الثلاثاء، 7 أبريل 2026

فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (٦٩- ٨٩)

 عرضت الآيات بين يدي قصة لوط - عليه السلام ـ وقومه خبر نبي الله إبراهيم - عليه السلام - والبشارة التي تفضّل الله تعالى بها عليه لبيان العاقبة الطيبة للذين يلتزمون الحدود المشروعة المنسجمة مع الفطرة السليمة في علاقاتهم الجنسية ، من حصول الخيرات والبركات والنسل الطيب والذرية الطاهرة ، وبيان النتيجة الوخيمة لمن يتجاوزون الحدود المشروعة ،ويشذون عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها . 

(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)
 " اختلف في من هم من الملائكة والأرجح أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل . لكن لا أعلم في هذا نصا صريحا يمكن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(١) وفي مجيء الملائكة له بالبشارة من ربه دلالة على أنه إذا استطاع الإنسان أن يحمل بشارة إلى أحد فليفعل ، لأن هذا مما يتنافس فيه العقلاء ، والنبي قال : (إن ملكا نزل من السماء إلى الأرض ، لم ينزل إلى الأرض من قبل ، استأذن الله بأن يبشرني بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) فهذا الملك فقِه معنى البشارة وعلم في الملكوت الأعلى أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فنزل بهذه البشارة ، فإن فاتته البشارة استحب له تهنئته ، والفرق بين البشارة والتهنئة: أن البشارة إعلام له بما يسره ، والتهنئة دعاء له بالخير فيه بعد أن علم به . ولهذا لما أنزل الله توبة كعب بن مالك وصاحبيه ذهب إليه البشير فبشره ، فلما دخل المسجد جاء الناس الناس فهنئوه .
المقصود بالبشارة هنا البشارة بالولد إسحاق ، وفي التعبير العلمي يقول العلماء : كون إبراهيم يولد له وهو في هذا السن وكون سارة تولد لها في هذا السن مع كونها عاقر منذ أن خلقت هذا يقال له معجزة نبي وكرامة ولي . وله نظير من الأنبياء والرسل وهو : زكريا ، فإن زكريا رزق ولداً كما رزق إبراهيم على كبر فهي بالنسبة لزكريا معجزة وبالنسبة لزوجته كرامة لأن المعجزة تلحق بالرسول والكرامة تلحق بالأولياء.

- (قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ﴾
 السلام سنة ، ورده واجب ، هذا ما كان من ضيوف إبراهيم عليه السلام حين دخلوا فسلموا ورد عليهم السلام ، فكان ما فعله سنة للمسلمين إلى يوم القيامة ، ومن السنة أيضاً أن من حياك بتحية كان عليك أن ترد عليه بأحسن منها ، فإن لم تفعل فبمثلها (وَإِذَا حُتِيتُم بِتحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) [النساء : ٨٦] ... فهل أجاب إبراهيم عليه السلام التحية بمثلها أو بأحسن منها؟
والجواب: أنه ردها بأحسن منها ، فقد حيوه بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ورد عليهم بالجملة الإسمية التي تفيد الثبوت، والثبوت أقوى من الحدوث، فكان رد النبي إبراهيم - عليه السلام- بأحسن من تحيتهم .

- (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
 كان إبراهيم - عليه السلام - من أكرم خلق الله ولفظ (عجل) أفادنا أي نوع من بهيمة الأنعام ذبح إبراهيم لضيفه ، ولفظ (حنيذ) أفادنا أي طريقة طهى بها إبراهيم العجل لضيفه، وفي قوله جل وعلا في سورة أخرى (بعجل سَمِينٍ) أفاد وصفا لذلك العجل .

ومن حسن الاستقبال :
/ أن تكرم الضيف بالطعام أو الفاكهة
/ وأن تقرب لهم الطعام أو الضيافة ، فقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام بعد أن سلم عليه الملائكة وهو لا يدري أنهم ملائكة قدم بين أيديهم لحماً مشوياً (فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ)
وفي سورة الذاريات (فَراغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) وكلمة (راغ) توحي بأنه كان حريصاً على قِراهم فلم يسألهم : أتأكلون فآتي بالطعام ، بل إن على صاحب البيت أن يأتي بالطعام دون أن يسألهم حتى لا يستحيوا فيجيبوا بالنفي. كما أن على صاحب الدار أن يكون قراه طيباً وكثيراً " فالعجل مشوي سمين " وهذا من مكارم الأخلاق وآداب الضيافة ، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم ، لقوله: (الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة فما كان وراء ذلك فهو صدقة) والمقصود بالجائزة: الهبة والعطية ، وقال : ( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) فـ " ليلة الضيف حق " كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. 
 ثم التلطف في الدعوة إلى الطعام فلم يقل لهم : " كلوا " إنما قال لهم بصيغة السؤال متلطفاً " ألا تأكلون"
ومن الإكرام أن يقدم الطعام للضيفان من صنع أهل البيت ما أمكن ، فالتكلف غير مرغوب .

