السبت، 25 يوليو 2026

اسم الله (النور) من كتاب فقه الأسماء الحسنى

 (النور)
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّي يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارُ نُورُ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النور: ٣٥]. وقد أفاد هذا النص وغيره من النصوص الواردة في هذا الباب تسمية الرب سبحانه نورًا، وبأن له نورًا مضافا إليه، وبأنه نور السموات والأرض، وبأن حجابه نور، فهذه أربعة أنواع :
الأول: إطلاقه عليه سبحانه اسماً.
الثاني: إضافته إليه وصفاً، كما يضاف إليه حياته وسمعه وبصره وسائر صفاته، وتارة يضاف إلى وجهه كقوله في الحديث: (أعوذ بنور وجهك)، وتارة يضاف إلى ذاته كقوله تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ [الزمر : ٦٩] .
الثالث: إضافة نوره إلى السموات والأرض، كقوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
الرابع: ذكر أن حجابه النور، كما في الحديث الصحيح: (حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه لله- في كلام جامع له في بيان معنى هذا الاسم، وتوضيح مدلوله:
«النور من أوصافه تعالى على نوعين:
/ نور حسي: وهو ما اتصف به من النور العظيم الذي لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ونور جلاله ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تطيق المخلوقات كلها الثبوت النور وجهه لو تبدى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة، ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السموات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم التي عرضها السموات والأرض - وسَعَتُها لا يعلمها إلا الله - من نوره، فنور العرش والكرسي والجنات من نوره، فضلا عن نور الشمس والقمر والكواكب.
والنوع الثاني: نوره المعنوي، وهو النور الذي نور قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته من أنوار معرفته وأنوار محبته، فإن لمعرفته في قلوب أوليائه المؤمنين أنوارًا بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله فكل وصف من أوصافه له تأثير في قلوبهم، فإن معرفة المولى أعظم المعارف كلها، والعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهذا العلم الذي هو أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها.
فكيف إذا انضم إلى هذا نور محبته والإنابة إليه، فهنالك تمتلئ أقطار القلب وجهاته من الأنوار المتنوعة وفنون اللذات المتشابهة في الحسن والنعيم
 فمعاني العظمة والكبرياء والجلال والمجد تملأ قلوبهم من أنوار الهيبة والتعظيم والإجلال والتكبير.
ومعاني الجمال والبر والإكرام تملأها من أنوار المحبة والود والشوق.
ومعاني الرحمة والرأفة والجود واللطف : تملأ قلوبهم من أنوار الحب النامي على الإحسان، وأنوار الشكر والحمد بأنواعه والثناء.
ومعاني الألوهية تملأها من أنوار التعبد، وضياء التقرب، وسناء التحبب وأسرار التودد، وحرية التعلق التام بالله رغبة ورهبة، وطلبا وإنابة، وانصراف القلب عن تعلقه بالأغيار كلها.
ومعاني العلم والإحاطة والشهادة والقرب الخاص: تملأ قلوبهم من أنوار مراقبته، وتوصلهم إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات كلها، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فكل معنى ونعت من نعوت الرب يكفي في امتلاء القلب من نوره، فكيف إذا تنوعت وتواردت على القلوب الطاهرة الزكية الذكية، وهنا يصدق على هذه القلوب القدسية انطباق هذا المثل عليها، وهو قوله : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّى يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورُ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ...) الآية [النور: ٣٥].
وهذا النور المضروب هو نور الإيمان بالله، وبصفاته وآياته مثله في قلوب المؤمنين مثل هذا النور الذي جمع جميع الأوصاف التي فيها زيادة النور، وهو أعظم مثل يعرفه العباد، وقد دعا الله الحصول هذا النور فقال: «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، اللهم اجعلني نورا» متفق عليه (١).
ومتى امتلأ القلب من هذا النور فاض على الوجه، فاستنار الوجه، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي يكون في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) (٢) متفق عليه
فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره» (٣) اهـ.
وبهذا التقرير الوافي، والبيان البين يظهر معنى هذا الاسم العظيم، ويتضح مدلوله.
هذا؛ ولما كان النور من أسمائه سبحانه وصفاته كان دينه نورا، ورسوله نورا، وكلامه نورا، ودار كرامته لعباده نورا يتلألأ ، والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين ويجري على ألسنتهم، ويظهر على وجوههم، ويتم تبارك وتعالى عليهم هذا النور يوم القيامة، كما قال سبحانه: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: ۸] .
------------------------------
(۱) رواه البخاري (٦٣١٦) ، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس له في حديث قيام الليل.
(٢) رواه البخاري (٦۸۱۰) ، ومسلم (٥٧) عن أبي هريرة له .
(٣) فتح الرحيم الملك العلام» (ص/ ٦٢ - ٦٥).
اقرأ المزيد...

الدرس الحادي والسبعون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٥)

تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٥) (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا)


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، 

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في قوله تعالى (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)

ن/ « ثم ذكر تعالى أنموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم عليه السلام وهو هذا البيت الحرام الذي جعل قصده ركنا من أركان الإسلام حاطّا للذنوب والآثام وفيه من آثار الخليل وذريته ما عُرف به إمامته وتذكرت به حالته فقال (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) أي مرجعا يثوبون إليه بحصول منافعهم الدينية والدنيوية يترددون إليه ولا يقضون منه وطرا وجعله آمنا يأمن به كل أحد حتى الوحش وحتى الجمادات كالأشجار ولهذا كانوا في الجاهلية على شركهم يحترمونه أشد الاحترام ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه، فلما 

جاء الإسلام زاده حرمة وتعظيما وتشريفا وتكريما.

(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) يحتمل أن يكون المراد بذلك المقام المعروف الذي قد جُعل الآن مقابل باب الكعبة وأن المراد بهذا ركعتا الطواف يستحب أن تكون خلف مقام إبراهيم عليه السلام وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج وهي المشاعر كلها من الطواف والسعي والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والنحر وغير ذلك  من أفعال الحج فيكون معنى قوله (مصلى) أي معبدا أي اقتدوا به في شعائر الحج ولعل هذا المعنى أولى لدخول المعنى الأول فيه واحتمال اللفظ له، (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي ومن الرجس والنجاسات والأقذار ليكون للطائفين فيه والعاكفين والركع السجود أي المصلين، قدّم الطواف لاختصاصه بالمسجد الحرام ثم الاعتكاف لأن من شرطه المسجد مطلقا ثم الصلاة مع أنها أفضل لهذا المعنى، وأضاف الباري البيت إليه لفوائد منها:

• أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتطهيره لكونه بيت الله فيبذلان جهدهما ويستفرغان وسعهما في ذلك.

ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام ففي ضمنهما أمر عباده بتعظيمه وتكريمه.

ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجالب للقلوب إليه»


ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،  اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا رب العالمين فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا 

التاويل أما بعد: قول الله جل وعلا (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) هذه الجملة معطوفة على التي قبلها قول الله جل وعلا (وإذ ابتلى إبراهيم ربه) وعرفنا فيما سبق معنى قول (وإذ) أي واذكر إذ، و(إذ) اسم بمعنى حين، واذكر حين ابتلى ابراهيم ربه، واذكر حين جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا.

