الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

التفسير المؤصل / سورة آل عمران (١٠ - ١٤)

قال الله عز وجل بعدها (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار) إذا بعد أن ذكر الراسخون في العلم اتصل الكلام بالحديث عن أعمالهم وجزاؤهم، وجزاؤهم يفهم من قولهم لما قالوا (إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) الآن يعود الحديث عن تتمة الحديث عن الذين في قلوبهم زيغ فقال الله عز وجل: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم..) الله سبحانه وتعالى في خطابه في الجزاء يخاطب النفوس بما تفهم، يخاطب النفوس بما هي عليه في الحقيقة والواقع، في الحقيقة والواقع الإنسان عندما يقع في كرب أو يقع في مشكلة يفزع إلى ماذا؟ إلى الله هذا المؤمنين، لكن أنا أتكلم من محض البشرية، من محض البشرية عندك مال تحاول أن تشتغل فيه إلى أن تدرأ عنك هذا الأمر، فقط مصيبة تحتاج إلى شيء، يحتاج إلى جاه، عندك أولاد تتعزز بهم، فمسألة الأولاد ومسألة الأموال من واقع الحياة البشرية أمر يعتبر ملاذ في وقت المشاكل، فالإنسان يفهم بهذه الطريقة وهي طريقة واقعية من الناحية الفطرية أن الإنسان يتعزز بماله ويتعزز بأولاده، فوقع على لسان المشركين في أحوال متعددة أنهم يظنون أنهم يوم القيامة يستمر تعززهم بالمال، يستمر تعززهم بالأولاد مثل ما حصل ( فليدعو ناديه* سندعو الزبانية) فالتعزز بمسألة الجاه والأبناء وما إلى ذلك موجودة ووجد في أسباب بعض النزول، فلذلك تكرر في القرآن في مرات متعددة عندما يتحدث الله عز وجل عن العذاب يقطع وسائل النجاة من العذاب فينفي تماما إمكانية النجاة من هذا العذاب بسبب أنهم أصحاب أموال أو أصحاب أولاد فقال (إن الذين كفروا لن تغني..) عندك مال، عندك أولاد، عندك جاه، أنت ملك، أنت وزير، أنت رئيس، أنت شيخ قبيلة، أنت عندك من الولد من الحشم من الخدم، هذه كلها يوم القيامة لا تلقى الله عز وجل إلا بعملك وتُقطع عن كل هذه الأمور، فلا شك أن القلب السليم لما يقرأ هذه الآيات فهو يتعامل مع هذه الأمور في الحياة الدنيا بحجمها الطبيعي وليس بحجمها المفخم أنها ستبقى معه إلى يوم القيامة.
 إذا لا الأموال ولا الأولاد تغني من الله شيئا، و(شيئا) نكرة في سياق النفي فتدل على العموم القاعدة التفسيرية تقول النكرة في سياق النهي أو النفي أو الشرط أو الطلب أو الأمر تفيد العموم، فإذا ولا شيء،  لا يوم من العذاب، ولا ساعة من العذاب، ولا لون من العذاب يمكن أن يزول إذا قدّر الله سبحانه وتعالى عقوبة هذا الإنسان بسبب مال أو ولد، ولذلك يأتي آيات يمكن أكثر تفصيلا من هذه الآية التي هي أنهم يتمنون لو عندهم ملء الأرض ذهبا ولكن لو افتدوا بها لن يحصل هذا الأمر.
ليس هذا فحسب قال (وأولئك هم وقود النار) يعني ليس أنهم يرمون في النار، هم وقود، الشيء الذي توقد به معناه أنه هو أول ما يُسعّر بهذا الشيء، لما تقول مثلا هذا الخشب سأوقد منه نارا أيهما أكثر اصطلاء بالنار الخشب أو القدر الذي ستضعه فوقه؟ الخشب نفسه، فاذا هو نفسه مادة الوقود، فإذا قال (هم وقود النار) (وقود النار) في القران وُجد أنه بالحجارة، ووجد أنه بأجساد هؤلاء المشركين، الشاهد أنها دليل على شدة العذاب - نسال الله سبحانه وتعالى السلامة-
 أيضا من الحديث عن هؤلاء قال الله عز وجل عن الذين في قلوبهم زيغ والكافرين، قال: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم) الكاف هنا تشبيه، والدأب أي: العادة والطريقة. لماذا خُصت قصة آل فرعون في سياق الحديث عن عدم غنى الأموال والأولاد عن العذاب؟ فرعون كان من أكثر ملوك الأرض وكان من شدة تعززه بالمُلك أن (ما عملت لكم من إله غيري)، وتعزز حتى بتضاريس البلد (هذه الأنهار تجري من تحتي)، وتعزز بالأموال والخدم وذل الرعية له، فكان في قمة علوه في الأرض ولكن لما حانت ساعة إنزال العقوبة كانت عقوبته بما تعزز به، ألم يقل (هذه الأنهار تجري من تحتي) جُعلت هذه الأنهار هي التي تُغرقه ويهلك بها وقصة هلاكه مفصلة في الشعراء وفي غيرها من السور بطريقه يقصر المقام عن ذكرها.
الشاهد هنا: لما قال (كدأب) الكاف هنا كاف التشبيه شبه ماذا بماذا؟  بكون أقوام لم تغني عنهم وعوقبوا ونزلت لهم هذه العقوبة،  عندي في القران شيء اسمه القصص المَثَلي، القصة قد تكون قصة قائمة بذاتها، وقد تستخدم القصة مثلا يُمثل بها، مثل ما ورد في سورة الكهف لما قال (واضرب لهم مثلا..) كذا وكذا ويذكر قصة، فأحيانا المَثل يُمثل بشيء محسوس أراه يخبرونني، أو يكون البيان لهذا الأمر هذا الأمر مثل هذا الأمر، وأحيانا هذا الأمر مثل قصة، وهذا نستخدمه في الحياة، حين تأتي -مثلا- تعزي مصابا تقول له انظر فلان حدث له كذا وكذا والنتيجة صارت كذا وكذا، معنى ذلك أني أتيت بقصة جعلتها مثل لحال، وغالبا هذه تستخدم في مآلات  الأمور، هي التي يستخدم فيها القصص المثلي للعظة والعبرة، يعني مآل الأمر أحيانا الإنسان وهو يستقبل موضوع من الموضوعات لا يكون عنده بصيرة بعاقبة الأمور لأنه تستغرقه اللحظة، الإنسان من طبيعته حين يعيش في نعيم يشعر  أن كل الدنيا نعيم، حين يعيش في مشكلة أغلقت الدنيا كلها في وجهه، فيكون عنده قصة نظر في عواقب الأمور، ما الذي يخرجه من استغراق اللحظة ويجعله أكثر بصيرة؟ أنك تشبه حال بحال، تأتي له بقصة وتقول مبدأها كان مثل حالتك ونهايتها تغيرت، فهذا هو القصص المثلي، فهنا الآن أُخبروا بخبر بأنهم يوم القيامة لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم، هم الآن في لحظة يستمتعون بمال وأولاد وجاه فما في نظرهم إلا أنه سيستمر التعزز والالتجاء وأنها ملاذ آمن في كل الأوقات، فيقال لهم مثلكم قوم كانوا كذا وكذا وكذا وآخرة الأمر أغرقوا وأدخلوا النار، وما فُصّل عذاب البرزخ إلا في قوم فرعون (ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) ذُكرت هذه الحالة، طبعا هذا اختصار ويحال تفصيلها إلى غيرها من الآيات التي فصلت دأب آل فرعون، فعادت الله سبحانه وتعالى في عقوبتهم.
 طبعا كونه قال (آل فرعون) معناه ليس فرعون فقط بل كل قومه، نعرف أن من قومه مثلا قارون الذي تعزز بالمال وقال (إنما أوتيته على علم عندي) وما إلى ذلك، فهذا من آل فرعون وعندنا من جنوده هامان، وعندنا الحواشي الذين هم على نفس طريقة الفكر، وعلى نفس طريقة الكفر، وعلى نفس طريقة الضلال، ففرعون وآل فرعون كلهم كانوا هذا مصيرهم، ولذلك يأتيهم في محاجة النار الضعفاء الذين استكبروا (وآتهم عذابا ضعفا من النار) لأنهم اتبعوا وساروا على نفس المنهج فنالهم من الجزاء مثل ما نال هؤلاء، فهو إذا ليس فرعون فقط وإنما آل فرعون بأكملهم.
 قال (والله شديد العقاب) فهذه من شدة العقاب وهذه فُصّلت أيضا في آيات كثيرة، وفُصّل شدة العقاب في النار، وفُصّل في ملبسهم، في مشربهم، في مسكنهم، وصوت في النار، وما إلى ذلك، فالآيات كثيرة يعني يقصد الحديث عنها.
 قال الله عز وجل بعدها (قل للذين كفروا) أيضا استرسال في الحديث عن الذين كفروا (ستُغلبون وتُحشرون إلى جهنم) ستغلبون أين؟ في الدنيا، وتحشرون إلى جهنم في الآخرة، طالما أنكم في قلوبكم زيغ ولم تتعظوا بالقرآن، واستمريتم على الكفر، وصددتم عن سبيل الله، وابتغيتم الفتنة فإن مصيركم تغلبون في الدنيا فتنهزمون، وفي الآخرة يكون العقاب يوم القيامة.
مما نحتاجه في الساحة الآن آية المُحكم والمتشابه، فيه أشياء كنت ما تعرضت لها، أو تعرضت لها على عجل الأسبوع الماضي، لكن أريد أن أركز عليها.. كثير من الانحرافات التي تبث في الساحة انحرافات فكرية، في الساحة كثير منها تعتمد على الغرور بالعقل وحتى يسمونها المدرسة العقلية يكون الاحتجاج على بدعتهم أو على انحرافهم من ناحية إنهم يتبعون العقل يعني هذه أول احتجاج مقبول ومنطقي أن الإنسان يتبع العقل لكنهم يجهلون أمور مهمة وضحتها هذه الآية وهي حاجة العقل للوحي، العقل يعني عملية الذكاء شيء وعملية العقل الذي هو قضية العمل بالعلم شيء آخر، ولذلك هذه يسددها قضية الوحي، العقل إذا استنار بنور الوحي حصل بالفعل الاستقامة، إذا تخلف هذا الوحي أو تخلف النور من هذا القلب بدأ قضية الانحراف  وهو الذي بينته الآية لما قال (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) إذا هي قضية إن ذا العقل محتاج إلى الوحي.
 فيه لطيفة مهمة جدا: وهي جانب إحصائي وارد في القرآن الكريم - طبعا ليس من باب الإعجاز العددي  لكنها هي ملاحظة - كم عدد مرات ورود العقل في القرآن؟ وكم عدد مرات ورود كلمة النور في القرآن الكريم؟
 لو عملت هذه الإحصائية ستجد أن العدد متساوي، العقل ورد تسع وأربعون مرة، والنور ورد تسع وأربعون مرة، هذا في حد ذاته إلماح كافي بقضية أن الاستقامة تتم بالتوازن بين الأمرين، الوحي يدعو إلى العقل ويدعو إلى إعمال العقل ويقول (لعلهم يتفكرون)، (أفلا يعقلون)، (لو كنا نسمع أو نعقل) يدعو إلى العقل، لكن هذا العقل ليس له قوة مطلقة وليس هو صواب مطلق وإنما قد يضل بسبب ماذا؟ أن الهوى قد يدخل على العقل فيوجه هذا العقل، ويحرف هذا العقل ويغير مساره فيتبع الفتنة ويتبع ما تشابه منه، فهذه الآية أصل لشرح منشأ البدع بشكل عام. كل من يدعى المدرسة العقلية نقول العقل نعم يدعو إليه القرآن ولكنه لا يستقل وإنما هو مفتقر إلى الوحي لأن عملية اعتناق الأفكار، عملية اعتناق الرؤى، اعتناق أنك تتبنى مذهب وما إلى ذلك ليست عقلية بحتة وإنما يدخل فيها الهوى ويدخل فيها الشهوات ويدخل فيها أهداف يتسبب فيها الشيطان من تزيين وما إلى ذلك فيُلبسها بصورة العقل ويقول أنا لا.. لأن العقل يقول كذا فأنا أفعل كذا، وهو في الحقيقة المسبب الحقيقي هو الهوى والشهوات ولذلك الآية أتت تبسط لنا مواصفات أهل الشهوات ومواصفات الراسخون في العلم.
ما هي الأمور التي يحدث بها استقامة القلب؟
أولا: من صفات  استقامة هذه القلوب أنهم أهل علم فالعلم ينير القلب، وترقيك في درجات الاستقامة بترقيك بدرجات العلم إلى أن تصل إلى مرحلة الرسوخ في العلم. الراسخون في العلم بمعنى الثبوت، يعني بمعنى أن هذا العلم أورثهم عملا، أورثهم ثباتا على الحق فاستنارت عقولهم، وصح مسلكهم، وفهموا مراد الله سبحانه وتعالى. إذن أول صفة هي العلم بل والرسوخ في العلم.
ثم بعد ذلك الصفة الثانية وصفهم بالإيمان (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) فالإيمان أحد مواصفات من استقامت قلوبهم.
ثم بعد ذلك لجؤهم إلى الله سبحانه وتعالى فسألوا الله العفو والعافية، وطلبوا من الله سبحانه وتعالى الهداية، وطلبوه أن يجنبهم أسباب الزيغ (لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) وسألوه الرحمة، واستحضَروا - وهذا مهم جدا في استقامة القلب - استحضروا اليوم الآخر   فإن استحضار اليوم الآخر كلما قوي في القلب كلما استقام مسلكه. وهذا الأمر يتكرر كثيرا في القرآن في وصف سبب مهلكة أهل الكفر من أنهم يجحدون باليوم الآخر أو ما يؤمنون به أو ما يحضر عندهم مفهومه وفي المقابل في وصف المؤمنين من كثرة ترداد أمور اليوم الآخر، والجنة والنار، والخوف من الله سبحانه وتعالى، فهذا سبب يتعاهد القلب في الاستقامة.
أما أهل الزيغ فمواصفاتهم: أنهم أصحاب شهوات وبالتالي حصل عندهم الزيغ، للمعلومية أن الزيغ هذا ليست صفة جبلية، الصفة الجبلية هي الفطرة السليمة أما الزيغ فهو سبب حادث على القلب فبالتالي كل ما كان الإنسان يحافظ على فطرته وينميها بالوحي، طبعا الفطرة مرحلة ثم بعد ذلك التزكية تحدث بالوحي كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النور (نور على نور) بعد أن ذكر شِقي المثل فهذه تصعّد في درجات الاستقامة ما بين الفطرة السليمة ثم بعد ذلك تعهدها بالوحي حتى تستقيم هذه القلوب. فإذا آفة الرأي هو الهوى وإلا فإن القرآن يدعو إلى العقل.
 من صفاتهم أنهم يتركون المُحكم ويذهبون إلى المتشابه وهذه طبعا مهمة جدا في درسنا قبل قليل لما قلنا تفسير القرآن بالقرآن المحنا إلى أن أهل البدع أحيانا يستخدمون تفسير القرآن بالقرآن ولكن ما الفرق بينهم؟ الفرق أن هؤلاء يجعلون المتشابه هو أم الكتاب فيعتنقونه أولا ويعتبرونه أصلا ثم يذهبون إلى المحكم ويجعلونه متشابها ويردونه إلى هذا المتشابه، وأعتقد المؤلف كان هنا ضرب لنا مثلا في صنيع بعض المعتزلة في قوله تعالى (إلى ربها ناظرة) وبين (لا تدركه الأبصار) فاعتبروا هذه هي المتشابه محكما والمحكم متشابها وقالوا أن الله سبحانه وتعالى لا يُرى واستندوا على (لا تدركه الأبصار) وجعلوا (إلى ربها ناظرة) من المتشابه الذي يُرد إلى المحكم، فمسلكهم استخدموا فيها آية مع آية ولكن هناك فساد في الرأي وفساد في الهوى واتباع ما تشابه وترك المحكم فلذلك حصل منها الضلال.
هذه تقريبا أهم المحطات الواردة في المحاضرة السابقة.
  وبالمناسبة إذا ما كان معكم تفسير ابن كثير لأجل قضية الأمثلة انظروا كم مثال على قضية التأويل في الأحاديث، انظروا عند تفسير قوله تعالى (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)، (ربنا إنك جامع الناس) في آخر التفسير يعني انتقل إلى آية عشرة وارجع قبل عشان الآية تفسيرها طويل.
 في الحديث قال ابن مردويه بسنده .. إلى أن قال عن عائشة رضي الله عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال: ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه أما تسمعين قوله (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)) تأول القرآن يعني بمعنى أنه هذا من التفسير النبوي، هو تأول القرآن فدعا بهذه الدعوة وربطها في نفس نص الحديث قال: (أما تسمعين) مثل لما قلنا ثم قرأ كذا، أو أما تسمعين كذا فأصبح  هذا الحديث أصلا في تفسير الآية من أنه الدعاء الوارد في الآية يتأوله الإنسان ويدعو به فيصبح صنيع النبي صلى الله عليه وسلم من تأول القرآن.

