنصارى يقولون إبراهيم كان نصرانيا، والله يقول (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) وكذّبهم الله عز وجل في دعواهم هذه بالتاريخ، والتاريخ يُكذَّب به كثير من الباطل قال (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) هذا تكذيب لهم بالتاريخ، كيف تقولون أنه يهودي أو نصراني وأصلا التوراة والإنجيل وعيسى وموسى كلهم إنما بُعثوا من بعده كيف يكون هذا الكلام؟! هذا تكذيب لهم بالتاريخ. قال "كل من الطوائف - من طوائف أهل الكتاب - تدعيه بل وكذلك المشركون - الكفار - كانوا يدّعون أنهم على ملة إبراهيم" ما الذي كانوا عليه؟ الشرك الصراح، والكفر البواح ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم، الله عز وجل يقول (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين) كيف يكون هذا الادعاء الذي هو من أسفه الادعاء وأشنعه وأقبحه يقولون أنهم على ملته!! قال "بل وكذلك المشركون"
يخبر تعالى أن عبده وخليله الذي كذا كذا أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، بكلمات ما هي الكلمات؟ قال أي أوامر ونواهي، أمره بأوامر أن يفعلها كثيرة عديدة، ونهاها عن نواهي، وجميع الأوامر التي أُمر بها فعلها، وجميع النواهي التي نُهي عنها اجتنبها، وفّى ما ترك حتى مثل ما قال السلف "فما شغله أمر كبير من الأوامر عن أمر صغير" وفّى بالأوامر الصغير منها والكبير، الدقيق والجليل، عليه السلام ولهذا امتدحه الله قال (وإبراهيم الذي وفّى) يعني وفّى بكل ما أمره الله سبحانه وتعالى به قال: "أي بأوامر ونواهي كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده" "في ابتلائه لعباده" الابتلاء بالأوامر والنواهي افعلوا ولا تفعلوا، هذا الابتلاء، ما غرض هذا الابتلاء؟
قال: "ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق" ليميز الخبيث من الطيب، ليتبين الكاذب من الصادق، "الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره ويزكو عمله ويخلص ذهبه" وكان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام،
  المقام ماذا؟ مقام الوفاء والإتمام لما امتُحن به لما ابتُلي به، كان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام "فأتمّ ما ابتلاه الله به وأكمله ووفّاه "فشكر الله له ذلك ولم يزل سبحانه وتعالى شكورا فقال (إني جاعلك للناس إماما)" هذا من شكر الله سبحانه وتعالى لنبيه أن جعله إماما.
 قوله (إني جاعلك) والتي استمعنا اليها في سورة السجدة (وجعلنا منهم أئمة) الإمامة في الدين لا تكون إلا إذا جعل الله الشخص كذلك ولهذا لا يعتمد على الأسباب، يبذل الإنسان الأسباب ويجتهد فيها غاية الاجتهاد لكن يسأل ربه ولهذا لما ذكر الله عز وجل عن عباد الرحمن بذلهم للأسباب العظيمة ذكر أنهم يدعون الله عز وجل بقولهم واجعلنا للمتقين إماما (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما* أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) صبروا بذلوا أسباب وجاهدوا أنفسهم وعملوا بما أُمروا به وانتهوا عما نُهوا عنه وسألوا ربهم الإمامة في الدين، هذه الرتبة التي أعلى ما يكون، فلا تكون إلا إذا جعل الله سبحانه وتعالى العبد كذلك، وهكذا أمور  الخير، أمور العبادة، أمور الطاعة ما يمكن أن تفعل شيء منها إلا إذا جعلك الله كذلك ولهذا لاحظ في دعاء إبراهيم (ربنا واجعلنا مسلمين لك) تأتي معنا، (ربي اجعلني مقيم الصلاة) (اجعلني) كثير يأتي هذا، ما يمكن أن يحصل منك شيء من الخير إلا إذا جعلك الله كذلك،
 أحد السلف يقول موضحا هذا المعنى بمثال يقول: "لو أخرج قلبي من صدري وجعل في كفي اليسرى أمامي - يعني أراه جعل في كفي اليسرى - وجيء بالخيرات كلها ووضعت في كفي اليمنى - مثلا التوكل، الصدق الصبر، الرجاء، الخوف، كل أعمال القلوب لو جيء بها ووُضعت في كفي اليمنى - لم أستطع أن أجعل شيئا منها في قلبي" الآن لاحظ يقول القلب في اليد اليسرى والخيرات كلها في اليمنى قال لم أستطع أن أجعل شيئا منها في قلبي إلا أن يكون الله الذي يضعه (جعلنا)، لازم نفهم هذا، (جعلنا) إذا فهم المرء هذا الأمر ما يلتفت إلى الأسباب التي يقوم بها، يفعلها يجاهد نفسه على فعلها لكن يرجو رحمة ربه، يرجو فضل ربه سبحانه وتعالى.
 قال (إني جاعلك) إبراهيم الخليل عليه السلام ما كان في هذه الرتبه إلا بجعل الله له، الله الذي جعله ولما قال (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي كذلك أجاب الله دعاءه وجعل، جعل من ذريته الأئمة في الدين قال (إني جاعلك للناس إماما) أي يقتدون بك في الهدى ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل والتعظيم من كل أحد، وهكذا كان جعل الله له لسان صدق في الآخرين عليه صلوات الله وسلامه وعلى جميع النبيين،  وهذه الإشارة الى ماذا؟ إلى الإمامة، وهذه لعمر الله أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام شمّر إليه العاملون أن يكون المرء إماما في الدين.
إمام في الدين ليس لقبا يا سيادة الإمام، ليس لقب يبحث عنه يُلقب به، الإمامة عمل يتصف به ويعمل به ويتحلى بأوصاف، هذه الإمامة بحيث أن الناس كل ما أرادوا خصلة من خصال الخير وجدوا في هذا الإمام قدوة لهم فيه، ولهذا لا يكون المرء إماما حتى تجتمع فيه صفات الخير، يتحلى بها، قال: "وهذه لعمر الله أفضل درجة يتنافس فيها المتنافسون وأعلى مقام شمّر إليه العاملون وأكمل حالة حصّلها أولوا العزم من المرسلين واتباعهم من كل صدّيق متبِع لهم داعٍ إلى الله وإلى سبيله"
 "فلما اغتبط إبراهيم - فرح بهذا الفضل وسُر بهذا الإنعام والإكرام الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى به - فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام وأدرك هذا حصّل هذه الرتبة العلية - جعله الله كذلك - طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجه ذريته وهذا أيضا من إمامته"
الطلب هذا نفسه من إمامته لماذا؟
لأنه حرص على على بقاء أئمة في الدين للناس يهتدون بهديهم ويقتدون بهم قال: "وهذا أيضا من إمامته ونُصحه لعباد الله ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون فلله عظمة هذه الهمم العالية والمقامات السامية" يعني اشفق على الأجيال التي تأتي، ليس فقط هذا همّه في الجيل الذي يراهم ويعيش معهم بل همّه اتجه إلى الأجيال فيما بعد أن يكون فيهم أئمة حتى يصلح الناس بوجود هؤلاء الأئمة يقتدى بهم ويهتدى بهديهم قال (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي أئمة في الدين.
 قال الشيخ رحمه الله: " فأجابه الرحيم اللطيف" وعرفنا أن من إجابة الله لدعوته أن جعل في ذريته النبوة والكتاب (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) فجعل في ذريته النبوة فلم يبعث نبي بعد إلا من ذريته عليه السلام هذا من إجابة الله دعوته، وأخبر سبحانه وتعالى بالمانع من نيل هذا المقام- مقام الإمامة - فقال (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحطّ قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام لأنه لو كان ظالما كيف يكون ظالم وإمام؟ يأتمُ به الناس في الظلم، لأن إمام يعني قدوة، فإذا كان ظالم معروف بالظلم يصبح إمام؟! إمام في ماذا؟ في الظلم؟ والإمامة في الدين لا تجتمع مع الظلم، أما الإمامة في الشر نعم هناك إمامة في الشر هناك أئمة في الشر (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) هناك أئمة يدعون إلى النار، يدعون إلى الشر، لكن إمامة في الدين ما تجتمع والظلم (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحط قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام فإنه مقام آلته الصبر واليقين ما الدليل على أن الإمامة في الدين آلتها الصبر واليقين؟ (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين قال: " آلته الصبر واليقين ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الجميلة والشمائل السديدة والمحبة التامة والخشية والإنابة.
 وهل من شرط الإمامة في الدين العصمة؟
يخطئ الانسان وتزل قدمه لكنه مع نفسه في جهاد عظيم في إصلاحها وتدارك نفسه في تقصيره وكثرة استغفاره وإنابته وتوبته (كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون) ليس من شرط الإمام أن لا يخطئ ولا يقع في الزلة أو الخطأ، يقع لكنه دائما يعتني بنفسه ويعمل على مجاهدتها التامة (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
 قال الشيخ: "فأين الظالم وهذا المقام" يعني أين هو وهذا المقام مقام الإمامة في الدين، قال رحمه الله تعالى: "ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة" هذا كلام عظيم جدا واستفاد من الآية أن غير الظالم سينال الإمامة (لا ينال عهدي الظالمين) مفهومها أن من لا يكون ظالم ينال، الآية لها مفهوم ولها منطوق:
منطوقها: أن الظالم لا ينال العهد
مفهومها: أن غير الظالم ينال العهد ينال الإمامة
هذا يستفاد منه: أن مجاهدة الإنسان نفسه على تجنب الظلم والبعد عن الظلم يصل به إلى هذه الرتبة العلية. قال: "ولكن مع إتيانه بأسبابها" أسبابها التي هي: المجاهدة للنفس وكثرة الدعاء للرب (واجعلنا للمتقين إماما).
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الأحد، 5 يوليو 2026

عرض إجمالي لسورة الأعراف

 عند ما نستعرض سورة الأعراف نراها:
 في الربع الأول منها تطالعنا بالحديث عن عظمة القرآن وتأمرنا باتباعه، وتحذرنا من مخالفته، وتحثنا على المسارعة إلى العمل الصالح الذي تثقل به موازيننا يوم القيامة قال تعالى: (كِتابٌ أنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* اتَّبِعُوا ما أنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ)
ثم ساقت لنا بأسلوب منطقي بليغ قصة آدم مع إبليس، وكيف أن إبليس قد خدعه بأن أغراه بالأكل من الشجرة المحرمة، فلما أكل منها هو وزوجه (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفإن عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)
ثم وجهت إلى بنى آدم نداء في أواخر هذا الربع نهتهم فيه عن الاستجابة لوسوسة الشيطان، قال تعالى: (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ).