 (جعلنا البيت مثابة للناس) أي يثوبون إليه يقصدونه يترددون عليه لا يقضي وطرهم منه كلما جاؤوه ازداد شوقهم إليه وإلى المجيء مرة أخرى فيودعونه وهم في شوق إلى العودة إليه، جعله الله هكذا في قلوب الناس تهوي أفئدة الناس إليه وتشتاق إليه وجميع مسلم في أنحاء الدنيا يشتاق إلى هذا البيت الشوق العظيم وتهوي إليه الأفئدة هكذا جعله الله، هكذا جعل الله سبحانه وتعالى البيت قال (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) (مثابة للناس) أي يقصدونه يترددون من كل الجهات من أصقاع الأرض ليشهدوا منافع لهم، لأن إتيانهم للبيت حجاجا أو معتمرين ليشهدوا المنافع العظيمة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في هذا البيت لقاصديه، في هذا البيت العظيم لقاصديه، ولهذا فإن من يقصدون البيت - وهذا من الآيات العظيمة الباهرة - من يقصدون البيت ويترددون عليه ربما يكون في الزمن الأول الأمر أعظم، يعني الرحلة إلى الحج فيها مخاطر عظيمة جدا وتحتاج أحيانا من بعض المناطق الرحلة للذهاب ما يقل عن ثلاثة شهور والإياب لا تقل عن ثلاثة شهور مع المشاق العظيمة جدا ومع ذلك إذا وصلوا البيت وقرت أعينهم به وأدوا المناسك ودعوا بيت الله سبحانه وتعالى ازداد شوقهم إليه مرة أخرى، ينسون كل تعب وكل نصب، ولهذا يعد هذا من آيات الله (مثابه للناس) يقول شيخ الإسلام الإمام المجدد -رحمه الله- محمد بن عبد الوهاب في مسائله المستنبطة على هذه الآيات، له مسائل عظيمة مستنبطة على الآيات من قوله (وإذ ابتلى) إلى نهاية الجزء مسائل عظيمة جدا مستنبطة من هذه الآيات منها:

 ➢ كونه سبحانه جعل البيت الذي بناه إبراهيم مثابة مع المشاق العظيمة وذلك من الآيات.

 هذا من الآيات العظيمة يعني يجدون المشاق العظيمة ولا تزال قلوبهم تهفوا إليه وتشتاق إلى المجيء إليه، والتعب الذي يحصل في طريق الذهاب، التعب الشديد في الزمن الأول يختلف عن حالنا في هذا الزمان، التعب الشديد، النصب الشديد، المخاطر التي يمرون بها في الطريق، إذا رأوا بيت الله، رأوا الكعبة نسوا كل شيء من التعب.

 ابن القيم رحمه الله له ميمية من ضمن محتوياتها وصف الحجيج في رحلة الحج وماذا كانوا يعاينون وما يمرون به من شدة ومخاطر ومشاق يقول رحمه الله: «ولما رأت - يعني لما وصلوا إلى الكعبة ورأوا بيت الله عز وجل- 

قال: ولما رأت أبصارهم بيته الذي** قلوب الورى شوقا إليه تضرموا

 كأنهم لم ينصبوا قط قبله** لأن شقاهم قد ترحل عنهم.

 الشقاء المشقة، التعب الجهد لما يرون بيت الله كله يذهب وينسون كل تعب. هذه من من الآيات العظيمة الباهرة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في البيت (مثابة للناس) يعني لأهل الإسلام يثوبون إليه يترددون إليه يشتاقون إليه، يقول ابن عباس رضي الله عنه: "لا يقضون منه وطرا" معنى لا يقضون منه وطرا ما يشبعون كلما رحلوا إليه أرادوا مرة أخرى المجيء والمجيء والمجيء للشوق العظيم الذي جعل في قلوب أهل الإيمان لبيت الله قال ابن عباس: "لا يقضون منه وطرا ويأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه" وهذا المعنى الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما نظمه أحد الشعراء في بيت فقال:

 جُعل البيت مثابا لهم**ليس منه الدهر يقضون الوطر

 يعني مهما ذهبوا إليه لا ينقضي وطرهم ولا يشبعون من إتيانهم لهذا البيت. 

هذا معنى قوله (وإذ جعلنا البيت مثابه للناس وأمنا) يوضحه قوله تعالى (ومن دخله كان آمنا) يجد الأمان التام في البيت وهذا شيء جعله الله سبحانه وتعالى للبيت قدرا وشرعا وهذا أيضا من الآيات  العظيمة أن جعله بلدا امنا. 

قال (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)

 (واتخِذوا) هذا أمر (واتخِذوا من مقام إبراهيم مصلى) بكسر الخاء اتخذوا، وقُرئ بفتحها (واتخَذوا) على الماضي بمعنى الخبر. (واتخِذوا من مقام ابراهيم مصلى) أي يُصلى وراء المقام، وهذا جاء أيضا فيها حديث مفسِر في الصحيح في قصة عمر رضي الله عنه لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "لو اتخذنا مقام إبراهيم" فنزلت الآية موافقة لما أشار به عمر رضي الله عنه. وهذا من موافقات عمر الكثيرة للوحي، نزل قول الله عز وجل (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ولهذا قول جمهور المفسرين - مثل ما أشار الشيخ رحمه الله أن المقصود بـ (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) الصلاة، الركعتين خلف المقام بعد الطواف كما كان نبينا صلوات الله وسلامه وبركاته عليه يفعل ذلك. (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وهذا من سنن الطواف ومستحباته.

وينبغي أن يُعلم في هذا المقام:

 أن الأصل في صحن المطاف الذي حول الكعبة أنه للطائفين، الأصل أنه للطائفين والأحقية فيه للطائفين فليس لإنسان أن يأتي في وسط الطائفين وصحن المطاف ممتلئ ويصلي خلف المقام ليعمل بهذه السنة، السنة تُفعل إذا كان ليس فيها إيذاء للناس والحاق ضرر بالناس، من يأتون ويصلون خلف المقام تطبيقا لهذه السنة في زحمة الطواف هؤلاء يرتكبون مخالفة فيها أذى للمسلمين في سبيل تطبيق سنة، ولما أراد عمر رضي الله أن يُقبل الحجر قال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك رجل قوي لا تزاحم الناس) نهاه عن تطبيق 

تلك السنة لأن فيه مزاحمة، المزاحمة قد يترتب عليها أذى للناس ولهذا الأصل في الطواف  أنه للطائفين.

 أنا أوضح ذلك بكلمة أقول: لو اختلف طائف ومصلي في الأحقية يمكن للطائف أن يقول له: "يا أخي صلي في أي مكان  الحرم واسع" هذه الكلمة هل يستطيع أن يقولها المصلي للطائف؟ يقول له طف في أي مكان ما عنده الا هذا المكان هذا مكان الطواف لكن الصلاة صلي في أي مكان، الحرم واسع لكن ما يمكن أن يقولها المصلي للطائف ويمكن يقول يا أخي اذهب طف في أي مكان، الطواف حول البيت ما هناك مكان آخر.

• قال (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى)

 ما العبادة التي تعلقت بهذا الموطن؟ 

الصلاة (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) انظر ماذا يقول قتادة -رحمه الله- من أئمة السلف قال: "إنما أُمروا أن يصلوا عنده -يعني عند المقام- ولم يُؤمروا بمسحه ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفت به الأمم قبلها" دخلوا فيه هذا المسح الذي ما أُمروا به ولا شُرع لهم ولا جاءت فيها سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، المسح إنما جاء في الحجر الأسود لمن لم يتمكن من التقبيل والركن اليماني، حتى أطراف البيت الأخرى لم يأتِ فيها مسح، المسح في موطنه فقط. فالذين يمسحون المقام يفعلون بدعة من البدع وعملا لم يُشرع

 المشروع الصلاة عند المقام متى؟ إن كان متيسرا ما فيه إيذاء للناس (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى).


