الأحد، 31 مايو 2026

فوائد منتقاة / سورة هود (٩٠ - ٩٩)

/ (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) 
فيه ربط بين الاستغفار والتوبة من جهة وبين كونه تعالى (رحيما ودودا) من جهة أخرى، وذلك أن التوبة والاستغفار هما كالمقدمة للوصول إلى رحمة الله تعالى والحصول على محبته ومودته. فالاستغفار أعظم طرائق جلب رحمة الله بدليل القرآن ، قال الله جل وعلا عن نبيه صالح (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل: ٤٦ ]، وفي الخبر الصحيح (من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه سبع مرات غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف)
والاستغفار جاء على السنة أنبياء الله ورسله :
• فعلى لسان نبينا محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- : (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ )
• وقال على لسان نبيه هود عليه الصلاة والسلام : (وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ..)
• وجاء على لسان صالح عليه الصلاة والسلام : (قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيبٌ )
• وعلى لسان شعيب عليه الصلاة والسلام : (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) .

/ وبه تفتح مغاليق الأمور ، قال سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه ..)

/ وبالاستغفار تُستمد الأرزاق ، ويُستكثر من المال والولد ، وتستمطر الرحمات، قال جل جلاله على لسان نوح عليه الصلاة والسلام (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا) 
/ وبالاستغفار يودع الميت ولذا فقد كان النبي -صلى اللّٰه عليه وسلم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال : (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) رواه أبو داوود.

/ وبالاستغفار تتحات الخطايا والذنوب قال رسول الله ﷺ : (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثا غفرت ذنوبه وإن كان فاراً من الزحف) رواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . قال ابن عيينة : "غضب الله داء لا دواء له" وعقب عليه الإمام الذهبي بقوله : "دواؤه كثرة الاستغفار بالأسحار والتوبة النصوح".
وقد كان الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عليه الصلاة والسلام يقول : (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ). رواه البخاري 
- وقال عليه الصلاة والسلام : (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ).رواه مسلم، قال الإمام النووي : "والمراد هنا ما يتغشى القلب"، قال القاضي : "قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه فإذا فَتَرَ عنه أو غفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه"، وروى مكحول عن أبي هريرة قال : "ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مكحول : "ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة" وكان مكحول كثير الاستغفار .
قال القرطبي : قال علماؤنا : "الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان ، فأما من قال بلسانه : استغفر الله ، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر ". وروي عن الحسن البصري أنه قال : "استغفارنا يحتاج إلى استغفار".
قال بكر بن عبد الله المزني : "أنتم تكثرون من الذنوب فاستكثروا من الاستغفار ، فإن الرجل إذا وجد في صحيفته بين كل سطرين استغفار سره مكان ذلك"
ونتيجة الاستغفار والتوبة في الآية الثالثة الحياة الطيبة في الدنيا والفضل العميم في الآخرة ، ونتيجته في الآية الثانية والخمسين الحياة الرغيدة والقوة العظيمة . ونتيجته في الآية الواحدة والستين التمكن في الأرض ورضاء الله تعالى ، ونتيجته في قصة شعيب الخير والنماء ، والرحمة والود ، والأمان من العذاب ."

/ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) 
هذان اسمان من أسماء الله تعالى ، والرحمة واضحة المعنى لكن سنأتي بمثال لنقرب المعنى: لو أن إنسانا رأى دابة من الدواب لنفرض كلبا يلهث من العطش فسقاه فهذه رحمة ، لكن هل سقيك للكلب ورحمتك به يدل على أنك توده وتحبه؟ محال ، فلا يلزم من الرحمة الود والمحبة، ورحمتك لشخص كافر ينزف دما وإنقاذك له في موقف إنساني لا يلزم منه أنك توده وتحبه، هنا شعيب لما عرّف بربه جل وعلا قال (إِنَّ رَبِّي رَحِيمُ ودود) يرحم أولياءه لابد من هذا القيد وعباده الصالحين وهو يودهم ويحبهم ويحبونه ، لا يرحمهم لمجرد الرحمة إنما يرحمهم وهو وادّ لهم جل وعلا .
يقول ابن القيم رحمه الله - : "وما ألطف اقتران اسم الله الودود بالرحيم؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يُحبُّ، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه " يحب التوابين" وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان"

/ حُسن المحاورة والبيان والمجاوبة من شعيب عليه السلام - كان سبباً لإطلاق خطيب الأنبياء عليه السلام، وورد هذا في بعض الآثار (۳).

- (قَالُوا يَاشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) ما نفهم أكثر كلامك، مما يدل على تبلد مشاعرهم وغلظة طباعهم ، وكثيرا ما نشاهد في عصرنا الحاضر أمثال الملأ من قوم شعيب ممن طغى حب المال على نفوسهم ، وسيطر على أفكارهم ، فلا يفهمون إلا ما يُسمى في العصر الحاضر لغة المال ، وهي في الحقيقة لغة الجشع والشره والطمع ، فإذا ما حدثتهم بلغتهم أنصتوا إليك بكل ذرة في أجسادهم ، وأما إذا حدثتهم حديثا آخر أعرضوا عنك وأغلقوا دون حديثك أسماعهم وعقولهم ، ورأوا فيما تحدثهم به مضيعة للوقت.

/ (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ )
 فيه تربية على أن المؤمن يعفو كرامة الله وغير المؤمن يعفو كرامة للناس، وشتان بين السبيلين.
تفقه من الآية السابقة : من ذكّرك بالله إقبل تذكيره ، ومن خوفك بالله إقبل تخويفه، ومن جاءك عن طريق ربك ترغيبا أو ترهيبا أو تذكيرا فاقبله ، كان ابن عمر رضي الله عنهما - إذا رأى أحد غلمانه يُصلي يُعتقه ، فلما كثر العتق في غلمانهم أصبح الغلمان كلما رأوا ابن عمر جالسا جاءوا يصلون فإذا رأى أحدا يصلي أعتقه، فجاء أحد ينصحه، قال : يا ابن عمر إنهم يخدعونك ، فقال : "من خدعنا بالله انخدعنا له " قبلنا خدعته لأنهم جاءوه عن طريق الله . لا يعني هذا أن يكون الإنسان غافلا يُسخر منه أو ما أشبه ذلك ، لا، لكن في الأشياء التي يملكها المرء ، والمراد من الآية تعظيم الله في القلب.

/ (أَلَا بُعْدًا لِمَدِّينَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) 
اتفقوا وتشابهوا في سوء المعتقد فحق عليهم أن يتشابهوا في البعد عن الله.

/ (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا)
 أخبر الله أنه نجى شعيبا ومن معه من المؤمنين برحمة منه، وفيه وجهان:
/ الأول: أنه تعالى إنما خلّصه من ذلك العذاب لمحض رحمته تنبيها على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل الله ورحمته.
والثاني: أن يكون المراد من الرحمة الإيمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضا ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى.

/ (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثمِينَ ) قال الرازي: " روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم." قال الله في قصة صالح ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وفي قصة شعيب (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) 
فما الحكمة من اختصاص الفعل في قصة شعيب بـ "التاء" وحذفها في قصة صالح؟
التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك هذا جواب السهيلي. وعندي فيه جواب أحسن من هذا -إن شاء الله- وهو : أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ، ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن ، وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ :
/ أحدها : الرجفة في قوله في الأعراف (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ )
/ الثاني: الظلة بقوله (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) [الشعراء: ۱۸۹]
/ الثالث : الصيحة (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)
وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم ، فصهرتهم الشمس بحرها ورُفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس ، فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم ..

في قصة شعيب -عليه السلام - من الفوائد والعبر الشيء الكثير نذكر بعضا منها : 
ـ أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد وإلى إيفاء المكيال والميزان وجعل الوعيد مرتبا على مجموع ذلك.
ـ أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى.
ـ أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: (إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ) أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم.
ـ أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) ففي ذلك من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة.
ـ أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره، فإنه رتب العمل به على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل فالإيمان ناقص أو معدوم.
ـ أن الصلاة، لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه، فيإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها، تختل أحواله الدينية.
ـ أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوّله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه.
ـ أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منتهٍ عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب - الله : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) .
ـ أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية .
ـ أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه.
ـ أن العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين بل لا يزال مستعينا بربه متوكلا عليه سائلا له التوفيق وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومسديه ولا يعجب بنفسه لقوله (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
ـ أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده ولا عبرة بقول من يقول "إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه العفو وأما عود الودّ والحب فإنه لا يعود فإن الله قال: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ). 
ـ أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان .

/ ختمت الآيات استعراضها التاريخي لبعض قصص الأنبياء مع أممهم بوقفة قصيرة عند نبي الله موسى مع فرعون أظهرت فيها مسؤولية شخصية فردية ، وأشارت إلى أن اتباع قوم فرعون وطاعتهم له لا يخلصهم من مسؤوليتهم أمام الله تعالى .

/ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يتقدمهم يوم الحساب والجزاء ، فكما كان قدوتهم في الضلال في الدنيا ، كذلك يتقدمهم إلى النار يوم القيامة .

