تفسير سورة البقرة: من الآية (١١٣) (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء... ) / صوتي
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:ن/ «قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا وكفّر بعضهم بعضا كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم فكل فرقه تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أما بعد:
قول الله جل وعلا (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) هذه الآية ذكر الله سبحانه وتعالى فيها ما بين هؤلاء من التباغض والتعادي - معاداة كل طائفة منهم للأخرى- وأيضا ما في كل طائفة منهم من الغرور والعجب بما هم فيه من العمل الذي هو ضلال وباطل فكل طائفة منهم ترى أن الذي هي عليه هو الحق وهو الهدى وأن الطائفة الأخرى هي التي على الباطل والضلال (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) مقصود (على شيء) أي ليست على دين صحيح، ليست على شيء أي في الدين ليس عندهم دين صحيح، ومثلهم أيضا تقول النصارى في اليهود (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي ليس عندهم في ذلك دين صحيح. قد ذُكر أن الآية نزلت في نزاع كان عند النبي عليه الصلاة والسلام بين أحبار يهود المدينة وبين نصارى نجران لما أتوا المدينة فتنازعوا كل طائفة ذمت الأخرى قالت ليست على شيء، ليست على شيء أي ليس عندها دين صحيح والله جل وعلا يقول (وهم يتلون الكتاب) لأن المعنى: أن اليهود لما قالت النصارى ليست على شيء هذا كفر منهم بعيسى وبما أنزل به، ولما قالت النصارى ليست اليهود على شيء هذا كفر منهم بموسى وبما أنزل به (وهم يتلون الكتاب) كل طائفة منهم الكتاب الذي عندهم فيما يصدق هذا الذي كفروا به، كل طائفة منهم في كتابها ما يصدق هذا الذي كفروا به، فاليهود يجدون في التوراة البشارة بعيسى، وأيضا أخذ الميثاق على الإيمان به إذا بُعث، والنصارى يجدون في الإنجيل ما يُصدق التوراة التي أنزلت على موسى ويصدق موسى عليه السلام وما جاء به، يجدون ذلك في الإنجيل وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى (وهم يتلون الكتاب) يعني يقولون هذا القول وهم يتلون الكتاب أي ويجدون فيه ما يصدق الذي يكفرون به، قال: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) المعنى: أن اليهود يتلون التوراة ويجدون فيها ما يصدق هذا الذي يكفرون به، والنصارى يتلون الإنجيل ويجدون فيه ما يصدق هذا الذي يكفرون به (وهم يتلون الكتاب)
(كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) مثل قول هؤلاء يعني من عُجب بما عندهم من باطل ونقض ونقد ما عند الآخرين وإبطاله على أي حال كان.
و(قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قيل في الذين لا يعلمون قولان:
/ قيل المراد مشركوا العرب قالوا ذلك لمحمد عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام قالوا ليسوا على شيء أي الدين الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وتبعه من تبعه فيه ليسوا على شيء ليسوا على دين حق وليسوا على دين صواب، ما الدين الصواب الذي يرونه؟ عبادة الأوثان، عبادة الأصنام المتخذة من دون الله سبحانه وتعالى.
/ وقيل: أن المراد بالذين لا يعلمون من كان قبل اليهود والنصارى من الأمم كقوم نوح، قوم عاد وقوم ثمود وغيرهم من الأقوام السابقة فكانوا يقولون ذلك في حق أنبيائهم، يقولون في حق أنبيائهم ومن اتبع أنبياءهم يقولون ليسوا على شيء فتشابهت قلوب الكفار كما سيأتي معنا (تشابهت قلوبهم).