وفي الربع الثاني منها نراها تأمرنا بأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد، وتخبرنا بأن اللّه - تعالى -  قد أباح لنا أن نتمتع بالطيبات التي أحلها لنا، وتبشرنا بحسن العاقبة متى اتبعنا الرسل الذين أرسلهم اللّه لهدايتنا، ثم تسوق لنا في بضع آيات عاقبة المكذبين لرسل اللّه، وكيف أن كل أمة من أمم الكفر عند ما تقف بين يدي اللّه للحساب تلعن أختها، قال تعالى: (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كان لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ). 
ثم تبين السورة بعد ذلك عاقبة المؤمنين فتقول: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).

وفي أواخر هذا الربع وفي أوائل الربع الثالث منها نراها تسوق لنا تلك المحاورات التي تدور بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وتحكى لنا ما يحصل بينهم من نداءات ومجادلات، تنتهي بأن يقول أصحاب النار لأصحاب الجنة على سبيل التذلل والتوسل: (أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فيجيبهم أصحاب الجنة: (إن اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ* الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) ثم تسوق لنا السورة بعد ذلك جانبا من مظاهر نعم اللّه على خلقه، وتدعونا إلى شكره عليها لكي يزيدنا من فضله. 

وفي الربع الرابع منها وكذلك في أواخر الثالث تحدثنا السورة الكريمة عن قصة نوح مع قومه، ثم عن قصة هود مع قومه، ثم عن قصة صالح مع قومه، ثم عن قصة لوط مع قومه، ثم عن قصة شعيب مع قومه. ولقد ساقت لنا خلال حديثها عن هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم من العبر والعظات ما يهدى القلوب، ويشفى الصدور ويحمل العقلاء على الاستجابة لهدى الأنبياء والمرسلين.

أما في الربع الخامس منها فقد بينت لنا سنن اللّه في خلقه، ومن مظاهر هذه السنن أنه - سبحانه - لا يعاقب قوما إلا بعد الابتلاء والاختبار، وأن الناس لو آمنوا لفتح - سبحانه - عليهم بركات من السماء والأرض وأن الذين يأمنون مكر خالقهم هم القوم الخاسرون
 قال تعالى: (تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أنبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ* وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإن وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)

ثم عقّب على ذلك ببيان أن اللّه - تعالى - قد ساق قصص السابقين للعظة والاعتبار. 
ثم أسهبت السورة في الحديث عن قصة موسى - عليه السلام - فقصت علينا في زهاء سبعين آية - استغرقت الربع السادس والسابع والثامن - ما دار بينه وبين فرعون من محاورات ومناقشات، وما حصل بينه وبين السحرة من مجادلات ومساجلات انتهت بأن قال السحرة: (آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) ثم حكت لنا ما لقيه موسى من قومه بنى إسرائيل من تكذيب وجهالات، مما يدل على أصالتهم في التمرد والعصيأن، وعراقتهم في الكفر والطغيان.

وفي الربع التاسع منها حدثتنا عن العهد الذي أخذه اللّه على البشر بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ثم حضتنا على التفكر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، وبينت لنا أن موعد قيام الساعة لا يعلمه سوى علام الغيوب، وأن الرسل الكرام وظيفتهم تبليغ رسالات اللّه، ثم هم بعد ذلك لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا.

أما في الربع العاشر والأخير فقد اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على وحدانية اللّه، ووبخت المشركين على شركهم، ودعت الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) وأمرتهم بأن يكثروا من التضرع والدعاء (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ* إن الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ).

والسورة فيها من التعليم والتوجيه والإرشاد والتفكر في هذا القرآن وأسراره، ويوم القيامة وأهواله، والنظر في الخلق والكون وإقامة الأدلة على وجود الخالق سبحانه، والبعث وأسرار يوم الفصل، وأمر رسوله ألا يطيع المشركين ولا يتبع أهواءهم، والتعجب من حال المشركين الذين أضلهم اللّه على علم، والدعوة الى منهج الاستقامة ومخالفة الشيطان، وبيان حال أهل الأعراف، والاعتبار بقصص الغابرين وهلاك المكذبين، ونجاة الرسل والمؤمنين، وحلول العذاب بالمشركين بعد أن تتبين لهم قبائح أعمالهم.
 والسورة تتجول في أساليبها ما بين السؤال والقسم، والوعد والوعيد لمن كذب بآياته واستكبر عن سماعها وخالف العهد والميثاق، والترغيب والترهيب، وطلب العفو والاحتكام الى العُرف والإعراض عن الجاهلين، والامتنأن على بنى إسرائيل بما آتاهم من النعم الروحية والمادية، وقبل ذلك كله الأدب في الحضرة الإلهية وثناء المولى سبحانه على نفسه وإثبات الكبرياء والعظمة له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التفسير التربوي
اقرأ المزيد...

السبت، 27 يونيو 2026

فوائد منتقاة / سورة هود ( ١٠٠ - ١١٣)

 ثم شرعت الآيات بالتعقيب على هذه القصص ، وبيان ما فيها من مواعظ وعبر وحكم  بعد أن أبرزت في أثناء عرضها  مسؤولية الإنسان الشخصية الفردية على كسبه واختياره والجزاء الذي يبدأ في الدنيا ويمتد إلى الآخرة .

/ (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ)
من ديار هؤلاء ما هو قائم كما هو الحال في ديار ثمود فهي موجودة وقائمة إلى يومنا هذا، (وَحَصِيدٌ) يعني: أن الله عز وجل - قد أزالها ومحاها، كما هو الحاصل في قرى قوم لوط، فمنها هكذا ومنها هكذا.
- أصل الحصيد ما يُحصد من الزرع، فهذا الزرع الذي يحصد لا يكون له قيام بعد الحصاد، وهذا شاهده الناس في هذا الزمان في طوفان تسونامي، فصارت القرى حصيداً وتحولت تلك الديار والمدن أو القرى إلى شيء كالهشيم، محطمة، لا ترى منها شيئاً قائماً، فبأس الله عز وجل - قوي ونكاله شديد، والله المستعان.

/ (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) 
فيه تربية على أن العدالة إلهية والظلم بشري، فالله تعالى لم يظلم الناس بالعذاب والهلاك وإنما هم ظلموا أنفسهم باختيار الكفر والمعصية، والله تعالى لم ينقص الناس النعيم والرزق في الدنيا إلا حينما نقصوا حظ أنفسهم في ذلك فاستخفوا بحقوق الله.

- " إقحام النفس في مآثم ترك الواجب، وفعل المحرم ظلم لها وعدوان عليها كما قال الله تعالى: عن المكذبين للرسل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) (١)
في صحيح مسلم وسنن الترمذي أن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد، ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) فبين أن كل من شارك أولئك ) المتقدمين في الظلم فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد.
- لا يعتبر بهذه القصص ويستفيد من دروسها ومواعظها إلا الإنسان الذي يشعر بالمسؤولية عن هذه الحياة ، ويؤمن أنه ما خلق عبثا، وأنه مكلف مسؤول مثاب أو مُعاقب، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ )

/ (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) 
هذه الآيات يذكر الله -عز وجل- فيها أنهم لا يتكلمون، أو لا يتكلم أحد إلا بإذنه، وما شابه ذلك، ومنها ما ذكر الله فيه كلامهم، كما قال الله عز وجل : (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ) وكذلك أنهم : يقولون: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾، وأشباه ذلك من الكلام الذي يقولونه حينما يتساءلون عن مدة مكثهم وبقائهم في الحياة الدنيا، والجمع بين هذه الآيات أن يقال :
بأن يوم القيامة يوم طويل، ففي وقت منه لا يتكلم أحد، وفي بعض الأوقات يتكلمون، كما ذكر الله عز وجل - عن الكفار: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْألُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) ، وفي موضع آخر يقول: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْؤولُونَ) ، فكذلك أيضاً لا يُسألون في وقت ويُسألون في وقت آخر، أو أنهم لا يُسألون سؤال استعتاب وإنما يُسألون سؤال تبكيت وتقريع، كقوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) حينما يدخلون النار والله أعلم.

/ (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) 
يرِد هنا سؤال : أن السماوات والأرض يحصل لهما الزوال، فكيف علق خلودهم بأمر زائل ؟ 
والجواب: هو أن العرب قد تعلق الأمر بزائل وتقصد بذلك التأبيد، كما يقولون: هذا باقي بقاء السماوات، هذا باقي ما غرد الطير، وهبت الريح، وتتابع الليل والنهار، وما أشبه هذا، ويقصدون به الدوام والاستمرار، والقرآن نزل بلغة العرب وبأساليبهم، فنعيم أهل الجنة لا يزول، وعذاب أهل النار لا يزول.
ويحتمل أن المراد بـ (مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ) الجنس؛ لأنه لابد في عالم الآخرة من سماوات وأرض كما قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ) ولهذا قال الحسن البصري في قوله : (مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال : "يقول سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض".

/ (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالَ لِمَا يُرِيدُ ) 
علق الخلود بالمشيئة وللعلماء في هذه المشيئة أقوال مختلفة ليس هذا مجال ذكرها وأرجح الأقوال في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالَ لِمَا يُرِيدُ ) أن التعليق فيها بالمشيئة كالتعليق في قول الله - تبارك وتعالى : (لَقَدْ صَدَق اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلْنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)، فدخولهم المسجد الحرام حاصل قطعاً، فقد قضاه الله عز وجل وقدره وإنما ذكر المشيئة لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله عز وجل - فكذلك التعليق في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالُ لِمَا يُرِيدُ) (٢)

- (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ) 
اختلف السلف في الاستثناء من خلود المؤمنين في الجنة :
/ فقيل: إنه استثناء للمدة التي يمكثها عصاة المؤمنين في النار قبل دخولهم الجنة من مدة خلودهم في الجنة فالمعنى : يخلد المؤمنون في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة شاء ربك أن يقضيها عصاة المؤمنين في النار قبل دخولهم الجنة .
/ وقيل: إنه استثناء الرب ولا يفعله كقولك: والله لأكرمن فلانا إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا ترى إلا إكرامه .
وقريب منه ما قيل: من أن الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله لا أنهم باستقرارهم في الجنة وتمكنهم فيها خرجوا من مشيئة الله. ولا ينافي ذلك إرادته إرادة كونية أن يخلدوا فيها، ونظيره: 
قوله تعالى : ﴿ وَلَئن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا) وهو سبحانه مُريد لبقاء ما أوحى به إلى رسوله
وقوله : (فَإِن يَشَأ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) وهو سبحانه لا يشاء الختم على قلب رسوله بل أراد له استمرار الهداية والإمداد بالنور وصفاء البصيرة
وقوله : ﴿ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْراكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) وقد شاء سبحانه إعلامهم به وتلاوة رسوله القرآن عليهم. إلى غير هذا من النظائر التي يقصد فيها إثبات كمال الاختيار ولأن الأمور لم تخرج من دائرة تقديره سبحانه وتصريفه.
 واختار ابن جرير أن " إلا " بمعنى " لكن " وعليه يكون الاستثناء منقطعا والمعنى: خالدين فيها سوى ما شاء ربك من زيادة نعيم إلى جانب خلودهم في الجنة بدليل ما خُتمت به الآية من قوله تعالى (عَطَاءٌ غَيْرَ مَجْذُوذ)
والدليل من السنة على أبدية الجنة قوله صلى الله عليه وسلم : ( من يدخل الجنة يُنعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت ) وقوله : (ينادي مناديا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا ) رواه مسلم ، وقوله : ( يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ) رواه مسلم (٣)
" قول الحافظ ابن كثير رحمه الله-: "معنى الاستثناء هاهنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمراً واجباً بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى وهو القول الراجح في هذه المسألة.(٤)