/ (وَأَتَّبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) اللعنة هي الطرد والإبعاد من رحمة الله وتنقسم أحكامها إلى ما يلي:
 ـ لعن المسلم المصون - مسلم عادي - فهذا باتفاق العلماء لا يجوز لأحد أن يلعنه.
ـ لعن الأوصاف العامة وهذا جائز بالاتفاق مثل أن تقول ألا لعنة الله على الظالمين، ألا لعنة الله على الكافرين، ألا لعنة الله على الكاذبين هذا يسمى لعن ذوي الأوصاف العامة وهو جائز بالاتفاق.
ـ لعن الأوصاف الخاصة تقول لعن الله آكلي الربا، لعن الله السّراق، لعن الله من يلعن والديه، فهذا جائز جاءت به السنة، تلعن الوصف لا الشخص .
ـ  لعن الكافر الذي ثبت أنه مات على الكفر فهذا جائز كلعن أبي جهل ولعن فرعون هذا كله جائز.
ـ لعن الكافر الذي لم يتحقق موته على الكفر فهذا ينظر فيه فإن كان غالب الظن أنه مات على الكفر فيلعن وتركه أولى وإن كان غالب الظن أننا لا ندري مات على الكفر أو مات على الإيمان فإننا نتوقف في لعنه.
ـ لعن الكافر المعين الحي يجوز أو لا يجوز؟
الله - جل وعلا - يقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ فجاء الله بقيد هنا هو (وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارُ) فمن لعن كافرا معيناً أبطل القيد القرآني، وهذا قول جماهير العلماء.
ونقل عن أبي بكر ابن العربي في كتابه أحكام القرآن القول بأنه يجوز لعن الكافر المعين ، لكن الأدلة التي قالها غير صحيحة أتى بحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعن عمرو ابن العاص أيام كفره لكن الحديث ضعيف جداً ولم يقل أحد بصحته، مادام قلنا إنه لا يجوز لعن الكافر المعين فمن باب أولى لا يجوز لعن المسلم العاصي المعين.
فالمؤمن ينبغي عليه أن يفر من اللعن قدر الإمكان فلا يعود نفسه على اللعن فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال كما في حديث أبي الدرداء وهو في صحيح سنن أبي داوود ( إن العبد إذا لعن تصعد اللعنة إلى السماء تُسد أمامها أبواب السماء ثم تُعاد إلى الأرض فلا تجد لها مساغا فتلتفت يميناً وشمالاً - كما قال  صلى الله عليه وسلم - ثم تذهب إلى من لُعن فإن كان أهلاً وإلا رجعت للذي لَعن) ويؤيده كذلك ما في سنن أبي داوود من حديث صحيح أن عبد الله ابن مسعود - الصحابي المعروف - كان صديقاً لرجل يقال له أبو عمير فذهب عبد الله ابن مسعود لزيارة أبي عمير فلم يجده فأدخلته أم عمير الدار، فبينما هو ينتظر صاحبه سمع امرأة أبي عمير تقول - بعد أن بعثت جارية - لعنها الله أبطأت علي، فخرج ابن مسعود من البيت وجلس خارج الباب ناحية عن البيت، فجاء أبو عمير فوجد ابن مسعود خارج الدار فقال : ما منعك أن تدخل بيت أخيك؟ قال: قد دخلت ولكني سمعت امرأتك تلعن جارية لها أبطأت عليها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن اللعنة إذا خرجت من فيّ - يعني فم - قائلها تذهب إلى من لُعن فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى من لَعن ) فقال ابن مسعود : فكرهت أن أكون بسبيل اللعنة - في طريق اللعنة -) أي : ما أحببت أن أجلس في البيت حتى لا تمرّ اللعنة.
 كذلك ثبت أن عبد الملك ابن مروان الخليفة الأموي المعروف استضاف أم الدرداء رضي الله عنها وأرضاها فسمعته في الليل وهو في قصره يلعن فلما أصبحت قالت له: إنني سمعتك تلعن بعض خدمك وإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ( لا يكون اللعانون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء) فاللعن لا يجوز أبداً أن يُكثر الإنسان منه. وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإكثار من اللعن سبب من أسباب دخول النار، قال عليه الصلاة والسلام (معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة جزلة قالت: بم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير) الشاهد: قوله - صلى الله عليه وسلم- (إنكن تكثرن اللعن).

(بِئْسَ الرِّفدُ الْمَرْفُودُ ) 
معنى الرفد: الإعانة، فيكون المعنى أي: بئس العون الذي قدموه لهم وأعانوهم به وذلك بأن أُتبعوا لعنة بعد لعنة.
_________________________
١- الاستغفار فوائد عظيمة ومعاني جليلة / الشيخ عبد الرحمن السحيم / باختصار
٢- تأملات تربوية في سورة هود / د. عثمان قدري مكانسي .
٣- عن محمد بن إسحاق قال : و شعيب بن ميكائيل النبي صلى الله عليه وسلم - بعثه الله نبيا فكان من خبره و خبر قومه ما ذكر الله في القرآن، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا ذكره قال : "ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه". رواه الحاكم في المستدرك (٢ / ٦٢٠) (٤٠٧١)


اقرأ المزيد...

الاثنين، 25 مايو 2026

الوقف والابتداء في سورة القيامة

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله و وصحبه أجمعين، أما بعد: 
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذه الفقرة المتعلقة بالوقف والابتداء في سورة القيامة.
عامة آيات سورة القيامة آيات قصيرة يُوقف على رؤوسها اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن توجد مواضع في غير رؤوس الآيات أتكلم عنها هنا، وكلها مواضع متعلقة بالوقف على (بلى)، و(كلا).
أولا: في الآية الرابعة هل يصح الوقف على قوله : (بلى) بعد أن قال سبحانه في الآية الثالثة: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) ثم قال : (بلى)، وقال بعدها : (قادرين على أن نسوي بنانه)؟
نص جماعة من علماء الوقف والابتداء على صحة الوقف هنا، وإذا تأملنا فإن قوله: (بلى) جواب على الاستفهام الوارد في الآية التي قبلها، ويكون الجواب قد تم بقوله : (بلى)، ثم قال سبحانه: (قادرين على أن نسوي بنانه)
 و (قادرين ) هنا إذا اعتبرناها من تتمة الجواب على السؤال، فإنه لا يصح الوقف على قوله : (بلى).
وإذا اعتبرناها جملة جديدة، واعتبرنا قوله: (قادرين) منصوبا بفعل محذوف تقديره: نقدر قادرين على أن نسوي بنانه، فإنه يصح الوقف هنا.
وهذه الجملة - أعني : (قادرين على أن نسوي بنانه) فيها إضافة على الجواب على السؤال، لأن السؤال: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) فأخبر الله أنه قادر على ما هو أدق من ذلك وهو تسوية البنان، فالوقف هنا له حظ من النظر. والله تعالى أعلم.
الآية الحادية عشرة: هل يصح الوقف على قوله : (كلا) في قوله : (كلا لا وزر )؟ وقد قال الله قبلها : (يقول الإنسان يومئذ أين المفر)، ثم قال: (كلا لا وزر). 
لا بد أن نعلم أولا أن (كلا) يصح الوقف عليها إذا كانت للردع والزجر عن كلام قبلها، فإن لم تكن كذلك بل كانت بمعنى (ألا) الاستفتاحية فإنه لا يُوقف عليها
 تأمل معي هنا، قال: (يقول الإنسان يومئذ) يعني: يوم القيامة، (أين المفر)، (كلا) أي: لا مفرّ لك، فبناءً على هذا يصح الوقف على قوله: (كلا) كما نص عليه بعض علماء الوقف والابتداء. والله تعالى أعلم.
الآية العشرون: (كلا بل تحبون العاجلة هل يصح الوقف على (كلا)؟ وقد قال الله قبلها: (ثم إن علينا بيانه)، والسؤال هنا: هل (كلا) هنا فيها ردع وزجر عن الكلام الذي قبلها ؟

الجواب: لا الله سبحانه وتعالى لا ينفي أن عليه بيانه - وحاشاه سبحانه وتعالى - فـ (كلا) هنا استفتاحية، فلا يصح الوقف عليها. والله تعالى أعلم.

الآية السادسة والعشرون: كلا إذا بلغت التراقي) هل يصح الوقف على (كلا) هنا ؟ وقد قال الله قبلها : تظنّ أن يُفعل بها فاقرة) يعني الوجوه الباسرة، وجوه الكفرة، ثم قال : (كلا) فهل الله سبحانه وتعالى ينفي أن يفعل بها فاقرة؟

الجواب: لا؛ وإنما (كلا) هنا بمعنى (ألا) الاستفتاحية، ألا إذا بلغت التراقي، واستفتح جملا جديدة فيما يتعلق بنزول الموت على الإنسان، فلا يصح الوقف على (كلا) هنا ايضا. والله تعالى أعلم.

بقي التنبيه على ما يتعلق بالسكت في الآية السابعة والعشرين
 في قوله تعالى: (وقيل من راق).
هنا سكتة على قوله : ( وقيل من) عند حفص، وهذه السكتة تكون سكتة لطيفة يسيرة بمقدار حركتين تقريبا بدون تنفس، وليست وقفا؛ وإنما المراد منها ألا تدغم النون الساكنة في الراء، فيتوهم من الآية معنى غير مراد، وذلك إذا قرأها فقال : ( وقيل مراق) فقد يتوهم أن المراد كثير المروق، ففصل حفص في قراءتها : (وقيل من راق)، أي من الذي يرقي هذا الذي بلغت روحه التراقي، هذه وجهة نظر حفص في السكت هنا.
وعامة القراء لم يسكتوا هنا، واعتبروا اللفظ واضحا غير موهم، والعبرة في القراءة ما جاء في الرواية، بمعنى: أن من يقرأ برواية حفص عن عاصم فإنه يقف هنا بناءً على الرواية، ولا يجتهد من عنده في ذلك.
 وأنبه هنا إلى خطأ شائع في السكتة هذه، وهي: أن بعضهم يقف عليها وقوفا طويلا، فيطيل الوقف أكثر من حركتين، وقد يتنفس، وهذا خطأ، بل المطلوب أن يسكت سكتة قصيرة بدون تنفس. والله تعالى أعلم. 
هذا آخر ما يتعلق بالوقف والابتداء في سورة القيامة. 
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما وعملا وهدى وتقى.
والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
‐-----------------------------------
د. أبصار الإسلام 


اقرأ المزيد...