 في قوله تعالى (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) هذه الآية حكى فيها حال من أحوال النزول وإن كان البعض عده سببا للنزول، وهذا طبعا لو كنا مفصلين في تفسير القرآن والسنة كان أفردنا لهذا كلام طويل لكن اختصرناه. التفريق بين أحوال النزول وأسباب النزول لأنها كلها من التفاسير النبوية، الشاهد نحن نريد أن نركز على قضية ما يسهم في البيان.
 لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من معركة بدر - ومعروف النصر العظيم الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر - جمع النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله مثل ما أصاب قريش) - كان تحذيرا لهم ودعوة لهم إلى الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أنّا الناس - يعني عندنا قوة - فنزلت هذه الآية، أو كان من تهديدهم (قل اللذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) فكلمة (كفروا) هنا تشمل أنواع الكافرين الذين هم أهل الكتاب من يهود ونصارى، وتشمل المشركين، وكل من خالف هذا الدين بشكل عام يعني كانت لهم تحذير.
وفي قوله تعالى (إلى جهنم وبئس المهاد) لو لاحظت وجمعت الآيات التي تصف جهنم -والعياذ بالله منها- كثير منها تصف التصاق العذاب، يعني لو الإنسان في الحياة الدنيا وقع في حريق قد يكون في مبنى في حريق لكنه يستطيع أن ينجو كأن يكون مثلا الجدران وهي بعيدة أو حرارة اللهب لا تصله، لكن كثير من آيات القرآن تصف الملاصقة فإما أن تصف ثيابهم بالنار، أو تصف شرابهم من حميم هذه لا يمكن إلا أن تحرق، المهاد الذي هو الفراش،  هذا كله كناية عن شدة الالتصاق فلا منجى مع سعة النار - نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة منها وذرياتنا وجميع المسلمين - إلا أنها مواقعة للعذاب في كل أجزاء الجسد والكلام يطول في ذلك لكن هذا تعليقا على كلمة (وبئس المهاد) فهي مهاد كمستقر، لكنها أيضا من كلمة المهاد الذي هو ما يتمهد به الإنسان وغالبا ترتبط بقضية الفراش.
 ثم أعطت الآية وصفا آخر في مِنح الله سبحانه وتعالى للمقاتلين في سبيل الله وإن كان في ترجمتها على الواقع يعني أقوال متعددة للمفسرين فقال الله عز وجل: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا) طبعا لا ننسى أن الآيات التي قبلها قال (كدأب آل فرعون) قلنا في المحاضرة السابقة إن هذا من القصص المثلي الذي هو أن تضرب العظة والعبرة بمصائر أقوام سابقين فهي قصص بحد ذاتها ولكنها سيقت كالمثل، ولذلك حتى هنا في هذه الآية تحديدا، يعني الأولى سُمي فيها القوم فرعون لكن هنا آية في فئتين لم يحددها فبعضهم قالوا هذا على سبيل المثل، مثل بمعنى أنه تخييل أنه لو فرض أنه وقع كذا سيكون كذا، وقيل: لا، هذه تحكي ما حصل في غزوة بدر فهي من أنواع القصص القرآني، القصص المعاصرة التي هي أحداث النبي صلى الله عليه وسلم فهي أيضا سيقت كعظة وعبرة ولا شك أنها إذا سيقت كعظة وعبرة بعد انتهاء الحدث فهي لمن يخاطبون بها بعد الحدث تذكرة وعظة وعبرة يعني حصل لهم هذا الأمر فاتعظوا، فغيروا من مساركم، فاستجيبوا، فأطيعوا، فهذا هو قضية التمثيل بهذه الأحوال.
فإذا التمثيل الأول كان في (كدأب آل فرعون) وكيف كانوا علوا في الأرض وهذا مصيرهم فهذا تحذير للمشركين، وهنا الآن أيضا يأتي يذكر حال ويحذر من المصير. ما هي هذه الحال؟
 قال: (قد كان لكم آية) الآية: بمعنى العلامة والشاهد والحجة والبرهان، والدليل على ما يراد إيضاحه.
 (في فئتين) الفئة: الجماعة أصلها مأخوذة من فاء بمعنى رجع، والجماعة لماذا تسمى فئة؟ لأن بعضهم يرجع الى بعض سواء بالشورى سواء بالانتصار، سواء..، يعني يجمعهم قضية فيفيئون بعضهم الى بعض، فبالتالي سُميت الجماعة. هذا من حيث أصل الاشتقاق لهذه الكلمة. ما هي أحوال هذه الفئة؟
 (فئتين التقتا) أي كان بينهم معركة أو بينهم قتال، قال في وصفها: (فئة تقاتل في سبيل الله) هذا وصف الفئة الأولى تقاتل في سبيل الله، الفئة الثانية كيف وصفها؟ كافرة.
 لو سننظر في قضية طريقة التقسيم بشكل عام، إذا أعطيت وصف أعطي من جنسه في الوصف الآخر في الفئة الثانية، فكان يمكن أن يقال: "فئة تقاتل في سبيل الله وفئة تقاتل في سبيل الطاغوت" مثلا، أو فئة تقاتل في سبيل كذا أي قضية غير في سبيل الله، لكنه قال (كافرة)، طيب في الأولى هل قال هي مؤمنة؟ قال (تقاتل في سبيل الله) فما الذي نتج من المغايرة في طريقة الوصف؟ وهذا أسلوب من عادات القرآن الكريم: أنه عندما يتحدث عن التقسيم يعطي وصف في جهة، ويعطي الآخر وصف في جهة أخرى، ثم أنت تقيس عليه، إذن الكافرة تقاتل في سبيل الطاغوت قياسا على تقاتل في سبيل الله، والتي تقاتل في سبيل الله هي مؤمنة قياسا على كلمة كافرة فأصبح بعبارات قصيرة أعطاني ثراء في طريقة الوصف، وهذا يستخدم كثيرا في الأمثال القرآنية، في الأمثال القرآنية لها شواهد كثيرة، وعموما بشكل عام، أي موضع في القرآن فيه تقسيم أحوال سواء كان في الجزاء، سواء كان في العمل، سواء كان في الأسباب، في النتائج، يُلحظ فيها هذا الأمر إذا حصل مغايرة في طريقة الوصف فهذا موطن ثراء في استكمال جوانب الوصف وهذا طبعا لا شك أنه من بلاغة القرآن.
إذا صفات هذه الفئة:
● فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله
● فئة كافرة تقاتل في سبيل ما تزعمه أيا ما كان، الطواغيت أنواع مختلفة.
 طيب هذه أوصاف الفئة التي التقت
ما الذي حدث لما التقوا؟
قال: (يرونهم مثليهم رأي العين) هناك رائي وهناك مرئي، من الرائي؟ ومن المرئي؟
هل الفئة المؤمنة رأت الكافرة مثليهم رأي العين، أم الكافرة رأت المؤمنة مثليهم رأي العين؟ وهل المثلين مثل الرائي ولا مثل الطرف الآخر؟
هذه كلها أقوال للمفسرين والعبارة والألفاظ في الآية يحتملها، يعني الآية سيقت وسُبكت بطريقة تحتمل أن المشركين رأوا المؤمنين مثليهم رأي العين، ويحتمل أن المؤمنين رأوا الكافرين مثليهم رأي العين، أنا عندي آية أخرى في سورة الأنفال تصف لي قضية التقليل هذه، هنا تصف التكثير، وعندي آية أخرى تصف التقليل (يقللكم في أعينهم ويقللهم في أعينكم) والسبب أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقضي أمرا كان مفعولا. في استراتيجيات القتال لو كان في البداية رأوا الكثرة لهابوا القتال وتراجعوا فالتقليل مناسب حتى يُقدِم للمعركة لكي يقضي الله سبحانه وتعالى أمرا كان مفعولا أن يلتقي الجيشان وتحدث النتيجة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، اثناء القتال الكافر إذا رأى المسلمين كثير أُحبط ودب الوهن وربما حصل الفرار فحدث النصر للطرف الآخر، وفي المقابل لو الكافر أقلّ من عِدته اندفع وقاتل، وربما رآه أكثر بسبب الملائكة، كل هذه المعطيات لو أنك ستدرس هذا الموضوع من زاوية أخرى وليس من نص واحد،  من مجموعة نصوص سواء كانت من القرآن الكريم الاي هي الآيات الواردة في سورة الأنفال - أنا الآن أختصر لكم اختصارا شديدا ما يرِد في كتب التفسير- لأنهم في كتب التفسير يُوردون كل قول والإشكالات التي عليه، وكل قول والإشكالات التي عليه، ويستبعدون ما يُستبعد ثم يقولون الآية تستحمل هذا كله؟ لا، هذا القول صحيح إلا كذا، دعنا نناقشها بطريقة مختلفة لنمشي مع هدف الدرس الذي هو قضية النتائج المرجوة وليس كل تفاصيل المراد.
 لو جمعنا كل النصوص الواردة في مجريات غزوة بدر والآيات النازلة فيها - التي هي سورة الأنفال- مع أسباب النزول، مع ما ورد عند ابن إسحاق وابن هشام وغيرهم من أصحاب السير الذين وصفوا لنا مجريات المعركة، نجد أن التقليل حصل، والتكثير حصل، والإراءة حصلت من جانب المشركين، والإراءة حصلت أيضا من جانب المؤمنين وفي النهاية حصل مراد الله سبحانه وتعالى من نصر المؤمنين، فالتقليل كان في مرحلة، والتكثير كان في مرحلة، فلا داعي أن نضرب الأقوال ونقول هذا إشكال على هذا، وهذا إشكال على هذا، لا، هذا في وقت، وهذا في وقت.
فمقدمة المعركة التقليل كان مناسب ليتجرؤا ويلتقون - لأنه أنت تعرف سبب الغزو أنه كان  تلقي عير قريش ولم يكن الهدف معركة، لكن أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون معركة الإسلام وأن يلتقي الجيشان فهيأ لها من الأسباب، الأسباب متعددة لو كنا ندرس المعركة على حدة سنتكلم بشكل أوسع لكن هنا ما يشهد لنا في هذا الموقع أن تحدث المعركة ابتداء ثم أن يحدث النصر للمؤمنين وهزيمة المشركين ثانيا، فهذان الهدفان حصل فيها في مراحل كان التقليل مناسبا، وفي مرحلة كان التكثير مناسبا، وإلا فإن عِدة الجيش معروف أن هؤلاء ثلاثمائة، وهؤلاء كانوا تسعمائة إلى ألف، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل من يأتي بخبر القوم قال: كم يذبحون في اليوم؟ فقال: أيام تسعة وأيام عشرة، قال: إذا القوم بين التسعمائة والألف، باعتبار أن الجزور الواحد يُطعم مائة فقاس عليها أنهم بين التسعمائة فأخذ من هذا الحديث عِدتهم.
 أيضا لدينا إشكال آخر بالنسبة لقضية الثلاثمائة للتسعمائة هذه ثلاثة أمثال، (مثليهم) تأتيك على قضية يُفسر فيها المثلين قد يؤخذ المثلين غير العدد الأصلي فيصبح ينطبق عليه، يعني ثلاثمائة ثم مثلَين أصبح إلى ستمائة إلى التسعمائة، فليس قضية إنهم الستمائة إشكال في معنى الآية يمكن أن ينظر لها من زاوية أخرى، وبهذا تلتقي كل الأقوال في سبك المعنى المراد في الآية.
الشاهد: أن هذه وصف لمقادير يقدرها الله سبحانه وتعالى لتتميم مراده وهو نصرة المؤمنين، حصل من هذه المقادير قضية الإراءة والتقليل والتكثير.
● ثم قال ختام الآية (والله يؤيد بنصره من يشاء) فإذا أراد الله سبحانه وتعالى النصر سواء تخلف العدد، تخلف العتاد، تخلفت الأسباب من برد، من جوع من أي ما كان، معروف أنه في الاستراتيجيات العسكرية هناك أسباب للنصر التي هي القوة المعنوية، والقوة العتاد، وظروف الجو، والإمدادات وما إلى ذلك، لكن هذه أسباب وينبغي أن تُتخذ لكن إذا أراد الله سبحان وتعالى أن يُمضي أمرا جعل هذه الأسباب تتخلف أو تتضاعف، فمقادير الله سبحانه وتعالى -وهذا موضوع لو يُفرد له ويُتحدث فيه لقامت عشرات الشواهد على هذا الموضوع من السُنة نفسها، وقد تكون سورة الأحزاب مجال أوسع لشرح هذه القواعد-  فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يؤيد أقام الأسباب، أو خلف الأسباب، حتى يمضي مراد الله سبحانه وتعالى لذلك كانت بداية الآية (قد كان لكم آية) فهو بالفعل موضع اعتبار واتعاظ أنهم كانوا فئة مشردين يعني مهاجرين بمعنى ليسوا في وطنهم الأصلي، وعدتهم قليلة، والإسلام لم يتمكن بعد، ومع ذلك قُلبت هذه الأسباب كلها وبالتالي هي آية بالفعل أن المؤمنين انتصروا في بدر وليس أي انتصار وإنما كل صناديد قريش قُتلوا وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم في القليب، ولو قرأت الغزوة في سيرة ابن هشام سيذوب قلبك وأنت تقرأ أحداث المعركة مقارنة بالقرآن النازل،  ففرق بين أنك تقرأ أحداث تاريخية مجرد أنه حصل ثم حصل، وبين أنك تقرأ الحدث وفيه قرآن نازل فيه، فالوصف الذي فيه وصف حقيقي يصِف كل أبعاد هذا الموضوع وليس مجرد أنها أحداث متفرقة، ولذلك لما نقول أن العلوم تُدرس بانفصال هذا جيد، لكن أن تُدرس من الزاوية القرآنية تعطي مفهوم آخر واتعاظ بشكل مختلف تماما.