- قال الشيخ ابن باز رحمه الله : " الآيتان ليستا منسوختين بل هما محكمتان ، وقوله جل وعلا - : ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) اختلف أهل العلم في بيان معنى ذلك مع إجماعهم بأن نعيم أهل الجنة دائم أبدا لا ينقضي ولا يزول ولا يخرجون منها ، ولهذا قال بعده سبحانه (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ ) لإزالة ما قد يتوهم بعض الناس أن هناك خروجا ، فهم خالدون فيها أبدا وأن هذا العطاء غير مجذوذ أي: غير مقطوع ، ولهذا في الآيات الأخرى يبين هذا المعنى فيقول سبحانه : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَام آمِنِينَ ) فبين سبحانه أنهم آمنون - أي آمنون من الموت وآمنون من الخروج وآمنون من الأمراض والأحزان وكل كدر - ثم قال سبحانه وتعالى : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلَّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ* لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجينَ) [الحجر: ٤٧ - ٤٨] ، فبين سبحانه أنهم فيها دائمون لا يخرجون ، وقال عز وجل: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ* كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ* يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ* لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [الدخان: ٥١ - ٥٧] ، فأخبر سبحانه أن أهل الجنة في مقام أمين لا يعترضهم خوف ولا زوال نعمة وأنهم آمنون أيضا ، فلا خطر عليهم من موت ولا مرض ولا خروج منها ولا حزن ولا غير ذلك من المكدرات ، وأنهم لا يموتون أبدا ، ومعنى ذلك أن أهل الجنة يخلدون فيها أبد الآباد.

/ وقوله : ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) قال بعض أهل العلم معناه : مدة بقائهم بالقبور وإن كان المؤمن في روضة من رياضها ونعيم من نعيمها ، لكن ذلك ليس هو الجنة ، ولكن هو شيء من الجنة ، فيفتح على المؤمن في قبره باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها ونعيمها ، ثم ينقل بعد ذلك إلى الجنة فوق السموات في أعلى شيء .
وقال بعضهم معنى : ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) أي مدة مقامهم في موقف القيامة للحساب والجزاء بعد خروجهم من القبور ثم ينقلون بعد ذلك إلى الجنة.
وقال بعضهم المراد : جميع الأمرين مدة مقامهم في القبور ومدة مقامهم في الموقف ومرورهم على الصراط كل هذه الأوقات هم فيها ليسوا في الجنة لكن ينقلون منها إلى الجنة ، وقوله : (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) يعني إلا وقت مقامهم في القبور ، وإلا وقت مقامهم في الموقف وإلا وقت مرورهم على الصراط فهم في هذه الحالة ليسوا في الجنة ولكنهم منقولون إليها ، وسائرون إليها ، وبهذا يعلم أن الأمر واضح ليس فيه شبهة ولا شك ولا ريب فالحمد لله، فأهل الجنة ينعمون فيها وهم خالدون أبد الآباد لا موت ولا مرض ، ولا خروج ، ولا كدر ، ولا حزن ، ولا حيض ، ولا نفاس ، ولا شيء من الأذى أبدا ، بل في نعيم دائم وخير دائم .
وهكذا أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها ولا تخرب أيضا هي بل تبقى وهم باقون فيها.
 وقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قيل مدة مقامهم في المقابر ، أو مدة مقامهم في الموقف كما تقدم في أهل الجنة ، وهم بعد ذلك يساقون إلى النار ويخلدون فيها أبد الآباد ونسأل الله العافية ، وكما قال عز وجل - في سورة البقرة: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)، وقال عز وجل في سورة المائدة في حق الكفرة (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) .
وقال بعض السلف: إن النار لها أمد ولها نهاية بعد ما يمضي عليها آلاف السنين والأحقاب الكثيرة وأنهم يموتون أو يخرجون منها.
وهذا القول ليس بشيء عند جمهور أهل السنة والجماعة بل هو باطل ترده الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة - كما تقدم - 
وقد استقر قول أهل السنة والجماعة إنها باقية أبد الآباد وأنهم لا يخرجون منها وأنها لا تخرب أيضا ، بل هي باقية أبد الآباد في ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة الثابتة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ومن الأدلة على ذلك مع ما تقدم قوله سبحانه في شأن النار (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا )، وقوله سبحانه في سورة النبأ يخاطب أهل النار (فَذُوقُوا فَلَن نزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) نسأل الله السلامة والعافية منها ومن حال أهلها. (٥)
قال الشيخ صالح المغامسي في تأملات قرآنية في سورة هود : 
"(إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) هذا الإشكال أجاب عنه العلماء بأجوبة كثيرة ذكر منها أبو العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية أكثر من ثمانية أقوال، وغيره من المفسرين، وسردها الألوسي في روح المعاني وغيره من العلماء والذي يظهر - والله أعلم - أنها كلها أجوبة متكلفه لا تستقيم وإنما نختار الذي نراه صواباً كرأي واحد نقول إن هذا القول من ربنا - جل وعلا - (إلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) المراد به بيان القدرة والمشيئة ودفع توهم أن يكون ذلك واجب على الله ، أما ما ذكره العلماء كقولهم (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يعني مدة بقاءهم في أرض المحشر أو مدة بقاءهم من العصاة أو مدة بقاءهم في الحساب وأمثال ذلك، فهذا كله صعب القول به حتى من نقله قال هذا أمر لا يستقيم وإنما نقول (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) بيان أن المسألة مطلقة لله جل وعلا والله قد أخبر والقرآن فيه محكم وفيه متشابه ويُرد المتشابه إلى المحكم ، وقد أخبر الله في أكثر من آية محكمة أو في سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن أهل النار خالدين فيها أبد الآباد -عياذاً بالله- وأهل الجنة خالدين فيها أبد الآباد . .
- ( عَطَاءٌ غَيْرَ مَجذوذ ) أي : غير مقطوع، لا ينقطع لا ينتهي وهذا أمر أجمع الناس عليه، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أهل الجنة قال: لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم فهم خالدون فيها كما قال الله جل وعلا ، فهذا هو الحق أن أهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها، أما قول الله { إِلَّا مَا شَاء رَبُّكَ) فإن هذا الأمر غير ملزم على الله تبارك وتعالى، دفع توهم أن يكون واجب على الله ولبيان أن الأمر كله يرجع إلى قدرته ومشيئته وأمره ونفوذ ذلك منه تبارك وتعالى.

عادت الآيات إلى مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- تثبته وتواسيه ، مما يدل على شدة ما كان يعانيه من عنادهم وغلظتهم ، كما تدل على أنها نزلت عليه وهو في مكة في ذروة مواجهته للمشركين قال تعالى : (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوفُوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) .

- (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُم) 
يحتمل أن تكون الكلمة هي: أن رحمته سبقت غضبه، ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة ما قضاه الله عز وجل وقدّره أنه لا يعذبهم بعذاب الاستئصال، والقول بأن المراد بالكلمة أنه : قد جعل لهم وقتاً معلوماً لا يتقدم ولا يتأخر أقرب هذه الأقوال، وهو قول ابن جرير رحمه الله.

- (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)
عن ابن عباس - قال : " ما نزلت على رسول الله -صلى الله  عليه وسلم- آية أشد من هذه الآية ولا أشق " وإنما كانت الاستقامة شديدة وثقيلة لاستدعائها الفقه في دين الله تعالى ، والعلم بأحكامه ، وللخوف من الله تعالى ، ومراقبته ، ولهذا ختم آية الأمر بالاستقامة بقوله : (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

/ وفي هذه الآية " قاعدة قرآنية تمثل أصلاً من أصول الوصايا القرآنية ، ولنا مع هذه القاعدة عدة وقفات :
الوقفة الأولى: ما حقيقة الاستقامة؟ 
وما سر هذا الأمر الصريح له ولأتباعه بلزوم الاستقامة؟
 أما حقيقة الاستقامة، فإن كلمات السلف من الصحابة ومن بعدهم تدور على معنى واحد في الجملة، ألا وهو أن الاستقامة: "هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها
وأما عن سر هذا الأمر الصريح للنبي -صلى الله عليه وسلم-ولأصحابه بالاستقامة، فإن الجواب عن هذا يطول جداً، لكن من أجلى ما يوضح ذلك أن يعلم المؤمن أن أعظم غرض يريده الشيطان من بني آدم هو إضلالهم عن طريق الاستقامة ، ولهذا أمرنا أن نكرر في اليوم والليلة سبعة عشر مرة على أقل تقدير قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)
- الوقفة الثانية مع هذه القاعدة المحكمة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) :
فهذا الأمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالاستقامة هو أمر بالثبات على الاستقامة، ولغيره أمر بها وبالثبات عليها، يقول ابن عطية رحمه الله: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها . إنما هو أمر بالدوام والثبوت، وهذا كما تأمر إنساناً بالمشي والأكل ونحوه، وهو ملتبس به".
ويوضح هذا أن القرآن الكريم مليء بالأمر بهذا الأصل العظيم أو الثناء على أهله في مواضع متنوعة، وبأكثر من أسلوب، ومن ذلك:
• ما جاء في سورة الشورى التي تحدثت عن الشرائع السابقة واتفاقها في جملة من الأصول فقال سبحانه وتعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... ) إلى أن قال : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) الآية، الشورى: ١٣ - ١٥)
• ومن ذلك - أيضاً - أن الله تعالى أمر بهذا الأصل غير واحد من الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام- فقد قال لموسى وهارون: (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [يونس: ۱۸۹] بل لقد امتن الله بهذا الأصل على جميع الأنبياء والمرسلين، فإنه عز وجل لما ذكر عدداً كبيرا من الرسل
في سورة الأنعام قال: (وَمِنْ ءَابَابِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإخَوَانِهِم وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* ذَلِكَ هُدًى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: ۱۸۷ ۱۸۸] .
• وفي صدر سورة فصلت ملحظ مهم في ترسيخ معنى هذه القاعدة، فإن الله تعالى قال لنبيه - : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) الآيات [فلصلت: ١٦]، وفي نفس السورة يبشر الله عباده المستقيمين على دينه بأعظم بشارة تتمناها نفس: فقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَبُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) 
الوقفة الثالثة مع هذه القاعدة المحكمة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) :
أن الإنسان مهما بلغ من التقوى والإيمان، فهو بحاجة ماسة إلى التذكير بما يثبته، ويزيد استقامته، ولو كان مستغنياً عن ذلك لكان نبينا أولى الناس بهذا، يقول ابن تيمية رحمه الله: "وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبداً بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته"
الوقفة الرابعة مع هذه القاعدة المحكمة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) :
أن يعلم المؤمن أن أعظم مدارج الاستقامة هي استقامة القلب، فإن استقامته ستؤثر على بقية الجوارح ولا بد، قال ابن رجب رحمه الله: "فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، وأعظم ما يُراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنَّه ترجمان القلب والمُعبر عنه، ومن استقام على هذا الصراط حصل له سعادة الدنيا والآخرة، واستقام سيره على الصراط يوم القيامة، ومن خرج عنه فهو إما مغضوب عليه، وهو من يعرف طريق الهدى ولا يتبعه كاليهود، أو ضال عن طريق الهدى كالنصارى ونحوهم من المشركين" (٦)
الاستقامة جوهر العمل في الإسلام كما الإيمان جوهر الاعتقاد في الإسلام، وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: (قل آمنت بالله ثم استقم ).