السبت، 23 مايو 2026

تدبر سورة الحج / أصناف الناس والجدال في الله

 أصناف الناس والجدال في الله

 (وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ) هذا الصنف من الناس (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله) لأن القضية أصبحت جدال بالباطل. قضية البعث ليست المسألة لديه تصديق أو تكذيب هو يعلم هذه الحقيقة ولكنه يجادل بغير علم يبتعد عن هذه الحقيقة يتخذ كل الوسائل والسبل للتكذيب بها. 
هذا النوع من الناس اختار طريق الضلال والصد عن سبيل الله عز وجل يستخدم كل ما أوتي من قوة مادية، إعلامية، سياسية، لأجل الصد عن سبيل الله عز وجل. وتأملوا معي أيها الأخوة والأخوات كيف يجعل الله سبحانه وتعالى في آيات سورة الحج الإيمان بالبعث حقيقة واقعة. 
تأمل معي قول الله عز وجل (له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ) يجعل الإنسان يستشعر كل ما أقوم بعمل أي عمل من الأعمال صالحا أو غير ذلك، كل ما قمت بعمل علي أن أستحضر الجزاء قبل أن أقوم به علي أن أتوقف للحظة ما نتيجة العمل ما هي النتيجة التي سترتب على العمل الذي سأقوم به. 
هذا الإنسان الذي ضل عن سبيل الله وصد عن سبيله يتوعده ربنا عز وجل بخزي بفضيحة في الدنيا ربما تكون فضيحة مالية، ربما تكون أخلاقية، ربما تكون في سياسة، ربما تكون في أي شيء ولكن خزي، خزي ومذل ومهانة لماذا؟ الجزاء من جنس العمل، أراد صد وإضلال الآخرين عن طريق الله،عن الطريق الحق، لم يكتفِ فقط بإذلال نفسه، لم يكتفِ فقط بأن يكون هو مبتعدا عن خالقه سبحانه ولكنه أراد أن يردي الآخرين في هذا الطريق فكان الجزاء من نفس العمل (له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق).

وثمت صنف آخر من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة واقع عملية مطبقة في حياتهم. هذا الصنف من الناس قد يؤمن بالبعث ولكن العلاقة بين استحضار هذه الحقيقة فيها ضعف شديد فيها نوع من أنواع الخنوع أنواع الذل والخنوع للدنيا ولمطالبها كيف؟

العبادة على حرف والابتلاء
يقول الله سبحانه وتعالى واصفاً هذه الفئة من الناس (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين).
هذا النوع من الناس علاقته مع الله عز وجل علاقة قائمة على المنفعة، قائمة على المصلحة، يعبد الله طالما أن طاعة الله سبحانه وعبادة ربه عز وجل وتقربه من الله سبحانه يأتي له بالنفع، يأتي له بالمصالح الشخصية المنافع الدنيوية، قد يجد زيادة في رزقه، قد يجد بركة في ماله، في وقته، في أولاده، في صحته، قد يجد هذه الأمور، فكلما زاد له الله سبحانه من أمور الدنيا كلما ازداد تقرباً وصلاحاً وكلما ازداد التزاماً وكلما بدأت الدنيا ولو ببعض الشيء تبتعد عنه أو تمتنع عنه أو تأتيه أي نوع من أنواع الانتكاسات أو الابتلاءات أو الامتحانات التي يتعرض لها البشر بمختلف التزاماتهم، ليس بالضرورة فقط المؤمن، ما من بشر في هذه الدنيا إلا وهو معرض للابتلاء، المؤمن وغير المؤمن في ذلك سواء ولكن المؤمن يرجو عند الله ما لا يرجوه غيره من البشر.
هذا النوع من الناس إذا جاءه أي نوع من أنواع الابتلاءات بدأ يتذمر بدأ يتراجع في التزامه مع الله عز وجل بدأت ثقته بربه تضعف، بدل أن يحسن الظن بالله عز وجل يسيء الظن بخالقه يا رب أنا ازددت لك صلاة، أنا ذهبت إلى الحج، أنا ازددت في الاتزام فلماذا بدأت الابتلاءات تأتي على رأسي واحدة بعد الأخرى كلما ازددت التزاما وتقربا منك.
هذه النوع من المساءلة، هذه النوع من العلاقة مع الله شيء غير مشروع غير مقبول علاقتي برب عز وجل ينبغي أن تكون علاقة ثابتة علاقة مطلقة لا تهزها النوائب لا تغيرها المصائب أحبه في السراء وأحبه في الضراء أحبه في الرخاء وأحبه في الشدة أحبه في الصحة وأحبه في المرض أحبه إن أقبلت الدنيا علي وأحبه سبحانه إن أدبرت الدنيا علي، ليس المقياس لدي إقبال الدنيا أو إدبار الدنيا، المقياس الحقيقي عندي ثقتي ويقيني المطلقة بالله سبحانه وتعالى يقيني الذي لا يتزعزع، ثقتي المطلقة بخالقي سبحانه أنه حتى حين يمنع عني إنما منعه عطاء، منعه لأجلي، ابتلاؤه هو خير لي، قد لا أرى الحكمة من وراء هذا الابتلاء أو الامتحان، قد لا أرى الحكمة في الانتكاسة التي أصابتني في مالي أو في تجارتي أو في صحتي أو في أولادي ولكن قطعاً هناك حكمة ولذلك أمر المؤمن كله خير إن أصابتني السراء شكرت وحمدت وتقربت لله عز وجل وإن أصابتني الضراء صبرت فكان كذلك خير لي.
هذا النوع من العلاقة هو ما تريد آيات سورة الحج أن تبنيه في نفسي علاقة حسن الظن والثقة المطلقة بالله سبحانه، اليقين بأن الله سبحانه وتعالى لا يختار لعبده المؤمن المتقرب المقبل عليه إلا الخير في كل شيء قد لا تتضح لي الحكمة في الموقف الذي أصابني، في الابتلاء الذي أصابني، في الانتكاسة التي مرت بي، ولكن الحكمة موجودة عند الخالق سبحانه الذي كل شيء لديه بقدر سبحانه وتعالى.
الجزاء قد لا أخذه في الدنيا ولكني قطعا أؤمن بالبعث وأؤمن بيوم الدين وبالتالي إيماني بالجزاء إيماني بكل هذا إيماني بنتيجة العمل الذي أقوم به قطعا هي واقع في نفسي هذا الوقوع وهذا الإحساس وهذا الاستحضار العظيم ليوم البعث يولد طاقة هائلة عند الإنسان، طاقة إحسان الظن بخالقه عز وجل، ولذا كان حسن الظن بالله سبحانه من حسن العبادة، ولذا ربنا عز وجل يقول في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي) ولذا القرطبي لديه كلام جميل في تعليقه على هذا الحديث يقول: "ظُن الإجابة عندما تدعو الله سبحانه وتتوجه إليه، وظُن القبول عندما تطلب المغفرة منه، وظن التوبة عندما تتوب وتأوب إلى خالقك" سبحانه علي أن أغلب في حياتي حسن الظن بالله سبحانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. رقية العلواني


اقرأ المزيد...

الثلاثاء، 19 مايو 2026

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

ولكن قبل أن نستمر في تدبر آيات سورة الحج، لنا أن نتساءل: يا ترى لماذا جاءت سورة الحج بهذه البداية العظيمة، والحديث المتواصل القوي الحاضر عن قضية البعث؟ لماذا؟ ما العلاقة بين الإيمان بالبعث، وبين الحديث عن الحج؟ ما العلاقة بين هذه البداية المركزة التي تركز في نفس الإنسان الإيمان بالبعث، والكلام عن الحج؟ السورة تتحدث عن الحج، وسيأتي الحديث عن الحج، فلماذا الكلام في البداية عن البعث؟ سبحان الله العظيم، هذا القرآن العظيم، كما ذكرنا قبل قليل، معجز في كل شيء، معجز في تناسب الآيات والسور، معجز في ترتيب الآيات في السورة الواحدة، معجز في تقديم الأمثال، معجز في كل شيء. يا سبحان الله.

من أراد أن ينظر إلى منظر مصغر ليوم البعث، وليوم القيامة، فليتدبر الحج. من أراد أن يرى مواقف وأهوال يوم القيامة بصورة مصغرة مبسطة بطبيعة الحال فليذهب إلى الحج. كيف؟ مواقف يوم القيامة، مواقف الحشر، وقوف الناس، ازدحام الناس، ما يظهر عليهم من آثار السهر، والتعب الشديد، والنصب، مظاهر كلها أريد لها أن تجعل الإنسان يقترب قليلاً، بعض الشيء، من مواقف الحج. الحر الشديد، الزحام الخانق، الانتظار الطويل، حال البشر وهم يجتمعون في حالة انكسار، وذل، وخضوع، وتضرع بين يدي الله سبحانه. اللباس البسيط الذي يلبسه كل الحجيج، دون طبقية، دون فرق بين عزيز أو ذليل، دون فرق بين غني أو فقير، دون طبقية على الإطلاق، دون فرق بين أسود أو أبيض. الكل يلهج بالدعاء، والتضرع، والخشوع، والانكسار، والذل لله سبحانه وتعالى، للواحد، للملك. يقفون على هذه المواقف والمشاعر، يطلبون شيئاً واحداً، الكل يشتركون في طلب شيء واحد، تركوا من ورائهم الدنيا، تركوا الأعمال، تركوا المناصب، تركوا الأهل، تركوا الأولاد، تركوا كل شيء، وجاءوا لله الواحد القهار، يسألونه صفحاً، عفوًا، مغفرةً، رحمةً من عنده. هذه المواقف العظيمة تذكر بشيء واحد، تذكر بمواقف يوم القيامة، مع فارق واحد، أني حين أقف في الحج في المشاعر المقدسة، على جبل عرفة، على منى، على مزدلفة، حين أقف تلك المواقف، أنا لا زلت في دار العمل، لا زلت فيها، والحج عمل، ومن أعظم العمل، أما يوم القيامة فسأقف مواقف الذل، والتضرع، والخضوع، والترقب، والتوجس، ولا يمكن أن يكون بين يدي عمل آخر أستطيع أن أقدمه. فالآخرة، ومواقف يوم القيامة، دار جزاء لا دار عمل. انظر إلى الفارق، وانظر إلى الربط العظيم الذي ينبغي أن يستحضره كل من يقف في مواقف الحج العظيمة. كل من يقف على جبل عرفة عليه أن يتذكر ذلك الموقف المهيب الذي سيأتي لا محالة. كل من يقف وينفر من منى إلى عرفة، إلى مزدلفة، عليه أن يتذكر تلك المواقف العظيمة، عليه أن يتذكر تنقله بين مواقف وأرصات يوم القيامة، عليه أن يتذكر الحالة التي سيكون عليها، وعليه أن لا ينسى أبداً أنه اليوم لا يزال في رحمة من الله سبحانه، هو لا يزال في دار العمل، فليقدم بين يدي الله سبحانه من الأعمال ما يستطيع أن يقدمه قبل فوات الأوان.