 / ثم قال (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) فمن يتعظ بهذه الأحداث هو ذو بصر وذو بصيرة وينتفع بالقرآن، أما من يقف فقط مع الأسباب المادية، أو لا يتدبر القرآن فإنه تتخلف عنه كثير من الفوائد.
 ما معنى عبرة؟ موعظة.
 لماذا سميت الموعظة عبرة؟ من حيث المعنى اللغوي العبور هو أنك تجتاز من مكان إلى مكان، فمثل هذه الأمور إذا تدبرتها فأنت تنتقل من مفهوم إلى مفهوم، من فائدة إلى فائدة، من حدث إلى نتيجة، من عمل إلى جزاء، فتعبر من مكان إلى مكان.
فلذلك القصص القرآنية إذا قُرئت وأُحسِن تدبرها وأُحسِن استنباط الفوائد الحياتية منها فإن الإنسان تحصل له عبرة ويتجدد إيمانه، ويتجدد انتقاله من مفهوم إلى مفهوم.

/ ثم قال الله عز وجل بعدها: (زين للناس حب الشهوات) وبدأ يعدد في أنواع هذه الشهوات.
  نقف مع هذه العبارة:
 المُزيِن من هو؟ هو الله سبحانه وتعالى.
ولما تكلم (للناس) معناه هل هي مرتبطة بمؤمن وكافر؟ الكافرين هم الذين زُين لهم والمؤمنون ما زُين لهم؟ كطبيعة بشرية كصفات فطرية نشترك جميعا نحن البشر في وجود هذه الشهوات. قد يبدو سؤال في هذا الموضوع:
إذا كان يترتب عليها هذه المفاسد لماذا زُرعت في الفِطر؟ هل هي تخلو من الفوائد؟ إذا ما المذموم؟
ليس المذموم وجود هذه الشهوة، وإنما المذموم حبها حب يعطل باقي المصالح الأخرى.
 الحياة والنفس مجبولة على شهوات ومجبولة أيضا على أمور أخرى فمن جعل هذه الشهوات حبا يطغى على كامل السلوك ويعطل فيه الأمور الأخرى فهذا هو المذموم أما من وضع الأمور في نصابها واستمتع بهذه الشهوات بالقدر الذي يتناسب مع إنسانيته - الإنسان يختلف عن الحيوان- الحيوان مجبول فقط على الاستمتاع بأموره الفطرية، شهواته البدنية وهو مخلوق لها ويموت ولا حساب بعد ذلك، أما الإنسان فهو قبضة من طين ونفخة من روح فكما جُبل على الشهوات فهو مجبول أيضا على السوء، ومجبول على محبة الله سبحانه وتعالى، ومجبول على النظر إلى اليوم الآخر، يعني بمعنى أن حب الله سبحانه وتعالى وحب العبادة وحب الارتقاء في منازل العبادة وسمو الأخلاق وما إلى ذلك هي أيضا فطرة موجودة في النفس الإنسانية، فإذا أنا عندي شقين هذا محبوب وهذا مجبول أيضا.
أنا مطلوب مني أعيش كإنسان ليس كمَلَك فأكون فقط على شق التعبد، وليس كحيوان أعيش فقط على شق الشهوات، أنا محتاج أن أوازن بينهم،  من الذي يعطيني منهج صحيح في التوازن؟ هل هو عقلي الذي يدخل فيه الشهوات أيضا ويدخل فيه الهوى أم الوحي؟ الوحي. فإذا الشرائع أتت تضمن لي قضية التوازن فلذلك أعطتني في:
المال: ما الشيء المحبوب، وما الشيء الممكن أن تستمتع به، وأعطتني ما الشيء المحرم، وما المذموم، ودرجات التحريم، ودرجات الذم.
 في النساء: أعطتني حِل الزواج وحرمت الزنا.
في الذهب والفضة: أعطتني قضية حب التملك ونبذت وذمت الإسراف وحرمت السرقة والغصب.
الأولاد: نفس الشيء الأولاد هم زينة الحياة الدنيا ويحصل بهم الانتفاع وأعلى ما يكون فيهم إذا كان هناك صلاح وما إلى ذلك، وفي المقابل قد يكونوا فتنة أتعلق بهم وأترك أموري وفقط حياتي لأجلهم، أو أني أستخدمهم في قضية التعزز في الحياة الدنيا، فكل جانب من جوانب الشهوات فيه جانب مذموم وجانب مرضي وأيده الشرع.
 من زاوية أخرى أنظر لها أن عمارة الأرض أصلا لو لم تكن هناك محبة لهذه الشهوات لما عمرت الأرض، لو ما كان هناك حب للمال لما عُمرت هذه الأرض، لو لم يكن هناك محبة للذهب والفضة لما كان هناك عمل واتجار واكتساب وإقامة مشاريع وما إلى ذلك وقامت بها المصالح، لو ما كان حب النساء ما حصل النسل ولا حصل الولد، لو ما في حب للولد ما حصل تربية للأولاد.
فكل شيء زُرع في الفطرة ما زُرع عبثا، زُرع وله حكمة ولكن أن تتبصر في قضية الموازنة بين الأمور الشرع كفانا عناء التفكير في هذا الوضع وأعطاني ما الحلال، ما الحرام، ما المذموم، ما المكروه، ما المستحب، ورُسم لنا حتى في كل زاوية، الحرام درجاته، والحلال  درجاته ما بين المستحب وما بين المباح وما بين الواجب، فكل زاوية من هذه الزوايا أُعطينا في أحكام الشريعة الشيء الذي يكفل، وهذه الآية من آيات القرآن التي أيضا بنت لي قضية التوازن لكن نتناولها إن شاء الله في الآية الثانية وهي قوله تعالى: (قل أؤنبئكم) أعطتني قضية التوازن، لكن نؤجل قضية التوازن بعد ذلك.
 فإذا (زُين للناس حب الشهوات) ليس المذموم الشهوات وإنما حبها حب يطغى على الإنسان ويخرجه من إنسانيته إلى الحيوانية.
عدّ لي سبع معدودات من الشهوات: النساء، البنين، القناطير القنطرة من الذهب والفضة، الخيل المسومة، الأنعام، الحرث، هذه الأصول. فالشهوات أكثر من كذا لكن الشهوات لا تخلو أن تكون متفرعة عن واحد من هؤلاء السبعة، يعني لو أخذت المسكن مثلا، لو أخذت المركب، لو أخذت..، هذه كلها تتفرع إما من الخيل المسومة فهي ركوب، وإما أن تكون من القناطير المقنطرة، وإما أن تكون من أي فرد من هذه الأفراد، فهذه أصول الشهوات التي تلتقي الفطر في أنها تحبها وتعتبرها لذة من لذات الحياة، بل وحتى نعيم الآخرة، نعيم الجنة لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يحبب إلينا الجنة عدد لنا أجناس هذه الشهوات بآفاق عالية جدا مما يتوفر في الجنة لأن النفوس خوطبت بما تفهم وبما تستجيب، فلو خوطبت بأشياء ما تفهمها ولا تشعر بها لما كانت جانب من جوانب أن تتوق إلى هذا الأمر، فوُصف لنا نساء الجنة، ووُصف لنا الذهب والفضة في الجنة، ووصفت لنا المساكن والملابس وما إلى ذلك لأنها من جنس ما يحبه الإنسان في الحياة الدنيا.
طبعا يعني لن ندخل في تفاصيل أحكام كل جنس من أجناس هذه الشهوات ما المُحلل وما المحرم منه فهذا موضوعها موضوع فقهي آخر، لكن نشير لها فقط:
*النساء عندنا الزواج، وعندنا الزنا، عندنا عمل قوم لوط الذي سُمي بغير اسمه في المصطلح الحاضر المثلية وما إلى ذلك، فهذه يعني صور من صور الاستقامة، وصور من صور الانحراف في الاستمتاع بهذه الشهوات.
*البنين فيه الأبناء الشرعيين وفيه الأبناء في نطاق الزواج، ثم البنين في حد ذاتهم هناك التربية الشاملة التي تشمل المال وتشمل الأخلاق وتشمل الدين وتشمل كذا، وهناك شق واحد من التربية الذي هو مراعاة فقط الجسد من الترفيه وما إلى ذلك، فلا شك أن هذا أمر فيه خلل يتعلق بهذا الموضوع، وخير ما يكون في الأبناء إذا اجتمع إنجاب الأبناء مع الصلاح فهذه كانت من دعوات عباد الرحمن (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) فكان هناك إقرار بهذه اللذة عندما يكون الأبناء صالحين. 
*الخيل المسومة إما أن يكون المقصود بها التي ترعى، وقد يكون المقصود بها المُعلَمة، وهذا يكون بناء على أجواد الخيل. الخيل المسومة يُفهم منها الخير وتسمى عند العرب الخير حتى من شدة محبتها، وقد يفهم منها أنها وسيلة ركوب ويقاس عليها وسائل الركوب الأخرى.
*الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم.
*والحرث هو الزروع بشكل عام، معروف أن الزراعة يعني تقوم الحياة بها. فهذه كلها من أجناس ما يستمتع به.

اقرأ المزيد...

الاثنين، 24 أغسطس 2026

اسم الله (المُحسن) من كتاب فقه الأسماء الحسنى للشيخ عبد الرزاق البدر

[المُحسن] لم يرد هذا الاسم في القرآن اسماً وإنّما ورد فعلا كما في:
 قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: ٧٧]
 وقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ﴾ [يوسف: ۱۰۰ ] 
وقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ [الطلاق: ١١]
وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴾ [السجدة: ٧]
وقوله تعالى : (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: ١٤].
وجاءت السنة بإثبات هذا الاسم لله عز وجل في ثلاثة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 
الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب المحسنين) «رواه الطبراني، وأبو نعيم» (۱) 
الثاني: حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: حفظت من رسول الله الله اثنتين قال : (إن الله محسن يُحِبُّ الإحسان إلى كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته». رواه عبد الرزاق وغيره (٢).
الثالث: حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عزوجل محسن فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم فليحسن مقتوله، وإذا ذَبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته» رواه ابن عدي (٣).
وهذه الروايات تدل بمجموعها على ثبوت هذا الاسم لله عز وجل.

وقد جاء ذكر هذا الاسم في ثنايا كلام أهل العلم، وكثُر التعبيد الله به (٤).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، وكذلك أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد الله : كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن...» (٥) ، وذكر بعض أسماء الله الحسنى.
وقال ابن القيم رحمه الله : "وإقرار قلوبنا بأنَّ الله الذي لا إله إلا هو... وأنه حکيم كريم محسن... ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين" (٦).
و معنى اسم الله المحسن يرجع إلى الفضل والإنعام والجود والإكرام والمن والعطاء، والإحسان وصف لازم له سبحانه، لا يخلو موجود عن إحسانه طرفة عين بالإيجاد والإنعام والإمداد، قال تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان من طين ﴾ [السجدة: ٧]، وقال تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [التغابن : ٣].
وأعظم الإحسان التوفيق لهذا الدين وشرح الصدر للزوم طاعة رب العالمين، والتثبيت على الحق والهدى إلى الممات، إلى أن يتوج ذلك بأعظم الكرامة وأجل الإحسان بدخول الجنان يوم القيامة، ورؤية الكريم الرحمن المحسن المنان، نسأله سبحانه من فضله العظيم وإحسانه الجزيل.
ثم إن الله سبحانه يحب من عباده أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو الكريم يحب الكرماء، محسن يحب المحسنين، قال تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ۷۷]، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: ١٢٨].

والإحسان من العبد هو أعلى مقامات الدين وأرفعها كما جاء ذلك في حديث جبريل المشهور ، وفسر الإحسان في الحديث بأن يعبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله جل وعلا يراه لا يخفى عليه منه شيء، وهذا إحسان في عبادة الله، وهو أشرف الدين وأرفع مقاماته كما تقدم، ومن الإحسان أيضا الإحسان إلى عباد الله برا بالوالدين، وصلة للأرحام، ووفاء بالحقوق، وإعانة لذوي الحاجات، وكف الأذى عن الناس، والاجتهاد في إيصال الخير لهم، إلى غير ذلك من الإحسان لعباد الله.
وقد وعد الله على ذلك بالثواب العظيم، قال تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [التوبة: ١٢٠].

ومن ثمار الإحسان العظيمة في الدنيا انشراح صدر المحسن وطيب نفسه وطمأنينة قلبه، ولذا يقول العلامة ابن القيم رحمدلله في كلام عظيم له عن أسباب شرح الصدر، قال: ومنها: الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرا، وأطيبهم نفسا، وأنعمهم قلبا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا، وأنكدهم عيشا، وأعظمهم هما وغما. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح (٧) مثلا للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنّتان من حديد، كلما همّ المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، حتى يجر ثيابه ويُعفي أثره، وكلما همّ البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها، ولم تتسع عليه، فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه)(٨)

وأما ثواب الإحسان في الآخرة فكل ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين يناله المحسنون، قال تعالى: لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر: ٣٤].
وقد جمع الله لهم بين الثوابين المعجل والمؤجل في قوله: ﴿ فآتاهم اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران : ١٤٨]. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
--------------------------------
(۱) «الأوسط» (٥٧٣٥)، وأخبار أصبهان (۱۱۳/۲) من طرق عن محمد بن بلال، ثنا عمران القطان، عن قتادة عن أنس بن مالك منه.
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد»: «رجاله ثقات».
وقال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة» (٧٦١/١): «إسناده جيد».
(٢) مصنف عبد الرزاق) (٤ / ٤٩٢) - ومن طريقه الطبراني في الكبير» (٢٧٥/٧) ، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال (فذكره).
ورجال إسناده ثقات رجال مسلم. أبو الأشعث اسمه شراحيل بن آدة، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي.
ورواه إسماعيل القاضي في حديث أيوب السختياني (٣٦) عن يحيى الحماني، حدثنا حماد ابن زید، عن أيوب، به مثله. والحماني مختلف فيه، وقد اتهم بسرقة الحديث.
والحديث رواه مسلم (رقم: (١٩٥٥) من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، بإسناده، بلفظ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم.... الحديث.
(٣) في الكامل» (٦ / ٢٤١٩) من طريق عبد الله بن رشيد، ثنا مجاعة بن الزبير أبو عبيدة، عن الحسن، عن سمرة، فذكره.
وإسناده ضعيف مسلسل بالعلل عبد الله بن رشيد ليس بالقوي وفيه جهالة، ومجاعة ابن الزبير مختلف فيه وضعفه الدار قطني وغيره، والحسن مختلف في سماعه من سمرة.
وقال المناوي في التيسير» (١ / ٩٠): «إسناده ضعيف».
لكن الحديث صحيح يشهد له الحديثان قبله.
(٤) وقد جمعت في رسالة لي مفردة حول إثبات هذا الاسم الله كل من سمي معبدا للمحسن من أهل العلم وغيرهم إلى نهاية القرن التاسع، فبلغ عددهم أكثر من خمسين شخصاً.
(٥) مجموع الفتاوى» (۳۷۹/۱).
(٦) طريق الهجرتين» (ص/ ۱۲۰).
(٧) (صحيح البخاري (رقم: (١٤٤٣) ، و (صحيح مسلم» (رقم: (۱۰۲۱) من حديث أبي هريرة له .
(٨) (زاد المعاد» (٢/ ٢٥ - ٢٦).