قال (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
(فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ما المراد بالحكم هنا؟ الحكم الذي هو بيان الحق، هذا حصل في الدنيا، الحكم الذي هو بيان الحق، بيان الأهدى سبيلا والأقوم طريقا بُيّن هذا بحجج الله وبراهينه المُنزلة على رسله وأنبيائه، بيّن من أهل الحق ومن أهل الباطل، من أهل الهدى ومن أهل الضلال، بيّن ذلك، لكن المراد بالحكم الذي يوم القيامة الفصل بينهم، الآن في الدنيا كل طائفة تقول إنها هي على الحق، على ما هي عليه من ضلال وكفر باطل تقول إنها على الحق والله سبحانه وتعالى يقول (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) يريد حكم الفصل بينهم بأن يريهم، يرون ويشاهدون من يدخل الجنة ومن يدخل النار (فريق في الجنة وفريق في السعير) يرون ذلك، هذا الفصل، الفصل بينهم يعني ما يرونه ويعاينونه ويشاهدونه يوم القيامة من الفصل بين العباد الآن مجرد دعاوى لكن يوم القيامة يرون حقائق الأمور، ومن هذا الذي مر معنا الآن يقول (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) الذين يقولون لن تمسنا النار إلا أياما معدودة سيرون يوم الفصل الحقائق، هذا المعنى في قوله (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) مثلها في سورة الحج (إن الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) المراد بالحكم هنا الفصل كما توضحه هذه الآية، المراد بالحكم الفصل، (يحكم) أي يفصل، هذا معنى (يحكم بينهم يوم القيامة) يفصل بينهم يوم القيامة، الفصل يكون فيه ماذا؟ يرى الجميع من الذي وجهته أو جهته الجنة ومن الذي هو إلى النار (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)
قال الشيخ رحمه الله: "وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا" أهل الكتاب اليهود والنصارى بعضهم ضلل بعضا، اليهود ضللت النصارى، والنصارى ضللت اليهود وكفّر بعضهم بعضا "كما فعل الأميين من مشركي العرب وغيرهم" يقصد ماذا؟ قول الله في الآية (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قال كما فعل الأميون مشركي العرب أو غيرهم على القول الثاني ماذا؟ الأمم التي سبقت اليهود في قولها في أنبيائها.
« فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل الذي أخبر به عباده فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدّق جميع الأنبياء والمرسلين وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه ومن عاداهم فهو هالك» وهذا بُيّن في الدنيا في الكتب المنزلة، بيّنته الرسل عليهم صلوات الله وسلامه والحكم الذي يكون يوم القيامة هو حكم الفصل، حكم الجزاء لأن الحكم الذي هو حكم الله سبحانه وتعالى ثلاثه أنواع:
والحكم القدري
والحكم الجزائي
الحكم الجزائي هو الذي إليه الإشارة هنا (يحكم بينهم) أي يفصل بينهم، يفصل بينهم بما بمآل كل فريق، فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير. نعم
ن/ قال رحمه الله: «قوله (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) أي لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها وتقذيرها
والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله تعالى فيها. وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادّة لله ومشاقّة فجازاهم الله بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع المشركين من قربان بيته فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وأصحاب الفيل قد ذكر الله تعالى ما جرى عليهم، والنصارى سلّط الله عليهم المؤمنين فأجلوهم، وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر، واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد.
(لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها فقال تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة»
ت/ ثم قال الله سبحانه وتعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) مساجد الله هي بيوت الله التي أذن الله سبحانه وتعالى برفعها وبنائها وتشييدها وتطهيرها وتطييبها لتكون موطن عبادة لله سجودا وركوعا وخضوعا وذل لله جل وعلا وهي أحب بقاع الأرض إلى الله كما صح بذلك الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم فهو جل وعلا أمر ببنائها، أمر برفعها، أمر بتشييدها، فمن أعظم المحادة لله ولأمره ولشرعه أن يعمل إنسان على تخريب المساجد وتعطيل العبادة فيها ومنع الناس من ذكر الله وأداء الصلاة في بيوت الله سبحانه وتعالى والآية في نزولها سبب -كما سيأتي- لكنها كما ذكر الشيخ عامة، اللفظ عام والقاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فقوله (ومن أظلم) الاستفهام هنا المراد به النفي أي لا أحد أظلم (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، يعني أن من يفعل هذا الفعل ظلمه أشد الظلم، لا أحد أظلم منه (ومن أظلم) أي لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) النصوص دلت على أن العمارة لمساجد الله لبيوت الله عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية ببنائها وتنظيفها وتطييبها، والعناية بها.