 الإيمان بالبعث والتقوى في سورة الحج

الإيمان بالبعث يبقى دائما حاضر في سورة الحج ليؤكد على معاني التقوى ليكون هو الدافع الرئيس للإنسان للعمل للتزود بزاد الدنيا إلى زاد الآخرة للتزود بالأعمال الصالحة للقيام بكل ما يمكنه أن يقوم به ويتزود به من عمل في هذه الدنيا قبل فوات الأوان. 

تأتي آيات الحج بعد هذا المقطع العظيم لتؤكد على نفس الحقيقة التي ابتدأت بها وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. القضية حقيقة ولكن ليست المسألة في وقوع هذه الحقيقة التي ستقع لمحال دون شك أو ريب. الإشكالية في بعض الناس في أصناف من الناس الإيمان بالبعث لديهم فيها شك فيها جدال فيها عدم استحضار لهذه الحقيقة استحضاراً يدفع بهم إلى العمل وإلى التضحية وإلى تقديم كل غالي ونفيس في سبيل العمل الصالح في سبيل نيل رضا الله سبحانه وتعالى. وانظر معي إلى قول الله عز وجل في الآيات التي تليها وهو يقسم أنواع من البشر أنواع من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة حاضرة في حياتهم. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تدبر سورة الحج / د. رقية العلواني

اقرأ المزيد...

تدبر سورة الحج / أهمية الإيمان بالبعث

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فضل سورة الحج
اليوم حديثنا عن سورة الحج، هذه السورة العظيمة التي عدها المفسرون من أعاجيب السور. نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً. منها ما نزل في مكة، ومنها ما نزل في المدينة. منها ما نزل عليه وهو في حال السلم، ومنها ما نزل عليه وهو في حال الحرب. وهي السورة الوحيدة التي اتخذت اسم ركن من أركان الإسلام، فلا سورة للصلاة، ولا سورة للصيام، ولا للزكاة، ولكن هناك سورة الحج.هذه السورة العظيمة التي اتخذت اسم ركن الحج العظيم، جاءت وهي تحمل في معانيها وبين آياتها مقصداً أساسياً رئيساً في حياة المؤمن. هذا المقصد يدور حول التقوى، يدور حول تنمية القلب المخبت الخاضع الخاشع لربه سبحانه وتعالى. السورة بأكملها، منذ أول آية حتى آخر آية، بكل ما جاءت في السورة من أحكام، ومن أركان، ومن آيات عظام، جاءت تمشي مع الإنسان خطوة خطوة نحو تنمية التقوى، نحو الترقي به في سلم التقوى. فالتقوى درجات، والتقوى بناء، نحو تنمية القلب الخاضع الخاشع لربه سبحانه درجة درجة.
أهمية الإيمان بالبعث:
 العجيب في هذه السورة، ولذلك هي عدت من أعاجيب السور، أنها ابتدأت بقضية يهيئ لقارئها في البداية أنها لا علاقة مباشرة تربط بينها وبين ركن الحج الذي جاءت السورة على اسمه. السورة في أول آياتها تخاطب الناس أجمعين، لا تخاطب المؤمنين فحسب، على الرغم من أننا نعلم جميعاً أن ركن الحج خوطب به الناس جميعاً، ولكنه فرض على المؤمن. بدأت السورة بقول الله عز وجل: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم.
 أول خطاب يخاطب به الله سبحانه وتعالى في السورة البشرية جمعاء هو خطاب التقوى، الأمر بالتقوى، الوصية بالتقوى (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) القيامة، ذلك اليوم الذي قد يستبعده كثير من الناس، قد لا يرون صورته أمام أعينهم وهم يسيرون في دروب الحياة، ولكنه واقع لا محالة. وتأملوا معي قول الله عز وجل في الآية الثانية: (يوم ترونها) المسألة مسألة منتهية، المسألة من المسلمات، المسألة قادمة قطعا ولذا جاءت الكلمة: (يوم ترونها) ترون آيات يوم القيامة، ترون الساعة، ترون أهوال هذا اليوم العظيم. (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ) لو أردنا أن نبحث عن أي كلمات، عن أي أوصاف تصف وتقرب أهوال يوم القيامة للبشر، لا يمكن أن نأتي بمثل هذه الآية العظيمة. يا سبحان الله، هذا الكتاب العظيم معجز في وصفه، معجز بكلماته، بحروفه، بكل شيء فيه. ولا عجب، فهو من رب العالمين سبحانه.
الآية وصفت أن ما يأتي في يوم القيامة من مواقف، من شدائد، من أهوال، من صعاب، يجعل حتى المرضع، التي هي أشد ما تكون التصاقاً ومحبة برضيعها، تصاب حالة من الذهول، حالة من العجب، حالة من الحزن والكرب الشديد، يجعلها لا تلتفت إلى هذا الرضيع الذي هي في الحالة المعتادة أشد ما تكون التصاقاً به. وتضع كل ذات حمل حملها من شدة الأهوال. وترى الناس جميعاً في حالة من الذهول والكرب والحزن الشديد، ما يجعلهم في حالة أقرب من السكر إلى أي شيء آخر. السكر بمعنى غياب العقل، بمعنى الذهول، بمعنى عدم الإدراك لما يدور حولهم نتيجة للأهوال الشديدة، نتيجة لما يحدث أمام أعينهم في ذلك اليوم الشديد العظيم. ولكن عذاب الله شديد.
إذن يا رب، هذا اليوم العظيم، ما الذي يمكن أن أقدمه بين يدي وأنا الآن أستحضر هذا اليوم ولكني لازلت في دار العمل، ما الذي أفعله؟ كيف يمكن أن أخلص نفسي من أهوال ذلك اليوم العظيم؟ كيف أستطيع، وأنا اليوم في دار العمل في الدنيا، أن أقدم بين يدي ذلك اليوم أعمالاً وصفات تقربني إليك أنت تنجيني من ذلك اليوم العظيم؟

الآيات التي بعد هذه الآية مباشرة أتت لتقسم الناس إلى أنواع وأصناف. على الرغم من أن قضية البعث وقضية يوم القيامة قضية محسومة تماماً، لا جدال فيها، على الرغم من كل ذلك، إلا أن هناك صنف من البشر يجادل ويحاجج بغير الحق في وقوع ذلك اليوم العظيم. لماذا يجادل يا رب؟ يجادل بغير علم، ليس لديه علم، ليس لديه حجة قوية، ليس لديه دليل على ما يتوهم من عدم وقوع ذلك اليوم العظيم، ويتبع كل شيطان مريد، اتباع الهوى، اتباع الشيطان الذي يدلي للإنسان بغرور، ويمنيه، ويعده، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. يعد الإنسان بأن يوم البعث لا يمكن أن يأتي، يعد الإنسان بأنه ليس هناك حياة بعد الموت، يعد الإنسان بأنه من المستبعد تماماً أن تعود الحياة من جديد للإنسان بعد موته.

قضية في غاية الخطورة، ولذا كان الإيمان بالبعث قضية محورية. الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الواحد منا أبداً إلا بالإيمان بالبعث. لماذا يا رب الإيمان بالبعث؟ ولماذا كان الإيمان بالبعث على هذه الدرجة من الأهمية؟ الإيمان بالبعث قضية مصيرية، قضية تعتمد عليها كل الأعمال التي يقوم بها الإنسان في الحياة الدنيا في دار العمل. الحياة، أنا لا أستطيع أن أعيش وأقدم العمل الصالح الطيب الخير، وقد لا أجد ثمر له في الدنيا، دون أن يكون لدي رصيد كافي ويقين من الإيمان بالبعث.

ودعونا نقف عند مثال واحد فقط، من منا في الحياة التي نعيشها اليوم في حاضرنا، من منا لم تمر عليه ساءة استشعر فيها موقفاً قد وقع عليه فيه ظلم، موقفاً قد بخس فيه حقه، موقفاً نال منه شخص من الناس من البشر بغير حق، وشعر بمعنى الظلم حقيقة؟ من منا لم يشعر في لحظات في حياته أنه لا بد أن تكون هناك محكمة عادلة، محكمة لا تقوم على أساس اختبارات البشر، ولا على أساس أحكام البشر، ولا على تصوراته؟ من منا لم تمر عليه لحظة من لحظات الدنيا لم يستشعر بحاجته إلى عدالة السماء، لم يستشعر بأن هذه الأرض التي نعيش على ظهرها ينقصها عدالة وعدل حقيقي، عدل غير خاضع لأهواء البشر، عدل غير خاضع لمصالحهم، عدل مطلق وليس عدلاً نسبياً؟ من منا لم تمر عليه هذه اللحظات؟

الإيمان بالبعث، هذا الركن العظيم، هو الذي يجعل هذه الأحاسيس وهذه المشاعر تقف عند الحد الذي ينبغي أن تقف عنده. بمعنى آخر، أني حتى حين يقع علي ظلم، ولا أستطيع أن أرده لسبب أو لآخر، أشعر بأن هناك عدالة، وبأن هناك جزاء، وبأن هناك محكمة ستأتي لا محالة، محكمة يوم القيامة. من منا لم يستشعر بالحاجة إلى عدالة الله المطلقة؟ من منا لم يستشعر بالحاجة إلى الله سبحانه وتعالى الحكم العدل الذي لا يماري ولا يداهن أحداً من خلقه؟ من منا لم يقل في يوم من الأيام بصدق، وبحاجة، وبخشوع، وتضرع: يا رب خذ لي الحق الذي قد انتُهب أو اختُلس مني؟ من منا لم يشعر بهذه الحاجة؟ الإيمان بالبعث يخفف وطأة وقائع الحياة وما يدور حولنا من أحداث على نفوسنا، على قلوبنا، يشعرنا بحقيقة قد نغفل عنها أحياناً، أن هذه الدنيا التي نعيش فيها هي دار عمل، هي ليست دار جزاء. أنا قد أعمل أعمالاً صالحة عظيمة وكبيرة، ولكني لا أجد ثمر لهذا العمل لسبب أو لآخر. أنا قد أقوم بكل ما أستطيع أن أقوم به كبشر، ولكن لا ثمر لعملي، لا أجد من أهلي، ومن أقاربي، ومن مكان العمل الذي أعمل فيه، والمجتمع الذي أعيش فيه، لا أجد منهم الجزاء الأوفى. من الذي سيجازيني؟ من الذي سيعطيني؟ من الذي سيكافئني؟ الله سبحانه وتعالى. متى سيكون هذا؟ ليس فقط في الدنيا، قد لا أجد الجزاء، ولكن الذي يوفي الجزاء الأوفى هو الحق سبحانه وتعالى.