 (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) 

إبراهيم وابنه إسماعيل عهدنا اليهما أي أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير البيت (أن طهرا بيتي) طهرا بيتي من ماذا؟

 لم يذكر ليتناول كل ما ينبغي أن يُطهر منه، من النجاسات والدنس والأوثان، وكل باطل وكل سيء، أن يُطهر يُجعل نقيا طاهرا تُبعد عنه كل ما كان كذلك.

 (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) /

في الحج قال (للطائفين والقائمين والركع السجود) ذكر أجزاء الصلاة الثلاثة القيام 

والركوع والسجود، وهنا لم يذكر القيام لأن الركوع والسجود يدل عليه،  لا يكون ركوع وسجود إلا عن قيام، هناك في الحج 

ذكر أجزاء  الصلاة الثلاثة القيام الركوع والسجود ولم يذكر العاكفين في الحج لأنها ذُكرت قبلها بقليل (سواء العاكف فيه)

فالحاصل أن الله جل وعلا قال (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) أي لأجل هؤلاء، طهراه لأجل هؤلاء لأجل الطائفين والعاكفين والركع السجود.

 قال الشيخ رحمه الله تعالى: "ثم ذكر تعالى أنموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم التي تقدم ذكرها في قول الله عز وجل (إني جاعلك للناس إماما) من الدلائل والشواهد على هذه الإمامة في الدين هذا البيت الذي بناه إبراهيم وعاونه على بنائه ابنه إسماعيل -كما سياتي (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل)- قال هذا البيت الحرام الذي جعل سبحانه وتعالى قصده ركنا من أركان الإسلام حطا للذنوب والآثام" حطا للذنوب والآثام هذا من منافع الحج (ليشهدوا منافع لهم) منافع الحج كثيرة جدا منها حط الذنوب (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد)، (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، قال في حديث عمرو بن العاص (والحج يهدم ما كان قبله) يعني من الذنوب، فجعله سبحانه ركنا من أركان الإسلام حاطا للذنوب والآثام.

 سبحان الله هذا أمر عظيم جدا يأتي الحاج وعمره مثلا ستين سنة وسبعين سنة ويحقق الحج يكمله ويدخل حجه تائبا ويخرج من حجه كيوم ولدته أمه، يوم ولدته أمه يعني بلا ذنب ولا خطيئة هذا من فضل الله عز وجل وعظيم منّه جل في علاه. قال: "وفيه من آثار الخليل وذريته ما عُرف به إمامته وتُذكِرت به حالته" لما وقف النبي عليه الصلاة والسلام بعرفة قال للناس: (أنتم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم عليه السلام) فالطواف يُذكر بإبراهيم، السعي يُذكِّر بإبراهيم، الوقوف بعرفة يُذكر بإبراهيم، رمي الجمار يُذكر بإبراهيم، نحر الهدي يُذكر بإبراهيم عليه السلام، أعمال الحج كلها تذكر بإبراهيم، ولهذا سياتي معنا في قول لبعض أهل العلم (مقام ابراهيم) أي مقامات إبراهيم، مناسك الحج كلها، أعمال الحج كلها لأن كل عمل من أعمال الحج يُذكر بإبراهيم وهذا كله من الدلائل على إمامته فقال: "(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) أي مرجعا يثوبون إليه بحصول منافعهم الدينية والدنيوية يترددون إليه ولا يقضون منه وطرا" - هذه كلمة ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لايقضون منه وطرا"- وجعله آمنا يأمن به كل أحد حتى الوحوش وحتى الجمادات كالأشجار" الوحوش تأمن لأن حُرم الصيد فيه ولا يُنفّر صيد الحرم، فالوحوش آمنة ولما أمِنت أيضا الشجر لا يُقطع الذي هو طعامها، لا يُقطع فهي آمنة وطعامها لا يتعرض له.

 قال: "ولهذا كانوا في الجاهلية على شركهم -أي وكفرهم وضلالهم- يحترمونه أشد الاحترام ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه -لا يتعرض له من شدة التعظيم للبيت- فلما جاء الإسلام زاده حرمة وتعظيما وتشريفا وتكريما"


• قوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال الشيخ: "يحتمل أن يكون المراد بذلك المقام المعروف الذي قد جُعل الآن مقابل باب الكعبة" المقام المراد به الحجَر الذي كان يضعه إسماعيل لوالده إبراهيم عليهما السلام وهو يتولى بناء البيت لما ارتفع الجدار أتى بحجر وكان يقف عليه إبراهيم حتى يتمكن بناء ما علا من الجدار ثم ينقل معه الحجر، يطوف بالبيت وهو يبني ينقل الحجر إلى أن انتهى إلى موطن البدء بعد الباب -باب الكعبة- أو عند باب الكعبة، من هذا الموطن بدأ البناء ثم انتهى إليه والحجر يحمل وينقله إسماعيل لوالده يقف عليه حتى يبني ما علا من الجدار إلى أن وضع وبقي في هذا الموطن ملاصقا لجدار الكعبة إلى زمن نبينا عليه الصلاة والسلام وخلافة أبي بكر رضي الله عنه ثم جعله عمر رضي الله عنه في هذا الموطن وقد قال عليه الصلاة والسلام (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها) فنقله عمر رضي الله عنه إلى هذا الموطن. 

 قال: "وأن المراد بهذا -إذا كان المقام هذا المراد به- المراد بهذا ركعة الطواف يستحب أن تكون خلف مقام إبراهيم عليه السلام 

وعليه جمهور المفسرين" وهناك أحاديث عديده تقوي هذا القول وهو الأظهر في معنى قوله (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ومن الحديث الذي أشير إليه، وفي الصحيح لما قال عمر هذا "لاتخذنا مقام إبراهيم مصلى" فنزلت الآية وجاء أحاديث في ذكر طواف النبي عليه الصلاة والسلام وأنه بعد الطواف يصلي خلف المقام فالأظهر فيه معنى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) أي الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم اتخذوا منه مصلى أي عنده مصلى، يتخذوا عنده مصلى وهي سنة مستحبة إذا كان متيسر فعلها.

 قال: "ويحتمل أن يكون المقام مفردا مضافا فيعُم جميع مقامات إبراهيم في الحج" (واتخذوا من مقام إبراهيم) مقام مفرد 

مضاف فيعُم، يعني مقامات إبراهيم في الحج، ما هي؟ قال: "هي المشاعر كلها" من الطواف والسعي، الوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار، والنحر وغير ذلك من أفعال الحج، وهذا المعنى الذي ذكر الشيخ رحمه الله يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال ابن عباس رضي الله عنهما مقام إبراهيم الحج كله" يعني أعمال الحج كلها هي مقامات أفعال مناسك قام بها إبراهيم.

 "مقام إبراهيم الحج كله قال عطاء مفسرا قول ابن عباس رضي الله عنهما- التعريف -يعني الوقوف بعرفة- وصلاتان -يعني الظهر والعصر بعرفة- والمشعر -يعني مزدلفة- ومنى ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة" 

يفسر قول ابن عباس ماذا؟ مقام إبراهيم الحج كله يعني أعمال الحج، لكن الأظهر هو القول الأول وعليه جمهور المفسرين كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى فيكون معنى قوله (مصلى) أي معبدا، أي اقتدوا به في شعائر الحج هذا معنى القول الثاني معنى (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) اقتدوا بإبراهيم في مشاعر الحج في الطواف، في السعي، في الوقوف بعرفة، في المبيت بمزدلفة، رمي الجمار إلى أخره. يقول الشيخ: "ولعل هذا المعنى أولى لدخول المعنى الأول فيه واحتمال اللفظ له" يقصد بقول "احتمال اللفظ له" لأنه جاء مفرد مضاف فيفيد العموم.