- (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ )
فيه تربية على أن النصر من الله تعالى مشروط بترك الركون إلى الظالمين .
- في هذه الآية: التحذير من الركون إلى كل ظالم والمراد بالركون الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك والرضا بما هو عليه من الظلم، والركون إلى الظالمين ظلم في نظر الإسلام لأنه يشجعهم على ظلمهم ، ويجعلهم يتمادون فيه ، فالآية أبلغ شيء في التحذير من الظلمة والظلم. وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم ؟!! - نسأل الله العافية من الظلم
 قال الحسن : " جُمع الدين في لاتين " يعني (وَلَا تَطْغَوْا ) و (وَلَا تَرْكَنُوا )
---------------------------------
١- فتاوى بن عثيمين - رحمه الله -
٢- تعليقات الشيخ خالد السبت على المصباح المنير
٣- فتاوى و رسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمه الله.
٤- تعليقات الشيخ خالد السبت على المصباح المنير
٥- مجموع فتاوى ومقالات الشيخ بن باز - رحمه الله -
٦- القاعدة السابعة والثلاثون : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) / د. عمر بن عبد الله المقبل / بتصرف
اقرأ المزيد...

الخميس، 25 يونيو 2026

الدرس التاسع والستون/ تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٠)

 (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد:
فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) يخبر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى إلا باتباعه دينهم لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه ويزعمون أنه الهدى فقل لهم أن هدى الله الذي أُرسلت به هو الهدى وأما ما أنتم عليه فهو الهوى بدليل قوله (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى والتشبه بهم بما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ثم أما بعد: قول الله جل وعلا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) هذا إخبار من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن اليهود والنصارى هاتين الطائفتين لن يرضوا عنه مهما فعل إلا أن يتبع ملتهم أي الدين الذي هم عليه ويزعمون أن دينهم هو الهدى. قال جل وعلا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع اليهودية، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع النصرانية لأنهما ملتان ملة اليهود وملة النصارى، ومرّ معنا أن كلٌ من أهل هاتين الملتين يقول عن أهل الملة الأخرى أنهم ليسوا على شيء (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) فهما ملتان وكل ملة منهما تعادي الأخرى وتبغضها وترى أنها ليست على شيء فقوله جل وعلا هنا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) أي لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتهم اليهودية، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع ملتهم أي النصرانية قال (حتى تتبع ملتهم) وهما -كما تقدم- ماذا؟ ملتان، قال (حتى تتبع ملتهم) أفرد الملة لأن الكفر ملة واحدة والدين إما حق وإما باطل، والباطل كله ملة واحدة، ملة الباطل والضلال والمعادات لدين الله عز وجل ورسله الكرام وعدم قبول ما جاء عن الله سبحانه وتعالى فالكفر في هذا ملة واحدة (حتى تتبع ملتهم) والملة هي: الطريقة، ملتهم أي: طريقتهم ودينهم الذي هم عليه، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم قل أيها النبي لهؤلاء أن هدى الله هو الهدى، أن هدى الله أي الذي بعثني به وهو الإسلام الذي رضيه جل وعلا لعباده ولا يرضى لهم دينا سواه (قل إن هدى الله) أي دينه الذي بعثني به (هو الهدى) أي هو الدين الصحيح، وهو الصراط المستقيم، وهو الدين الذي رضيه الله سبحانه وتعالى لعباده دينا ولا يرضى لهم دينا سواه (ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
 (قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت) أيها النبي (أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) هذه نظير قول الله سبحانه وتعالى في سورة الزمر (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) قال الله سبحانه وتعالى له ذلك وهو يعلم أنه لن يشرك، ويعلم أنه لن يتبع أهواءهم وملتهم، ولهذا الخطاب في هذا مع الرسول عليه الصلاة والسلام والأمر للأمة، هذا فيه تهديد (ولئن اتبعت أهواءهم) فيه تهديد للأمة أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أي فرد من أفراد الأمة فيه تهديد له في هذه الآية وتحذير من اتباع اليهود واتباع النصارى، الله جل وعلا يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله ما لك من الله من ولي ولا نصير) فهذا فيه التهديد الشديد والوعيد العظيم للأمة عن اتباع اليهود واتباع النصارى.
 (بعد الذي جاءك من العلم) أي بعد ما جاءكم القرآن والسنة وفيهما الهدى والنور والضياء والحق والدين القويم والصراط المستقيم ، (بعد الذي جاءك من العلم) العلم هذا هو الوحي الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام.
(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)، (ما لك من الله من ولي ولا نصير) هذا الختم فيه التهديد لمن تولى اليهود والنصارى واتبع ملتهم فإنه يفقد بهذا نصرة الله سبحانه وتعالى له ويفقد ولاية الله سبحانه وتعالى له،ويُحرم نصرة الله له، الذي يتبع ملة اليهود وملة النصارى يبؤ بهاتين العاقبتين يفقد الولاية ويُحرم النصرة، ولاية الله التي فيها الحفظ والتسديد والمعونة والتوفيق، يُحرم ولاية الله (ما لك من الله من ولي) (ولا نصير) يحرم النصرة، نصرة الله سبحانه وتعالى له فيحرم من ولاية الله له ويحرم من نصرة الله له إذا ماذا؟ اتبع ملة اليهود فهذا فيه التحذير الشديد مثل ما هناك التحذير بقوله (ولئن أشركت ليحبطن) التهديد بحبوط العمل (ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) تهديد بحبوط العمل والخسران، وهنا تهديد بفقد الولاية والحرمان من النصرة، فقد الولاية والحرمان من النصرة، الذي يتبع ملة اليهود يفقد ولاية الله له (الله ولي الذين آمنوا) يفقد هذه الولاية، ويُحرم النصرة (لننصر رسلنا والذين آمنوا) يفقد هذه (كذلك حقا علينا نصر المؤمنين) يُحرم هذه النصرة إذا اتبع ملة اليهود والنصارى.
 قال الشيخ رحمه الله تعالى هنا في قوله (ولئن اتبعت أهواءهم) قبلها قال ماذا؟ (ملتهم) أفرد والأهواء جمع قال أهواءهم (ولئن اتبعت أهواءهم) لأن الأهواء ليست هوى واحدا لأن الدّين الذي عند الناس إما هدى أو هوى كما هو واضح في الآية إما هدى أو هوى والدّين واحد هو الذي نزّل به وحي الله، والهوى طرائق شتى أهواء كثيرة، طرائق شتى وأهواء كثيرة ولهذا قال بعض السلف قديما قال: "لو كانت الأهواء هوى واحدا لقيل إنه الحق لكنها أهواء" اتباع الأهواء لما يريد الإنسان أن يتبع الهوى، هو مَن يتبع؟ أهواء كثيرة، هي أهواء كثيرة وأهواء متناقضة ومتضادة ومتعارضة وهذا مما يبين فساد الأهواء لأنها أهواء متناقضة (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك) أهواءهم أي آراءهم الباطلة وما تمليه عليهم عقولهم الكاسدة (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) قال الشيخ رحمه الله: "يخبر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى إلا باتباعه دينهم لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه ويزعمون أنه الهدى فقل لهم أيها النبي إن هدى الله الذي أرسلت به، الذي بُعثت به الإسلام الذي رضيه الله سبحانه وتعالى لعباده هو الهدى، هو الدين الحق، هو الصراط المستقيم وأما ما أنتم عليه فهو الهوى بدليل قوله (ولئن اتبعت أهواءهم) فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى والتشبه بهم بما يختص به دينهم قال: "والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب كما أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب"

ن/ قال رحمه الله: "ثم قال (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون* يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب ومنّ عليهم به منة مطلقة أنهم يتلونه حق تلاوته أي يتبعونه حق اتباعه والتلاوة: الاتباع فيُحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمُحكمه ويؤمنون بمتشابهه وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب الذين عرفوا نعمة الله وشكروها وآمنوا بكل الرسل ولم يفرقوا بين أحد منهم فهؤلاء هم المؤمنون حقا، لا من قال منهم نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ولهذا توعّدهم بقوله (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها »

ت/ قول الله جل وعلا (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) من المعنيون بذلك الذين اتيناهم الكتاب؟ وما المراد بالكتاب؟ هل المراد التوراة أو المراد القرآن الكريم. (الذين اتيناهم الكتاب) قولان لأهل العلم في تفسير الآية:
الأول ورجحه الامام ابن جريره الطبري رحمه الله وغيره: أن المراد بالذين آتيناهم الكتاب من أسلم من اليهود، والمراد بالكتاب التوراة، (الذين آتيناهم الكتاب) أي الذين آتيناهم التوراة (يتلونه حق تلاوته) يعني يتبعونه حق الاتباع ومن اتباعهم له حق الاتباع ماذا فعلوا؟ لما رأوا أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة ورأوا وجود الرسول عليه الصلاة والسلام قد بُعث بالأوصاف التي ذكرت في التوراة وعرفوها كما يعرفون أبناءهم آمنوا به (يتلونه حق تلاوته) يتبعونه حق الاتباع، لا يؤولونه ولا يحرفونه ولا يكتمون مثل ما صنع الأوائل منهم أو الآخرون منهم فهذا قول في في معنى الآية وهو اختيار ابن جرير،
ويقوي هذا القول وبهذا أيضا استدل ابن جرير رحمه الله أن الآية التي بعدها والآية التي قبلها كلها في من؟ في هؤلاء، الآية التي قبلها (ولن ترضى عنك اليهود) والتي بعدها (يا بني إسرائيل) فهذا يقوي أن المراد من أسلم من اليهود وأن المراد بالكتاب التوراة. والقول الثاني: المراد بالذين آتيناهم الكتاب المؤمنون من أصحاب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، والمراد بالكتاب القرآن.
 (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) ما هو حق التلاوة؟ يتلونه حق تلاوته يعني التلاوة المطلقة، يتلونه التلاوة المطلقة العامة الكاملة وهي تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى لأن تلاوة اللفظ مهما جوّده الإنسان وحبّره واتقنه وضبطه الضبط التام هذا جزء من التلاوة المعنية، تلاوة القرآن حق التلاوة هي تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى ولهذا جاء عن ابن عباس "(يتلونه حق تلاوته) يتبعونه حق اتباعه ثم قرأ (والقمر إذا تلاها) أي تبعها، حق تلاوة يتبعونه، فإذا التلاوة حق التلاوة هي التلاوة المطلقة العامة الكاملة التي هي تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى، تلاوة اللفظ بحسن الحفظ، حسن القراءة، حسن الضبط، وتلاوة المعنى الاتباع قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "أُنزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملا" جعلوا العمل هو القراءة فقط، جعل القراءة هي العمل لا يعتني بمعاني القرآن وهدايات القرآن فلا يعمل بالقرآن، يجوِّد يتقن لكنه لا يعمل بالقرآن مثل ما قال أيضا الحسن البصري عن بعض قُراء زمانه -هو في زمن التابعين- قال: "يقول أحدهم قرأت القرآن ولم أسقط حرفا" يعني من قوة إتقانه وضبطه لحفظه، يقول قرأت القرآن ولم أُسقط حرفا يقول الحسن رحمه الله: "وقد أسقطه والله كله لا يٍرى عليه القرآن لا في خُلق ولا في عمل" لا يُرى عليه القرآن في أخلاقه ولا يُرى عليه القرآن في أعماله، قال: "فلا والله ما هؤلاء بالقُراء ولا العلماء ولا الورعة لو كانت القُراء مثل هؤلاء لا كثّر الله في الناس مثل هؤلاء" فالتلاوة تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى، تلاوة المعنى باتباع هدايات القرآن (أفلا يتدبرون القرآن)، (أفلم يدّبروا القول)، (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) قال ابن مسعود رضي الله عنه: "والله إن حق التلاوة أن يُحل حلاله ويُحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يُحرّف عن مواضعه" "ولا يُحرّف عن مواضعه" كما هي طريقه المتكلمين وكتب التفسير التي بُنيت على علم الكلام طافحة بتحريف القرآن عن مواضعه وتأويله على غير معناه وعلى غير المراد به، قال: "والله إن حق تلاوته أن يُحلّ حلاله ويُحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرف عن مواضعه" وجاء نحو هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غير واحد من أئمة التفسير وفي هذا نُقول عظيمة جدا تجدونها في تفسير ابن كثير والدر المنثور وغيرها من الكتب التي جمعت أقاويل السلف رضي الله عنهم ورحمهم.
 قال (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) الضمير في قوله (به) عائد إلى ماذا؟ عائد إما إلى الكتاب أو إلى النبي عليه الصلاة والسلام، عرفنا أن من أئمة التفسير من يرى أن المراد بالذين آتيناهم الكتاب أي اليهود الذين آتاهم الله التوراة فأسلموا هؤلاء يؤمنون بالرسول (يؤمنون به) أي بالرسول لأنهم وجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم رأوا صفاته في التوراة ووجدوه مطابقة لهذا الذي بُعث عليه الصلاة والسلام فآمنوا به بدون تردد، فالذين منهم يتلون التوراة تلاوة صحيحة حق التلاوة ويتبعون ما جاء في التوراة لا يُحرفون لا يكتمون لا يُغيرون التوراة عن مواضعها آمنوا مباشرة، يثني الله عليهم لأن لما ذكر في سياق الآيات ذم أولئك في تحريفهم في باطلهم في ضلالهم مدح هؤلاء منهم الذين تلوا التوراة حق التلاوة لما رأوا الصفات، صفات النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة مباشرة آمنوا به، عدد منهم آمن مباشرة لأنهم وجدوا صفات، وجدوا شيء مطابق لها، لم يقُم في قلوبهم حسد مثل الآخرين ولا أهواء مثل الآخرين ولهذا مباشرة آمنوا بدون تردد ولهذا يثني الله عليهم يقول (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) أي النبي هذا قول في عودة ضمير، ومن أهل العلم من يقول الضمير عائد على الكتاب (يؤمنون به) أي الكتاب والمعنيان متقاربان.
 قال (يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به) عودة الضمير مثل الذي قبله النبي عليه الصلاة والسلام أو الكتاب.
(ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) في آية أخرى قال (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) فهذه الآية وكذلك قوله (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) فيها شاهد للحديث الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان حقا على الله أن يدخله النار) مثل ما في الآية قال (النار موعده) هنا قال (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) هناك قال (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) مثله ما جاء في الحديث (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان حقا على الله أن يدخله النار).
 (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون* يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) هذه آخر الوصايا والتهديدات والوعيد لبني إسرائيل بُدأت بقوله سبحانه وتعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم) ثم قال سبحانه وتعالى بعدها (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) واستمرت الوصايا إلى هنا، استمرت الوصايا والتهديدات والوعيد لهم والتحذير لهم من ذاك الموضع إلى هذا الموضع وسبق أن نبهت على أمر مهم نبه عليه الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذه الآيات بدءا من قوله (يا بني إسرائيل) وانتهاء إلى قوله هنا (يا بني إسرائيل) يُعرف بتأملها وتدبرها الفرق بين العلماء والفقهاء ومن يدعي ذلك، الفرق بين العلماء والفقهاء حقا ومن يدعي العلم ومن يدعي الفقه، فالذي يقرأ هذه الآيات يستظهر هذه المعاني يجد أنها تُبصره بالعالم حقا، الفقيه حقا مِن الذي يدعي ذلك وهو ليس كذلك، يدعي العلم وليس من أهله، ويدعي الفقه وليس من أهله، وكثير من المفسرين لما يتعرضوا لتفسير هذه الآية أو هاتين الآيتين (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) اكتفاء بما تقدم من تفسير لها في الموضع الأول وهي نفسها إلا أنها حصل تقديم وتأخير في الشفاعة والعدل وإلا هي نفسها، ولهذا كثير من المفسرين اكتفوا بتفسيرها في الموضع الأول ولهذا قال الشيخ هنا "وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها" تفسير الآية، هما آيتان تقدم تفسيرهما في الموطن الأول واكتفى كثير من المفسرين بالكلام عليها في الموطن أو عليهما في الموطن الأول.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب ومنّ عليهم به مِنّة مطلقة أنهم يتلونه حق تلاوته أي يتبعونه حق اتباعه والتلاوة الاتباع" ابن عباس رضي الله عنهما استدل على ذلك بقوله تعالى (والقمر إذا تلاها) وهذا يفيدك عندما تقرأ الآيات التي فيها التلاوة، الآن لما تقرأ (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة) ما معنى يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة؟ الآن إقام الصلاة من عطف الخاص على العام، يتلون كتاب الله يعملون به وإقام الصلاة عمل، إقام الصلاة هذا من التلاوة للقران، وإيتاء الزكاة من التلاوة للقرآن، قوله (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة) مثل (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة) لأن (يتلون) يعملون (عملوا الصالحات)، يتلونه يعملون به مثل (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) مثلها يتلونه يعملون به.
 قال: "والتلاوة الاتباع فيُحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمُحكمه ويؤمنون بمتشابه، هؤلاء هم الذين يتلون القرآن ويتلون الكتاب بحق التلاوة، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب الذين عرفوا نعمة الله وشكروها وآمنوا بكل رسول" وهذا السياق من الشيخ يفيد أنه اختار ماذا؟ الأول الذي اختاره ابن جرير واختاره جماعة من المفسرين، أيضا الإمام ابن القيم يرد القول الثاني ويقول السياق يأبى ذلك، ما بعدها وما قبلها يأبى ذلك السياق. قال الشيخ: "وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب الذين عرفوا نعمة الله وشكروها وآمنوا بكل الرسل ولم يفرقوا بين أحد منهم فهؤلاء هم المؤمنون حقا لا من قال منهم نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ولهذا توعدهم بقوله (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) وفي الآية الأخرى (فالنار موعده) هذا توعد لهؤلاء، وهذا الذي يثني الله عليه ويخبر أنه هو التلاوة الحقيقية هو المطلوب في القرآن، هو المطلوب من المؤمنين في كتاب الله أن يتلى حق التلاوة، هذا هو المطلوب أن يتلى حق التلاوة وهذا لا يُعارض أن الآية تتعلق بمن أسلم من اليهود لا يعارض ذلك لأن هذا هو المطلوب في كل كتاب أنزله الله أن يتلى حق التلاوة بأن يُعمل بكل ما جاء به لا أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، قال: "ولهذا" يعني كثير من أئمة السلف من الصحابة ومن اتبعهم بإحسان تكلموا عن هذا المعنى في القرآن نفسه يُتلى حق التلاوة أي يُتبع حق الاتباع، وهذا مطلوب في كل كتاب في كل كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى.
 قال الشيخ رحمه الله:" وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها" يقصد الآيتين (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) لأنه تقدم تفسير هاتين الآيتين.
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما .. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا
اقرأ المزيد...

الأربعاء، 24 يونيو 2026

العمل بسورة المدثر ( ١-١٠ )

 بسم الله الرحمن الرحيم

١- احرص على الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما تعلمته من أمور دينك، لتكون قائما بوظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وممتثلا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (بلغوا عني ولو آية)، (يا أيها المدثر * قم فأنذر).

٢- عظم ربك باعتقاد انفراده بالخلق والتدبير، واعتقاد كمال أسمائه وصفاته، وعبادته وحده لا شريك له، وكرّر دومًا بتأمل وتفكر : الله أكبر (وربك فكبر).

٣- طهر أعمالك من الذنوب والمعاصي، ومن الرياء والسمعة، ومن الأخلاق الدنيئة، وطهر ثيابك من النجاسات والقذارات، وادع دائما : اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (وثيابك فطهر).

٤- اهجر الأصنام والأوثان والطواغيت، واهجر أعمال أهل الكفر والفسوق والعصيان، واعلم أن ذلك لا يتم لك إلا بهجر مصاحبة ومتابعة ومشاهدة من يدعو إلى ذلك ويزينه (والرجز فاهجر).

ه - لا تمنن على الله بأعمالك الصالحة، فلولا إعانة الله وتوفيقه لك لكنت من الضالين الخاسرين فاحمد الله على نعمه الدينية والدنيوية، ولا تستكثر عملا تعمله الله، فإنك لم تخلق إلا لعبادة الله، والله العظيم الكبير المتعال أهل أن يُعبد ويتقى (ولا تمنن تستكثر).