ولذا جاءت الآيات في أوائل سورة الفاتحة، أول سورة في القرآن: (مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ) يوم الجزاء، يوم الحساب، يوم المصير، يوم المكافأة لمن لم يجد من يكافئه في الدنيا. يوم الجزاء الأوفى لمن ظُلم ووقع عليه الظلم، ولم يجد في محاكم البشر، ولا في محاكم الدنيا من ينصفه. يوم الجزاء هو يوم الراحة والهناء للمؤمن، وللإنسان الصادق المخلص الوفي في عمله، الذي نال في الدنيا ما نال. لا يتم إيمان الإنسان إلا به، ومع ذلك يجادل فيه من يجادل تكبراً، وعناداً، واستبعاداً، وإصراراً، وربما رغبة في الخلاص من العقوبة، رغبة في الخلاص من الحساب. الإنسان حين يعيش دون أن يستشعر أن هناك رقيب عليه، أن هناك حساب، سيقف بين يدي الله سبحانه ويحاسبه على الكلمة، وعلى التصرف، وعلى الفعل، وعلى الدرهم، وعلى الدينار، لماذا فعلت؟ وكيف فعلت؟ ومن أين أتيت؟ حين يشعر بأنه بعيد عن كل هذه القيود، وأنه طليق في تصوره، وفي أوهامه التي ينسجها له شياطين الجن والإنس، حين يشعر بالبعد والانفصال عن كل هذه الأنواع من الرقابات، قد تسول له نفسه أن يعبث في الأرض بما يشاء من أنواع الفساد، من أنواع التخريب، من أنواع الظلم، والاعتداء على حقوق الآخرين. ما الذي يردعه؟ يوم البعث، يوم الجزاء، يوم العدل، يوم الإنصاف، يوم الحساب.

تقدم آيات سورة الحج، وتبني في نفس الإنسان بشكل عام، في نفوس كل الناس، ولذا جاء الخطاب في أول آية، وفي آيات ستأتي فيها في مواضع في سورة الحج: (يا أيها الناس) الخطاب لكل الناس. وانظر إلى الآية التي تليها، الآية الخامسة، وهي تناقش الإنسان المتكبر المتجبر الذي يجادل في الله بغير علم، تناقشه إن كان يملك بقية من منطق، ومن عقل، ومن إحساس، تناقشه بمنطق العقل، تناقشه بمنطق الحجة، بمنطق الحس الذي يؤمن به، وليس بمنطق الغيب الذي يؤمن به المؤمن فحسب.

تأتي الآية الخامسة فتقول في سورة الحج: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم) تقدم سورة الحج في هذه الآية صورة مجسدة مقربة، تقرب للإنسان، كيف تجادل في وقوع يوم البعث؟ كيف تجادل في قدرة الله عز وجل على إحياء الناس بعد الموت؟ كيف تجادل؟ كيف تجادل في قدرة الخالق سبحانه على أن يعيد الناس إلى الحياة من جديد بعد أن يصبحوا ويتحولوا إلى تراب؟ كيف تجادل؟ كيف تجادل، وأصل الخلق، الذي هو أصعب وأشد بمنطق العقل، كيف تجادل؟ والله سبحانه قد خلقك في الأصل من تراب، خلق آدم من تراب. كيف تجادل، وأنت ترى الإنسان الجنين؟ كيف ينمو، خاصة بعد أن كشف العلم الحديث أطوار نمو هذا الجنين، ولم يخرج على الإطلاق، ولا بقدر شعرة، عما وصفه الآية العظيمة هذه، الآية في سورة الحج. علماء الأجنة، الأطباء، كل ما توصلت إليه الدراسات الحديثة التي قاموا بها لم تخرج عن التوصيف العميق الدقيق الذي جاء من رب العباد سبحانه. هذه هي الأطوار التي يمر بها الجنين، وصفها القرآن، قدمتها الآية. كيف تجادل إذن؟ كيف أجادل في شيء، علام الغيب الذي قدر سبحانه، واستطاع بقدرته المطلقة أن يخلق الإنسان من تراب، ويمرر به هذه الأطوار العجيبة العظيمة، النطفة، العلقة، المضغة المخلقة وغير المخلقة، ثم تستقر في الرحم، ثم تعود إلى الحياة وتنزل بعد ذلك، ثم نخرجكم طفلاً، ثم تمر بمراحل عديدة ليبلغ الإنسان إلى مرحلة القوة والشباب، ثم بعد ذلك يبدأ بمرحلة النزول، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً. من الذي خلقها؟ من الذي سواها؟ من القادر سبحانه وحده دون سواه أن يغير من نطفة إلى علقة؟ من الذي يستطيع وحده دون سواه أن يغير من العلقة إلى المضغة؟ من؟ من؟ من يملك كل هذه القدرة المطلقة حتى يستطيع أن يجادل بعد ذلك؟ ويقول ويزعم أن الله سبحانه غير قادر على أن يعيد الإنسان إلى الحياة من جديد بعد أن يصيره إلى التراب؟ هذه الصورة الأولى في الآية الخامسة.

وتقدم الآية العظيمة صورة أخرى للإنسان، صورة تهز الإنسان من أعماقه من جديد، تدق له كل حياته أجراس الإنذار، لتوقظه من سباته العميق، لتشعره بأن يوم القيامة مهما حاولت الهروب منه، مهما حاولت من الجزاء أن تهرب من الجزاء، مهما حاولت أن تهرب من تلك المحكمة التي ستأتي لا محالة، لا تستطيع الهروب. الصورة الثانية تتعلق أيضاً بصورة حسية نراها أمام أعيننا ليل نهار. وانظر إلى قول الله عز وجل، وإعجاز القرآن في الكلمة: (وترى الأرض) أمر محسوس، أمر نبصره بأعيننا، أمر نعاينه كل يوم، كل ليلة (وترى الأرض هامدة) خامدة في حالة موت، (هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء) من الذي ينزل الماء؟ الله سبحانه وتعالى، (اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. -سبحان الله العظيم- آية في غاية الإعجاز والعظمة كل ما نحتاج إليه لاستشعار عظمة هذه الآية أن أنظر في الواقع الذي أعيش، أن أتدبر في الكون الذي حولي، الذي ينطق بقدرة الله سبحانه المطلقة من الذي يحيي الأرض بعد موتها؟ أليس هو الله سبحانه؟ من الذي يعيد الحياة إلى الأرض الميتة، بعد أن قد جفت وانتهت كل أشكال الحياة فيها؟ لا نبات ولا حياة على الإطلاق؟ يُنزل الله سبحانه وتعالى الماء بقدرته على هذه الأرض الميتة فيحييها من جديد، لينبت فيها سبحانه وتعالى كل أنواع النبات (من كل زوج بهيج)، من الذي أحياها؟ من الذي بث فيها الروح من جديد؟ أليس هو الله سبحانه؟ أليس هو القادر على أن يحيي الموتى كما يحيي هذه الأرض؟ يا سبحان الله، بجد هذه الآية العظيمة لوحدها، إذا تدبرت فيها، وربطت بين ما أراه في الكون، وبين كلمات الآية، وبين حروفها، يبدأ الإنسان بالانقياد، يبدأ الإنسان يتخلى عن كبريائه، يتخلى عن عناده، يتخلى عن إصراره الكاذب، عن إصراره، وعناده، وجداله بغير علم بقدرة الله سبحانه وتعالى على الإعادة إلى الحياة بعد الموت.

ولذا تأتي الآية التي تليها بقول الله عز وجل: (ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ) انظر إلى عظمة الآية، الحق هو الله سبحانه، الحق هو الله وحده لا شريك له، قادر على كل شيء، وليس فقط على إعادة الناس إلى الحياة بعد الموت (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) الآن وبعد أن قدمت، وتم البناء في نفس الإنسان غير المكابر، غير المعاند، بعد أن تم بناء الإيمان بالبعث، والإيمان بأن هناك يوم قادم لا محالة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسب ويجازي، وهناك محكمة عادلة تحاسب الناس على أعمالهم، وسلوكياتهم، وتصرفاتهم اعمل ما شئت في الدنيا، ولكن ضع أمام عينيك أنك ستحاسب على كل ما تقوم به. هذه الحقيقة الحاضرة الغائبة عن أذهان كثير من الناس تبنيها سورة الحج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. رقية العلواني
اقرأ المزيد...