• قال (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي أوحينا إليهما وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي ومن الرجس والنجاسات والأقذار. من أين أخذ هذا التفصيل الشيخ؟

 لأنه قال (طهرا) ولم يذكر سبحانه وتعالى مم يطهر فيتناول كل ما ينبغي أن يُطهر منه من الشرك، من النجاسات، من الآثام، من قبائح الأفعال، يطهر يكون طاهرا نقيا قال: "بتطهير بيت الله من الشرك والكفر والمعاصي ومن الرجس والنجاسات والأقذار ليكون للطائفين فيه" جاء عن عبيد بن عمير وأبي العالية ومجاهد وقتادة وغيرهم قالوا: "طهرا بيتي بـ لا إله إلا الله" من الشرك رواه ابن أبي حاتم. وهذه كلمة عظيمة جدا وأن الطهارة لا تكون إلا بالتوحيد (وثيابك فطهر) الطهارة لا تكون إلا بتوحيد الله وإخلاص الدين له، فكيف يُطهر؟

 يطهر بـ لا إله إلا الله، أن تحقق لا إله إلا الله وأن يخلص الدين لله سبحانه وتعالى.  قال: " للطائفين فيه والعاكفين والركع السجود" أي المصلين قدم الطواف لاختصاصه بالمسجد الحرام، ما هناك طواف في أي مكان آخر في الدنيا، وكل طواف يفعل عند مقام أو عند قبر أو حول شجرة أو غير ذلك هذا كله من وحي الشيطان ليس من دين الله وهو من الشرك، الطواف من خصائص البيت لا يطاف إلا بالبيت (وليطّوفوا بالبيت العتيق) هذا خاص من الاختصاص بالمسجد الحرام، ثم ذكر بعده الاعتكاف لأن من شرطه المسجد مطلقا، ثم الصلاة مع أنها أفضل، يعني قُدمت هذه الاعتكاف والطواف على الصلاة مع أنها أفضل لهذا المعنى الذي ذكر الشيخ الطواف أولا لاختصاصه بالبيت الاعتكاف لاختصاصه بالمساجد مطلقا ليس هناك اعتكاف في البيوت أو نحو ذلك ثم ذكرت الصلاة، قال: "وأضاف الباري البيت إليه لفوائد منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره.

 لما يقول بيتي هذا يقتضي شدة الاهتمام ممن أُمر بهذا التطهير لكونه بيت الله فيبذلان جهدهما ويستفرغان وسعهما في ذلك. 

ومنها فوائد هذه الإضافة: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه بيت أضافه إلى نفسه سبحانه وتعالى ينبغي أن يعظمه عباد الله ويقدروا للبيت قدره.

ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجالب للقلوب (مثابة للناس) هي السبب الجالب للقلوب نعم.


ن/ قال رحمه الله قوله: « (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) أي وإذ دعا إبراهيم عليه السلام لهذا البيت أن يجعله الله تعالى بلدا آمنا ويرزق أهله من أنواع الثمرات ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين تأدبا مع الله إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم فلما دعا لهم بالرزق وقيده بالمؤمن وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر والعاصي والطائع قال تعالى (ومن كفر) أي أرزقهم كلهم مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر فيتمتع فيها قليلا (ثم أضطره) أي ألجئه وأخرجه مكرها إلى عذاب النار وبئس المصير»


ت/ ثم قال جل وعلا (واذ قال إبراهيم) واذكر أيها النبي صلوات الله وسلامه عليه حين قال إبراهيم داعيا ربه سبحانه وتعالى (رب اجعل هذا بلدا آمنا) وأتت في سورة إبراهيم (اجعل هذا البلد) بالتعريف ولهذا قال جماعة من أهل العلم: أن هذه الدعوة حصلت مرتين مرة قبل بنائه البيت وهي هذه (رب اجعل هذا بلدا) يعني هذا الموطن، ولما بني قال (رب اجعل هذا البلد) هذا البلد المعروف الذي بني فيها البيت فقيل أن هذه الدعوة كانت مرتين مرة قبل بناء البيت ومرة بعد بنائه.

 قال: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا امنا وارزق أهله) سأل الله عز وجل أمرين: الأمن والرزق، تذكر الحديث قال: (من أصبح منكم آمنا في سربه عنده قوت يومه معافا في بدنه فقد جمعت له الدنيا بحذافيرها) لأن ما زاد على هذه الثلاث هذه كلها مكملات، هذه الأساسيات أمن ورزق وصحة، هذه الأساسيات فدعا الله عز وجل للبيت بهذين الأمرين الأمن والرزق

 (بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) خص السؤال بمن؟ بالمؤمنين (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) فلا يدخل الكفار فيما سأل ربه عليه السلام قال (من آمن منهم) وتقدم في دعاء إبراهيم الأول لما سأل أمر الآخرة قال (ومن ذريتي) ولم يقيد ومن ذريتي دون الظالم قال الله عز وجل (لا ينال عهدي الظالمين) لما أطلق في دعائه جاء جواب الدعاء مقيدا (لا ينال عهدي) يعني أجبنا دعاءك لكن لا ينال عهدي الظالم، وهنا لما قيد والتقييد يتعلق بأمر دنيوي قال الله عز وجل (ومن كفر) هذا الأمر الدنيوي نعطيه المسلم والكافر،  ليس مثل الأول، الإمامة هذه لا تعطى إلا لمن هو أهل لها (لا ينال عهدي الظالمين)

 ولهذا يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في مسائل جميلة له على الآيات قال: " لما دعا بأمر الدين -أين؟ (ومن 

ذريتي)- لما دعا بأمر الدين منع الله الظالم من ذريته قال (لا ينال عهدي الظالمين) ولما خصّ بالأمر الآخر - لما خصّ مَن؟ إبراهيم عليه السلام- بالأمر الآخر -ما هو؟ الدنيا- ولما خصّ بالأمر الآخر من آمن بالله قال الله (ومن كفر) يعني نعطيه، نرزقه، قال -رحمه الله-: "وذلك للفرق بين الدارين اقرأ في هذا قول الله تعالى (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء المسلمين والكفار، (من عطاء ربك) يعني الدنيوي (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا* انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا)، (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) والكفار بدليل قوله (خالصة يوم القيامة) لهم في الدنيا ليست خالصة، يشاركهم فيها الكفار لكن يوم القيامة خالصة لا ينال كافر منها شيئا. قال (رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات) أجاب الله سبحانه وتعالى دعوته وجاءت آيات تبين ذلك مثل قوله (ومن دخله كان آمنا)، (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء) هذه الآيات كلها فيها أن الله أجاب دعوة نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام قال: (من آمن بالله واليوم الآخر) 

كثيرا ما يُجمع بين الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان بالله لأنه المعبود المقصود بالتعبد، واليوم الآخر لأنه دار الجزاء على التعبد وعلى العمل فكثيرا ما يُجمع بينهما، قال: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال) أي الله (ومن كفر) ما معنى (ومن كفر)؟ أي سأرزقه، سأعطيه من العطاء الدنيوي.

 قال (ومن كفر فأمتّعه) وفي قراءة (فأمتِعه) بالتشديد والتخفيف، بالتشديد من التمتيع وبالتخفيف من الإمتاع وهما بمعنى واحد يعني يعطيه من العطاء الدنيوي، أعطيه ما يحصل به المتعة الدنيوية، أمتعه يعني أعطيه الرزق الذي يحصل به المتعة الدنيوية.