ـ (فَلَمَّا رَاء أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً )
المؤاكلة حرمة يعظمها العقلاء ، وهي من أعظم ما يقرن بين الناس ، فلما رأى إبراهيم عليه السلام أيدي الملائكة لا تصل إلى الطعام وهو لا يعلم أنهم ملائكة أصابه الخوف أن هؤلاء ما جاءوا لخير إنما أرادوا سوءا بدليل أنهم رفضوا يأكلوا طعامه .
 وفيه أن الإنسان لا يوقع نفسه مواقع الريب، فإذا بدا منه شيء يجعل الآخرين يتساءلون فإنه يبين لهم ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها صفية) (٢) ، فإبراهيم - عليه السلام - خاف من الأضياف وقال لهم: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) [الحجر : ٥٢] فبينوا له حالهم وقالوا له: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) [هود: ۷۰].

- لا يعلم الغيب إلا الله ، وهذا خليل الله وليس وقتها على وجه الأرض أفضل منه ولا أتقى لله منه ، ولا يُرفع لأحد عمل صالح في زمانه أعظم منه - عليه السلام - ومع ذلك لم يكن يدري أنهم ملائكة .

ـ (وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) قال الشافعي: "وبعض العلماء إن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت، ولا أحد ينكر أن الشافعي كان إماما في اللغة ولا يجادل في هذا من له إطلاع على أحوال العلماء فقد مكث في هُذيل عشر سنوات يأخذ عنهم اللغة، لكن القول بأن معنى (فَضَحِكَتْ) هنا بمعنى حاضت لا يستقيم وبعيد جدا لأن هذا لا يصل إلى مفهوم الملائكة وهو شيء خفي، المقصود (فَضَحِكَتْ) يبقى الأمر على أصله وهو الضحك المعروف. "وهذا القول وإن كان معروفاً في كلام العرب إلا أنه ليس الظاهر المتبادر عند الإطلاق، ومن المعلوم أن ألفاظ القرآن ومعانيه تحمل على الظاهر المتبادر، ولا يجوز حملها على معنى آخر خفي أو قليل في الاستعمال إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ولا يوجد دليل" (٣)
والأرجح أنها ضحكت سرورا بأنها علمت أن أولئك أهل الفساد سيعذبون ، فكان هذا نوع من العمل الصالح ، تعاطفها مع أهل الإيمان وبغضها لأهل الكفر والخسران .

- (فَبَشِّرْنَهَا بِإِسْحَاق)
 الحمل الذي تحمله المرأة إذا حملته في أول الأمر يصبح بشارة وفي آخر الأمر ينقلب إلى هم الحمل، في أوله بشارة فإن الرجل أو المرأة يستبشر في الشهور الأولى من الحمل ، ولذلك قال الله (فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَاقَ) لكن الله قال (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ) أي الحمل، (فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُمَا) آخر الحمل يبقى هم لأن النفاس مظنة الموت ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة إذا ماتت في نفاسها تُعد شهيدة ولهذا قلنا إن أوله بشارة وآخره همّ .
وعند بعض العلماء كالمالكية - مثلاً أظنها رواية في المذهب - أن المرأة إذا وصلت إلى الثلاثة الأشهر الأخيرة من حملها لا يجوز لها أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأن الإنسان إذا دخل في المرض المخوفة - مرض الموت - يقل سلطانه على ماله ويبقى السلطان للورثة  فلا يجوز للمرأة في آخر حملها - وهي مظنة ولادة - أن تتصرف في أكثر من ثلث المال لأنها مظنة مرض مخوف حتى لا يتضرر الورثة من تصرفها.
قيام امرأة إبراهيم لا يدل بالضرورة على أنها كانت تخدم الأضياف وكل ما ورد في ذلك هو من المرويات المأخوذة عن بني إسرائيل، ولو كانت تخدمهم فهي امرأة كبيرة قد جاوزت التسعين لا تمتد إليها الأنظار، فلا بأس بجلوسها وقد قال : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّحَتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور : ٦٠] ، ثم لو كانت شابة فالكلام في شرع من قبلنا معروف فليس لأحد أن يتعلق بمثل هذا الدليل.

ـ (قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عَجِيبٌ)
 فيه تربية على أن التعجب من أمر الله تعالى إذا كان حسب ما جرت به العادة والعرف فلا شيء على فاعله بل هو أمر بشري طبيعي كما هو الحال في زوجة إبراهيم عليه السلام حين تعجبت من حصول الحمل والولادة في سن اليأس وعدم القدرة على الإنجاب عند المرأة.

ـ لقد كان لآل إبراهيم، لبيت إبراهيم مقام جليل عند الله قال تعالى : (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) وهذه الآية تدل أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدل هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضى الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي ﷺ وممن قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، والبركة النمو والزيادة، ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم عليه السلام.