٦- اصبر على فعل الطاعات واصبر عن ارتكاب المعاصي، واصبر على أقدار الله المؤلمة، واصبر على الأذى في سبيل الله، وليكن صبرك الله وحده، لا مراءاة للناس، ولا طلبا للمال والجاه (ولربك فاصبر).

٧- يوم القيامة يوم عسير ، أهواله عظيمة، وأحواله شديدة، هو يوم الفزع الأكبر، والطامة الكبرى، والقارعة والصاخة والواقعة، والسعيد حقا من كان في ذلك اليوم من الآمنين، فاللهم آمنا من الفزع الأكبر يوم القيامة ( فإذا نقر في الناقور* فذلك يومئذ يوم عسير* على الكافرين غير يسير).
-------------------------
د. أبصار الإسلام
اقرأ المزيد...

الاثنين، 22 يونيو 2026

اسم الله (المتكبر) / من كتاب فقه الأسماء الحسنى

قد ورد هذا الاسم في موضع واحد من القرآن وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر : ٢٣]. 
و «المتكبر» اسم يدلُّ على وصفه سبحانه بالتكبر والكبرياء، والتاء في «المتكبر» ليست تاء التعاطي والتكلُّف، وإنما هي تاء التفرد والاختصاص، فالكبرياء وصفه سبحانه الذي لا يليق إلا به، ولذا سيأتي ذكر الوعيد الشديد للمتكبرين، وعقوبات الله لهم المعجلة والمؤجلة. 
قال قتادة: «هو الذي تكبر عن كل سوء»، وقال أيضا: «الذي تكبر عن السيئات»، وقال أيضاً: «الذي تكبر عن كل شر»
وقال مقاتل: «المتعظم عن كل سوء»
وقال أبو إسحاق السبيعي: «الذي يكبر عن ظلم عباده»
وقال ميمون بن مهران: «تكبر عن السُّوء والسيِّئات، فلا يصدر منه إلا الخيرات». 
وجماع ذلك: أنَّ هذا الاسم يدل على تعالي الله عن صفات الخلق، وتعظمه سبحانه عن مماثلتهم أو أن يماثلوه، ورفعته سبحانه عن كل نقص وعيب، فهو المتكبر عن الشر وعن السوء وعن الظلم وعن كل نقص، وهذا متضمن ثبوت الكمال له سبحانه في أسمائه وصفاته وأفعاله.
والتكبر لا يليق إلا به سبحانه؛ لأنه وحده الملك وما سواه مملوك، وهو وحده الرب وما سواه مربوب، وهو الخالق وحده وما سواه مخلوق، وهو وحده المتفرد بصفات الكمال والجمال والعظمة والجلال، كما كان يجمع ذلك رسول الله الله في تسبيحه لربه سبحانه في ركوعه وسجوده حيث كان يقول: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة».
فالمنزه عن النقائص الذي له الملك والتصرف والتدبير والعظمة في أسمائه وصفاته وأفعاله هو وحده المتكبر لا شريك له.
وأما العبد المخلوق فمقامه العبودية والخضوع والذل والانكسار والركوع والسجود للكبير المتعال العظيم ذي الجلال، ولعل في هذا سرا من أسرار ذكر الله بالتكبير عند الخفض للركوع والخفض للسجود، وذكر كبريائه سبحانه وعظمته حال الركوع والسجود.
وأما ـ والعياذ بالله - إذا استكبر العبد ولا سيما عن الغاية التي أوجد لأجلها وخلق لتحقيقها، وهي عبادة الله وإفراده وحده بالذل والخضوع والانكسار؛ فإن الله يعاقبه بأعظم العقاب، ويخزيه في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر سبحانه في مواضع عديدة من كتابه العزيز أنواع العقوبات التي يُحلها بالمستكبرين:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: ٦٠] ، أي : صاغرين ذليلين
وقال تعالى : ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للْمُتَكَبِرِينَ ﴾ [الزمر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ ﴾ [الزمر : ۷۲]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٦]
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: ٤٠].
وذكر سبحانه في كتابه العزيز نماذج من المستكبرين من الأشخاص والأمم، وبيّن ما أحل بهم في الدنيا من العقاب، وما أعد لهم في الآخرة من النكال، وذلك لتستبين سبيل المجرمين، وليكون في ذكر حالهم عظة للمتعظين، وعبرة للمعتبرين.
فذكر سبحانه إمام المستكبرين إبليس عدو الله وعدو دينه وعدو عباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ ص: ٧٤]، وذكر فرعون وتكبره على الحق هو وجنوده، قال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [القصص : ٣٩].
وذكر سبحانه من المتكبرين الوليد بن المغيرة معاند الحق والمبارز الله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء المعاندين المستكبرين، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا*وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا*وَبَنِينَ شُهُودًا*وَمَهَدتُّ لَهُ تَمهِيدًا* ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ*كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا*سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا* إِنَّهُ فَكَرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثِرُ* إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ*سَأُصْلِيهِ سَقَر﴾ [المدثر : ١١ - ٢٦].
وذكر أيضًا تكبر الأمم الماضية على الحق، فقال عن قوم نوح عليه السلام ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَارًا* وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٦ - ٧] ، وقال عن قوم هود عليه السلام : ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [فصلت: ١٥]، وقال عن قوم شعيب عليه السلام:  ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشْعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَرِهِينَ ﴾ [الأعراف: ۸۸]، وقال تعالى عن قوم صالح عليه السلام: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ*قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي ءَامَنتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦].
وعجبا ثم عجبا من هؤلاء الطغام سفهاء العقول والأحلام كيف رضوا لأنفسهم الاستكبار عن عبادة الواحد القهار، والاستنكاف عن الإخلاص للعزيز الغفار، ثم صرفوا عبادتهم وذلهم وخضوعهم لحجر من الأحجار، أو شجرة من الأشجار، أو لأي مخلوق ليس له إلا الذل والافتقار، فلا إله إلا الله كيف ذهبت عقولهم عن الحق والهدى، وعميت أبصارهم عن النور والضياء، وسبحان الله ما أشنعها من حال، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزمر: ٤٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَارِكُوا الهَتِنَا لِشَاعِر مجنُونِ ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء: ٤٦].
أَلا ما أسفهها من عقول، نعوذ بالله من الضلال، ونسأله سبحانه أن يرزقنا الذل لجنابه، وأن يُعيذنا من سبيل المستكبرين، فهو وحده تبارك وتعالى المانّ والمعين.
اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

الدرس الثامن والستون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٥)


068 تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٥) (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله..)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) أي (ولله المشرق والمغرب) خصهما بالذكر لأنهما محل الآيات العظيمة في مطالع الأنوار ومغاربها فإذا كان مالكا لها كان مالكا لكل الجهات فأينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمره إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها، فإن القبلة حيث ما توجه العبد أو تشتبه القبلة فيتحرى الصلاة إليها ثم يتبين له الخطأ أو يكون معذورا بصلب أو مرض أونحو ذلك، فهذه الأمور إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا و،بكل حال فما استقبل جهة من الجهات خارجة عن ملك ربه
(فثم وجه الله إن الله واسع عليم) فيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى وأن لله تعالى وجها لا تشبهه الوجوه، وهو تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها عليم بسرائركم ونياتكم فمن سعته وعلمه وسّع لكم الأمر وقبِل منكم المأمور فلله الحمد والشكر»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد:
قول الله جل وعلا (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)
(ولله المشرق والمغرب) اللام في (ولله) لام الملك أي لله جل وعلا ملك المشرق والمغرب أي وما بينهما من جهات ومخلوقات والمعنى: أن الله عز وجل له ملك الأرض كلها، (ولله المشرق والمغرب) المقصود بالمشرق: أي جهة المشرق، والمغرب: أيضا جهة المغرب، والمشرق موضع شروق الشمس موضع طلوعها، والمغرب موضع غروبها، ويأتي في بعض الآيات ذكر ذلك بالتثنية المشرقين والمغربين، ويأتي في بعضها بالجمع المشارق والمغارب، وهذا كل ما جاء من ذلك له اعتبار يعني ما جاء بالإفراد - مثل هنا - المراد الناحية أو الجهة، جهة المشرق وجهة المغرب، وبالجمع باعتبار اختلاف المشارق والمغارب كل يوم بحسب أو بعدد الأيام - أيام السنة - والمشرقين والمغربين باعتبار الشتاء والصيف.
قال (ولله المشرق والمغرب)  صُدرت الآية بهذا المُلك، ملك الله سبحانه وتعالى للمشرق والمغرب في بيان ما يتعلق بالتوجه في الصلاة وإلى أين يتوجه، والله جل وعلا يقول - سيأتي معنا – (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) البر في الطاعة، في الامتثال أينما يوجه الله عبده يتوجه فالمُلك لله والجهات كلها لله والحكم كله لله يشرع ما يشاء (ولله المشرق والمغرب) ولهذا قيل في سبب نزول هذه الآية: أنه عندما نزل تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة اعترض اليهود وقالوا (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فنزل قوله (ولله المشرق والمغرب)
 وقيل: إن الآية نزلت في صلاة النافلة في السفر لأنه صح في السنة عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يصلي في سفره إلى حيث توجهت راحلته، أي جهة كانت.
• وقيل أيضا: أنها نزلت فيمن اجتهد في تحري القبلة فأخطأ، تبين له خطؤه. وهذه المعاني كلها أشار إليها الشيخ رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية.
قال: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا) (أينما تولوا) أينما تتجهوا في صلاتكم فثم وجه الله، أينما تولوا فثم وجه الله"
قوله (فثم وجه الله) لأهل العلم في معنى قوله (وجه الله) قولان معروفان في كتب التفسير:
▪︎ الأول: أن المراد بقوله (فثم وجه الله) الوجه الذي هو صفة الله سبحانه وتعالى (فثم وجه الله) لأن الله محيط بكل شيء جل وعلا وهو فوق عرشه المجيد ولهذا نُهي المصلي أن يبصق قِبل وجهه قال: (فإن الله قِبل وجهه)
▪︎ وقيل: المراد بالوجه الجهة (ولكل وجهة هو موليها) الوجهة والجهة، والوجه يطلق ويراد به الجهة، قيل: إن المراد الجهة ويكون المعنى (فثم وجه الله) يعني الجهة التي رضيها الله لكم وشرعها لكم تستقبلونها في صلاتكم. والأول من هذين القولين هو الأظهر (فثم وجه الله) ولهذا قال الشيخ رحمه الله تعالى "فيه إثبات الوجه صفة لله سبحانه وتعالى على الوجه اللائق بجلاله وكماله سبحانه.
• قال: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجه الله إن الله واسع عليم)
هذان اسمان لله خُتمت بهما الآية:
• الواسع: وهو يدل على السعة، واسع في علمه، واسع في رحمته، وسع علمه كل شيء، وسعت رحمته كل شيء، واسع في فضله وسع فضله كل شيء، ويدخل تحته معاني عديدة.
• والعليم: الذي أحاط بكل شيء علما فلا تخفى عليه سبحانه وتعالى خافية في الأرض ولا في السماء" نعم
 قال الشيخ رحمه الله: «أي ولله المشرق والمغرب خصهما بالذكر - خصّ هاتين الجهتين بالذكر- لأنهما محل الآيات العظيمة لأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله العظيمة (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر) فهما من آيات الله العظيمة فهما مطالع الأنوار ومغاربها فإذا كان مالكا لها كان مالكا لكل الجهات" وخصّتا بالذكر كما قال الشيخ رحمه الله: "لأن فيها آيات عظيمة تدل على عظمة الخالق وكمال المبدع سبحانه وتعالى"
 قال: (فأينما تولوا) أي: أينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمره - أي مأمورين بذلك - فهذه حقيقة العبادة خضوع واتجاه إلى حيث يوجه الله سبحانه وتعالى عبده (فأينما تولوا فثمّ وجه الله) فمن المعاني الداخلة في عموم الآية ما ذكره بقوله: "أينما تولوا وجوهكم من الجهات إذا كان توليكم إياها بأمر الله إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس" فالذي أمركم باستقبال بيت المقدس هو الذي أمركم بعد ذلك باستقبال الكعبة (فأينما تولوا فثم وجه الله)، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها وهذا فيه أن المصلي على راحلته في السفر صلاة النافلة يصلي إلى حيث توجهت به راحلته قال: "فإن القبلة حيثما توجه" فيدخل تحت عموم قوله (فأينما تولوا فثم وجه الله) أيضا إذا اشتبهت القبلة فيتحرى الصلاة إليها ثم يتبين له الخطأ فأيضا يدخل تحت عموم ما دلت عليه الآية، أو يُصلب، يبقى في مكان ما يستطيع أن يتحرك أو يتجه إلى جهة القبلة، أو كذلك المريض على سريره ما يستطيع أن يتجه (أينما تولوا فثم وجه الله) أيضا الراكب في -مثلا- الباص ولا يقف الباص إلا بعد خروج الوقت ولا يتمكن من استقبال القبلة يدخل تحت عموم قوله (فأينما تولوا فثم وجه الله).
قال " فهذه الأمور إما أن يكون العبد فيها معذورا" مثل المريض مثل المصلوب ونحو ذلك "أو مأمورا" مثل لما كان الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس ثم صار إلى الكعبة، قال "وبكل حال فما استقبل جهة من الجهات خارجة عن ملك ربه سبحانه وتعالى.
 (فثم وجه الله إن الله واسع عليم)
قال "فيه إثبات الوجه لله تعالى على الوجه اللائق به تعالى وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه وهو تعالى واسع الفضل والصفات عظيمها عليم بسرائركم ونياتكم فمن سعته وعلمه وسّع لكم الأمر وقبِل منكم المأمور فله الحمد والشكر" نعم