الأحد، 17 مايو 2026

تدارس سورة السجدة (٢٣- ٣٠)

(وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ (23) وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ (24))
 
غريب القرآن
مرية = شك
من لقائه = لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء

(وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ (23))
مناسبة هذه الآية للآيات التي قبلها: قال بعض أهل العلم لما ذكر الله سبحانه وتعالى إعراض المشركين عن آيات الله سبحانه وتعالى في قوله سبحانه وتعالى (وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ) ذكر تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في حال إعراض قومه عنه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لقي ما لقي من قومه فإنه ليس ببدع من الرسل بل هو عليه الصلاة والسلام رسول قد خلت من قبله الرسل، ووجدوا من أقوامهم ما وجدوا، ومن أشد الأنبياء ابتلاء في قومه هو موسى عليه السلام ولذلك جاء الحديث هنا عن موسى عليه السلام فقال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ) 
قال بعض أهل العلم: لماذا جاء الحديث عن موسى عليه السلام مع أنه قد سبقه أنبياء كثير وعلى رأسهم إبراهيم عليه السلام وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته؟ قال بعضهم إنما خص موسى عليه السلام بالذكر أولا لقرب منزلته وزمنه من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قد يقول قائل عيسى هو أقرب الأنبياء زمنا للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن قال بعض أهل العلم شريعة عيسى عليه السلام تابعة لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، الأمر الثاني: موسى عليه السلام قد لقي من قومه ما لقي من الأذى، فإن موسى عليه السلام قد لقي من قومه الذين بُعث إليهم - من قوم فرعون - من الأذى ما الله به عليم، ثم لقي من قومه - بني إسرائيل - الذين آمنوا به أذى كثيرا ولذلك جاء الحديث في قوله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا مُوسَى فبرأه الله مما قالوا)، وأيضا كثيرا ما يقرن الله سبحانه وتعالى بين الكتاب - أي التوراة - والقرآن، كثيرا ما يقرِن الله عز وجل بينهما، لأن هذه الكتب قد أُنزلت على أقوام هؤلاء الأقوام كان فيهم من الكبر والاستكبار والاستنكاف عن اتباع الرسل.
قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ) الكتاب المراد به التوراة وقيل جنس الكتب.

/ قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ) في قوله (فلا تكن) من المخاطب؟ هل المخاطب موسى عليه السلام أو المخاطب النبي عليه الصلاة والسلام؟
 قولان لأهل العلم - وهذه الأقوال سينبني عليها الخلاف في قوله (لقائه):
 القول الأول: قالوا المخاطب هو موسى عليه السلام في قوله (فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ) إذا كيف سيكون تقدير الآية؟ قالوا ولقد اتينا موسى الكتاب قائلين له لا تكن في مرية من لقائه، ومعنى مرية المرية هي الشك والتردد في الأمر.
القول الثاني: قالوا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: فلا تكن يا محمد في مرية من لقائه.

 ثم اختلف المفسرون رحمهم الله في عود الضمير في قوله (لقائه) فلا تكن في مرية يا محمد من لقاء ماذا؟ على أقوال:
 القول الأول: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى عليه السلام ليلة الإسراء، والقائلون بهذا القول يرون أن هذه الآيات نزلت قبل حادثة الإسراء والمعراج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد التقى بموسى عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج وسلم عليه ودار بينهما حديث، وهذا مشهور معروف في حديث الإسراء.
القول الثاني: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى ربه تبارك وتعالى. وهذا جاء في سورة الأعراف في قوله سبحانه (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا.. ) الآيات
القول الثالث: قالوا فلا تكن يا محمد في شك من لقاء الأذى، يعود الضمير على الأذى فلا تكن يا محمد في شك من لقاء الأذى كما لقي موسى عليه السلام الأذى.
القول الرابع: فلا تكن يا محمد في شك من تلقي موسى الكتاب في قوله (ولقد اتينا موسى الكتب)

 ما هو سبب الخلاف الذي جعل المفسرين يختلفون؟ 
هذا يسمى عندنا في عود الضمير يسمى من الألفاظ المتواطئة يعني تحتمل هذا وتحتمل هذا، الضمير يحتمل هذا ويحتمل هذا وبناء على ذلك سيكون الحديث بعده، فأنت إذا مثلا اخترت قولا من الأقوال لابد أن تنظم الآية على هذا القول حتى يستقيم لك المعنى.

قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ) جعلنا ماذا؟
 اختلف العلماء في مرجع الضمير في قوله (وجعلناه) هل يعود إلى الكتاب في قوله (ولقد آتينا موسى الكتب) أو يعود إلى موسى عليه السلام؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: قالوا: الضمير يعود إلى الكتاب أي ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلنا الكتاب هدى لبني اسرائيل. القول الثاني: قالوا: أنه الضمير يعود على موسى أي فلا تكن في مرية من لقاء موسى وجعلنا موسى هدى لبني اسرائيل.
 يعني جعلنا موسى هدى أي مرشدا ودليلا لبني اسرائيل للحق، هذا معنى لو قلنا أن (وجعلناه) الضمير يعود إلى موسى (وجعلناه هدى) أي دليلا ومرشدا لبني إسرائيل للحق. أي القولين أصوب؟ الآية تحتمل الإثنين، ولكن بناء على ترتيب الأقوال تستطيع أن تختار القول الذي يناسب القول الذي اخترته في قوله (فلا تكن في مرية من لقائه).
قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ) أي وجعلنا موسى أو وجعلنا الكتاب (هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) وهذا جاء في سورة غافر في قول الله سبحانه وتعالى (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب* هدى وذكرى لأولي الألباب) .
قال الله عز وجل (وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ) يعني جعلنا موسى أو وجعلنا الكتاب هدى لبني اسرائيل لماذا خُص بنو إسرائيل؟ قال بعض أهل العلم: لأنهم هم المنتفعون من هذا الكتاب والكتاب هو الذي تنزل إليهم، أو أن المتعبدون بالكتاب الذي هو التوراة هم بنو إسرائيل الذين بُعث فيهم موسى عليه السلام.

/ (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ (24)) 
 ( لَمَّا صَبَرُوا ) الضمير يعود إلى من؟ قيل أنه يعود إلى بني اسرائيل هذا احتمال، والاحتمال الثاني: قال بعضهم هو يعود إلى أنبياء بني إسرائيل. قال (وجعلنا منهم) أي من بني إسرائيل (أئمة) قبل أنبياء وقيل أئمة أي قادة في الخير لأن النبوة أصبحت تتابع في بني إسرائيل فكثُر فيهم الأنبياء، (وجعلنا منهم أئمة) أي قادة في الخير يهدون بأمرنا، والسبب الذي جعل بعض المفسرين يقول أنهم هم الأنبياء هو قوله (يهدون بأمرنا) يعني بوحينا.
قال (وجعلنا منهم) أي من بني إسرائيل (أئمة) أي قادة في الخير يقتدى بهم (يهدون بأمرنا) يعني يدعون الناس ويرشدونهم إلى الحق (بأمرنا) أي بأمر الله تعالى لهم أو لأجل أمرنا، ثم اختُلف في الأمر هنا في قوله (بأمرنا) هل المراد به الأمر الشرعي أو المراد به الأمر الكوني القدري؟ قولان للمفسرين:
 القول الأول: قالوا: المراد به الأمر الكوني القدري، يصبح تقدير الآية (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) يعني بتقديرنا وبقدرنا، هذا إذا حملنا الأمر على الأمر الكوني القدري.
 القول الثاني: قالوا المراد به الأمر الشرعي يعني (يهدون بأمرنا) أي يهدون الناس إلى دين الله عز وجل.
 قال بعض أهل العلم والأمر يحتمل الأمرين.

/ قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) وهذا فيه دليل على أن الأئمة الذين يُتبَعون هم يُتبَعون على الهداية وليس على آرائهم، فسبب اتباع الناس لهم هو بسبب اهتدائهم وليس بسبب آرائهم، وهذا يقود الإنسان إلى أنه لا يقلد أحدا إلا لأجل أنه متمسك بالحق ، ويقول الحق ويهدي إلى الحق ، أما أن يتبع الإنسان من يقلد من شاء لأجل آرائه فهذا غير سديد فلا يعلق الإنسان دينه بآراء الرجال بل يتبع المتبعين للحق والذين يقولون الحق بدليله.

/ قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)
 قال بعض أهل العلم: (لما صبروا) أي: حين صبروا على طاعتنا، وفي قراءة ولكنها قراءة شاذة (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لِما صبروا) يعني لأجل صبرهم، قال (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) صبروا على ماذا؟ يحتمل أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله عز وجل ، والصبر عن معصية الله عز وجل، والصبر على أقدار الله المؤلمة والتي يدخل فيها ما يجدونه من أذية أقوامهم وتعنتهم، وما يجدونه على طريق الدعوة إلى آخره، والأذى في سبيل الله، كلها داخلة في قوله (لما صبروا).
 قال بعض أهل العلم: أنهم لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء، هذا الجزاء من جنس العمل بقدر ما يقدم الإنسان لدينه بقدر ما يكون إماما في دينه يقتدي به الناس، الذي يصبر على أذى الناس ويصبر على تبليغ العلم لهم، ودعوتهم يكون إماما في الدين بقدر صبره.

/ قال سبحان تعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا) 
 إلى من يعود الضمير في قوله (وكانوا)؟ الضمير يعود إلى الأئمة في قوله (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا) أي وكان أولئك الأئمة بآياتنا يوقنون أي لا يشكون في هذه الآيات، ولا فيما دلت عليه من الحق، بخلاف الفاسقين الذين مرّ الحديث عنهم في الآيات السابقة، والذين أعرضوا عن هذه الآيات استكبارا وتعنتا في قوله (ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه ثم أعرض عنها، فهذا الفريق قادة الخير وأئمة الهدى لا يشكّون في هذه الآيات ولا فيما دلت عليه من الحق.
في قوله (وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) ما المراد بالآيات؟ هل يُراد بها الآيات الشرعية أو يراد بها الآيات الكونية؟ 
ج: كلاهما يراد بها الآيات الشرعية والآيات الكونية.
 في الآية تقديم وتأخير في قوله (وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) كيف سيكون ترتيب النظم في هذه الجملة؟ التقدير: وكانوا يوقنون بآياتنا، فلماذا قدم الآيات على قوله (يوقنون)؟ للاهتمام بهذه الآيات في قوله (وكانوا بآياتنا يوفتون).