اقرأ المزيد...

فوائد سورة المدثر (۲۷-۳۷)

 بسم الله الرحمن الرحيم

(وما أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر)
قال البغوي: "(وما أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر) أي: لا تبقي ولا تذر فيها شيئا إلا أكلته وأهلكته"
وقال مجاهد : "لا تميت ولا تحيي يعني : لا تبقي من فيها حيا، ولا تذر من فيها ميتا، كلما احترقوا جددوا"
وقال السدي: "لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما"
وقال الضحاك: "إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئا، وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم، ولكل شيء ملالة وفترة إلا لجهنم". «تفسير البغوي» (۸) ۲۷۰).

/ (لواحة للبشر)
قال البغوي: "لواحة للبشر مغيرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لاحه السقم والحزن إذا غيره".
وقال مجاهد: "تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادا من الليل"
وقال ابن عباس وزيد بن أسلم: "محرقة للجلد"
وقال الحسن وابن كيسان: "تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانا نظيره قوله (وبرزت الجحيم للغاوين). «تفسير البغوي» (۸) ۲۷۰)
                          
(عليها تسعة عشر)
عن جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، غلب أصحابك اليوم. قال : وبِمَ غُلبوا؟ قال: سألهم يهود: هل يعلم نبيكم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: «فما قالوا؟ قال: قالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا. قال: أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون؟ فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا، لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا : أرنا الله جهرة، علي بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك، فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟ قال: «هكذا وهكذا، في مرة عشرة، وفي مرة تسعة»، قالوا: نعم. سنن الترمذي (٥ / ٤٢٩).
وقال البغوي: {عليها تسعة عشر } أي: على النار تسعة عشر من الملائكة، وهم خزنتها: مالك، ومعه ثمانية عشر.
وجاء في الأثر : أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم. قال عمرو بن دينار: "إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر". «تفسير البغوي» .(۲۷۱-۲۷۰ / ۸)
وقال ابن الجوزي: "ذكر الماوردي في وجه الحكمة في كونهم تسعة عشر قولا محتملا، فقال: التسعة عشر: عدد يجمع أكثر القليل، وأقل الكثير، لأن الآحاد أقل الأعداد، وأكثرها تسعة، وما سوى الآحاد كثير. وأقل الكثير عشرة، فوقع الاقتصار على عدد يجمع أقل الكثير، وأكثر القليل. «زاد المسير في علم التفسير»(٤ / ٣٦٤)
وقال القرطبي: والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها، كما قال الله تعالى : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو) وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۸۰)

/ (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة)
سبب النزول: "قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك لما نزلت هذه الآية (عليها تسعة عشر) قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم ، أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم، أي: الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم؟ قال أبو الأشد أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر عشرة على ظهري وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين. وروي أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله عز وجل: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة)". «تفسير البغوي (۲۷۱/۸)»

(وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا)
قال السعدي: {وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) يحتمل أن المراد إلا لعذابهم وعقابهم في الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، كما قال تعالى: {يوم هم على النار يفتنون)
ويحتمل أن المراد: أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من يصدق ومن يكذب" «تفسير السعدي» (ص ۸۹۷).

(ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون)
قال البخاري: "باب الإيمان، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس). وهو: قول وفعل، ويزيد وينقص، قال الله تعالى: (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم)، (وزدناهم هدى)، (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)، (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)، (ويزداد الذين آمنوا إيمانا)، وقوله: (أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا)، وقوله جل ذكره (فاخشوهم فزادهم إيمانا)، وقوله تعالى: (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما)". «صحيح البخاري (١/١٠».
وقال البغوي: "(ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) لأنه مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر، (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا وجدوا ما قاله موافقا لما في كتبهم". «تفسير البغوي» (۸/ ۲۷۱).
وقال ابن القيم: "اليقين وعدم الريب في هذا الموضع: إن رجعا إلى شيء واحد كان ذكر عدم الريب مقررا لليقين، ومؤكدا له، ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه، وإن رجعا إلى شيئين بأن يكون اليقين راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة الملائكة، وعدم الريب عائدا إلى عموم ما أخبر الرسول به لدلالة هذا الخبر الذي لا يعلم إلا من جهة الرسول على صدقه، فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم - ظهرت فائدة ذكره" «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (۱/ ۱۹-۲۱).
وقال السعدي: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا) فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه ازداد يقينهم بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية فآمنوا بها وصدقوا ازداد إيمانهم. (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) أي : ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت وكل مسألة من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على رسوله محصلا لهذه الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين" «تفسير السعدي» (ص ۸۹۷). 

/ (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا)
قال ابن زيد في قوله: (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا) يقول: حتى يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر. «تفسير الطبري (٢٤/ ٣١)»
قال الحسين بن الفضل: السورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، فإنما المرض في هذه الآية: الاضطراب وضعف الإيمان.
«تفسير ابن عطية (٥ / ٣٩٦)»
وقال ابن تيمية: "(وليقول الذين في قلوبهم مرض) لم تمت قلوبهم كموت الكفار والمنافقين، وليست صحيحة صالحة كصالح قلوب المؤمنين، بل فيها مرض شبهات وشهوات" «مجموع الفتاوى» (۱۰ /٩٥)
وقال ابن القيم: مرض القلوب نوعان: 
• مرض شبهة وشك
• ومرض شهوة وغي.
وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)، وقال تعالى : (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله)، وقال تعالى في حق من دُعي إلى تحكيم القرآن والسنة فأبي وأعرض (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون* وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين* أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون)، فهذا مرض الشبهات والشكوك.
وأما مرض الشهوات فقال تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) فهذا مرض شهوة الزنا". «زاد المعاد في هدي خير العباد» (٤ / ٥).
وقال ابن القيم: «أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر فذكر سبحانه خمس حكم:
فتنة الكافرين؛ فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم.
وقوة يقين أهل الكتاب؛ فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم؛ من غير تلق من رسول صلى الله عليه وسلم  عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وينقاد للإيمان من يريد الله أن يهديه.
وزيادة إيمان الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به.
وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به. فهذه أربع حكم فتنة الكفار، ويقين أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب.
والخامسة حيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول : (ماذا أراد الله بهذا مثلا).
وهذه حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها قلب يفتتن به كفرا وجحودا وقلب يزداد به إيمانا وتصديقا، وقلب يتيقنه فتقوم عليه الحجة به، وقلب يوجب له حيرة وعمى فلا يدري ما يراد به».
«إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (۱) ۱۹-۲۱).

(كذلك يُضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) 
قال البغوي: "كذلك أي كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء).
«تفسير البغوي (۲۷۱/۸)».

( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) 
قال ابن تيمية: وملائكة الله لا يحصي عددهم إلا الله، كما قال تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو ...) والذي في الكتاب والسنة من ذكر الملائكة وكثرتهم أمر لا يُحصر ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا ملك قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد). وقال الله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم)" «مجموع الفتاوى (٤ / ١١٩)» 
وقال ابن كثير: وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: (فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم)..
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودا منذ خلق الله السماوات والأرض، لم يرفعوا رءوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعا لم يرفعوا رءوسهم منذ خلق الله السماوات والأرض ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رءوسهم نظروا إلى وجه الله عزوجل، قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك)". وهذا إسناد لا بأس به. تفسير ابن كثير (۸/ ٢٧٠- ۲۷۲)

(كلا والقمر)
قال القرطبي: "(كلا والقمر) قال الفراء : (كلا) صلة للقسم، التقدير : أي: والقمر. وقيل : المعنى: حقا والقمر ، فلا يوقف على هذين التقديرين على (كلا). وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردا للذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم، أي: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار. ثم أقسم على ذلك عز وجل بالقمر وبما بعده". «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٨٤).

(والليل إذ أدبر ) 
قال ابن الجوزي: "(والليل إذ أدبر) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم (إذا دبر) وقرأ نافع، وحمزة، وحفص، والفضل عن عاصم، ويعقوب وخلف «إذ» بسكون الذال من غير ألف بعدها (أدبر) بسكون الدال، وبهمزة قبلها.
وهل معنى القراءتين واحد، أم لا؟
➢ فيه قولان:
أحدهما : أنهما لغتان بمعنى واحد. يقال: دبر الليل وأدبر، ودبر الصيف وأدبر ، هذا قول الفراء، والأخفش وثعلب.
والثاني: أن «دبر» بمعنى خلف و أدبر بمعنى ولى يقال دبرني فلان جاء خلفي، وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيدة وابن قتيبة. «زاد المسير في علم التفسير» (٤ / ٣٦٥).

(والصبح إذا أسفر):
قال القرطبي: ومعنى (أسفر) : أضاء... وفي الحديث: (أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر)، أي: صلوا صلاة الصبح مسفرين، ويقال: طولوها إلى الإسفار، والإسفار : الإنارة. وأسفر وجهه حسنا أي: أشرق، وسفرت المرأة كشفت عن وجهها، فهي سافر". «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٨٤).

(إنها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر)
قال الحسن: "والله ما أنذر الناس بشيء أدهى منها، أو بداهية هي أدهى منها". «تفسير الطبري» (٢٤/.(٣٤

(لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر)
قال القرطبي: "(لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) اللام متعلقة بـ (نذيرا)، أي نذيرا لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية، نظيره: (ولقد علمنا المستقدمين منكم) أي: في الخير ( ولقد علمنا المستأخرين) عنه.
قال الحسن: "هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ..
وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم جوزي بثواب لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدا صلى الله عليه وسلم عوقب عقابا لا ينقطع.
وقال السدي: لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة". «الجامع لأحكام القرآن» (١٩/ ٨٦).
وقال ابن القيم: "قال تعالى : { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، فلا وقوف في الطريق؛ إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتأخر". «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (۱/ ۲۱۸).
اقرأ المزيد...

الأحد، 23 أغسطس 2026

التفسير المؤصل/ سورة آل عمران ( ١- ٩)

بسم الله الرحمن الرحيم

 افتتحت هذه السورة بـ (الم) وهي الحروف مقطعة، وأعتقد سبق أن تناولناها في سورة البقرة، وهي وإن تعددت الأقوال فيها فهي يمكن أن تجمع في ثلاث مسارات من المعاني نذكرها على وجه السرعة وهي: إما أن تكون لها معنى، أو لا تكون لها معنى، أو يفوض أمرها إلى الله سبحانه وتعالى. هذا ملخص الأقوال. 
من قال أن لها معنى يوجد آثار متعددة من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، تحدثوا في هذا المعنى، فإما أنهم وجهوه إلى الزمن -زمن الأمة-، أو وجهوه إلى أسماء الله سبحانه وتعالى، ولكن في كل هذا ليس هناك دليل مرفوع يحدد هذا الموضوع.
القول الثاني: أن ليس لها معنى ليس من باب إنها حشو أو زائدة وإنما لأن الحروف بدون كلمات في وضع اللغة العربية أنها لا تستقل بمعنى والقرآن نزل بلغة العرب فهنا في مثل هذه الحالة سيبحث عن الحكمة، ما الحكمة من مجيء هذه الحروف؟ فقالوا هذا دليل على أن هذا القرآن الذي أعجزهم أن يأتوا بمثله هو من جنس هذه الحروف التي يستعملونها في الكلام فكان من دلائل إعجازه، وكذلك استقراء العلماء أن كل السور التي افتُتحت بالحروف المقطعة يأتي بعدها الحديث عن القرآن الكريم إلا في سورتين، وهاتان السورتان لهما تأويل آخر.
القول الثالث: يفوضون أمرها إلى الله سبحانه وتعالى. فلا يقولون لها معنى ولا يقولون ليس لها معنى.
 هذه الثلاث مسارات التي تُجمع فيها كل خلافات العلماء.
 من العلماء مثل ابن تيمة وابن القيم وابن عثيمين وغيرهم قالوا: بأن هذه الحروف من جنس حروف اللغة العربية ليس لها معنى، ولكن (**) الحديث عن إعجاز القرآن أنه من جنس هذه الحروف.
 ● قال الله عز وجل بعدها: ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ذكر الله عز وجل نفسه وذكر صفاته.
(الله) علم على الله عز وجل وكما قيل أعرف المعارف، واشتقاقه من الإله المألوه الذي تألهه القلوب ومعروف أن ركني العبادة هي كمال المحبة وكمال التعظيم ، فمن عبد الله بأحدهما وقع في الضلال، فمن عبد الله بالتعظيم دون المحبة ضل فيها الخوارج، ومن عبد الله بالمحبة فقط دون التعظيم ضل فيها الصوفية، فالعبادة الحقة يجتمع فيها كمال التعظيم مع كمال المحبة.
(لا إله إلا هو) هذه كلمة التوحيد، ومعروف أن (لا) نافية للجنس، و(إله) اسمها وخبرها محذوف تقديره (حق)  ما دليل هذا التقدير؟ وجدناه في نصوص أُخر كما في قوله تعالى في سورة الحج (ذلك بأن الله هو الحق) ويؤيده أنه توجد آلهة عبدت على وجه الأرض فالنفي هنا للإله الحق، لا يوجد إلا الله سبحانه وتعالى.
(إلا هو) هو: ضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى. فائدة أن نحدد أنها ضمير الرد على الصوفية الذين جعلنا (هو) من أسماء الله فكانوا يتعبدون بذكر الله فيقولون: هو.. هو.. هو.. يعني إذا أرادوا أن يذكروا سبحانه تعالى يرددون الضمير، الضمير قد يعود إلى الله وقد يعود إلى غيره، هو ضمير يشير إلى قضية فلا يُتعبد الله سبحانه وتعالى بتكرار ضمير فهو ليس من أسمائه سبحانه وتعالى.
 ثم ذكر الله عز وجل اسمين من أسمائه والتي كما أسلفنا في فضائل السورة أنه اسم الله الأعظم، فما معنى (الحي) وما معنى (القيوم)؟
تناولناه في آية الكرسي لكن لا بأس أن نُشير بشكل موجز إلى هذين الإسمين.
هذين الاسمين علم مطلق على الكمالات المطلقة لله سبحانه وتعالى، فالـ (الحي) فيه كمال الصفات، و(القيوم) فيه كمال الأفعال. فهو حي حياة كاملة، في وجوده، في زمنها يعني بمعنى من الحياة الناقصة أن يعتريها النوم، من الحياة الناقصة. الموت، فالله سبحانه وتعالى له الحياة المطلقة، وأيضا من كمال حياته كمال سمعه، كمال بصره، كمال قدرته، يعني أن غيرها من الأسماء والصفات تندرج أو تتفرع من اسم (الحي) نظرا لسعة معنى هذا الاسم.
و(القيوم) يأتي قائم بنفسه وقائم بخلقه، فهو قائم بنفسه غير محتاج لأحد، وقائم بغيره كل محتاج إليه سبحانه وتعالى، ولذلك لماذا أنيط هذا الفضل أنه اسم الله الأعظم؟ هذا يرتبط بقضية أنك تستشعر هذه المعنويات، تستشعر أن تدعو الحي المطلق الذي له الكمال فتصير كل حاجتك الله سبحانه وتعالى يعلم بها، يسمعها، لا يغفل عنها، وهو قائم بك فإذا لجأت إليه وصمدت إليه فإنه يعطيك، فالاستشعار طبعا لا شك إن الحديث عن آثار الأسماء والصفات حديث يطول ويتشعب منه كثير من قضية زيادة الإيمان (فمن أحصاها دخل الجنة) لأنه بالفعل استحضار النفس للأسماء والصفات وآثارها هي من أكبر المعارج التي توصلك إلى هذا الأمر، بل لو تحدثنا عن قضية العلم بالله سبحانه وتعالى أنك تعلم بالله سبحانه وتعالى عنوانها ومسلكها وطريقها أنك تعلم أسماءه وصفاته وما يترتب على هذه الأسماء والصفات. كلما ارتقيت في هذا الأمر فأنت تعبد الله على بصيرة، أنت تعبد الله سبحانه وتعالى وأنت تعرف من هذا المعبود الذي تتوجه له بالعبادة، وما الذي يستحقه منك وأنت تؤدي هذه العبادة.