المعنوية بالذكر والعبادة لله سبحانه وتعالى، فأظلم الظلم أن يعمل الإنسان على تعطيل هاتين العمارتين للمساجد،
(وسعى في خرابها) هذا تعطيل العمارة الحسية تخريب المساجد، فلا أحد أظلم ممن كان على هذا الوصف يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ويسعى ويعمل على تخريب المساجد. وقد اختلف المفسرون في المراد بالذين منعوا مساجد الله من هم على قولين:
والآخر: أن المراد مشركو العرب عندما صدوا ومنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أراد الاعتمار والطواف بالبيت وعبادة الله سبحانه وتعالى (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون) (يصدون) فصدوا النبي عليه الصلاة والسلام هذا الصد منع.
فقيل المراد بالآية مشرك العرب وقيل المراد النصارى لكن الآية عامة كما وضح الشيخ المصنف رحمه الله تعالى.
الإمام بن جرير رحمه الله تعالى رجّح أن المراد بالآية النصارى، رجّح ذلك وذكر وجه الترجيح.
والحافظ ابن كثير رجح القول الثاني أنها نزلت في مشركي العرب وقال رحمه الله: «والذي يظهر - والله أعلم- القول الثاني كما قال ذلك ابن زيد ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما» ومما يؤيد الثاني قول الله عز وجل (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون) هذه واضحة أنها في مشركي العرب (وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه الا المتقون).
قال (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك) يعني أهل هذا الوصف، أهل هذه الأفعال الشنيعة (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أن هذا خبر بمعنى الطلب، قيل أن هذا خبر (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قيل أنه خبر بمعنى الطلب أي: يا معاشر المؤمنين لا تمكنوهم من دخول المساجد إذا قدرتم عليهم وهذا الذي وقع إن كان المعني كفار قريش لما مكّن الله سبحانه وتعالى المسلمين منهم وفُتحت مكة نزل قول الله سبحانه (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قيل: أن هذا خبر بمعنى الطلب، وقيل: أنه بشارة أنه يحمل بشارة للمؤمنين بأن هذا الذي سيحصل لن يدخلوها سيأتي يومهم، الآن يخربون، يمنعون، يصدون، سيأتي يوم لا يكون لهم فيها أي تمكن وأن الأمر سيكون بأيدي المسلمين، فقيل أنها تحمل بشارة لأهل الإيمان.
(أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) (يدخلوها) أي المساجد (إلا خائفين لهم في الدنيا خزي) ذل وفضيحة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم)
قال الشيخ رحمه الله: «أي لا أحد أظلم وأشد جرما، (أظلم من) (أظلم) الاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحد أظلم وأشد جرما ممن منع مساجد الله عن ذكر الله فيها وإقامة الصلاة وغيرها من أنواع الطاعات، (وسعى) أي اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي منع الذاكرين لاسم الله فيها» والمعنى الثاني هذا يدل عليه ما قبله قال: «(ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) هذا يتناول العمارة المعنوية، وقوله (وسعى في خرابها) هذا يتعلق بالعمارة الحسية والله تعالى أعلم - وهذا عام -
يقول الشيخ: "وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة لأن القاعدة عند أهل العلم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فاللفظ عام فيعم كل من كان بهذه الصفة - كل من كان يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها – قال: فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها عام الحديبية والنصارى حين أخربوا بيت المقدس وغيرهم من أنواع الظلمة الساعين في خرابها محادة لله ومشاقّة فجازاهم الله، عاقبهم بأن منعهم من دخولها شرعا وقدرا"
شرعا كما هو مبين في الآيات، وقدرا بما قدّره وكتبه سبحانه وتعالى من ذل وصغار لكل من كان كذلك.