/ قال سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ) قال بعض أهل العلم - وهذا من باب الفائدة - بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين، أي لا يكون الإنسان إماما في دين الله عز وجل بحيث يقتدي به الناس ويهتدون به في سيرهم إلى الله عز وجل إلا أن يكون قد حمل الركنين وهما اليقين والصبر، ولذلك قال بعض أهل العلم نصف الإيمان يقين ونصفه صبر، ولذلك الإنسان محتاج إلى الصبر وإلى اليقين، لماذا؟ لأنه إذا لم يصير فإنه نتيجة لذلك لن يوقن، أليس كذلك؟ كيف يستطيع أن يوقن بهذه الآيات وهو ما عنده صبر، قد يتزعزع، لذلك قال بعض أهل العلم: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين"، وقال بعضهم: "الطريق إلى الله سبحانه وتعالى إنما يعمره أهل اليقين والصبر لأن الإنسان قد يسبب الضغط الذي يحصل عليه من الأذى قد لا يصبر ويجزع، وتأتيه الشكوك يمنة ويسرة، ولذلك قال بعض أهل العلم: "الشهوات تُدفع بالصبر والشبهات والشكوك باليقين".

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (25))
قال الله سبحانه وتعالى (وجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِايْتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ)
  لمن الخطاب في قوله (إن ربك هو)؟ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا جيء بلفظ الربوبية في قوله (إن ربك)؟ وهذه فائدة أنكم تتبعون لفظ الربوبية في هذه السورة وسياقاتها فإن في سياقاتها معنى عظيم، الربوبية التربية الخاصة لأن الربوبية نوعان: ربوبية عامة، والربوبية الخاصة، ولكن فيه فائدة وهي: أن الله سبحانه وتعالى يتولى شأن من يدعو الناس إلى الخير ومن يهديهم إلى الله عز وجل فيرعاه ويحفظه ويحوطه وبيسر له الخير ويحميه ويحفظه فلذلك قيل في الآية (إن ربك) حتى يكون الإنسان مطمئن في سيره إلى الله عز وجل لأنه قد يُلقى عليه من الشبهات أنه كيف وأنت على سبيل الحق تؤذى بهذه الطريقة!! فالله سبحانه وتعالى ينزل على أهل الصلاح وأهل الخير من الصبر أضعاف ما نزل عليهم من البلاء فينظر إليهم الناظر فيظن للوهلة الأولى أنهم في ابتلاءات عظيمة وفي شقاء وهم أكثر الناس طمأنينة وراحة واهتداء، وهذه المصائب يدفعونها بالصبر فهم في نعيم مقيم، فالبلاء هذا لا تظن أنه شر ووبال على الإنسان وإن كان ظاهره فيه العذاب لكن باطنه فيه الرحمة، فتجدهم أشد الناس ثباتا ورسوخا وطمأنينة وهدوءا وسكينة، فالله سبحانه وتعالى يتولى عباده الصالحين قال الله عز وجل (إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) فيحفظهم ويحوطهم بعنايته ويدفع عنهم من الشرور أضعاف ما كانوا يتوقعونه.

/ قال سبحانه وتعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ) (يفصل بينهم) يعني يحكم بينهم، بين من؟ الضمير يعود إلى من في قوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ)؟ يفصل بين بني إسرائيل لأن الحديث عنهم، أو الأنبياء وأقوامهم، أو الدعاة إلى الحق وما لاقوه من الأذى؟ والأولى أن تحمل الآية على العموم أي (إن ربك هو يفصل بينهم) يعني بين جميع الخلق ومنهم بنو إسرائيل، (يفصل بينهم) يعني يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). 
س: لماذا جيء بضمير الفصل في قوله (إن ربك هو يفصل بينهم)؟ لو قال إن ربك يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون؟
 أن الله عز وجل وحده هو الذي يفصل بينهم وهذا فيه طمأنينة للدعاة الذين ابتلوا، ولأهل الحق أن الله عز وجل هو الذي يتولى هذا الأمر بنفسه جل وعلا فلا يظلم أحد هذا فيه تسلية للمظلوم ، وفيه تهديد ووعيد للظالم، ولذلك إذا علمت هذه الأمور ثبت اليقين في قلبك، وأن الله سبحانه وتعالى حكم عدل لا يظلم عنده أحد
 وعند الله إلى الديان يوم الحشر نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم 
فينتبه الإنسان في هذا الأمر. 
/ قال الله عز وجل (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ) أي فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا من شأن الدين فيجازي الله سبحانه وتعال ىكل محق ويجازي المبطل كل بماء يستحقه.
وفي قوله (فيما كانوا فيه يختلفون) فائدة وهي: التحذير من الاختلاف في الدين، وهذا من أصل المفاسد، اختلاف الناس في أديانهم، بمعنى أنهم يتفرقون أشياعا وأحزابا في دين الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا قال (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شيعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يفعلون) وذكر الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآيات في سورة الأنعام قال (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بِكُمْ عَن سبيله) الاختلاف في أصل الدين والمنازعة والتفرق هذا مذموم، هذا أصل المفاسد وأنه ينبغي للإنسان أن يؤوب إلى الجماعة، وأن يؤوب إلى الكتاب والسنة، وأن يرجع إليهما، وأن يرد الأمر إليهما عند الاختلاف والتنازع.

وهنا سؤال هل يدخل فيه الاختلاف في الفروع؟ ونحن دائما نقول اختلف المفسرون، الجواب: لا هذا الاختلافات في الفروع ليس داخلا في هذا نحن نتكلم عن الاختلاف في أسلوب الدين والتفرق والتشردم وفي العقائد ونحو ذلك، هذا هو الاختلاف المذموم، ينبغي للإنسان أن يتمسك بالحق، وأن يؤوب إلى الجماعة وأن يستمسك بالعروة الوثقى لذوي الكتاب والسنة قال الله عز وجل (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) .

(أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ (26) أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (28) قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (29) فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30))

غريب القرآن:

أولم يهدِ لهم = أولم يتبين لهؤلاء المكذبين
الجُرز = اليابسة الغليظة  
الفتح = يوم العذاب الذي تعدوننا
يُنظرون = يُمهلون

/ (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ (26)) 
يقول الله سبحانه وتعالى في مفتتح هذه الآيات الكريمات (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ) أي أولم يتبين لهم
 الضمير يعود إلى من؟ إلى المشركين الذين حكى الله عز وجل عنهم الحديث في الآيات السابقة.
قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ) أي أولم يتبين للمشركين الذين مرّ الحديث عليهم قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا) أي كثيرا من قبلهم من القرون، أي من الأمم السالفة والماضية ككفار قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط ، وما إلى ذلك.
ما نوع الاستفهام في قوله (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ)؟ الاستفهام الكاري.
قال (أولم يهد لهم) يعني أولم يتبين لأولئك كم أهلكنا كثيرا من الأمم الماضية قبلهم (يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ) أي يمشون في منازلهم فلا يرون فيها أحدا من أولئك، قد أُهلكوا جميعا بسبب ظلمهم وكفرهم.
 إلى من يعود الضمير في قوله (يمشون)؟ هل يعود إلى المُهلَكين أو يعود إلى الذين يمشون في مساكنهم؟
ج: احتمالان لأهل العلم تحتملهما الآية، يعني أولم يهد لهم  لأولئك المشركين (كم أهلكنا من القرون من قبلهم من القرون يمشون) أي يكون أولئك الذين أُهلكوا هم حال كونهم ماشين في مساكنهم، أو يكون الخطاب لكفار قريش المشركين احتمالان تحتملهما الآية.

قال (أولم يهد هم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) يمشون في منازلهم فلا يرون فيها أحدا منهم بالنسبة لأولئك الذين كانوا يمرون على تلك الديار والله عز وجل حكى ذلك عن كفار قريش قال (وإنكُمْ لَتمُرُونَ عَلَيْهِم مصبحين وبالليل أفلا تَعْقِلُونَ) وقال (وإنهما لبإمام مبين) فلا يتعظون حينما یرون تلك الأمم التي أُهلكت بسبب تعنتهم على أنبيائهم وإنكارهم ما جاءت به الرسل.

قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ) اسم الإشارة يعود إلى ماذا؟
إلى إهلاك أولئك القوم، قال (إن في ذلك) أي في ذهاب أولئك القوم وخلو مساكنهم بسبب كفرهم بآيات الله سبحانه وتعالى وتكذيبهم لرسل الله عز وجل قال (إن في ذلك لأيات) يعني لدلالات وعِبر وعظات لمشركي قريش وغيرهم.
قال (إن في ذلك لآيات) لماذا جمع الآيات في قوله (إن في ذلك لآيات) ولم يقل إن في لآية؟ قال بعض أهل العلم: لأنه لما ذكر القرون والمساكن بالجمع ناسب أن يأتي يجمع الآيات.
قال (أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ) أي أفلا يسمعون آيات الله سبحانه وتعالى وإخبار الله عز وجل عن الأمم الماضية ويسمعون ما حلّ بهم - أي بالأمم الماضية - سماع تدبر واتعاظ فيتوبوا إلى الله عز وجل ويتركوا الشرك ويصدقوا الأنبياء فإنهم إذا اتعظوا زال عنهم ما قد يحلّ بهم كما حل بالأمم السالفة من الهلاك.
س: لماذا جيء بقوله (أفلا يسمعون) عن الأخبار عن الأمم الماضية؟
قال أهل العلم: إنما جيء بلفظ السماع في قوله (أفلا يسمعون) لأن القرون الهالكة والماضية هم في الحقيقة لم ينظروا إلى عقوباتهم، ولم يشاهدوها، لكنهم وإن كانوا مروا عليها بعضهم أو تلقّاها بعضهم سماع وصارت أخبارهم تُنقل وتصل إليهم أفلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ، ولذلك الله سبحانه وتعالى لما ذكر عن قوم سبأ قال (ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) فقد استقر عند أولئك من الأخبار وتواترت عندهم الأخبار بأن الله عز وجل قد عاقب تلك الأمم، وأصبحت أخبارهم تصل إليهم فهم حينئذ لا يسمعون سماع تدير وانتفاع وإن كانوا يسمعون في الحقيقة، قال (أولم يهد هم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لآيت أَفَلا يَسْمَعُونَ)

 (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ (27))
(أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ) إلى من يعود الضمير في قوله (أولم يروا)؟ إلى المشركين المكذبين بالبعث.
قال (أولم يروا) أي: أولم ير المشركون المكذبون للبعث (أنا نسوق الماء) أي بقدرتنا ، وسوق الماء هذا قد يكون بسوق السحاب الذي يحمل الماء، وقد يكون أيضا بسوق الماء نفسه أثناء السيل، وقد يكون أيضا بسوق الماء بإجرائه من الأنهار والعيون وكل ذلك محتمل.