● ثم قال بعدها (نزّل عليك الكتاب)
الآن بدأ الحديث عن الكتاب الذي هو كما ذكرنا الحروف المقطعة يتلوها الحديث عن الكتاب.
 لو تذكرون في سورة البقرة ذُكر (ذلك الكتاب لا ريب فيه) هنا ماذا قال؟ (نزّل عليك الكتاب بالحق)، هناك قال (لا ريب فيه)، وهنا قال (بالحق) فهذين الوصفين يتمم بعضهم البعض، فإذا كان بالحق إذا لا ريب فيه أي لا شك فيه ولا اضطراب ولا قلق، فأنت تعلم أنه كلام الله سبحانه وتعالى، وأنه منزل من عند الله عزوجل.
 الباء فيه (بالحق) للملابسة، أنه ملابس للحق فيعني أن كل ما فيه حق، ونزل من الله الحق، وطبعا وصف الكتاب بالحق قد يكون في هذا الإجمال لكن عندي آيات متعددة في سور متعددة فصّلت لي فروع هذا الحق، فمثلا في سورة الرعد فصّل يمكن يكون مقصدها الحديث عن الحق بمجالات، (له دعوة للحق)، (كذلك يضرب الله الحق والباطل)، (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) لأن الحديث عن الوحي النازل، فالوحي النازل من عند الله سبحانه وتعالى الحق، فإذا الله سبحانه وتعالى في نفسه حق، وما ينزل من عنده حق، والرسل المبعوثون من عنده حق، والملائكة الذين يرسلهم حق، فكل ما يأتي في قضايا الإيمان هو الحق، وعكس الحق الباطل.
 إذا (نزّل عليك الكتاب) طبعا الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، (الكتاب) المقصود به القرآن، وهو أحد أسماء القرآن الكريم، فالقرآن الكريم له أسماء متعددة نتلمسها في حديث القرآن، يعني القرآن بأسماء متعددة، ولا شك أن كل اسم له من الصفات، ما نربطه بالمُسمى. فلماذا سمي القرآن كتابا؟ لأنه محفوظ في الصدور، ومكتوب أيضا في السطور، فالكتابة لها وقعها وكانت من أمور التوثيق للقرآن الكريم.
 بماذا وُصف هذا الكتاب؟ قال (مصدقا لما بين يديه)
 ما معنى مصدقا؟ عكس الصدق ماذا؟ الكذب، مصدق لما بين يديه أي: الكتب السابقة، فهو إذن الكتب السابقة حق، ولم يأتِ تناقض بين هذه الكتب، فكلها أتت بأصول الاعتقاد، وكلها أتت بحق الله على العبيد، كلها أتت بما تحدث به النجاة عند لقاء الله سبحانه وتعالى.
قال وأيضا (وأنزل التوراة والإنجيل) فهذه سنته سبحانه وتعالى مع خلقه أنه بعث رسلا، وأنزل معهم الكتب، وكان أشهر هذه الكتب التوراة المنزلة على اليهود، والإنجيل المنزل على النصارى.
(من قبل) أي من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
(هدى للناس) هذه الكتب السماوية تنزل هدى للناس ففيها ذكر ما يريده الله سبحانه من عبيده. والهدي هنا المقصود بالهدى بمعنى الدلالة، دلالة الإرشاد، أما دلالة التوفيق فهي من عند الله سبحانه وتعالى. هذه تنزل حجة على الخلق وترشدهم إلى الطريق المستقيم، ثم من يكتب الله سبحانه وتعالى له حظا وتوفيقا فإنه يقبل هذا الحق النازل من عند الله سبحانه وتعالى ويعمل به ويتبعه، ومن كان هناك طوية سيئة في نفسه فيحدث له الضلال...
قال (وأنزل الفرقان) ما المقصود (وأنزل الفرقان)؟
 الفرقان هو اسم من أسماء القرآن الكريم، لكن هل المقصود هنا القرآن أم وصف الفرقان لهذه الكتب الثلاثة؟ وصف لهذه الكتب الثلاثة، لأنه لو أُريد العلَم، قيل في أول السياق (نزّل عليك الكتاب) فإذا قيل (وأنزل الفرقان) كأن الكتاب غير الفرقان. فالفرقان وإن كانت في مواضع أُخر المقصود بها القرآن الكريم إلا أن الراجح - والله أعلم - في هذا السياق  ليس المقصود بها القرآن كعلم، وإنما المقصود أنها وصف لهذه الكتب الثلاثة. فما معنى كلمة الفرقان؟
 أي يفرق بين الحق والباطل، فعندما يبين طريق الحق وكيف يُسلك، وما هي الأعمال التي تفعل حتى يكون الإنسان (**)، كيف يعتني الإنسان بقلبه وهو في طريق الحق، كيف يمكن أن يصل إلى نهاية المطاف وهو لا يزال ثابتا على الحق، ثم ما هو طريق الباطل؟ وكيف يُجتنب، فشرح هذا الأمر هذه من سمات الكتب السماوية، ولو استعرضت القرآن الكريم بأكمله لوجدت عشرات المواضع يمكن أن يستشهد بها في دلالة هذا القرآن على الفرق بين الحق والباطل، وهذا الفرقان يستمر حتى يوم القيامة فيفرق بين أصحاب النار وأصحاب الجنة.
 قال بعدها (إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد) الآن بعد أن يبين إنها تفرق بين الحق والباطل، نزلت هذه الكتب بالحق من عند الله سبحانه وتعالى وهو حق، وبينت الحق والباطل.. 
إذا كان هذا الأمر حصل بتمامه فمن يكفر مع هذا الأمر فهو مستحق للعقوبة لأنه قد أقيمت له الحجة، أرسلت له الرسل، ونزلت عليه الكتب، وهذه الكتب كان فيها من البيان وفيها من الدلالة، وفيها من الإرشاد، وفيها من الهدى، ما يحصل به الاستقامة، ما يحصل به الإيمان، فإذا كفر مع قيام هذه الأمور كلها فهو لهم عذاب شديد لأنهم ما كفروا وهم جاهلين، ما كفروا وهم ما وصلهم الحق، وصلهم الحق، ونزلت عليهم الكتب، وأرسلت لهم الرسل فهم مستحقون للعذاب الشديد.

 قال بعدها (والله عزيز ذو انتقام)
هذا الاسم لله عز وجل يأتي، أو من آثاره الحديث عن قدرته سبحانه وتعالى على العقاب، وطبعا معروف أن العزة تأتي عزة قهر، وعزة قدر، فهو سبحانه وتعالى عزيز القدر، وهو عزة قهر يقهر من يخالفه، فلذلك أتى بعدها (ذو انتقام)، طبعا الانتقام ليس اسما من أسماء الله عز وجل وإنما هي صفة، وهي من الصفات التي لا يُشتق منها اسم لله سبحانه وتعالى. معروف أنه في القرآن الكريم إذا أتى وصفا لا يشتق منه اسما، الأسماء لا بد أن تكون ثابتة، لكن الإسم يمكن أن يُشتق منه وصفا، فمن صفاته سبحانه وتعالى الانتقام ولكن هذا الانتقام يكون مرتبط عادة بوصف آخر، فهو منتقم من المجرمين، فمن صفات البشر أنه يمكن يكون الإنسان منتقم من كل الناس، سواء كان محق أو غير محق، فهذه صفة نقص، لكنها لله سبحانه وتعالى غالبا تأتي، أو هي تأتي مع الذين يستحقون هذا الانتقام، وهذه طبعا فيها ترهيب للناس عندما يخالفون أمر الله سبحانه وتعالى، ولاحظ أنها قُرنت بقضية إقامة الحجة التي هي  إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان هذه الكتب للحق والباطل، فلم يبق له عذر، فإذا هو ينتقم منهم لأنهم مستحقون لهذا الأمر.

قال بعدها (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) طبعا كما هو معروف من قواعد التعليل 
(إن) تفيد التعليل، ما بعدها تعليل لما قبلها فلما ذكر أنه شديد العقاب وأنه عزيز ذو انتقام بهؤلاء الذين كفروا بعد قيام الحجة، قال (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) إذن لماذا وقع هذا الأمر؟ لأنه عز وجل اطلع على أحوالهم، اطلع على قلوبهم،  واطلع على مبدأ الأمر ومنتهاه فلذلك أوقع عليهم العقوبة، ولذلك من النقص البشري أنه قد يوقع الحكم القضائي أو حكم المحكمة على ناس مظلومين والسبب في ماذا؟ أن البشر قد يخفى عليهم بعض الأمور، قد لا تقوم الحجة يعني فيه أمور  يبنون عليها الحكم فحقيقة هذه الأمور قد تكون كما ظهر وقد تختلف، لكن الله سبحانه وتعالى عندما ينتقم فهو ينتقم وهو يعلم أن هذا الشخص يستحق الانتقام فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، طبعا لا شك أن هذه الآية فيها تحذير شديد لأن الإنسان ما أكثر ما يتخفى إذا أراد أن يفعل جُرما ويظن إنه إذا تخفى من الناس طويت صفحة هذا الجرم، أو هذا البغي، أو هذا الظلم، أو هذه الجريمة، طالما إنه تخفى عن الناس لكن هذه الآية ترهيب لهذه النفوس عندما يوسوس لها الشيطان أنه مع التخفي تنتهي هذه القضية، تنتهي هذه الجريمة لأن الله عزوجل يقول (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولافي السماء) فهذه لو نضعها عنوان لما وقعنا في ذنب، ولما وقعنا في معصية، لكننا نغفل ويزين لنا الشيطان هذا الأمر، وكثيرا ما يغلب عند الناس نظرة الناس ويخفى علينا، ولذلك جاء في كلام السلف: "اتق أن تجعل الله أهون الناظرين إليك" لأنك عندما تتخفى من الناس معناه أقوى الناظر لك، أنت تستحضر إنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومطّلع عليك في كل أحوالك ومع ذلك تتخفى من الناس وهم ماذا سيفعلون لك!! لكن من الذي يملك؟ عزيز ذو انتقام، شديد العذاب؟ هو الله سبحانه وتعالى.
هذه من القواعد التي تحصل بها الاستقامة، وتحصل بها يقظة القلوب، وعماد التقوى قائمة على مثل هذه الآيات، أنك تتقي أي تجعل بينك وبين ما تخافه وقاية، من هو أحق من يُتقى؟ هو الذي يطلع عليك ويعلم ويقدر أن يعاقبك، ويقدر أن يُنزل عليك العقاب.

قال (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) 
كثيرا ما تُربط قضايا الربوبية والألوهية بالخلق بشكل عام، فالخلق بشكل عام هو محطة من محطات أدلة الربوبية، فالله سبحانه وتعالى يُذكر هذا الإنسان بأنه هو الذي خلقه، بل وذكره في مبدء هذا الخلق، ليس فقط هو مستتم الخلق، هو الذي صوره في الأرحام، ابتدأ تصويره، ابتدأ خلقه إلى أن أصبح إنسانا بكامل خلقه وأصبح بعد ذلك يجادل، أو أصبح بعد ذلك يكفر، تذكر أنك في البداية الله سبحانه وتعالى هو الذي صورك في الأرحام، الأرحام طبعا معروف أن الإنسان يتشكل فيه مبدء خلق الإنسان.
قال (كيف يشاء) هذا ربط بالمشيئة، ولكنها طبعا بسنة الله مشيئة تشير إلى  طريقة معينة، يعني ليس أنها هذا على شكل حيوان أو على شكل جبل، لا.. معروف أن الإنسان سيُخلق بهذه الطريقة لكنه يمكن أن تتفرع تحت هذه المشيئة أشياء أخرى بعضهم تام الخلقة، بعضهم مشوه، وما إلى ذلك، لكنها إجمالا تربطك بقضية مشيئة الله سبحانه وتعالى، فالإنسان تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى من مبدء خلقه، وفي مسألة عمله واستقامته وما إلى ذلك هو تحت المشيئة في كل شيء،  والمشيئة طبعا موضوع طويل.