- (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل وقسط.

- من سمات المسلم اهتمامه بسلامة إخوانه ، وسيدنا إبراهيم قدوتنا وخير مثال على ذلك فإنه حين علم أنهم سيهلكون قوم لوط، - ولوط ابن أخيه - فزع أن يصيبه مكروه فبدأ يجادل الملائكة في أمر لوط - عليه السلام - خوفا على ابن أخيه لوط، وحتى لا يقع في قلب أحد شيء من سوء الظن بإبراهيم أثنى الله عليه قال الله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهُ منيب) كثير الأوبة إلى ربه ، كثير الصبر على من يُخطئ عليه في أعظم آية (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]

- في جميع المواضع التي وردت في القرآن لم يأت عن لوط - عليه السلام - أنه خاطبهم كخطاب الأنبياء بل قال لهم: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: ۸۰] ، وقد فهم من هذا الخطاب بعض أهل العلم أن قوم لوط - عليه السلام - لم يكن عندهم إشراك كما عند الأمم الأخرى المكذبة ، وهذا ليس بلازم ، ونهيهم عن الفاحشة لأنهم أول من ابتكرها ولا شك أنهم كفار ، فقد كذبوا نبيهم واستهزؤا به، وسخروا منه وممن آمن معه غاية السخرية وقالوا : (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتطَهَرُونَ) [الأعراف: ۸۲].

ـ (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) لا على أنهم ضيوف لكن على حالهم وما سيترتب على دخولهم بيته .

- قوله (هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) ليس فيه اعتراض على القدر لكنه وصف لليوم لا سب للدهر .

- (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) المشهور أن زوجته هي التي أنبأت قومه بأضيافه ، وامرأة نوح كانت تقول للناس إنه مجنون فكلا المرأتين خانت زوجها ، وكل منهما لم يقع منهما إيمان البتة وهذا يدلك على أن الهداية بيد الله ، فامرأة نوح تبيت وتطعم على فراش عبد قال الله فيه (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء: ٣] ، وامرأة لوط تبيت وتطعم مع لوط - عليه السلام - الله يقول (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) [العنكبوت: ٢٦] ، ومع ذلك لم تنتفع أي امرأة منهما بصحبة ذلك النبي، وآسيا بنت مزاحم تبيت مع أكفر الكفرة ، مع فرعون ويُلقي الله في قلبها الإيمان ، فالهداية نور من الله جل جلاله .

- (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) لوط - عليه السلام - كان مهاجرا من الشام إلى أرض سدوم ، ليس منهم ، فليس له عصبة تحميه كما كان أبو طالب يحمي النبي صلى الله عليه وسلم .

ـ اختلف العلماء اختلافا كثيرا في قول الله - جل وعلا - على لسان نبيه لوط العفيف الغيور قَالَ: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) [الحجر: ۷۱] على أقوال عدة فمنهم من قال: أنه قصد بنات القرية جميعا وقصد الزواج المعروف، لكن الآية لا تحتمل هذا لأنه يُشير (هؤلاء) اسم إشارة على شيء حاضر، وأظهر الأقوال - والعلم عند الله - : أن لوط يعلم علما يقينيا أن هؤلاء الفجار ليس لهم إربة في النساء بدليل أنهم تركوا أزواجهم خلفهم ، فهم لا يريدون زوجات ، ولا يريدون المرأة عموما ، لا بحل ولا بحرام لأنه خالطهم سنين فهو قالها لأنه يريد أن يبرئ ساحته أمام ضيوفه فهو لا يعلم أنهم ملائكة ولا يريد الخنا لأهله ، هذا محال هذا لا يفعله أي أحد فكيف بأنبياء الله والقرينة (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٌّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) .
ونصّ العلامة ابن سعدي - رحمه الله - في كتابه قصص الأنبياء على هذا القول وهو: "أنه قصد بناته عيناً وقصد أن يأذن لهم بزواج أو بدون زواج أن يأتوا بناته، وهذا من باب إقامة العذر وإقامة الحجة على المعاند، ومن باب علمه اليقيني أن هذا لن يكون من باب العلم اليقيني أن هذا لا يكون، ونظيره أن سليمان - عليه السلام - كما ثبت في الحديث الصحيح اختصمت عنده امرأتان في ابن لهما كل تدعي أنها أمُه فقال - عليه السلام -: آتوني بالسيف ثم قال أنا أقطعه قطعتين وأعطي كل واحده نصفه ، فقالت أمه الحقيقية: لا تفعل أعطه فلانة، تطلب نجاة ابنها ، الشاهد من القصة: أنه لا يعقل - حتى لو وافقت المرأتان - أن سليمان سيقطع الطفل مستحيل ، لكن هذا من باب العلم أنه لن يقع .."