 قال: (فأمتعه قليلا) ما معنى قليلا؟ مدة حياته، لو كان عمر الكافر مئة سنة قليل هذه بالنظر إلى الآخرة، بالنظر إلى الأخرة 

يعتبر قليل، مدة قليلة جدا (نمتعه قليلا) وهذا مما يبين أن عمر الإنسان في الدنيا مهما كبُر ومهما كثُر ومهما طال هو يُعد قليل بالنسبة للآخرة.

قال: (فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار) يتوهم متوهم أن أمتع هذا فيه إكرام له، يمتع إكراما له، لا ليس على وجه الإكرام ولهذا قال (ثم أضطره إلى عذاب النار) (أضطره) أي ألجئه في الآخرة -يوم القيامة- مرغما كارها إلى عذاب النار.

(وبئس المصير) أي بئس المآل والمرجع.

• قال الشيخ -رحمه الله-: "وإذ دعا أي واذكر إذ دعا إبراهيم لهذا البيت أن يجعله الله بلدا آمنا ويرزق أهله من أنواع الثمرات،  ثم قيد إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين تأدبا مع الله إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق" ما هو دعاؤه الأول؟ (ومن ذريتي) ما قيد إبراهيم عليه السلام قال (ومن ذريتي) أطلق فقال: "فلما تأدب مع الله إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق فجاء الجواب فيه مقيدا في الموطن الأول بغير الظالم قال (لا ينال عهدي الظالمين)" هناك تقييد (قال لا ينال عهد الظالمين) تقييد وهنا قال (ومن كفر) هنا إطلاق  فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم فلما دعا لهم بالرزق وقيده أي إبراهيم عليه السلام بالمؤمن وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر والعاصي والطائع قال تعالى (ومن كفر) أي سأرزقه سأعطيه، (ومن كفر) أي أرزقهم كلهم مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر فيتمتع فيها أي الدنيا قليلا ثم أضطره أي ألجئه وأخرجه مكرها إلى عذاب النار وبئس المصير.

 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما ...

 سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.

اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

العمل بسورة المدثر / الآيات (١١-٢٦)

١- اعلم أنه كلّما زادت نعم اللّٰه عليك ازداد واجب شكر النعمة عليك

وما منّا من أحد إلا وهو يرفُل في نعمِ كثيرةٍ لا تُحصى، لكنه قد ينساها أو يغفل عنها أو يحجُبه عنها نزول مصيبة أو مصيبتين، فينسى آلاف النعم لآحاد المصائب، فاحرص على استذكار نِعمِ اللّٰه حتى تعرف فضل اللّٰه عليك فتؤدّي شكرها فتحفظها من الزوال، ويطمئن قلبك، ويزداد إيمانك، وأما من زاد كفره بالله مع ازدياد نعم اللّٰه عليه فإن عذابه شديد، وعقابه وبيل : 

(ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهّدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا # سأُرهقه صَعودا).


٢- مَن تدبّر كلام اللّٰه وتفكّر فيه باحثًا عن الهدى والحق بتجرّد وعقل وإنصاف علم أنه كلام رب العالمين، المعجز بألفاظه ومعانيه، الواضح في أدلّته وبراهينه، الهادي إلى الإيمان واليقين، فتدبّر القرآن طالبًا الهدى منه، أما من نظر في القرآن نظر المتشكك الطاعن المقدّم لهواه وشهوته ورِضا الناس من حوله فلن يزيده القرآن إلا عمى وضلالا:

(إنه فكّر وقدّر * فقُتل كيف قدّر * ثم قُتِل كيف قدّر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحرٌ يُؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر).

—————————————

د. أبصار الإسلام 

اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

فوائد سورة المدثر الآيات (١١-٢٦)

بسم الله الرحمن الرحيم

/ (ذرني ومن خلقت وحيدا) 
سبب النزول: قال ابن تيمية عن ابن عباس : ... أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال: ولم ؟ قال : ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعوّض مما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له وأنك كاره له، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فنزلت: {ذرني ومن خلقت وحيدا . رواه عبد الرزاق....
وفي رواية أخرى: أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضا، ويرد بعضكم قول بعض فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع، فقالوا: نقول كاهن فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكهان، فقالوا: نقول مجنون، فقال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا : فنقول شاعر، فقال: ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر برجزه و هزجه و قريظه و مقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا : فنقول ساحر، قال: فما هو بساحر ، قد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده، فقالوا: ما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال : والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه لجنى، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه، فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا له أمره، فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة، وذلك من قوله: {ذرني ومن خلقت وحيدا إلى قوله: سأصليه سقر}». «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية» (٥ / ٣٧٣-٣٧٧).
وقال القرطبي: «قال ابن عباس : كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد، فقال الله تعالى: (ذرني ومن خلقت بزعمه (وحيدا) لا أن الله تعالى صدقه بأنه وحيد.
وقال قوم: إن قوله تعالى: (وحيدا) يرجع إلى الرب تعالى على معنيين:
أحدهما: ذرني وحدي معه، فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم.
والثاني: أني انفردت بخلقه ولم يشركني فيه أحد، فأنا أهلكه، ولا أحتاج إلى ناصر في إهلاكه، فـ (وحيدا) على هذا حال من ضمير الفاعل، وهو التاء في (خلقت).
والأول قول مجاهد، أي: خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد، فأنعمت عليه فكفر. فقوله: (وحيدا) على هذا يرجع إلى الوليد، أي لم يكن له شي فملكته.
وقيل: أراد بذلك ليدله على أنه يبعث وحيدا كما خلق وحيدا.
وقيل: الوحيد الذي لا يُعرف أبوه، وكان الوليد معروفا بأنه دعي، كما ذكرنا في قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم) وهو في صفة الوليد أيضا». الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۱).

/ (وبنين شهودا)
قال ابن كثير : "وبنين شهودا قال مجاهد: لا يغيبون، أي: حضورا عنده، لا يسافرون في التجارات، بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم، وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويتملى بهم. وكانوا فيما ذكره السدي، وأبو مالك، وعاصم بن عمر وقتادة - ثلاثة عشر. وقال ابن عباس، ومجاهد: كانوا عشرة. وهذا أبلغ في النعمة وهو إقامتهم عنده". تفسير ابن كثير» (٢٦٥/٨).

/ (ومهّدت له تمهيدا)
قال القرطبي: ( ومهدت له تمهيدا) أي بسطت له في العيش بسطا، حتى أقام ببلدته مطمئنا مترفها يُرجع إلى رأيه.
 والتمهيد عند العرب: التوطئة والتهيئة، ومنه مهد الصبي.
وقال ابن عباس: ( ومهدت له تمهيدا) أي وسعت له ما بين اليمن والشام. قاله مجاهد.
وعن مجاهد أيضا في (ومهدت له تمهيدا) أنه المال بعضه فوق بعض، كما يمهد الفراش». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۲).

/ (ثم يطمع أن أزيد)
قال ابن الجوزي: (ثم يطمع أن أزيد) فيه قولان:
أحدهما : يطمع أن أدخله الجنة. قاله الحسن.
والثاني: أن أزيده من المال والولد، قاله مقاتل. 
«زاد المسير في علم التفسير (٤ / ٣٦٢).
وقال القرطبي: «و (ثم) في قوله تعالى : (ثم يطمع) ليست بـ (ثم) التي للنسق، ولكنها تعجيب، وهي كقول تعالى: (وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) وذلك كما تقول: أعطيتك ثم أنت تجفوني، كالمتعجب من ذلك.
• وقيل: يطمع أن أترك ذلك في عقبه، وذلك أنه كان يقول: إن محمدا مبتور، أي أبتر، وينقطع ذكره بموته وكان يظن أن ما رزق لا ينقطع بموته.
• وقيل : أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره».
 «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۲).