■ قال (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) إذا فرّع بعد الخلق الألوهية، إذن هناك قبلها الربوبية وتحدث عن أسماء الله وصفاته وتفرع عنها بالألوهية (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ولاحظ أن العزة تكررت هنا، (عزيز ذو انتقام) ثم قال عزيز وأضاف لها صفة الحكيم، ومعلوم أن 
كل اسم من أسماء الله عزوجل فيه كمال مطلق وإذا اقترن الإسمين يصبح كمال مع كمال، فهو (عزيز) كما قلنا عزيز القدر والقهر، (والحكيم) حكيم سبحانه وتعالى في أفعاله، حكيم في ما ينزل من عند الله فالقرآن كله حكمة، ومعاملة الله سبحانه وتعالى للخلق وفي سننه كلها حكمة، وكل شيء في هذه الحياة من الله سبحانه وتعالى بحكمة، فهو إن أثاب فهو بحكمة، وإن عذّب وأنزل العقوبة فهو بحكمة، والحكمة هي: إصابة الصواب ووضع الشي في موضعه الذي يستحقه.
هذه مقدمة تشعر بأن فيها تركيز في قضية الربوبية والألوهية، وإنزال الكتب وإقامة الحجة. يتلوها بعد ذلك مقطع يبتدء فيه الحديث عن هذا الكتاب، وما سيأتي فيه من تفصيل يرسم لنا منهج أسباب الضلال في الحياة بشكل عام.
عندما تواجه شيء في الحياة تتساءل كيف صاروا إلى هذا الأمر؟! كيف ينشأ هذا الضلال من هذا الشخص؟! معقول الحق بهذا الموضوح وتجد أشخاص يقولون كذا، أو يتبعون كذا، ما الذي يجعلهم يصلون إلى هذا الأمر؟! هذا الإنسان مهم جدا أن يعرف كيف يحدث الضلال، لأنه إذا عرف المسألة من قعرها، من بدايتها فهو قادر على (..) أحيانا الإنسان يتوجه في مناقشة بعض القضايا إلى ما تؤول إليه، أو إلى نتائج، أو إلى فرعيات يُغرق فيها وما يصيب أصل المسألة، فيستغرق وقت في النقاش قد ما يفلح، قد ما يصل لنتيجة والسبب أنه لم يمسك المشكلة من أصلها.
 هذه السورة كونها ستتحدث عن النصارى واتباعهم لقضايا أوقعتهم في الضلال حتى أصبح الضلال علما عليهم، ما السبب أنهم وقعوا في ذلك وقد جاءهم رسول، ونزلت عليهم الكتب وعاشوا فترة كما عاش الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو يقول حواريين مع عيسى، لماذ هذا الأمر كله حصل بعد ذلك؟ هذه شرح كامل لها في الآية التي ستأتي بعد قليل وأقسام الناس وأصنافهم، ولا شك - كما ما قلنا - أن سورة البقرة كان فيها تحذير لئلا إذا نزلت الأحكام يقولون لماذا هذا؟ وكيف هذا؟ ويبدؤون يناقشون، فكذلك الأمر هذه السورة حذرتنا من المسلك الذي وقع فيه النصارى في اتباعهم للمتشابه، فكانت هذه الآية أماً في القرآن نؤول إليها في الكثير من معالجة القضايا، وكثير من معالجة الضلال الذي يقع. فماذا قال الله عز وجل في هذه الآية؟
قال: (هو الذي أنزل عليه الكتاب) هذا إجمال، ثم يأتي التفصيل (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، (وأُخر) ما موقعها من الإعراب؟ هل هي عطف اسم على اسم؟ وإلا عطف جملة على جملة؟ جملة على جملة، التقدير: "ومنه أُخر متشابهات" مثل ما قال: (منه آيات محكمات) كأنه قال "ومنه آيات أُخر متشابهات". إذا هذا الكتاب إجمالا كله نزل علينا بالحق، كل ما فيه حق وبيّن لنا كل ما نحتاجه في هذه الحياة، ولكن من الابتلاء لنا في اتباع هذا القرآن أن جعله أنواع منه مُحكم ومنه متشابه.
قد يقول قائل: لماذا لم يُجعل كله مُحكم وانتهت القضية؟
سنفسر أولا المحكم والمتشابه ثم نرجع لقضية الحكمة من تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه.
ما معنى كلمة مُحكم؟
محكم من الإحكام يأتي بالمعنى الإتقان، يأتي بمعنى أنه على وجه واحد، لأن الإحكام لو أتينا إليه كوصف للقرآن الكريم نجده يأتي أحيانا - كما يقال في قواعد التفسير - أن الشيء إما يتبين بمرادفه أو يتبين بضده، أو أحيانا بالتقسيم إذا قيل هذا الشيء قسيم لهذا الشيء معناه القسم الثاني يسهم في (**) فإذا قلت مثلا هؤلاء طالبات ممتازات، وهؤلاء -مثلا- كسلانات معناه بيّن لي إن الممتازات لسن كسلانات أو أن الكسلانات لسن ممتازات، فإذا أي شيء فيه تقسيم التقسيم يسهم في بيان كل فريق باستقلال، فكونه قال إن هذه الآيات المحكمات وجدناها في القرآن أحيانا تأتي في مقابل مثاني، وأحيانا تأتي في المقابل متشابه، فإذا أتت في مقابل مثاني معناه المُحكم الذي يأتي بطريقة واحدة، المتشابه الذي يُثنى ذكره.
  أحيانا المحكم يأتي بمعنى المتشابه، معناه أن المتشابه ما يحتمل أكثر من وجه، والمحكم ما هو فصل في بيانه لا يقع فيه اختلاف.
هناك أمر آخر، طبعا هو مبحث مستقل في علوم القرآن وله تشعبات، وعندنا آثار من السلف تحدثوا عن هذه القضايا فقالوا مثلا المحكم هو الحلال والحرام، والناسخ مثلا يأتي في المتشابه المنسوخ، يأتي هنا مثلا أمثال القرآن وأقسام القرآن قسموا بعض المواضيع إلى محكم ومتشابه، لكن دعنا نقول أن هذا يمكن أن يكون من باب التفسير بالمثال.
لكن خلينا مع وصف الآية لما قال: (محكمات هن أم الكتاب) ما معنى كلمة أمّ؟ الأم التي يُرجع إليها، يقال مثلا عن مكة ام القرى لأن قلوب الناس تهوي إليها، أم الأبناء الأبناء يرجعون إليها، فإذا آيات القرآن منها محكمات وصفها بأنها أم الكتاب، إذن هي واضحة الدلالات لا تحتمل أكثر من قضية، المفاهيم التي فيها مستقرة البيان وكُرر ذكرها في القرآن ولا تحتمل أي اختلاف، فإذًا يُرجع إليها..
إذا هذا الوصف وصف المتشابه في مقابل أن المحكمات هن أم الكتاب دل على أن المتشابه يحتمل أكثر من معنى ولكن الفيصل في معرفة المعنى الصحيح أن تُرجع هذا المتشابه إلى هذا المُحكم فلا تضرب بعضه ببعض.
الذي يتبع ما تشابه، المتشابه طالما أن له معنيان يحتمل كذا ويحتمل كذا لكن أحد المعاني تظاهر القرآن على بيانه، وأحد المعاني لا، فيه شيء من السقوط، فإذا اتبعت هذا الذي فيه سقوط فأنت تضرب القرآن بعضه ببعض، فلذلك هذا المتشابه ينبغي أن يُرد إلى المحكم
وسيردنا الكثير من المتشابه الذي احتج به النصارى لما أتى وفد نصارى نجران إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنجد الرد على هذه الشُبه في ثنايا هذه السورة بشكل أكبر.
الشاهد الذي ينبغي أن يُعلم أن في القرآن ما هو محسوم الدلالة ومُبيَن المعاني، وما هو لا يحتمل أكثر من معنى، وهذه غالبا هي أصول الاعتقاد في القرآن الكريم أما التفرعات هذه تأتي في قضايا يعني أقل أهمية.
الآن نعيد طرح السؤال، قد يقول قائل: لماذا لم تكن كل آيات القرآن محكمات ويحسم الخلاف؟ وما توجد عندنا هذه الطائفة التي تتعلق بالمتشابه وتدعي أن القرآن متناقض أو يضرب بعضه بعض، أو ما إلى ذلك كما نسمعه من المستشرقين أو حتى ممن خرجوا لنا الآن بأوجه مختلفة، وأنت إذا فتحت الساحة وبدأت تقرأ كيف إذا أرادوا القيام بمعصية، كيف يأخذون بعض النصوص ويضربون بعضها ببعض، ولهم مسالك مختلفة، سواء كانت من باب المُحكم والمتشابه، أو من أبواب إنكار السنة أو ما إلى ذلك، عندنا مسالك مختلفة. فهنا يطرح العلماء في تفسير هذه الآية ما الحكمة أن يكون في القرآن محكم ومتشابه؟ 
هذا من الابتلاء، كما الإنسان يبتلى أحيانا بالمصائب، بالموت بالفقر وما إلى ذلك، حتى العقل يُبتلى، فالعقل قد يصيبه شيء من الغرور، قد يصيبه شيء من التعالي في المعرفة بحيث يزعم أنه على الحق وهو على الباطل. فما الضابط في السلامة في هذه القضية؟
ليس هو قضية الذكاء، يوجد كثير من الأذكياء خارجين من الملة، وثابتين على الضلال - والعياذ بالله - لكن العقل يحتاج إلى تسليم لله سبحانه وتعالى، ولذلك يقولون العقل ليس هو الذكاء، العقل مرتبط بقضية الإيمانيات، الذكاء عملية ذهنية بحتة، لأن إذا فكرت في معنى العقل أصلا في اللغة: هو يعقِلك أن تتبع القبيح، ولذلك أسماؤه في القرآن: العقل، النهى، الحِجر، كلها فيها قضية أن الإنسان يريد شيء وهذا يعقِله أو يُمسِكه أن يستطرد في هذا الأمر. فالعقل الذي أثنى عليه القرآن هو العقل الذي يمنعك عن اتباع هذا الضلال، فليس هو العملية العقلية الذكاء، وإنما هو الذكاء مع العقل الذي سيعقِلك عن هذا الأمر. فإذن العقل نفسه أو الذكاء، أو لنقل المُخ يُبتلى في مثل هذه الأمور، فلما يُوضع مُحكم ويوضع متشابه الذي عنده إيمان سيرد المتشابه إلى المحكم ويعلم أنه كله من عند الله، ويعلم أن الله عز وجل لما وصفه بالحق، فهذا المتشابه يمكن أن يرد إلى المحكم ويكون بعد ذلك من الراسخين في العلم، كما سيأتي بعدها في النص. الذي يتبع ما تشابه فهذا سيأتي وصفه بعد قليل، فهنا يكون رسب في الاختبار وما نجا في هذا المقام.
فإذن هذه الآية قعّدت لنا من مُفتتحها، طبعا مفتتحها قبل الذي هو لما قال (نزل عليك الكتاب بالحق) هذه محطة رئيسية، المحطة التي بعدها: هذا الحق منه مُحكم ومنه متشابه ثم تفرع منها ما مواصفات الناس في مقابل وصف الكتاب بأن بعض آياته محكمة وبعض آياته متشابهة؟ ما مواصفاتهم؟ هل هي عملية عقلية واحد ذكي وواحد غبي؟ لا، ليست القضية أنه واحد ذكي وواحد غبي، ليس أن الغبي هو الذي اتبع المتشابه، والذكي هو الذي ردّ المتشابه إلى المحكم، لا، ردها إلى عملية قلبية. فماذا قال بعدها؟
(فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه) زيغ: بمعنى ميل مأخوذة من زاغت الشمس إذا مالت عند الغروب، لكنه أصبح بعد ذلك مصطلح في الضلالة، أحد مصطلحات الضلال قضية الزيغ.  فإذن (فأما الذين في قلوبهم زيغ) عندهم ضلال فماذا يفعلون؟
يتعاملون مع القرآن على أنه متشابه فيذهبون إلى ما تشابه ويجعلونه أصلا ويُغفلون المحكم.
طيب عندكم المُحكم ما فيه اختلاف، إما أنه يُغفلونه أو يضربون بعضه ببعض، ويخرجون من قضية اتباعه والاستسلام له والإيمان به فقال (فيتبعون ما تشابه منه) ما السبب في ذلك؟ لاحظ تفصيل بعد تفصيل. السبب في ذلك: ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
 الفتنة أيضا هي محطة رئيسية في قضية التمحيص، معروف معنى الفتنة أصل الفَتن هو: وضع الذهب في النار ليتميز الذهب الخالص مما خالطه من الشوائب. 
فلما تحصل الفتنة يتفرق الناس إما ناس ناجين وهنا يصفو معدنهم ويتبين جميلهم، ويتبين زكاة إيمانهم، وإما مفتونين - والعياذ بالله - فيكونوا ضالين. فإذن هؤلاء أرادوا فتنة، أرادوا إيقاع الفتنة بالآخرين عندما جعلوا المتشابه أصلا.
 وقال (وابتغاء تأويله) هنا يأتي قضية الحديث عن كلمة التأويل، ونحتاج إليها أكثر في المقطع الآخر الذي هو (وما يعلم تأويله إلا الله) التأويل - في أصل الوضع - يأتي بمعنيين:
● إما من أَوْل الشيء بمعنى حقيقته التي يؤول إليها، إذا قلت آل الأمر إلى كذا معناه أنه وصل إلى حقيقته. ولذلك يأتي في حديث رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه (سبحانك اللهم وبحمدك) يتأول القرآن أي أي يجعل هذه الآية دعاء، فآل الشيء إلى هذا الشيء وليس بمعنى التفسير.
● المعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير.
فإذن هؤلاء من الذي يتبع المتشابه؟ هم الذين في قلوبهم زيغ وهدفهم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
 قال الله عز وجل (وما يعلم تأويله إلا الله) هنا في قضية مشهورة وهي: هل الوقف هنا وقفا لازما وتكون الواو استئنافية وتكون (الراسخون) مبتدأ وخبرها (يقولون آمنا به كل من عند ربنا)؟ أم أنها حرف عطف (وما يعلم تأويله إلا الله) ويعلمه أيضا الراسخون في العلم؟
خلاف مشهور عند أهل التفسير، ولكن تحرير الخلاف - والله أعلم - أنه يعتمد، لا نقول فصلا أنه وقف لازم قولا واحدا، ولا نقول أنها عطف قولا واحدا، وإنما ترجع إلى معنى التأويل.
فإن قيل أن التأويل هنا بمعنى التفسير فـ (الراسخون في العلم) معطوفة، لأن الله عز وجل  بيّن ما أنزله ولم يُنزل شيئا لا يُعلم معناه بالتفسير، وهذا مصداق لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.
● أما أن قيل إن الأَوْل بمعنى حقيقة الشيء، فهناك في القرآن أمور لا تُعلم حقائقها وكنهها وأشهر ما يُقال في ذلك الأسماء والصفات، فهي معروفة المعاني ولكنها كيفيتها وحقيقتها فكما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول" هذه الأمور هي التي يتحدث فيها العلماء في هذه القضية.
فالراسخون في العلم هذه نستحضر فيها إذا قلنا إنها بمعنى التفسير لما قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه، ماذا قال فيها؟
قال: قسم تعلمه العرب من كلامها، وقسم لا يُعذر أحد بجهالته، وقسم يعلمه أهل العلم (لا يعلمه إلا الله) وقسم لأهل الاستنباط الذين هم أهل العلم.  فالرأسخون  في العلم هم الذين يُسألون في مثل هذا الموضع، وليس قليلو البضاعة الذين يضربون المتشابه في المحكم، هؤلاء هم الذين يستفتون في هذه القضية، أبمعنى أن إذا حصل قضايا خلافية أو أمور دقيقة، سيرجع فيها إلى الراسخون في العلم، 
ومن مواصفات الراسخون في العلم (يقولون آمنا به كل من عند ربنا)، (كلٌ) تعود إلى ماذا؟ تعود إلى المُحكم والمتشابه.
كونها (كل من عند الله) فلماذا يضرب بعضها ببعض، آمنوا بها كلها وهي كلها من عند الله، فما تشابه يُرد إلى المحكم.
هذه تعطيك تقسيم الناس بشكل عام، هي الآن شرحت سبب ضلالهم، لكن دعنا نقول صف ثاني من الفوائد في هذه الآية، يعني طبعا الفائدة الأولى استصحابا للموضوعات الواردة في السورة الذي هو قضية ضلال النصارى لأنه سيأتي في مناقشتهم أنهم استخدموا آيات من القرآن للاستدلال على ضلالهم فكان ذلك من اتباع المتشابه، فهذا هو يدخل في الآية دخولا أوليا وهو الصف الأول من الفوائد والهدايات من هذه الآية.
 لكن دعنا نقول على مستوانا نحن جميعا مؤمنون بالله سبحانه وتعالى، وكلنا مؤمنون بأن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، 
نجد داخل الصف المسلم هناك أناس متفاوتون داخل الأحكام الشرعية، تأتي في مسألة الحجاب، تأتي في مسألة التعامل مع  القضايا المعاصرة، تأتي في بعض القضايا الخلافية، عند مناقشة من عنده معصية أو من عنده ضلالة تجد أنه لا يقول أنا عندي هذه المعصية وسأتوب منها وخلاص، لا، يذهب يستشهد على معصيته بشيء من القرآن، وهذا طبعا لا شك أنه أخطر. هذا يعطي قضية ما أثر هذا القرآن على القلوب؟ وكيف يمكن إني أتوقى من هذا الأمر؟
ليست القضية أني فقط أمسك المحكم والمتشابه وأناقشه، لا، فيه قضية تحتها وهي قضية هل في قلبي زيغ أو قلبي سليم؟ وبعدها هذه مرحلة أو صف ثاني ترتب عليها قضية إني أناقش، أو إني أتبع متشابه، يعني ا
لآية جميلة جدا في إنها تحل جذور القضية
لم تناقش قضية لا تفعلوا كذا بالمتشابه، ولا تفعلوا كذا في المحكم، وافعلوا، وجعلت القضية فقط مُحكم ومتشابه، لا، ناقشتها من تحت وأمسكت القلوب، قالت لنا أنه فيه القلوب في ناس تتلقى القرآن، ولذلك يعني لما قال الله عز وجل في الآية السابقة لما قال الله عز وجل (نزّل عليك الكتاب بالحق) المفسرون يجعلونها قبل كتأسيس لهذه الآية قبلها يقولون عندنا آيات أخرى تحدثت عن أن الله سبحانه وتعالى نزله على قلبك لتكون من المنذرين، فإذن مكان تلقي القرآن هو القلب قبل أن يطرأ على العقل، وما إلى ذلك القلب، فالقلب مسألة خطيرة جدا، إذا فيه شكوك، إذا فيه هوى، إذا فيه دخن وجاءه القرآن فليس شرطا إنه يُحسن تلقيه. 
ولذلك إذا وجدنا في النتيجة فيها مشكلة، ما وجدت قلبي، ما استطعت أمسك قلبي أني أتبع، وأني أفعل ما يريده الله عز وجل مني، قبل ما أناقش القضايا الظاهرية، أرجع، أترك كل هذه الأمور وأقف لحظة صفاء مع نفسي ماذا في هذا القلب، عندي غيرة، عندي حسد، عندي حسد، عندي محبة شهوات..
وسيأتيني بعد قليل من العلاج (زين للناس حب الشهوات) فإذا مسألة تصفية القلب، ولذلك لو تأملت آية النور في سورة النور عالجت هذه القضية بمنتهى التفصيل لما تحدثت عن النور الذي هو وصف القرآن بأنه نور، بأنه كمشكاة في مصباح، المصباح في الزجاج، ثم قالت تحدثت لي عن الزيت (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور) فذكر نور ونور، فيه نور الوحي وفيه نور القلب، فهذا القلب يحتاج إلى معالجة حتى يُحسن تلقي نور الوحي ، فإذا حصل أن هذا القلب على نور، ونزل عليه هذا النور أصبح نور على نور،  بينهما تفاوت، وبعدها تأتي آيات الظلمات التي أعطتني مستويات الظلمات الكثيرة، فالعلاج في مثل هذا الوضع هذا نور، يحصل به الهداية، ويحصل به الرفعة، ويحصل به النجاة، ويحصل به دخول الجنة، ويحصل به الصعود إلى الفردوس الأعلى، طب لماذا لسنا هكذا جميعا؟ لنعالج قلوبنا قبل كيف نستطيع تلقيه؟ كيف هذا القلب؟ كيف هذا القرآن يأخذ بقلوبنا ويوصلنا إلى هذا الأمر؟ دعني أصفي هذا القلب كما أصفي هذا الزيت، لو كنت في هذا المثل، فهنا يبتدئ الحديث عنه، سنأخذ مواصفات القلوب ونفصل القول فيها إن شاء الله.
 سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