سبب التأجيل للصباح حتى يخرج بأهله ، فأمرته الملائكة أن يخرج بأهله ، فلما خرج  - حتى لا يقع في قلب الفتاتين من أن أمهم ستهلك - قال الله لهم (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ) وذلك حتى تقوم الحجة على الأم، فخرج لوط وابنتاه وزوجه ، فلما خرجوا زوجة لوط ما زالت على دين قومها ، مازالت تتعاطف معهم ، مازالت تلتفت، تلتفت تريد أن تكون معهم فدب البغض من الفتاتين والبراءة من أمهم ، فتأخرت وتقدموا ، فقال الله جل وعلا (جَعَلْنَا عَالَيْهَا سَافِلَهَا) وهم نكسوا الفطرة ، فلما نكسوا الفطرة قلبهُم الله جل وعلا بأن نكس الأرض التي هم عليها ولا يقدر على هذا إلا الله.

ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً)
أخوة باعتبار القبيلة والنسب، فقد تكون الأخوة باعتبار النسب أو القبيلة، أو باعتبار الشبه في العمل، أو باعتبار الاجتماع في البلد الواحد، أو باعتبار الدِّين، فإذا كان باعتبار الدين فالمسلم ليس بأخ للكافر.

ـ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ)
 فيه تربية على الربط بين العبودية لله تعالى والتعامل الاقتصادي بين الناس بإقامة الميزان والعدل في الكيل، فرسالات الأنبياء كان محورها الأساسي هو الدعوة إلى توحيد الإلهية والعبادة والدعوة إلى الإصلاح في المجال الأكثر فسادا بين الناس في كل قوم من الأقوام.

ـ من الفقه في الدعوة أن الإنسان لا يُقدم شيئا على الدعوة إلى التوحيد ، ثم يأتي للناس في المنكر الذي شاع فيهم فيبدأ بما هو شائع فيهم فذكر الله هنا أن شعيبا نهى قومه عن التطفيف والبخس في الكيل والميزان لأن هذا أمر كان شائعا فيهم.

-  شعيب - عليه السلام - عالج قضيتين : قضية عقدية وقضية دنيوية ، العقدية: إشراكهم مع الله ، والدنيوية: بخسهم للناس حقوقهم والتطفيف في الكيل والميزان ، فهم ردوا عليه إنه لا يعقل أن أمرا نشأنا عليه اعتقادا وهو عبادة غير الله ، وسلوكا وهو التطفيف في الكيل والميزان أن نترك هذا وهذا من أجل ما تمليه علينا.

- (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
 لا تبخسوا الناس حقوقهم ووفوا لهم إذا كلتم في المكيال وإذا وزنتم في الوزن ويدخل في عموم الآية العدل مع الناس في كل شيء، فكما أن البخس يحرم في المكاييل والموازين كذلك يحرم في التطفيف والبخس في حقوق الناس المعنوية، كالذي ينتقص الناس ويهضمهم حقوقهم، ويظلمهم، وقد قال الله: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8]

- قوله (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
 فيه تربية على أن إقامة الأمور تكون بالبعد عن طرفيها، ففي قوله تعالى: (وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ) نهي عن التنقيص فيهما، وفي قوله تعالى: ﴿ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ) أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التنقيص.
وفيه تربية على العدالة بشكل عام وفي كل الأمور بقوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ...)
وفيه تربية على أن الزيادة في الكيل والميزان كالنقص فيهما وهما من الفساد في الأرض الذي جاءت الأديان لمكافحته عموما وفي كل المجالات.
" ههنا قاعدة قرآنية تكررت ثلاث مرات في كتاب الله كلها في قصة شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهي في قوله تعالى : ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) وهي مثال على شمول دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجميع مناحي الحياة، وأنهم كما يدعون إلى أصل الأصول وهو التوحيد فهم يدعون إلى تصحيح جميع المخالفات الشرعية مهما ظنّ بعض الناس بساطتها، إذ لا يتحقق كمال العبودية لله تعالى إلا بأن تكون أمور الدين والدنيا خاضعة لسلطان الشرع.
وهذه القاعدة القرآنية كما هي قاعدة في أبواب المعاملات، فهي بعمومها قاعدة من قواعد الإنصاف مع الغير، والقرآن مليء بتقرير هذا المعنى - أعني الإنصاف - وعدم بخس الناس حقوقهم ، تأمل - مثلاً - قول الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فتصور! ربك يأمرك أن تنصف عدوك، وألا يحملك بغضه على غمط حقه ، أفتظن أن ديناً يأمرك بالإنصاف مع عدوك، لا يأمرك بالإنصاف مع أخيك المسلم؟! اللهم لا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذه الآية: فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع أو متأوّل من أهل الإيمان!! فهو أولى أن يجب عليه ألا يحمله ذلك على ألا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له. وفي واقع المسلمين ما يندى له الجبين من بخس للحقوق، وإجحاف وقلة الإنصاف، حتى أدى ذلك إلى قطيعة وتدابر.
وتلوح ههنا صورة مؤلمة في مجتمعنا تقع من بعض الكفلاء الذين يبخسون حقوق خدمهم أو عمالهم حقوقهم، فيؤخرون رواتبهم ، وربما حرموهم من إجازتهم المستحقة لهم، أو ضربوهم بغير حق في سلسلة مؤلمة من أنواع الظلم والبخس! أفلا يتقي الله هؤلاء؟! (أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: ٤ - ١٦] ألا يخشون أن يُسَلّط عليهم بسبب ظلمهم لمن تحت أيديهم وبخسهم حقوق خدمهم وعمالهم؟! ألا يخشون من عقوبات دنيوية قبل الأخروية تصيبهم بما صنعوا ؟!"(٤)