/ (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا)
قال البغوي: كلا لا أفعل ولا أزيده، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك». «تفسير البغوي (٨ ٢٦٧).

/ (سأرهقه صعودا)
قال ابن كثير: عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا). وقد رواه الترمذي (وأحمد)....
وقال ابن أبي حاتم عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم : { سأرهقه صعودا} قال: (هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت). ورواه البزار وابن جرير، من حديث شريك به.
وقال قتادة، عن ابن عباس: "صعود صخرة في جهنم عظيمة، يُسحب عليها الكافر على وجهه".
وقال السدي: صعودا صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها.
وقال مجاهد : (سأرهقه صعودا) أي: مشقة من العذاب.
وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير»
 تفسير ابن كثير (٨ ٢٦٥-٢٦٦).

/ (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر*إن هذا إلا قول البشر)
•قال الطحاوي: «وإن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر ، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: (سأصليه سقر ، فلما أوعد الله بسقر من قال : (إن هذا إلا قول البشر ) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر. فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر». «متن الطحاوية (ص ٤٠ - ٤٢ ) ».
•وقال ابن تيمية: «هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك بالنص وإجماع المسلمين، وقد كفّر الله من قال: إنه قول البشر، ووعده أنه سيصليه سقر». «مجموع الفتاوى (٦ / ٥٤٣)».
وقال ابن تيمية: «الله قد كفّر من جعله قول البشر بقوله: {إنه فكر وقدر*فقتل كيف قدر*ثم قتل كيف قدر*ثم نظر*ثم عبس وبسر *ثم أدبر واستكبر* فقال إن هذا إلا سحر يؤثر* إن هذا إلا قول البشر) ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر، فمن قال: إنه قول محمد فقد كفر، ولا فرق بين أن يقول: هو قول بشر أو جني أو ملك، فمن جعله قولا لأحد من هؤلاء فقد كفر؛ ومع هذا فقد قال تعالى : {إنه لقول رسول كريم* وما هو بقول شاعر } فجعله قول الرسول البشري مع تكفيره من يقول إنه قول البشر، فعلم أن المراد بذلك أن الرسول بلغه عن مرسله، لا أنه قول له من تلقاء نفسه، وهو كلام الله الذي أرسله، كما قال تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) فالذي بلّغه الرسول هو كلام الله لا كلام الرسول ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالمواسم ويقول: (ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي) رواه أبو داود وغيره. والكلام كلام من قاله مبتدئا لا كلام من قاله مُبلغا مؤديا» «مجموع الفتاوى» (١٢ / ١٣٦).
وقال السعدي: «(إن هذا إلا سحر يؤثر* إن هذا إلا قول البشر) أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار، فتبا له ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب !! كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم الماجد الكريم يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين ؟! أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه كلام المبدئ المعيد فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى: (سأصليه سقر)». «تفسير السعدي» (ص ٨٩٦).

/ (سأصليه سقر)
قال القرطبي: (سأصليه سقر ) أي : سأدخله سقر كي يصلى حرّها، وإنما سميت سقر من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹/ ۷۷).
------------------------

اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

الدرس السبعون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٤)

(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ "قوله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين* وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) يخبر تعالى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام المتفق على إمامته وجلالته الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه بل وكذلك المشركون أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات أي بأوامر ونواه كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره ويزكو عمله ويخلُص ذهبه وكان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام فأتمّ ما ابتلاه الله به وأكمله ووفاه فشكر الله له ذلك ولم يزل الله شكورا فقال (إني جاعلك للناس إماما) أي يقتدون بك في الهدي ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل والتعظيم من كل أحد وهذه لعمر الله أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام شمّر إليه العاملون، وأكمل حالة حصّلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم من كل صدّيق متبع لهم داع الى الله والى سبيله فلما اغتبط ابراهيم بهذا المقام وأدرك هذا طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضا من إمامته ونصحه لعباد الله ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية والمقامات السامية فأجابه الرحيم اللطيف وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحط قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام فإنه مقام آلته الصبر واليقين ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة والشمائل السديدة، والمحبة التامة والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام، ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة ولكن مع إتيانه بأسبابها"