/ قال الله عز وجل في وصف الراسخين في العلم، طبعا الرسوخ  بمعنى الثبوت، من تمكنت قدمه، فهذا مصطلح كثيرا ما يستخدم مع العلم، من يكون له في طلب العلم والاستمرار فيه ونيل مسالك ومفاتيح العلوم يسمى راسخا في العلم بمعنى أنه وقف على دقائق كثيرة وصار يعلم مفاتيحه فهؤلاء رسوخ العلم أعطاهم - طبعا لا شك أن الحديث عن العلم في القرآن حديث يطول ذكره وأخص ما يُذكر فيه أن 
العلم يقتضي العمل، أما إذا العلم لم يورث عملا فهذا يورث قسوة قلب وهذا وارد في وصف اليهود الذين كانوا يعلمون ومع ذلك لا يعملون فغضب الله عز وجل عليهم وجعل قلوبهم قاسية، هذه وردت في أوصاف اليهود ولذلك الأمثال الواردة في سورة الأعراف - في نهايتها - كانت تتحدث (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان ) هذه كانت تشرح قضية إذا تخلف العمل عن العلم، أن الإنسان يكون يملك علما ولكنه لا يعمل فهذا كان تشبيهه في القرآن (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) وطبعا  ليس هذا مجال الحديث عنه لكن هنا نركز على قضية أن العلم الممدوح الذي وردت فيه الأحاديث والآيات على فضله هو العلم الذي يورث العمل أما العلم الذي لا يتبعه عمل فهذا قسوة قلب فالراسخون في العلم أين العمل هنا؟ (يقولون آمنا به كل من عند ربنا)
إذا هذا هو العمل المناسب للسياق وهو الحديث عن كون القرآن ينقسم إلى مُحكم ومتشابه فما العمل الذي يناسب وصف القرآن بأن منه محكم وأن منه متشابه؟
أن الإنسان يُسلم طالما أنه يعلم أن الله هو الحق وأن الكتاب حق والوحي حق والرسل حق والكتب حق فإنه يجعل المُحكم هو أم الكتاب ويُرجع المتشابه إلى هذا المُحكم قائلا ومعلنا ومسلِما (آمنا به كل من عند ربنا) وهذه طبعا توجيه للعقول لأنه ممكن يأتي الشيطان ويلقي شبهة وأنت تقرأ آية أو تقرأ محتملات تفسيرية في آية معينة وما إلى ذلك، يمكن أن يسابقك الشيطان ويطرح عندك فكرة طيب لماذا في الآية هذه مذكور كذا إذن فيه كذا، ويبدأ حسب قبولك لهذه الوسوسة يمكن أن يسترسل، ولذلك الله سبحانه وتعالى يعلمنا من أننا نستعيد بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة حتى يكون هناك حصن وتخلية قبل التحلية، ثم أثناء التلاوة لو عندك شيء من هذه الأفكار فإن الإنسان يتوقف ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وممكن أن يتفل عن يساره كما يفعل في الصلاة بحيث يقطع على الشيطان استرساله في إلقاء الشبهات التي هي وُصفت بأن أصحابها أصحاب زيغ، أساسا كيف يزيغ القلب؟ إلا أنه لما يلقي عليه الشيطان يستقبل هذه الإلقاءات ويفتح لها القلب ويبدأ يحققها ويفكر فيها ويستدل عليها وما إلى ذلك إلى أن تصبح عقيدة في القلب، لكن وسيلة قفل هذه الاسترسالات أنه لو أتت هذه الفكرة فقل: آمنت بالله، ولذلك أحاديث صريح الإيمان لا يزال الشيطان يقول من خلق كذا؟ من خلق الله؟ هنا يقول: آمنت بالله، إذا قال آمنت بالله قطع استرسالات الشيطان في الوسوسة. أنا عندي نصوص كثيرة تشرح لي كيفية الوقاية فهنا من صفات الراسخون في العلم لما يلقي الشيطان مثل هذه الإلقاءات أو يلقي قضية شبهة المتشابه والمُحكم، أو في قضية معينة أنه يقول: آمنت بالله ويُسلم بأنها كل من عند ربنا.
 ما التعقيب الذي أتى بعد وصف الراسخون في العلم حال قولهم (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) قال (وما يذكّر إلا أولوا الألباب) أصحاب العقول، واللب هو: جوهر الشيء، فهذه مصطلح قرآني نجده هذه الفئة بهذا الوصف وإن كانت طبعا هي فئة واحدة لكن كل مرة بوصف معين يسترسل منها شيء من الصفات، فعندي أولوا الألباب هنا وفي الرعد وفي غيرها من المواطن تجد فيه صفات لأولي الألباب، أولوا الألباب من صفاتهم: أنهم يعلمون أن الكتاب حق من عند الله سبحانه وتعالى ويقولون آمنا به كل من عند ربنا، طبعا هي 
بمفهوم المخالفة تعطيك أن كل من يخوض في شبهة، وكل من يرُد مُحكما على متشابه العكس فإنه ليس بصاحب العقل،
صاحب العقل هو الذي يرُد المتشابه الى المُحكم ويعلم أنه من عند الله ولا يضرب بعضه ببعض، أما من يفعل العكس فانه سفيه وقليل العقل،  والله سبحانه وتعالى قال (وما يذكّر إلا اوأولوا الألباب).
تتمة الآية التي بعدها أيضا ما زالت في وصف الراسخين في العلم وهذه طبعا تعطيك قضية قيمة الثبات على الحق، ترى الثبات على الحق ما هو شيء يُدعى بسهولة، لأن الإنسان طالما الروح تسري في هذا الجسد وهو في صراع مع الشيطان لا يأمن نفسه أنه يفتتن في أي لحظة من اللحظات 
فسؤال الله سبحانه وتعالى الثبات هذا مطلوب، ولا يُظن أنه ثبت في لحظة من اللحظات أنه أخذ منشور الأمان أنه طوال حياته ثابت لا.. يمكن -والعياذ بالله - أن يحدث الانتكاس.
فمن صفات الراسخون في العلم، ولماذا أصلا وُصفوا بانهم راسخون في العلم؟ لأنه ليست القضية أنه والله تخرج من شهادة معينه، وإلا ختم كتاب معين خلاص انتهى الامر وصار ثابت وصار ناجي ودخل في الفردوس الأعلى وانتهى لا، المسألة تحتاج إلى مجاهدة طالما أنه في هذه الحياة وطالما أن الشيطان يحاول أن يقطع عليه الطريق.
فما هي وسائل السلامة ووسائل الثبات؟
وصف لي حالهم بأنهم دائموا الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وطلب العون إلى الله عز وجل فكان من دعائهم (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) إذا ممكن أن يكون الإنسان مهديا، وممكن أن يكون في وقت من الأوقات راسخا في العلم وطلب العلم لكنه قد يحدث له انتكاسة والعياذ بالله، ونسأل الله عز وجل الثبات، فالإنسان طالما أنه في هذه الحياة دائما يقول (اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك)، (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذا هديتنا)، (اللهم اجعل في قلبي نورا) يعني عندي مجموعة من الدعوات سواء في القران أو في السُنة تصب في قضية حاجة الإنسان إلى التضرع الى الله سبحانه وتعالى أن يثبته حتى لا يُفتتن في هذه الحياة.
فإذا مسألة أن الشيطان يقطع عليك الطريق وينقلك من الراسخين في العلم إلى الذين في قلوبهم زيغ واردة ووجدت على مدار التاريخ الإسلامي، وجدت من كان كذا وأصبح كذا، طبعا لن ندخل في تفاصيل شخصيات معينة أو سلوكيات معينة لكن نقول أن 
مقتضى ظاهر الآية تدل على أن الإنسان معرض للفتنة في أي وقت وهو بحاجة إلى أن يتلمس أسباب الثبات من النصوص الشرعية من القرآن والسنة ومن أسباب الثبات كثرة الدعاء كما ورد في هذه الآية.
إذا (ربنا) هذا منادى الأصل فيها يعني تقدير النداء: يا ربنا، وإظهار اسم الربوبية في الدعاء هذا أمر فاض به القرآن ووُجد على ألسنة الأنبياء وعلى ألسنة الراسخين في العلم، وعلى ألسنة المتقين والمؤمنين فهي من الأمور التي تستشعر فيها قربك من الله سبحانه وتعالى، إذا استشعرت أن الربوبية أن الله سبحانه وتعالى رب الخلائق يعطيهم ويرزقهم ويهديهم فهذه هي صفات الربوبية، فأنت تتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) فكلما دعوت الله سبحانه وتعالى مستحضره اسمه أثر ذلك الاسم هو مضمون هذه الدعوة فهو من أسباب قبول هذه الدعوة مثل: يا رزاق ارزقني، يا وهاب أعطني، يا غفّار اغفر لي، يا تواب تب علي، فهذه يعني يلتحم فيها أمرين:
/ أمر معرفتك بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته، وأمر حسن الظن بالله سبحانه وتعالى.
/ ثم بعد ذلك تحصيل الدعاء لأن الله عز وجل إذا كان بهذه الصفة فهو القادر على أن يهبك مضمون هذه الدعوة.
 فالربوبية من شأنها قضية -مثلا- الهداية فهنا يقول (ربنا لا تزغ قلوبنا) فبعد ان قال (في قلوبهم زيغ) كأنه يقول رب لا تجعلني مع هذه الفئة (لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا).
 ● نقف مع كلمة (بعد إذ هديتنا)
 هنا الآن أقروا على أنفسهم أنهم مهديين هل هم من باب الغرور؟ أو من باب العُجب بالعمل مثلا إنه يصف نفسه بأنه مهدي؟
 ● قال العلماء: أنه من باب التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، وهذا أمر أيضا موجود في الآيات وفي الأحاديث، ويمكن حديث النفر الثلاثة هو أصرح مضمونا بشكل صريح من أنه حدث لهم فرج بعد أن توسلوا إلى الله عز وجل بسالف أعمال صالحة، فإذا من أسباب إجابة الدعاء التوسل بالأعمال الصالحة السابقة فهم كانوا راسخين في العلم وردوا المتشابه إلى المُحكم فهم مهديين في هذه القضية فتوسلوا بهذا العمل أن يثبتوا على هذه الهداية، ويثبتوا على هذا المنهج ولا ينتقلوا إلى الفريق الثاني الذين زاغت قلوبهم واتبعوا المتشابه، وحصلت منهم الفتنة وصد الناس عن سبيل الله سبحانه وتعالى.
 إذا (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) 
هذه الدعوة الأولى طلبوا من الله سبحانه وتعالى الاستقامة والثبات على الحق وعدم الزيغ.
ثم طلبوا منه هبة قالوا (وهب لنا من لدنك رحمة) الرحمة صفه ومن أسماء الله عز وجل الرحمن والرحيم فالرحمة هي أثر من هذين الإسمين، الرحمة لو انطلقت في مسميات الرحمة في القرآن، ما الأشياء التي سميت بالرحمة؟ تجد كثير من هبات الله سبحانه وتعالى تسمى رحمة فالجنة مثلا تسمى رحمة، المطر مثلا رحمة، فإذا كونها هنا منكرة ليست معرفة، ليست مرتبطة بمتعلق فهم سألوا رحمة الله سبحانه وتعالى كلها، ولا شك أن ما يتناسب مع هذا السياق يدخل فيها دخولا أوليا ألا وهو الثبات على الهداية ونيل الجنة.