ن/ قال رحمه الله: قوله (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون* بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون*وقالوا) أي اليهود والنصارى والمشركون وكل من قال ذلك (اتخذ الله ولدا) فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله وأساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم قد حلِم عليهم وعافاهم ورزقهم مع تنقصهم إيّاه سبحانه تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، ومع رده لقولهم أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال (بل له ما في السماوات والأرض) أي جميعهم ملكه وعبيده يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده مفتقرين إليه وهو غني عنهم فكيف يكون منهم أحد يكون له ولدا، والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه والله تعالى المالك القاهر وأنتم المملوكون المقهورون وهو الغني وأنتم الفقراء فكيف مع هذا يكون له ولد هذا من أبطل الباطل وأسمجه.
والقنوت نوعان:
• قنوت عام وهو قنوت الخلق كلهم تحت تدبير الخالق.
• وقنوت خاص وهو قنوت العبادة
فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)
ثم قال (بديع السماوات والأرض) أي خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق، (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) فلا يستعصي عليه ولا يمتنع منه"

ت/ قول الله جل وعلا (وقالوا اتخذ الله ولدا) هذا يتناول كل من قال هذا القول الباطل كالمشركين الذين قالوا إن الملائكة بنات الله - تعالى الله عما يقولون- وكقول اليهود عزير ابن الله، وكقول النصارى المسيح ابن الله، فكل من قال ذلك يتناوله هذا الذي نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عنه.
 قال: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) أي تنزه وتقدس جل وعلا عن هذا القول الباطل (وقالوا اتخذ الرحمن* ولدا لقد جئتم شيئا إدا* تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا* أن دعوا للرحمن ولدا* وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا* إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا* لقد أحصاهم وعدهم عدا* وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) كلهم عبيد لله، كلهم مخلوقون لله مربوبون لله طوع تدبيره وتسخيره سبحانه ولهذا قال هنا: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) معنى سبحانه أي تنزه  وتقدس عن قول المبطلين وكلام الضالين، (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) أي تنزه عن هذا القول وتقدس (سبحان ربك رب العزة عما يصفون)  تنزه وتقدس عن ذلك (بل له ما في السماوات والأرض) من ينسبونهم أنهم ولد لله ماذا يكونون مما في السماوات وما في الأرض وما في السماوات والأرض كله لله، (بل له) أي ليس الأمر كما افترى هؤلاء، (بل) تأتي للإضراب، ليس الأمر كما افترى هؤلاء.
(له ملك السماوات) اللام هنا لام الملك، (له) أي لله ملك السماوات والارض وما فيهما الجميع عبيده وطوع تدبيره سبحانه وتعالى فكيف يكون شيء من هذا الذي في السماوات والأرض ولدا لله!! تعالى الله عما يقولون.
 (بل له ما في السماوات وما في الأرض) أي كل ما في السماوات والأرض ملك لله فكيف يُجعل فردا من أفراد هذا الملك العظيم لله سبحانه وتعالى ولدا لله؟!
 (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون)
 (كل له قانتون) القنوت له معنيان أشار إليهما الشيخ معنى عام، ومعنى خاص المعنى الخاص: العبادة مثل قوله (وقوموا لله قانتين)، (أمّن هو قانت لله) فالقنوت يراد به العبادة ودوام العبادة. ويراد به المعنى العام: الذي هو الانقياد وأنه مسخّر لله طوع تدبيره وتسخيره سبحانه وتعالى.
 (كل له قانتون) يعني كل المخلوقات خاضعه لله طوع تدبير الله عز وجل يحكم فيها بما يشاء ويقضي فيها بما يريد جل وعلا.
 ثم ذكر أيضا في رد هذا الباطل قال (بديع السماوات والأرض) أي مبدع السماوات والأرض وخالقهما على غير مثال سابق أوجدهما سبحانه وتعالى بهذا الشكل والوصف البديع الجميل العظيم الدال على عظمة الخالق وكمال المبدع، (بديع السماوات والأرض) وفي موطن آخر قال جل وعلا (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم). قال (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ومن ذلكم عيسى عليه السلام (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فكيف يُجعل هذا المخلوق لله سبحانه وتعالى ولدا لله
- تعالى الله عما يقولون وسبحان الله عما يصفون- فالآيتان فيهما الرد على كل مُبطل قال هذا القول العظيم في حق الرب تنزه وتقدس عن ذلك جل في علاه.
قال الشيخ رحمه الله: "وقالوا" أي اليهود والنصارى والمشركون،  اليهود مثل ما قال الله (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)، والمشركون قالوا الملائكة بنات الله، "وقالوا اليهود والنصارى والمشركون وكل من قال ذلك (اتخذ الله ولدا) فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله وأساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم" الآن الذين قالوا هذا القول من النصارى واليهود والمشركين والذين يقولونه الآن، الذين يقولون هذا القول (اتخذ الله ولدا) أليس الله - وهم يقولون هذا القول- يرزقهم ويعافيهم؟ هذا من الصبر، ولهذا جاء في الصحيح - صحيح مسلم وغيره- عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنه يُشرك به يقال اتخذ ولدا ويرزقهم ويعافيهم) يشركون به ويقولون اتخذ الله ولدا، يُجعل له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم هذا من الصبر، لا أحد أصبر على أذى من الله، ولهذا يقول الشيخ: "أساؤوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم وهو تعالى صابر على ذلك منهم قد حلُم عليهم وعافاهم ورزقهم مع تنقصهم إيّاه" يشير إلى الحديث الذي ذكرت وهو في صحيح مسلم.
 (سبحانه) أي تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله مثل ما قال الله عز وجل في الآية الأخرى (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) أي عما يصفه به أعداؤه وأعداء رسله وأعداء دينه سبحانه وتعالى، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. "ومع رده لقولهم أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك.
قال (بل له ما في السماوات والأرض) أي جميعهم ملكه وعبيده يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك وهم قانتون له أي مسخرون" هذا معنى القنوت لأن المراد بالقنوت هنا القنوت العام الذي يشمل جميع المخلوقات، المخلوقات قانتة لله أي مسخرة لله، مدبرة لله، طوع تدبيره سبحانه وتعالى وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده مفتقرين اليه وهو غني عنهم فكيف يكون منهم أحد يكون له ولدا، والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه وهؤلاء زعموا أنها بعض هذه المخلوقات التي خلقها الله وأوجدها وهي جزء من هذا الخلق العظيم الذي أوجده الله" قالوا لله ولد والولد لابد أن يكون من جنس والده لأنه جزء منه والله تعالى المالك القاهر وأنتم المملوكون المقهورون، وهو الغني وأنتم الفقراء فكيف مع هذا يكون له ولد؟! هذا كله مستفاد من قوله (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون* بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) قال: "هذا من أبطل الباطل واسمجه"
قال: "والقنوت نوعان: قنوت عام وهو قنوت الخلق، الخلق كلهم تحت تدبير الخالق الذي هو التسخير مسخرون مدبرون لله، وخاص وهو قنوت العبادة" النوع الأول كما في هذه الآية (كل له قانتون) والنوع الثاني كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)
ثم قال (بديع السماوات والأرض) خالقهما على وجه قد اتقنهما وأحسنهما على غير مثال سابق، وفي موضع آخر قال (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) هذه كلها براهين وإقامة للحجة على بطلان هذا القول (واذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) أي لا يستعصي عليه ولا يمتنع منه ولا يعجزه سبحانه وتعالى شيء. نعم