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد: قول الله جل وعلا (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) الابتلاء هو الامتحان والاختبار، ابتلاه أي امتحنه واختبره، وفائدة الامتحان: تميُز الناس الصادق من الكاذب، الجاد من الهازل، العامل من العاطل.
 ابتلاه بكلمات المقصود بالكلمات التي ابتلاه بها أي الأوامر والنواهي، أمره سبحانه وتعالى بأوامر ونهاه عن نواه، أمره بأمور أن يفعلها ونهاه عن أمور أن يرتكبها.
 (فأتمهن) أتم الكلمات التي أمره الله سبحانه وتعالى بها قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "قال كثير من السلف: أي قام بجميع ما أُمر به ووفّى كل مقام من مقامات العبادة فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير" يعني من من شدة توفيته لما أمر به، العبادات الكبيرة لا تشغله عن الصغيرة، الأعمال العظيمة لا تشغله عن الأعمال أو الأعمال الكثيرة لا تشغله عن الأعمال القليلة، أتمّ كل ما أمره الله به ولهذا أثنى الله عليه في موطن آخر من القرآن قال: (وإبراهيم الذي وفّى) وفّى وفّى أي أتمّ ما أمره الله سبحانه وتعالى به من أوامر وانتهى عما نهاه تبارك وتعالى عنه من نواهي.
قال (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) هذا الآن الابتلاء والابتلاء له ثمرة ما هي الثمرة؟
قال (إني جاعلك للناس إماما) أي قدوة للعالمين، قدوة للمتقين (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم) إمام أي: قدوة (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) أمة: إمام في الخير، ولا يكون المرء إماما في الخير إلا إذا اجتمعت فيه خصال الخير ولهذا تُعد الإمامة في الدين من أعظم الرتب وأرفعها لأنه اجتمعت فيه صفات الخير فيكون قدوة للناس ولا يكون المرء إماما لمن بعده في الخير إلا إذا ائتم هو بمن قبله في الخير، ومن دعوات عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان (واجعلنا للمتقين إماما) أحد السلف في تفسيره لها قال: "(اجعلنا للمتقين إماما) أي اجعلنا مؤتمين بالمتقين" قال ابن القيم: "وهذا من أحسن التفسير.
قال "واجعلنا مؤتمين بالمتقين" ما المعنى؟ لا يكون إماما للمتقين بعده إلا إذا ائتم بالمتقين قبله. فهذه رتبة علية كانت ثمرة ماذا؟
الوفاء والتمام الذي قام به لما ابتلاه الله بالكلمات فكان أولا: الابتلاء، ثم ثانيا: التمكين (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) هذا التوفيه (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) فابتلاء أولا ثم التمكين، الإمام الشافعي سأله رجل قال: أيهما أفضل للرجل أن يُمكّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكّنهم فيستفاد من هذه الآية: العاقبة العظيمة للصبر على الابتلاء الذي هو محافظة العبد التامة وعنايته الدقيقة بالأوامر فعلا لها، والنواهي تجنبا لها، ابتعادا عنها.
قال: (واذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما) هذه العاقبة، هذه عاقبة الوفاء، عاقبة الإتمام الذي كان من إبراهيم لما أُمر به عليه صلوات الله وسلامه، (قال إني جاعلك للناس إماما) من عظيم إحسانه عليه السلام وحرصه على الخير وبقاء الخير في الناس أحب بقاء الأئمة أئمة الخير الذين يُقتدى بهم في الخير لأن الناس على مر الأيام يحتاجون حاجة ماسة إلى أئمة الهدى، إذا كان الناس في مجتمعاتهم لا يوجد إلا أئمة الضلال دعاة باطل كيف تكون حال الناس (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) فالمجتمعات بحاجة شديدة جدا إلى أئمة هدى
ما معنى أئمة هدى؟ أن يشتغل الناس - طلاب العلم- بالعلم والعبادة والعمل والصلاح والإصلاح ويكون في بلده إماما فيصبح في بلده خلق يأتمون بهم، يقتدون بما عندهم من العلم والعمل وينتفعون بما عندهم من دعوة وتعليم، فالناس حاجتهم شديدة إلى الأئمة أئمة الهدى. والإمامة في الدين ما تنال إلا بأمور وخلاصتها أربعة أمور اليوم استمعنا إليها في صلاة الفجر في قول الله سبحانه وتعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) أربعة، وانظر شرحا عظيما لها في رسالة الإمام ابن القيم إلى أحد إخوانه، شرح لهذه الأمور الأربعة التي تُنال بها الإمامة في الدين، فإبراهيم عليه السلام حقق هذه الإمامة لما قال الله له (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي)
ما معنى (ومن ذريتي)؟ 
أي واجعل يا الله من ذريتي أئمة في الدين يُقتدى بهم فأجاب الله سبحانه وتعالى دعوته وحقق ما سأله نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام، حقق ما سأله فجعل الله سبحانه وتعالى في ذريته النبوة والكتاب هذا من إجابة الله لدعوته جعل في ذريته النبوة والكتاب، وجميع الأنبياء الذين بُعثوا من بعده كلهم من ذريته عليه السلام وهذا من إجابة دعوته قال (ومن ذريتي) سأل الله أن يجعل من ذريته أئمة في الدين يُقتدى بهم في الصلاح والإصلاح
قال الله عز وجل (لا ينال عهدي الظالمين) وهذا فيه أن الظالم حتى لو كان نسبه من أشرف الأنساب لا ينال هذه المقامات وليس أهلا لها (لا ينال عهدي الظالمين) أي هذه المرتبة العلية الرفيعة الإمامة في الدين لا ينالها ظالم ولو كان من ذرية الأنبياء، ولو كان من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام إمام الحنفاء الوجيه عند رب العالمين سبحانه وتعالى فهذا فيه دلالة على أن الظالم ليس أهلا للإمامة، الظالم لنفسه والظالم للناس ليس أهلا للإمامة في الدين. ومما ينبه عليه في هذا المقام: أن من أعظم الظلم للناس الذي له أثر في عدم نيل الإمامة ما نهى الله عنه في مواطن من القرآن مثل الهمز واللمز والنميمة والغيبة والسخرية بالناس والطعن واللعن هذه كلها تجعل الإنسان ليس أهلا
ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) الشاهد من هو؟ الذي يشهد للناس بالخير، والشافع الذي يشفع لهم بالخير، فيقول إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة، لماذا؟ لأن الناس في الدنيا ما سلموا منهم لا من جهة الشهادة فهم طعانين، ولا من جهة الشفاعة فهم لعانين فما سلموا منهم في الدنيا فليسوا أهلا أن يكونوا يوم القيامة شهداء للناس بالخير أو شفعاء للناس بالخير فمقام الإمامة في الدين مقام رفيع لا يناله ظالم، لا يُنال بالظلم، لا يُنال إلا بالرحمة والرفق والإحسان واللطف والخير والنصح والعناية بإصلاح النفس وإقامتها على طاعة الله سبحانه وتعالى، إقامتها على الطاعة، على العبادة لله جل وعلا قال (لا ينال عهدي الظالمين) ومثل ما تقدم يعني هذه الرتبة الرفيعة العالية لا ينالها ظالم ولو كان من ذرية الأنبياء، لو كان من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام، الظالم ليس أهلا لهذه الرتبة فيستفاد من هذا: من أحب لنفسه هذه الرتبة في الدين فعليه أن يجاهد نفسه على البعد عن الظلم، أن يعرف الظلم بأنواعه ويجاهد نفسه على البعد منه، لا يظلم نفسه ولا يظلم غيره، يجاهد نفسه على السلامة من الظلم، وأيضا الاتصاف بضده العدل..
وأظلم الظلم الذي يسقط فيها فاعله إلى الحضيض إلى الدركات الشرك بالله (والكافرون هم الظالمون)، (إن الشرك لظلم عظيم) أظلم الظلم هو الشرك اظلم الظلم ولهذا من يصرف شيئا من العباده لغير الله يسقط سقوطا الى الحضيض إلى الهلكات ولا يكون أهلا لا إلى إمامة ولا إلى ما هو دون الإمامة لأن الشرك يسقطه إلى أسفل الدركات والله جل وعلا يقول (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين* بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) (قال لا ينال عهدي الظالمين).
 