- (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ)
 من أحسن ما فُسر به قوله تعالى هذا قول ابن كثير رحمه الله - "أي: ما يفضُل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس"
وفيه تربية على أن الخير في المال الحلال وإن قل، وأن المال الحرام لا خير فيه وإن كثر.
وفيه تربية على أن المال الحرام يوجب زوال النعم من الله تعالى .
الدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلهما إلى جزأين التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله تعالى .

- قَالَ (يَا قَوْمِ أَرَأيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَناً)
 لم يحدد شعيب - عليه السلام - ما الرزق الحسن لكن أعظم رزق رزقه الله هو النبوة ويتبع ذلك أشياء أخر .

- (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾
 القدوة الصالحة ، فشعيب عليه السلام حين دعا قومه إلى إيفاء المكيال والميزان ، وإعطاء الناس حقوقهم والبعد عن أكل الباطل أمر بالمعروف وبدأ بنفسه ، ونهاهم عن المنكر ، وانتهى عنه أولاً وهكذا الداعية الصدوق، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - القدوة في كل شيء ، ففي المعركة كان المقدم ، فقد روى الإمام علي رضي الله عنه قال : " كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه " وحين نهى عن الربا نهى عمه العباس أول الناس ، وحين نهى عن الثأر في الدماء الجاهلية : بدأ بدم ابن عمه.
- هذا من أعظم ما يوعظ به الأئمة والخطباء ومن تصدر لوعظ الناس ، ونظيره في القرآن (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) ونظيره - وهو الثالث - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف : ٢-٣].

- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ )
 هذه الكلمة عزيزة لم ترد في القرآن متعلقة بالله إلا في هذا الموضع ، ولذلك قال العلماء إنها عزيزة ، وقالوا : من أحب أحدا ودعا له بالتوفيق فقد أخلص له في الدعاء ، قال الله عن نبيه شعيب أنه قال (وما توفيقي إِلَّا بِاللَّهِ) فأنا أعمل لكن أن أصيب ما أردت إصابته لا يمكن أن يكون إلا بتوفيق من الله .

- (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
 " في هذه الآية جمع الله بين أصلين في القدر وهما : أصل قبل المقدور وهو الاستعانة بالله عز وجل، والاستعاذة به ودعاؤه رغبة ورهبة، فيكون معتمداً على ربه، ملتجئاً إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه والثاني: بعد المقدور وهو : الصبر على المقدور" (٥)

- التوكل عبادة قلبية كل يدعيها ، لكن ليس كل أحد يُقدر له أن يأخذ بأسبابها على أتم وجه وأكمل نحو .

- (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
 قال السعدي في تفسيره: " وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) ، وقال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

- (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنكُم ببَعِيدٍ)
 فيه أن العداوة والخصومة والشقاق قد تدفع بالإنسان إلى اختيار الباطل ومعاداة الحق والوقوع في جريمة الكفر، ومعنى هذه الآية: لا يوقعنكم في جرم الكفر معاداتكم إياي فيصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح - عليه السلام - من الغرق، ولقوم هود عليه السلام - من الريح العقيم، ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف.
________________________
١برنامج مع القرآن (1) للشيخ صالح المغامسي
٢- رواه البخاري ومسلم 
٣- المصباح المنير في تهذيب تفسير بن كثير / للشيخ خالد السبت
٤- القاعدة الثامنة والعشرون: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) / د . عمر بن عبد الله المقبل / بتصرف
٥- تقريب التدمرية للشيخ بن عثيمين 

اقرأ المزيد...

الاثنين، 6 أبريل 2026

مصحف الحُفاظ وحصاد التدبر / الجزء (22 - 23- 24) pdf

اقرأ المزيد...