(إلا خائفين) ذليلين وهذا جزاء من جنس العمل، أخافوا المؤمنين وعملوا على المنع والصد، الصد عن بيوت الله سبحانه وتعالى "فلما أخافوا عباد الله أخافهم الله" عاقبهم بعقوبة من جنس أعمالهم، هذه أمثلة يذكرها الشيخ "فالمشركون الذين صدوا رسوله صلى الله عليه وسلم لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا -أي لم يمضي إلا الوقت اليسير- حتى أذن الله له في فتح مكة ومنع صلى الله عليه وسلم المشركين من قربان بيته قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) قال: وأصحاب الفيل قد ذكر الله ما جرى عليهم (ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، والنصارى سلّط عليهم المؤمنين فأجلوهم عنه -أي عن بيت المقدس- وهكذا كل من اتصف بوصفهم فلابد أن يناله قسطه -أي من عقوبة الله والخزي- وهذا من الآيات العظيمة أخبر بها الباري قبل وقوعها فوقعت كما أخبر بها قبل وقوعها، (ما كان لهم) هذا إخبار بها قبل وقوعها ووقعت طبقا لما أُخبروا، لهذا بعض أهل العلم قالوا: إن الآية جاءت تحمل بشارة لأهل الإيمان، الآن تُصَدون وتُمنَعون سيكون التمكين لكم وهؤلاء الذين يمنعونكم سيكونون بهذا الحال، وسيكونون بهذه الصفة (وما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين).
قال: "واستدل العلماء بالآية الكريمة على أنه لا يجوز تمكين الكافر أو الكفار من دخول المساجد (ما كان لهم أن يدخلوها) أخذوا من هذا (لهم في الدنيا خزي) أي فضيحة -كما تقدم- أي كما تقدم فيما حصل لأصحاب الفيل، وما حصل لكفار قريش، وما حصل للنصارى (ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
ثم يذكر الشيخ رحمه الله تعالى فائدة نفيسة جدا مستفادة من هذه الآية قال: "إذا كان لا أظلم -كما تدل على ذلك الآية- ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد" الآية فيها مفهوم وفيها منطوق
ومن نعمة الله علينا في هذه البلاد ما تقوم به دولتنا وولاة أمرنا من عمل عظيم في خدمة الحرمين خاصة وفي خدمة عموم المساجد عامة، والواجب أن يذكر الإحسان ويُشكر، الواجب أن يُذكر الإحسان لأهله وأن يُشكر وأن يُدعى لهم بمزيد التوفيق ومزيد العون والتسديد.
قال: "وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والعمارة المعنوية" الحسية: بالبناء والتنظيف والتهيئة لها والعمل على خدمتها، والمعنوية: الصلاة والذكر وعبادة الله سبحانه وتعالى فيها، وتعلم العلم والتفقّه في دين الله، إلى غير ذلك.
قال: "فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية كما قال تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر واقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها قال: (في بيوت أذن الله أن تُرفع) (أذن الله أن تُرفع) هذه العمارة الحسية، (ويذكر فيها اسمه) هذه العمارة المعنوية. (ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) قال الشيخ رحمه الله: "وللمساجد أحكام كثيرة يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة، المساجد لها أحكام كثيرة لكنها في الجملة ترجع إلى ماذا؟ إلى جانبين: عمارة حسية وعمارة معنوية، العمارة الحسية يدخل تحتها البناء، النظافة، التطييب، إلى غير ذلك من الأمور الحسية التي تخدم بها المساجد، والعمارة المعنوية بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والتفقّه في دين الله إلى غير ذلك. نعم
ن/ قال رحمه الله: "قوله (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)"
نعم نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما..
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.