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "يخبر تعالى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام المتفق على إمامته وجلالته الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه" بل وكذلك المشركون، متفق على إمامته، متفق على منزلته، متفق على علو رتبته عليه السلام حتى أن كل الطوائف تدعيه، ما معنى كل الطوائف تدعيه؟
اليهود يقولون إبراهيم كان يهوديا، والنصارى يقولون إبراهيم كان نصرانيا، والله يقول (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) وكذّبهم الله عز وجل في دعواهم هذه بالتاريخ، والتاريخ يُكذَّب به كثير من الباطل قال (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) هذا تكذيب لهم بالتاريخ، كيف تقولون أنه يهودي أو نصراني وأصلا التوراة والإنجيل وعيسى وموسى كلهم إنما بُعثوا من بعده كيف يكون هذا الكلام؟! هذا تكذيب لهم بالتاريخ. قال "كل من الطوائف - من طوائف أهل الكتاب - تدعيه بل وكذلك المشركون - الكفار - كانوا يدّعون أنهم على ملة إبراهيم" ما الذي كانوا عليه؟ الشرك الصراح، والكفر البواح ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم، الله عز وجل يقول (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين) كيف يكون هذا الادعاء الذي هو من أسفه الادعاء وأشنعه وأقبحه يقولون أنهم على ملته!! قال "بل وكذلك المشركون"
يخبر تعالى أن عبده وخليله الذي كذا كذا أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، بكلمات ما هي الكلمات؟ قال أي أوامر ونواهي، أمره بأوامر أن يفعلها كثيرة عديدة، ونهاها عن نواهي، وجميع الأوامر التي أُمر بها فعلها، وجميع النواهي التي نُهي عنها اجتنبها، وفّى ما ترك حتى مثل ما قال السلف "فما شغله أمر كبير من الأوامر عن أمر صغير" وفّى بالأوامر الصغير منها والكبير، الدقيق والجليل، عليه السلام ولهذا امتدحه الله قال (وإبراهيم الذي وفّى) يعني وفّى بكل ما أمره الله سبحانه وتعالى به قال: "أي بأوامر ونواهي كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده" "في ابتلائه لعباده" الابتلاء بالأوامر والنواهي افعلوا ولا تفعلوا، هذا الابتلاء، ما غرض هذا الابتلاء؟
قال: "ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق" ليميز الخبيث من الطيب، ليتبين الكاذب من الصادق، "الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره ويزكو عمله ويخلص ذهبه" وكان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام،
  المقام ماذا؟ مقام الوفاء والإتمام لما امتُحن به لما ابتُلي به، كان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام "فأتمّ ما ابتلاه الله به وأكمله ووفّاه "فشكر الله له ذلك ولم يزل سبحانه وتعالى شكورا فقال (إني جاعلك للناس إماما)" هذا من شكر الله سبحانه وتعالى لنبيه أن جعله إماما.
 قوله (إني جاعلك) والتي استمعنا اليها في سورة السجدة (وجعلنا منهم أئمة) الإمامة في الدين لا تكون إلا إذا جعل الله الشخص كذلك ولهذا لا يعتمد على الأسباب، يبذل الإنسان الأسباب ويجتهد فيها غاية الاجتهاد لكن يسأل ربه ولهذا لما ذكر الله عز وجل عن عباد الرحمن بذلهم للأسباب العظيمة ذكر أنهم يدعون الله عز وجل بقولهم واجعلنا للمتقين إماما (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما* أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) صبروا بذلوا أسباب وجاهدوا أنفسهم وعملوا بما أُمروا به وانتهوا عما نُهوا عنه وسألوا ربهم الإمامة في الدين، هذه الرتبة التي أعلى ما يكون، فلا تكون إلا إذا جعل الله سبحانه وتعالى العبد كذلك، وهكذا أمور  الخير، أمور العبادة، أمور الطاعة ما يمكن أن تفعل شيء منها إلا إذا جعلك الله كذلك ولهذا لاحظ في دعاء إبراهيم (ربنا واجعلنا مسلمين لك) تأتي معنا، (ربي اجعلني مقيم الصلاة) (اجعلني) كثير يأتي هذا، ما يمكن أن يحصل منك شيء من الخير إلا إذا جعلك الله كذلك،
 أحد السلف يقول موضحا هذا المعنى بمثال يقول: "لو أخرج قلبي من صدري وجعل في كفي اليسرى أمامي - يعني أراه جعل في كفي اليسرى - وجيء بالخيرات كلها ووضعت في كفي اليمنى - مثلا التوكل، الصدق الصبر، الرجاء، الخوف، كل أعمال القلوب لو جيء بها ووُضعت في كفي اليمنى - لم أستطع أن أجعل شيئا منها في قلبي" الآن لاحظ يقول القلب في اليد اليسرى والخيرات كلها في اليمنى قال لم أستطع أن أجعل شيئا منها في قلبي إلا أن يكون الله الذي يضعه (جعلنا)، لازم نفهم هذا، (جعلنا) إذا فهم المرء هذا الأمر ما يلتفت إلى الأسباب التي يقوم بها، يفعلها يجاهد نفسه على فعلها لكن يرجو رحمة ربه، يرجو فضل ربه سبحانه وتعالى.
 قال (إني جاعلك) إبراهيم الخليل عليه السلام ما كان في هذه الرتبه إلا بجعل الله له، الله الذي جعله ولما قال (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي كذلك أجاب الله دعاءه وجعل، جعل من ذريته الأئمة في الدين قال (إني جاعلك للناس إماما) أي يقتدون بك في الهدى ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل والتعظيم من كل أحد، وهكذا كان جعل الله له لسان صدق في الآخرين عليه صلوات الله وسلامه وعلى جميع النبيين،  وهذه الإشارة الى ماذا؟ إلى الإمامة، وهذه لعمر الله أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام شمّر إليه العاملون أن يكون المرء إماما في الدين.
إمام في الدين ليس لقبا يا سيادة الإمام، ليس لقب يبحث عنه يُلقب به، الإمامة عمل يتصف به ويعمل به ويتحلى بأوصاف، هذه الإمامة بحيث أن الناس كل ما أرادوا خصلة من خصال الخير وجدوا في هذا الإمام قدوة لهم فيه، ولهذا لا يكون المرء إماما حتى تجتمع فيه صفات الخير، يتحلى بها، قال: "وهذه لعمر الله أفضل درجة يتنافس فيها المتنافسون وأعلى مقام شمّر إليه العاملون وأكمل حالة حصّلها أولوا العزم من المرسلين واتباعهم من كل صدّيق متبِع لهم داعٍ إلى الله وإلى سبيله"
 "فلما اغتبط إبراهيم - فرح بهذا الفضل وسُر بهذا الإنعام والإكرام الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى به - فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام وأدرك هذا حصّل هذه الرتبة العلية - جعله الله كذلك - طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجه ذريته وهذا أيضا من إمامته"
الطلب هذا نفسه من إمامته لماذا؟
لأنه حرص على على بقاء أئمة في الدين للناس يهتدون بهديهم ويقتدون بهم قال: "وهذا أيضا من إمامته ونُصحه لعباد الله ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون فلله عظمة هذه الهمم العالية والمقامات السامية" يعني اشفق على الأجيال التي تأتي، ليس فقط هذا همّه في الجيل الذي يراهم ويعيش معهم بل همّه اتجه إلى الأجيال فيما بعد أن يكون فيهم أئمة حتى يصلح الناس بوجود هؤلاء الأئمة يقتدى بهم ويهتدى بهديهم قال (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي أئمة في الدين.
 قال الشيخ رحمه الله: " فأجابه الرحيم اللطيف" وعرفنا أن من إجابة الله لدعوته أن جعل في ذريته النبوة والكتاب (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) فجعل في ذريته النبوة فلم يبعث نبي بعد إلا من ذريته عليه السلام هذا من إجابة الله دعوته، وأخبر سبحانه وتعالى بالمانع من نيل هذا المقام- مقام الإمامة - فقال (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحطّ قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام لأنه لو كان ظالما كيف يكون ظالم وإمام؟ يأتمُ به الناس في الظلم، لأن إمام يعني قدوة، فإذا كان ظالم معروف بالظلم يصبح إمام؟! إمام في ماذا؟ في الظلم؟ والإمامة في الدين لا تجتمع مع الظلم، أما الإمامة في الشر نعم هناك إمامة في الشر هناك أئمة في الشر (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) هناك أئمة يدعون إلى النار، يدعون إلى الشر، لكن إمامة في الدين ما تجتمع والظلم (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحط قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام فإنه مقام آلته الصبر واليقين ما الدليل على أن الإمامة في الدين آلتها الصبر واليقين؟ (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين قال: " آلته الصبر واليقين ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الجميلة والشمائل السديدة والمحبة التامة والخشية والإنابة.
 وهل من شرط الإمامة في الدين العصمة؟
يخطئ الانسان وتزل قدمه لكنه مع نفسه في جهاد عظيم في إصلاحها وتدارك نفسه في تقصيره وكثرة استغفاره وإنابته وتوبته (كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون) ليس من شرط الإمام أن لا يخطئ ولا يقع في الزلة أو الخطأ، يقع لكنه دائما يعتني بنفسه ويعمل على مجاهدتها التامة (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
 قال الشيخ: "فأين الظالم وهذا المقام" يعني أين هو وهذا المقام مقام الإمامة في الدين، قال رحمه الله تعالى: "ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة" هذا كلام عظيم جدا واستفاد من الآية أن غير الظالم سينال الإمامة (لا ينال عهدي الظالمين) مفهومها أن من لا يكون ظالم ينال، الآية لها مفهوم ولها منطوق:
منطوقها: أن الظالم لا ينال العهد
مفهومها: أن غير الظالم ينال العهد ينال الإمامة
هذا يستفاد منه: أن مجاهدة الإنسان نفسه على تجنب الظلم والبعد عن الظلم يصل به إلى هذه الرتبة العلية. قال: "ولكن مع إتيانه بأسبابها" أسبابها التي هي: المجاهدة للنفس وكثرة الدعاء للرب (واجعلنا للمتقين إماما).
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...