آية وحديث/ سورتي المائدة والأنعام

 

سورة المائدة

🔹(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54))
▪️عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن قوله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال هَؤُلاءِ قومٌ مِنَ اليمنِ ثم من كنْدَةَ ثم مِنَ السكونِ ثمَّ مِنَ تُجِيبَ ) "إسناده جيد، السلسلة الصحيحة" 

🔹(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87))
▪️عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلاَ نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ المَرْأَةَ بِالثَّوْبِ " ثُمَّ قَرَأَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] 
"صحيح البخاري"  

 🔹 (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103))
▪️عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (رأيتُ عمرَو بنَ عامرٍ الخُزاعيَّ يجرُّ قصبَهُ في النَّارِ، كان أوَّلَ من سيَّب السوائبَ) والوصيلةُ النَّاقةُ البكرُ، تبكرُ في أولِ نتاجِ الإبلِ، ثم تثني بعدُ بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتِهم، إن وصلتْ إحداهُما بالأخرى ليس بينهما ذكرٌ، والحامُ: فحلُ الإبلِ يضربُ الضِّرابَ المعدودَ، فإذا قضى ضرابَهُ ودعوه للطواغيتِ وأعفوه من الحملِ، فلم يحملْ عليه شيءٌ، وسموه الحامي. "صحيح البخاري"

سورة الأنعام

▪️(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44))
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: (إذا رأيتَ اللَّهَ يعطي العبدَ منَ الدُّنيا علَى معاصيهِ ما يحبُّ، فإنَّما هوَ استدراجٌ. ثمَّ تلا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (1)

(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ....(59))
عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ({مَفَاتِحُ الغَيْبِ} خَمْسٌ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (2)

(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65))
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال لما نزَل على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قال: (أعوذُ بوجهِك) {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: (أعوذُ بوجهِك). فلما نزَلتْ: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قال: (هاتانِ أهوَنُ، أو: أيسَرُ) (3) 

(الَّذِينَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ (82))
عن عبدالله رضي الله عنه قال لمَّا نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شقَّ ذلك على المسلمينَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أيُّنَا لا يظلمُ نفسَهُ؟ قال: (ليس ذلك، إنما هو الشِّرْكُ، ألم تسمعوا ما قال لقمانُ لابنِهِ وهو يَعِظُهُ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ }) (4)

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (ثلاثٌ إذا خَرَجنَ، لا يَنفَعُ نفسًا إيمانُها لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ أو كَسَبَتْ في إيمانِها خيرًا: طُلوعُ الشمسِ من مَغرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابةُ الأرضِ) (5)

(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ يقول اللهُ: (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً فلا تكتُبوها عليه حتى يعملَها، فإن عملَها فاكتبوها بمثلِها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنةً، وإذا أراد أن يعملَ حسنةً فلم يعملْها فاكتبوها له حسنةً، فإن عملَها فاكتبوها له بعشرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعفٍ) (6)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إسناده قوي، السلسلة الصحيحة 413
(2) صحيح البخاري 4627
(3) صحيح البخاري 7313
(4) صحيح البخاري 3429
(5) صحيح مسلم 158
(6) صحيح البخاري 7501
 المصدر:  آيات قرآنية بتفسير خير البرية
اقرأ المزيد...

السبت، 4 أبريل 2026

فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (٤٩- ٦٧ )

ثم وجهت الآيات الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصبّره وتثبته في مواجهة عناد قومه وأذاهم (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) وفيه تربية للمؤمنين على الصبر والتقوى من خلال الوعيد بحسن الخاتمة العاقبة عليهما.

/ في قوله تعالى (إن العاقبة للمتقين) 
" قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة التي تبعث الأمل في نفوس أهل الإيمان وتملأ قلوبهم ثقة ويقينا، وراحة وطمأنينة ، وهذه الآية الكريمة جاءت مرة على لسان موسى عليه السلام وهو يبشر قومه الذين آمنوا به بحسن العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، والتمكين في الأرض إن هم لازموا التقوى.
 وجاءت هذه القاعدة بلفظ مقارب في خطاب الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في خواتيم سورة طه (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) [طه: ١٣٢].
وجاءت هذه القاعدة أيضا بعد انتهاء قصة قارون في خواتم سورة القصص قال تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) [القصص: ٨٣].
ومن المعلوم أن العاقبة هنا لا تنحصر في الآخرة التي ضمن الله النجاة فيها للمتقين كما في قوله (والآخرة عند ربك للمتقين) بل هي عامة في الدنيا والآخرة ولكن قبل أن نسأل أين صدق هذه القاعدة؟ فلنسأل أين تحقيق التقوى على الوجه الصحيح؟! وإلا وعد الله لا يتخلف.
و نُذكّر هنا بأهمية هذه القاعدة في حياتنا اليومية:
فإن آية القصص (والعقبة للمتقين) جاءت بعد قصة قارون الذي لم يصبر على شهوة المال وفي هذا إشارة إلى حاجة العبد -رجلا كان أو امرأة- لتدبر هذه القاعدة جيدا، خصوصا وهو يعيش في جو من المغريات والفتن والصوارف عند دين الله -يتدبرها ويتأملها- لتُهوّن عليه الصبر عن الشهوات والملذات المحرمة، فكلما دعته نفسه إلى ما يخالف التقوى فليُذكّرها بحسن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، وكذلك الداعية من أحوج ما يكون إليها وهو يسير في طريق الدعوة الطويل والمليئ بالابتلاء بالخير والشر وخصوصا إذا كان لا يجد معينا ولا ناصرا بل قد يجد مناهضا ومعايا.
ومفهوم هذه القاعدة القرآنية المحكمة: أن كل من لم يكن تقيا في أحواله وأفعاله فلا عاقبة له حسنة وإن أُمهِل زمانا أو تُرك دهرا وهذه سنة الله في خلقه، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يستدل بهذه القاعدة القرآنية (والعاقبة للمتقين) وبأمثالها إبان هجوم التتار على بلاد الإسلام، وكان يقسم بالله أن التتار لن ينصروا  بل سيُخذلون وينكسرون، وكان مما قاله حينها: «واعلموا أصلحكم الله أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين»" (١)

(وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) وهذه القوة تشمل جميع القوى فيزيد الله عابديه قوة في إيمانهم ويقينهم ودينهم وتوكلهم وغير ذلك مما هو من جنس ذلك ويزدهم قوة في أسماعهم وأبصارهم وأجسادهم وأموالهم وأولادهم وغير ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم " (٢)

- من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام قال له قومه (يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ) ومع هذا فبينته من أظهر البينات وقد أشار إليها بقوله (إني أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
فهذا من أعظم الآيات أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل واثق مما قاله جازم به قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم ومما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم عليه ، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها ، ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه وفي ضمن ذلك أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين ، ثم قرر دعوته أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل عليه وآمن به ولا يشمت به أعدائه ولا يكون معهم عليه فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه.

- (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) أي: الحاكم العدل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم في تصرفه وقضائه وقدره وتدبيره وعطائه ومنعه، وأمره ونهيه وعقابه وثوابه وجزائه، وشرعه وأسمائه وصفاته، وكل ما يتعلق به سبحانه وتعالى - فإن ذلك جميعاً يجري على أكمل الوجوه، وهو مطابق لكمال ذاته وصفاته جل جلاله، ولا يوجـد شيء من هذا يخرج عن هذا المعنى، لكونه على صراط مستقيم، وهذا هو المعنى الصحيح في هذه الآية، وهو اختيار ابن جرير - رحمه الله-.
ومن صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه وينزل به بأسه فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم وأنه يذهب بهم ويستخلف قوما غيرهم ولا يضره ذلك شيئا .
أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم في موضعين من كتابه :
/ أحدهما هذا الموضع في سورة هود (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
/ والثاني : قوله في سورة النحل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهةُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) قال أبو إسحاق : " أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدل ".

- (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَنَجَيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٌ) 
 فيه تربية على أنه لا أحد ينجو بعمله الصالح وإنما النجاة من العذاب برحمة الله تعالى والعمل الصالح سبب في النجاة ، وفي الآية ما يدل على نجاة من آمن مع هود من قومه من عذاب يوم القيامة لأنه تعالى كرر النجاة، فقال في نجاة الدنيا من الريح العقيم (نجينا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ) وقال في نجاة الآخرة من العذاب الغليظ (وَنَجَيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٌ).

- قوله (هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)
فيه ربط بين الطاعة والنعمة، فالنعمة على الإنسان من الله تعالى توجب عليه طاعته من خلال توحيد الإلهية والاستغفار والتوبة.
والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأن إنشاءه إنشاء لنسله، وإنما ذكر تعلق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع، ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتا ويبنون في الأرض قصورا، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض، فلأجل منافعهم في الأرض قُيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض التي أنشئوا منها.

ـ (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيب) قربه تعالى نوعان : عام، وخاص
/ فالقرب العام : قربه بعلمه من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
/ والقرب الخاص: قربه من عابديه وسائليه ومحبيه، وهو المذكور في قوله (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) [العلق: ١٩]، وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) [البقرة: ١٨٦] ، وهذا النوع قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يُقرن، باسمه "القريب" اسمه "المجيب"

قال الرازي في تفسير هاتين الآيتين: " اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدئ بالدعوة إلى عبادة الله ثم يتبعه بدعوى النبوة لابد وأن يطلبوا منه المعجزة، وأمر صالح -عليه السلام- هكذا كان، يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة - أشاروا إليها - ناقة، فدعا صالح ربه فخرجت الناقة كما سألوا. 
واعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه:
*الأول : أنه تعالى خلقها من الصخرة.
*وثانيها : أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل.
*وثالثها : أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر.
*ورابعها : أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة.
*وخامسها : ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر.
*وسادسها : أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم.
وكل من هذه الوجوه معجز قوي، وليس في القرآن إلا أن تلك الناقة كانت آية ومعجزة، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه.
___________________________
١- القاعدة الخامسة عشر: (والعاقبة للمتقين) د. عمر بن عبد الله المقبل (بتصرف) 
٢- البداية والنهاية لابن كثير

اقرأ المزيد...