● قالوا (إنك أنت الوهاب) هذه أيضا صيغة أخرى من صيغ التوسل، قبل قليل كان التوسل بالأعمال الصالحة، الآن التوسل بالأسماء والصفات، فإذن كما ما ذكرنا قبل قليل أنه قضية أنك تنطق بالاسم الذي يحصل به الدعاء الذي تطلبه فطلبوا هبة الرحمة لأن الله سبحانه وتعالى وهّاب قالوا (إنك أنت الوهاب) و(إن) تعليلية ما بعدها تعليل لما قبلها، فلأن الله هو الوهاب سألوه أن يهبهم الرحمة.
قال الله عز وجل بعدها دعوة ثالثة قالوا (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) الآن هذه هل هي دعوة بحد ذاتها أم  خبر؟ خبر، هي صفتها دعوة لكن فحواها (جامع الناس ليوم لا ريب فيه) خبر عن يوم القيامة لكنها تتضمن إلى أنهم امنوا بذلك اليوم فكأنهم توسلوا أيضا بعمل بأنهم يؤمنون بأن هناك يوم آخِر، وأن الناس سيُجمعون فيه، وأن هذا الخبر هو خبر حق وخبر يقين وأنهم ينتظرونه، فلا شك أنه يحمل في طياته النجاة في ذلك اليوم، وأن يكونوا من الفائزين في هذا اليوم لأن هذا اليوم هو الذي سيكون فيه مآلات الأمور والنتيجة هل هذا الإنسان زائغ أو مهتدي، هل هو خُتم له بخير أو خُتم له بشر، هذا اليوم الذي ستجتمع فيه الخلاق، فكونهم أعلنوا وأظهروا ذلك الإيمان فكأنهم يتوسلون إلى الله عز وجل بهذا العمل أنهم آمنوا باليوم الآخر أن يجعلهم من الناجين في ذلك اليوم، ولا شك أن هذه الدعوات كلها تصف مقدار الرسوخ في العلم، تصف اليقين، تصف قوة الإيمان، وبالتالي حُق لهم أن يسموا بأنهم راسخون بالعلم ليسوا متذبذبين، وليسوا شاكين وليسوا في ريب من ذلك اليوم، أو في ريب من هذا الكتاب..
فكأنها تصف في المقابل أن الذين في قلوبهم زيغ واتبعوا ما تشابه عكس هذه الدعوات هي صفات فهم ليسوا مهديين، وليسوا على يقين من اليوم الآخر، وكل هذه الأمور لم تحصل لهم، فهذه صفات الراسخين في العلم.
كثير ما يأتينا في القرآن لما يأتي وصف القلوب يوصف الفريقين استحضريها -مثلا- في سورة الحج في قوله تعالى (وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان..) ثم الآية الثانية (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم) والآية اللي بعدها (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم) 
الشاهد: أنه ذُكر مع العلم إثبات القلوب، وذُكر مع المرض والقسوة تلقي إلقاءات الشيطان بدلا من تلقى الوحي، فيحصل باجتماع الوصفين خارطة طريق إما من هذا الفريق، أو من هذا الفريق ، كذلك الآية التي بين أيدينا (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) هذا فريق.
الراسخون في العلم بسبب العلم، بسبب عملهم بهذا العلم قالوا: (آمنا به كل من عند ربنا) فهذه الآن خارطة طريق فلذلك أنت أيها الإنسان تأتي وتختبر قلبك، ما موقفك عندما تُقرأ عليك آية؟ عندما تعطى حكما شرعيا هل أنت تسارع بالامتثال؟ ولو وجدت الامتثال عسيرا عليك بدأت تعالج في قلبك ، ما يفترض أن الإنسان يكون كامل مكمل في كل شيء في استقبال الوحي، لكن على الأقل أنه لو وجد خللا أو وجد ضعفا في الاستجابة أقرّ بالخلل وبدأ يعالج نفسه 
غير عمّن لو وجد هذا الضعف بدأ يُشرعن لهذا الضعف، وبدأ يشرعن لهذا الضلال، ويقول هذا هو الحق والدليل هو كذا وكيف تأتي هذه الآية مع هذه الآية، المهم أنه يكون هو على الصح والآيات كلها تصير باطل، أو القرآن يضرب بعضه ببعض. فأنت في الواقع تجد نماذج من كذا ونماذج من كذا، كيف تكون من هذا الفريق ولا تكون من هذا الفريق؟ 
هذه الآية كلها ابتدأت بالحديث عن القلوب تحتاج إلى أن يختبر الإنسان نفسه في مواقف.. قد يزعم لنفسه أنه على الهداية، وأنه يستقبل الوحي وأنه لا يرد شيء وما إلى ذلك، لكن لما يأتي ذكر حكم معين أو ما إلى ذلك قد لا يجد قلبه بالطريقة التي زعمها لنفسه عندها يحتاج هذا الإنسان إلى أنه يعالج قلبه،،
ووسائل المعالجة أيضا مبسوطة في القرآن الكريم ذكرت أمور كثيرة لعلنا مع تسلسل الدراسة في الآيات يأتينا نماذج من هذا الأمر، لكن النموذج الذي يبدو عندنا الآن في هذه الآية هو: سرعة التسليم، قبل ما تقول عقلك يقول كذا تقول آمنت بالله،،أول قضية تحسم بها مداخل الشيطان أنك تقول آمنت بالله ثم تبدأ،، لا يمنع أنك تستفسر لو ظهر عندك شيء يضرب بعضه ببعض، قد يكون، الناس تتفاوت في العلوم وقد يبدو عندك أنه بالفعل متضارب لقِصر علمك وليس لأن الامر كذلك، فهناك فرق بين أنك تعتقد هذا الأمر لكنك تُشرعنه وتقول هذا هو الصح، وبين أنك تذهب لأهل العلم، لراسخ في العلم وتقول هذه الآية مع هذه الآية كيف التوفيق بينهم؟ فإذا أتاك الجواب الصحيح أغلقت باب هذه الشبهة، هذا هو الفرق بين الفريقين.
أعود وأقول لا يُزعم أن كل الناس لابد أن يكونون راسخين في العلم ليكونوا من الفرقة الناجية،، الراسخون في العلم هؤلاء على أعلى الهرم، الذين طلبوا العلم وتمكنوا وأصبحوا هم المُصدرِين للفكر في هذا الأمر، وهم الذين يحسمون الخلافات في هذه القضية، أنا لما أكون في درجات تحت ليس شرطا أني لا أكون ناجيا إلا لما أصبح مثلهم، لا شك أنهم سيكونون في درجة أعلى لكن على الأقل أنظر لمسلكهم، مسلكهم أنهم (قالوا آمنا به كل من عند ربنا) مسلكهم أنهم قالوا (ربنا لا تزغ قلوبنا) صدروا هذا الأمر جعلوه هو الأهم هو القمة أنهم سأل الله عز وجل وتضرعوا به فهو الذي يملك هذه القلوب وقلوبنا بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء..
ولذلك في آية النور عُلّمنا فمن ثمرات هذه الآية نجد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم اجعل في قلبي نورا، في سمعي نورا، في بصري نورا، عن يميني نورا، عن شمالي نورا، من أمامي نورا، من خلفي نورا، من فوقي نورا، من تحتي نورا) هذا النور يحرق الشبهات، ولذلك حتى لو أخذتها في مثَل سورة الرعد ماذا قال فيهم في قضية الحق والباطل قال: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبد رابيا) أنت لما تفسح المجال لهذا الوحي وتجعله هو الذي يدخل، هو الذي يُحاكم، هو الذي يسيطر عليك في كل هذا الأمر، قليلا قليلا سيُمسك هذا الباطل، وهذه الشبه، ومداخل الشيطان، وهذا الضعف وكذا سيأخذها وسيجعلها غثاء، يجفيها مثل ما السيل هذا أخذ الأعواد وأخذ القش وأخذ الوساخة التي في الوادي وجفاها ورماها على طرف الوادي
 وأصبح ما ينفع الناس يمكث في الأرض وهذا الزبد أصبح جفاء لا بقاء له فهذا هو القرآن في قلوبنا، لما نفتح هذا القلب ونتلقاه ونقول آمنا به ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل في قلوبنا نورا ويجعل هذا النور هو الذي يشع في هذا القلب فإنه مع الوقت، أنت لا تستعجل النتائج، والله أنا قرأت اليوم وِردي خلاص أريد أن أصبح ابن تيمية وإلا أصبح ابن عثيمين، الأمور تأتي بالتدريج وهؤلاء العلماء ليس في طفولتهم أو خرجوا من الدنيا وهم على هذا الأمر، مع طلب العلم مع فتح القلوب إلى وحي الله سبحانه وتعالى انتقلوا من مرحلة إلى مرحلة وطبعا لا شك أن الأمر فيه عوامل متعددة لكن مثَل سورة الرعد عظيم جدا في شرح خارطة الطريق خصوصا إذا استحضرت قضية (فسالت أودية بقدرها) ففيه وادي ضيق وفيه وادي واسع، والوادي الواسع يحمل ماء أكثر، الواد الضيق ما يحمل من الماء إلا قليل، أنت قلبك هل هو ضيق أم واسع؟ وإن كان ضيقا وسعه واجعله يستجيب للوحي إلى أن يحدث..، لذلك آخر الآية وفي وسط الآية (كذلك يضرب الله الحق والباطل) فكان ذلك مثل للحق والباطل ومدى بقائهم، ما الذي يبقى في هذا القلب وما المسيطر، طبعا لسنا في مجال شرح هذا المثل في الآية، لكن اقرأ فيه وانظر المقايسات التي بداخله، وانظر مواصفات الباطل ومواصفات الحق كلها في المقايسة بين أجزاء هذا المثل،
 فالشاهد أن هذه الآية في النهاية تعطيني وصفين ما هي أوصاف الذين في قلوبهم زيغ؟
 / أول شيء ابتغاء الفتنة فهدفه الصد عن سبيل الله سبحانه وتعالى، عندما يُصدّر فكرة ويقول الحق هو كذا يأخذ المعنى البعيد ويجعله أصلا ويهمل المعنى الحق حتى يُلبّس على الناس ويجعلهم ما يتبعون شرع الله سبحانه وتعالى ويصدون عن سبيل الله فهذا الزيغ من آثاره مثل ما إن الرسوخ من آثاره (قالوا آمنا بالله) الزيغ من آثاره أنهم ابتغوا الفتنة وصد الناس عن سبيل الله سبحانه وتعالى.
 ثم الصفة الثانية: وابتغاء تأويله وهذه كما تصدق على قضية إنكار الحكم بالكامل يأتي في قضية التأويل في باب الأسماء والصفات أحيانا فهذه مجال ضلال وإن كان يعني الحاجة للتفصيل فيه في قضية أبواب الأسماء والصفات التي هي أنهم ينظرون لظاهر القرآن يستحيل تطبيقه فيتبعون تأويل الآية بشيء خلاف الظاهر مثل قضية إنهم يوأولون اليد مثلا بالقدرة أو غيرها من الأسماء والصفات يعني هذه تسمى باب التأويل، والتأويل: صرف الكلام عن ظاهره بقرينة في السياق تدل على ضعفه. الشاهد: (وابتغاء تأويله) أنهم أرادوا تأويل المحكم بالمتشابه بدل أن يردوا المتشابه إلى المحكم عكسوا المسألة وردوا المحكم إلى المتشابه ولبّسوا على الناس في هذا العلم. هذه الصفات الذين من قلوبهم زيغ، ولذلك قال الله عز وجل (وما يعلم تأويله إلا الله).
ثم يأتي بعد ذلك صفات الراسخون في العلم، طبعا لا شك أن هذه الصفات القمة وتحتها صفات، يعني ليس كل الناس في زيغهم وصلوا إلى أنهم يفتنون الناس وينتظروا تأويله، فيه زيغ بسيط وفيه زيغ مستحكم وكامل، وطلب العلم مراتب أيضا، فيه رسوخ في العلم هذه مرتبة عالية، وفيه طلب علم الذي يصعد في هذا المقام، وفي كلٍ أعراض خلينا نقول لو كل مرض له أعراض وله أسباب شفاء فكذلك 
هذه القلوب لها أعراض نختبر بها أنفسنا نشخص الحالة أين أنا في هذين الوصفين وفي أي درجة، لو كنت -أنا والعياذ بالله- من الذين في قلوبهم زيغ فما مستوى هذا الزيغ؟ ونفس الشيء لو كنت أنا من الراسخين في العلم في أي مستوى؟ وكيف يمكن إني أتخلص من هذا إن أنا وجدت شيء من هذا الأعراض، وكيف يمكن أن أرتقي وأثبت، لو وجدت نفسي مع الفريق الثاني. الصفات تُعرض بالكامل، والنتائج تُعرض بالكامل، والجزاء والثواب يُعرض بالكامل وأنت أيها الإنسان (بل الإنسان على نفسه بصيرة) يُحكّم نفسه على هذه الأمور. وهذه هي أساسيات التدبر، التدبر كما قال ابن القيم: هو أنك كلما تقرأ آية تشعر أنها تخاطبك أما إن قرأت الآية كأنها تتحدث عن صفات أقوام أو قصص أنبياء أو قصص مخالفين وأنت بمعزل عن هذا الأمر هذه من أقفال التدبر، إذا لم تعرض نفسك في كل آية فهذه يسمونها أنها من أقفال التدبر كل آية وأنت تقرأها تعرِض نفسك عليها، قد تكون تُمسك بشكل مباشر، وقد تكون لا تُمسك، لكن يمكن أن تنتقل إلى الصف الثاني من الفوائد، يعني كل آية وكل موضوع في القرآن فيه قضية سياقية هي المعنية في هذا، وفيه صف ثاني من الفوائد فقد يكون مواعظ هذه الآية أنا في سياقها وممكن أحكمها، وقد اكون أنا من الصف الثاني في تدبر هذه الآية. الشاهد: أني كل ما أقرا موضوع وكل ما أقرا آية فأنا استشعر أني مخاطب فيها، وأن هناك مجال للعمل أن أعمل بهذه الآية بوجه أو بآخر فهذه من أساسيات التدبر،  بل حتى من أساسيات التدبر غير قضيه أنها فقط مجرد تقسيم قلوب، مسألة القلوب وتلقي القلوب للوحي أصلا هذه من أسس الحديث عن مسألة التدبر، فالقرآن تلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم بقلبه ولما خوطبت القلوب أو طريقة تلقي الذكرى بالقرآن قال (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) فهذا القلب هو الذي وُصف في سورة النور (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ..) إلى آخر الآية هذه هي مواصفات القلب الذي يُحسن تلقي القران. طيب لو كانت مواصفاته أقل انتقل للمستوى الثاني (أو ألقى السمع وهو شهيد) فهو يلقي السمع وهو شهيد فيترقى من مرحلة إلى مرحلة يلقي السمع أي يعزل نفسه في لحظة قراءة القرآن،  يعزل نفسه عن كل الشواغل ويركز في الاستماع والانتفاع بالقران، وهو شهيد حاضر بنفسه، بقلبه، بعمله في هذه الآيات عندها سيرتقي من هذه المرحلة إلى أن يكون له قلب، فهذه الفكرة تحصل للإنسان إذا راعى قلبه بمجموع هذه الصفات.
 الثلاث آيات هذه أو الأربع آيات هي في الحقيقة نستطيع أن نقول أنها تمهيد لموضوع محاجّة وفد نصارى نجران الذين اتبعوا ما تشابه وأخذوا بعض الكلمات وجعلوها دليلا على التأليه ودليلا على ألوهية عيسى، ودليلا على بنوة عيسى لله سبحانه وتعالى -تعالى الله عما يقولون- كلها احتجوا بشيء من القرآن قالوا ما بال هذه الآية كذا، وما بال هذه الآية كذا وتركوا الأصول التي تتحدث عن التوحيد وعن الألوهية وعن الربوبية، وعن بشرية الرسل وما إلى ذلك، تركوها كلها وأخذوا ضمائر أو أخذوا أشياء ما أنزل الله بها من سلطان فردوا المحكم إلى المتشابه وكان ذلك بسبب زيغ هذه القلوب وليس أن هذا هو الحق.
اقرأ المزيد...