قال (أولم يروا أنا نسوق الماء) أي بقدرتنا (إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ) أي الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، وهذه الأرض اليابسة التي لا نبات فيها يحتمل فيها عدم النبات احتمالات:
 الاحتمال الأول: أن لا تنبت هذه الأرض بسبب عدم وجود الماء
 الأمر الثاني: أو أنها قد أنبتت لكن رُعيت هذه الأرض وأزيل نباتها فحينئذ سميت هذه الأرض بالأرض الجُرز
 لا كما قد يفهم البعض أن الأرض التي لا تنبت أصلا، ليس هذا هو المقصود، هذه الأرض تنبت لكنها لم تنبت إما لعدم وجود الماء أو أنها قد أنبتت لكن أزيل هذا النبات بسبب رعي الأنعام فيها، لأنها لو كان الأمر كذلك، لو كانت الأرض هذه غير صالحة للزرع لما قال بعد ذلك (فنُخرج به رزعا) فدل على أن هذه الأرض صالحة للزرع لكنها كانت يابسة إما لعدم وجود الماء، أو أنها رُعيت، كان فيها نبات ثم رعي هذا النبات وأزيل.
قال (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجُرز) أصل جُرز هذا يدل على ماذا؟ يدل على القطع، سميت الأرض بذلك لأنه قد قطع عنها النبات. قال: (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا) في قوله (فنخرج به) الضمير يعود إلى من؟ يعود إلى الماء، لماذا جيء بقوله (فنُخرج به) ولم يقل -مثلا- فيخرج منه زرعا؟ 
قال أهل العلم: هذا من باب الامتنان عليهم بهذه النعمة العظيمة فإنهم ليس لهم فيها أدنى عمل قال الله عز وجل في سورة الواقعة (أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) هذا من نعم الله سبحانه وتعالى ومنته على خلقه أن يهيئ لهم أسباب الزرع، وأن ينبت لهم الأرض، وهذا أيضا فيه دليل على ماذا بطريق الأولى؟ فيه دليل على البعث.
قال  (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ ) أي فنخرج بذلك الماء (زَرۡعٗا) زرعا (تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ) أنعامهم أي مواشيهم، (وأنفسهم) أي تتغذى به أبدانهم، ولماذا قدم الأنعام على النفس؟ قال بعض أهل العلم: هذا من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقال بعضهم بل رعي المواشي وهذه الأنعام هو من أكلهم الذي سيأكلونه فيؤول إليهم. 
قال (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الخرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعمهم وأنفسهم) استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على أن الأصل فيما نبت من الأرض أنه حلال لنا لأن الله عز وجل ساقه مساق الامتنان قال (فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم) وهذه قاعدة أن الأصل فيما أنبتت الأرض أنه مبني على الحِل.
قال  (فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ) الاستفهام استفهام تقريري، معنى الآية: أفلا يرون كيف أحيا الله الأرض بعد موتها فيعلم قدرة الله عز وجل على إحياء الناس بعد موتهم، ولماذا جيء بقوله (أفلا يبصرون) والآية السابقة (أفلا يسمعون)؟ لأن إنبات الأرض شيء مشاهد ومرئي بالنسبة لهم فهم يرونه ويشاهدونه، وكذلك إنزال الماء فهم يرون الأمطار، ويرون جريان الأودية ويرون الأنهار والعيون وما إلى ذلك.

(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (28)) 
على من يعود الضمير في قوله (ويَقُولُونَ)؟ إلى أولئك المشركين المنكرين للبعث.
قال الله سبحانه وتعالى (ويقولون متى هذا الفتح) أي متى هذا القضاء والحكم؟ متى يأتي الحكم الذي يفصل بيننا وبينكم أيها المسلمون فيعذبنا وينصركم علينا؟ (إن كنتم صادقين) يعني إن كنتم صادقين في أننا معاقبون على شركنا وتكذيبنا، وهذا الأسلوب منهم أسلوب استهزاء وتكذيب لأنهم يقولون إن كنتم صادقين متى سيكون هذا اليوم والحكم الذي سيكون بيننا وبينكم فتنتصرون علينا ويعذبنا ربنا؟ فهذا كلامهم سيق مساق الاستفهام، ولو لاحظتم أنه جاء في بداية الآية بقوله (ويقولون) بالفعل المضارع لسبيين:
 السبب الأول: أن هذا الأمر أي التكذيب والاستهزاء حاصل منهم على طريقة الاستمرار أنه مستمر تكذيبهم
السبب الثاني: بالفعل المضارع لإثارة التعجب منهم كيف يقولون هذا الكلام؟ وكيف يستعجلون عذاب الله عز وجل؟
قال الله عز وجل (ويقولون من هذا الفتح إن كنتم صادقين) يعنى متى يكون يوم الفصل بيننا وبينكم أيها المسلمون إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم ستُنصرون علينا وأنه سيحل بنا العذاب على زعمكم -كما يقولون-؟ هذا أسلوب استهزاء.
  والصحيح أن المراد بالفتح هنا والمقصود به الحكم والفصل متى سيكون؟ بعض المفسرين ذهب إلى أن المراد بالفتح هنا فتح مكة، ولكن هذا القول قول ضعيف ومردود والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قبِل يوم الفتح - فتح مكة - إسلام الطلقاء، ولو كان المراد بالفتح فتح مكة لما قبِل إسلامهم لأن الآية تقول (قل يوم الفتح لا ينفع الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانهم) فدل ذلك على أنه ليس المراد بالفتح هو فتح مكة، المراد به الفصل.

/ (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (29)) 
 الخطاب في قوله (قل) للنبي صلى الله عليه وسلم أي: قل يا محمد يوم الفتح - يوم الفتح أي يوم الحكم ومجيء العذاب - الذي تسألون عنه (لا ينفع الذين كفروا إيمانهم)، هنا في فائدة: لماذا جيء بالاسم الظاهر في قوله (قُل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا) كان تقدير نظم الآية أن يقال قل يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم ، فلماذا جاء بالاسم الظاهر مقام المُضمر؟ قال بعض أهل العلم: لبيان أن كفرهم هو سبب خيبتهم وهلاكهم.(قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ)

قال سبحانه وتعالى (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ) هم سألوا عن ماذا في قوله (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صدقين)؟ سألوا عن الوقت كان التقدير أن يكون الجواب عن الوقت فيقال وقت الفتح يوم كذا وكذا لكنه عدل عن الجواب إلى جواب آخر وهذا يسمى عند البلاغيين بأسلوب الحكيم، يعني أن تعدل عن جواب السؤال الذي سؤل إليك إلى جواب آخر، فهم سألوا عن الوقت قالوا (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) كان تقدير الجواب أن يقال يوم الفتح هو يوم كذا وكذا، ولكن قال (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم) فجاء بجواب آخر وعدل عن تعيين يوم الفتح، كأنه قيل لهم ليس المهم أن تسألوا عن الوقت ولكن المهم سيقع الفتح بينكم وبين المسلمين وحينئذ لا ينفعكم إيمانكم فسلك بهم مسلك التهديد مطابق لتكذيبهم واستهزائهم، هل سؤالهم كان سؤال استعلام أو كان سؤالهم من باب التكذيب والاستهزاء والاستبعاد؟ لما كان سؤالهم من باب التكذيب والاستهزاء والاستبعاد، ناسب أن يأتيهم بتهديد مقابل استهزائهم، لو كان سؤالهم حقيقة سؤال استعلام حقا كان الجواب مطابقا لسؤالهم، لما كان سؤالهم تكذيب واستهزاء ناسب أن يأتي بتهديدهم، وبيان العاقبة لهم. وهذا مثل ما سأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ قال له: ماذا أعددت لها؟ لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة. 

قال الله عز وجل (قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ) أي ولا يمهلون ويؤخر عنهم العذاب ليتوبوا، وهذا يوم الفتح متى؟ يوم القيامة، وقال بعضهم: يوم الفتح يوم نزول عذاب الله وسخطه عليهم وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) أي لا يأخرون ولا يمهلون إلى أجل آخر.
/ (فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ (30)) 
 (فأعرض عنهم) الخطاب لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: فأعرض عنهم يا محمد، (عنهم) أي: عن أولئك المشركين الذين يستعجلونك بالعذاب فإن استعجالهم بالعذاب كان من باب الاستهزاء والتهكم.
قال (فأعرض عنهم) أي فأعرض عن المشركين يا محمد وانتظر، انتظر ماذا؟ 
قيل: انتظر حتى ينزل بهم العذاب وينصرك الله عليهم، (إنهم منتظرون) منتظرون ماذا؟
*قال بعض أهل العلم: (إنهم منتظرون) أي أنهم منتظرون ما تعِدهم به من العذاب ومجيء الساعة
*أو يحتمل منتظرون بك يا محمد حوادث الأزمان ليستريحوا منك قال الله عز وجل في سورة الطور (أم يقولون شاعرٌ نتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُون (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فإني معكم من المتربصين (31))
*وقيل: هم منتظرون الفرصة لحربكم ولإخراجكم
 ثلاث احتمالات قالها المفسرون في تقدير المعمول في قوله (منتظرون)، وأي الاحتمالات أقرب؟ جميع الاحتمالات فالقاعدة التي تعتمد عليها حذف المتعلق يفيد العموم فيدخل فيه الاحتمالات الثلاث.

الهدايات العلمية والعملية:
/ على الداعية أن يتمتع بعدة أوصاف منها: الصبر على مشاقّ العبادات وأنواع البليات، وحبس النفس عن ملاذ الشهوات.
/ في إهلاك الله تعالى للقرون السابقة أكبر واعظ لمن له قلب وبصيرة.
/ لا تُقبل التوبة عند الغرغرة وعند طلوع الشمس من مغربها.

العمل اليومي: 
/ كن داعيا إلى الخير
/ استعرض من قصص القرآن ثلاثا من صور العذاب الدنيوي التي عوقب بها العصاة.

اقرأ المزيد...