ن/ قال رحمه الله: "قوله (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون* إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) أي قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم هلا يكلمنا الله كما كلم الرسل أو تاتينا آية، يعنون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة التي تجرؤوا بها على الخالق واستكبروا على رسله كقولهم (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وقولهم (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) الآية، (وقالوا لولا أنزل اليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) الايات، (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) الآيات، فهذا دأبهم مع رسلهم يطلبون آيات التعنت لا آيات الاسترشاد ولم يكن قصدهم تبين الحق فإن الرسل قد جاؤوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر ولهذا قال تعالى (قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون) وكل موقن فقد عرف من آيات الله الباهرة وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين واندفع عنه كل شك وريب، ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها وهي ترجع إلى ثلاثة أمور:
▪︎ الأول: في نفس إرساله 
▪︎ والثاني: في سيرته وهديه ودلّه.
▪︎ والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
 فالأول والثاني قد دخل في قوله (إنا أرسلناك)، والثالث دخل في قوله (بالحق)، وبيان الأمر الأول وهو نفس إرساله: أنه قد عُلم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران والصلبان، وتبديلهم للأديان حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمّتهم وشملتهم إلا بقايا من أهل الكتاب قد انقرضوا قبيل البعثة، وقد عُلم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى ولم يتركهم هملا لأنه حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه وهو آية كبيرة على أنه رسول الله.
 وأما الثاني: فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة وعرف سيرته وهديه قبل البعثة ونشوءه على أكمل الخصال ثم من بعد ذلك قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين فمن عرفها وسبَر أحواله عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين، لأنه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم. وأما الثالث: فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم، والقرآن الكريم المشتمل على الإخبارات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة، فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة.
وقوله (بشيرا) أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، (ونذيرا) أي لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي، (ولا تُسال عن أصحاب الجحيم) أي لست مسؤولا عنهم إنما.  عليك البلاغ وعلينا الحساب"

ت/ قول الله جل وعلا (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) قيل: المراد بـ (لا يعلمون) أي مشركوا العرب، وقيل اليهود والنصارى.
(وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) أي يكلمنا كلاما نسمعه منه بلا واسطة، يكلمنا الله كلاما نسمعه من الله يخبرنا فيه أن هذا مُرسل -الذي هو محمد عليه الصلاة والسلام- (لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) أي تدل على صدق هذا الرسول وصدق ما جاء به، ويقصدون بالآية الآيات التي يقترحونها تعنتا لا على وجه الاسترشاد وطلب الحق وإنما يتعنتون بذكر آيات يطلبونها يعينونها، يطلبون من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يأتي بها لتكون دليلا وشاهدا على صدقه (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا* او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك) لاحظ يعني هم هذه كلها تعنت ليس سؤال وطلب مسترشد (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) هذه الآيات يقترحونها نريد كذا ونريد كذا حتى من الذي قالوه (أو تأتي بالله والملائكة) أيضا تأتي بهم مع الله وتفعل كذا وتفعل كذا وتفعل كذا، هذه ليست آيات يطلبها مسترشد يريد فقط أن يطمئن، أبدا وإنما هي آيات اقتراح، تسمى آيات اقتراح المقصود منها العناد وعدم القبول، كأنه يقول هات آيات ومهما جئت به فلن نؤمن قال: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) أي نسمع كلامه منه مباشرة بأنك رسول مرسل من الله (أو تأتينا آية) تدل على صدق ما جئت به. (أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) يعني الأمم التي قبلهم قالت مثل هذا القول لأنبيائهم مثل ما قال مشرك العرب لأنبيائهم هذا القول أيضا الأمم التي قبلهم قالوا مثله ما السبب؟ (تشابهت قلوبهم) تشابهت قلوبهم في ماذا؟ في الكفر بالله والتكذيب بالأنبياء، فلما وُجِد التشابه في القلوب بالكفر والتكذيب تشابهت الأقوال، قال (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) مثل قولهم يعني مثل هذا القول (لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية تشابهت قلوبهم) أي في الكفر بالله سبحانه وتعالى مع أن الأمر الذي يطلبون البرهان عليه هو واضح قامت عليه البراهين الواضحة الجلية التي تؤكد لهم صدق هذا الرسول وصدق ما جاء به صلى الله عليه وسلم، والقوم إنما هم أهل عناد يقترحون فقط اقتراحات وما عندهم تهيؤ أصلا لقبول ما جاء به صلوات الله وسلامه عليه.
(قد بيّنا الآيات) يعني على صدقه والبراهين الواضحة الظاهرة البّينة (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) وهذا فيه أن هؤلاء الذين أشار الله إليهم بقوله (يوقنون) هم أهل الانتفاع بالآيات وأما غيرهم فيمرون على الآيات ولا ينتفعون بها لأن قلوبهم معرضة ومعاندة ومكابرة (قد بيّنا الآيات لقوم يوقنون)
(إنا أرسلناك) أي أيها الرسول، (بالحق)، أرسلناك أي بعثناك. 
(أرسلناك بالحق) (أرسلناك) هذا فيها الرسول عليه الصلاة والسلام وصفاته العظيمة والرسالة التي بُعث بها وعظمتها
وهذان نوعان من البرهان -كما سياتي في كلام الشيخ رحمه الله تعالى-
(بالحق) كل ما جاء به حق، ما أمر بشيء إلا وهو حق ومصلحة للعباد، ولا نهى عن شيء إلا وفي مضرة للعباد، قيل لأحد الأعراب كيف عرفت صدق الرسول؟ قال: "ما رأيته أمر بشيء فقال العقل ليته لم يأمر به، أو نهى عن شيء وقال العقل ليته لم ينهَ عنه" يعني لم يأمر إلا بخير ولم ينهَ إلا عن شر.
(إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم)
 (لا تُسأل) مبني لما لم يسمَ فاعله أي لا يسألك الله، (لا تُسال عن أصحاب الجحيم) أي لا يسألك الله عنهم من مات منهم على كفره لا يسألك الله عنه، عليك البلاغ،  وقد أدى عليه الصلاة والسلام ما أمره الله ببلاغه وافيا كاملا والله عز وجل يقول (عليك البلاغ) بلاغ هذه الرسالة ومن لم يقبل منك ومات على كفره لا تُسأل عنه.
 (ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) من هم اصحاب الجحيم؟ الذين ماتوا على الكفر، أبوا قبول دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام وماتوا على هذا الإباء فهم أصحاب الجحيم.
 (ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) وفي قراءة (ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم) على النهي مع الجزم (لا تسأل عن أصحاب الجحيم) أي أنه عليه الصلاة والسلام نُهي عن السؤال عمن مات على كفره (ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم).
 قال الشيخ رحمه الله: «أي قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم - يعني مثل مشركي العرب- (لولا يكلمنا الله) أي هلا يكلمنا الله كما كلم الرسل أو تأتينا آية يعنون آيات الاقتراح، - ما هي آيات الاقتراح؟ التي هم يحددونها نريد كذا ونريد كذا ونريد- يحددون آيات الاقتراح التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة التي تجرأوا بها على الخالق واستكبروا على رسله كقولهم (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وقوله (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) وقوله (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها)" هذه كلها ماذا؟ آيات اقتراح يقترحونها هم وكذلك قوله (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) والآيات بعدها- فهذا دأبهم مع رسلهم يطلبون آيات التعنت لا آيات الاسترشاد، فرق بين آيات التعنت وآيات الاسترشاد، آيات يطلبونها تعنتا لا طلبا للهداية والاسترشاد وآيات التي يطلبها المسترشد الذي يريد الهداية.
 قال: "ولم يكن قصدهم تبيين الحق فإن الرسل قد جاؤوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر" شاهده فيما تقدم ماذا؟ (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) الرسل كل رسول بعثه الله أيّده بآية كافية لأن يؤمن البشر بمشاهدتها ومع ذلك يأتي بعض الرسل ما آمن معه من قومه كلهم إلا رجل واحد او رجلين مع أنه معه آية على مثلها يؤمن البشر كلهم، واضحة (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فإن الرسل قد جاءوا من الآيات بما يؤمن على مثله البشر ولهذا قال (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) فكل موقن قد عرف من آيات الله الباهرة وبراهينه الظاهرة ما حصل له به اليقين واندفع عنه كل شك وريب.
 ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به قال (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها وهي ترجع إلى أمور ثلاثة:
• الأول: في نفس الرسالة
• والثاني: في سيرته وهديه ودلّه سمته صفته عليه الصلاة والسلام.
• والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.
 فهذه ثلاث، قال: "الأول والثاني دخل في قوله (إنا أرسلناك) فهذا فيه معرفة الرسالة ومعرفة الرسول" الآن طرق معرفة صدق الرسول ليست هي الآيات وحدها، المعجزات ليست هي وحدها من طرق معرفة الرسول النظر فيما أُرسل به هذا طريق عظيم جدا، النظر فيما أُرسل به ينظر في نفس الرسالة التي أرسل بها ما مضمونها، ما محتوياتها، والطريق الآخر النظر في سيرة المرسل، صفاته ما الذي يُعرف عنه في سيرته (أم لم يعرفوا رسولهم) معرفه الرسول، معرفة سيرته موجبة للتصديق هي نفسها آية، هي نفسها برهان السيرة سيرة الرسول عليه الصلاه والسلام.
 قال: "الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودلّه، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. فالأول والثاني قد دخل في قوله (إنا أرسلناك) والثالث دخل في قوله (بالحق) وبيان الأمر الأول -وهو نفس إرساله- أنه قد عُلم حال أهل الأرض قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران والصلبان وتبديلهم للأديان حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمتهم وشملتهم مثل ما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من أهل الكتاب) يعني كانت الأرض كلها أطبق عليها الظلام وخيمت بالظلام فبعث في هذا الظلام عليه الصلاة والسلام، بعثه الله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور. "حتى كانوا في ظلمة من الكفر قد عمتهم وشملتهم إلا بقايا من أهل الكتاب قد انقرضوا قبيل البعثة وقد عُلم أن الله لم يخلق خلقه سدى ولم يتركهم هملا لأنه حكيم، عليم، قدير، رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، هذا برهان واحد واضح مجرد الرسالة، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله ينظر فيما بُعث به، ما هي الرسالة التي بُعث بها، ما مضمونها، ما محتوياتها.
الثاني: من عرف النبي عليه الصلاة والسلام معرفة تامة وعرف سيرته وهديه قبل البعثه ونشوئه على أكمل الخصال ثم من بعد ذلك -يعني بعد البعثة - قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين، فمن عرفها وسبر أحواله عرف أنه لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين لأنه تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم أو كذبهم.
 أما الثالث: من البراهين فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم والقرآن الكريم المشتمل على الإخبارات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاث.
• قوله (بشيرا) أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، (ونذيرا) لمن عصاك بالشقاء والهلاك الدنيوي والأخروي.
 قال (ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم) أي لست مسؤولا عنهم إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. وتقدم في قراءة (ولا تَسأل) هذا نهي للرسول عليه الصلاة والسلام (لا تسأل عن أصحاب الجحيم) أي لا تسأل عن من مات على كفره بالله سبحانه وتعالى.
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...