الدرس الثالث والستون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١) (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق…)

تفسير سورة البقرة: من الآية (١٠١) / صوتي

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون* واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) أي ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم، بالحق الموافق لما معهم وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله الذي أنزل إليهم، طرحوه رغبة عنه وراء ظهورهم، وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه وحقيقة ما جاء به، تبيّن بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبقَ في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون، ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ابتُلي بالاشتغال بما يضره،
فمن ترك عبادة الرحمن ابتُلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتُلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه ابتُلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتُلي بالباطل، كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله تعالى اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم، وهم كذبة في ذلك فلم يستعمله سليمان عليه السلام بل نزهه الصادق في قيله (وما كفر سليمان) أي بتعلم السحر فلم يتعلمه (ولكن الشياطين كفروا) أي في ذلك (يعلمون الناس السحر) من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله تعالى لعباده، فيعلمانهم السحر وما يعلمان من أحد حتى ينصحاه ويقولا (إنما نحن فتنة فلا تكفر) أي لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال ونسبته وترويجه إلى من برأه الله تعالى منه وهو سليمان عليه السلام وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلّمه الشياطين والسحر الذي يعلمه الملكان فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين وكل يصبو إلى ما يناسبه. ثم ذكر مفاسد السحر فقال: (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما لأن الله تعالى قال في حقهما (وجعل بينكم مودة ورحمة) وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة وأنه يضر بإذن الله أي بإرادة الله، والإذن نوعان:
• إذن
قدري وهو المتعلق بمشيئة الله كما في هذه الآية.
وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة (فإنه نزله على قلبك بإذن الله). 
وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل أحد من فرق الأمة غيرَ القدرية في أفعال العباد زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة فأخرجوها عن قدرة الله تعالى فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين. ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي كما قال تعالى في الخمر والميسر (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فهذا السحر مضرة محضة فليس له داع أصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها.
 (ولقد علموا) أي اليهود (لمن اشتراه) أي رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة (ما له في الآخرة من خلاق) أي نصيب بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) علما يثمر العمل ما فعلوه».

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد:
 فلا يزال السياق في هذه الآيات القرآنية من سورة البقرة في بيان مخازي اليهود وقبائحهم وشنائع أفعالهم ومن ذلكم ما ذكر في هذه الآيات يقول الله عز وجل (ولما جاءهم) أي اليهود (ولما جاءهم رسول) هو محمد عليه الصلاة والسلام (من عند الله) هذه صفة لهذا الرسول المرسل أي الله جل وعلا أرسله بالحق والهدى والنور والضياء، لما جاءهم رسول هذا شأنه وهذه صفته، وأيضا (مصدق لما معهم) أي من الكتاب،  مصدق للكتاب الذي سبقه وأنزل قبله (مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي كانت حالهم مع هذا الكتاب الذي جاء به هذا الرسول أن نبذوه قال (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) (نبذ) جاءت هنا في جواب الشرط في قوله (ولما جاءهم رسول نبذ فريق) و(نبذ) معناها طرح، نبذ كتاب يطرح الكتاب صدودا و إعراضا عنه وعدم قبول، (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) أي من أهل الكتاب (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم)
ما الكتاب الذي نبذوه
التوراة أو القرآن؟
قولان لأهل العلم في معنى الآية (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) أي التوراة هذا قول (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) أي التوراة لأنهم لما وجدوا في التوراة صفة النبي عليه الصلاة والسلام والبشارة به وجدوا ما جاء في التوراة مطابق للواقع الذي يرونه، عندما بُعث محمد عليه الصلاة والسلام نبذوا التوراة وراء ظهورهم ولم يقبلوا ما جاء فيها من بشارة بهذا الرسول وأوصاف الله ودعوة للإيمان به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
• وقيل المراد بالكتاب القرآن (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله) أي القرآن والمراد بنبذهم له تكذيبهم بالقران.
 فالمراد بالنبذ التكذيب كذبوا بهذا القرآن، والأول التوراة كانوا يؤمنون بها فلما جاءهم هذا الأمر الذي يخالف أهواءهم من وصف الرسول والدعوة للرسول صلى الله عليه وسلم، والدعوة للإيمان به نبذوا كتابهم أي التوراة قال (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) حتى ما قال نبذوه أمامهم، نبذوه وراء الظهر، النبذ وراء الظهر هذا فيه غاية الصدود والإعراض وعدم الرغبة أصلا في العودة لهذا الأمر، (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) هذا أبلغ ما يكون في التولي والصدود والإعراض، (كأنهم لا يعلمون) كانوا يعلمون ويعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم فنبذوا علمهم الذي يعلمونه وكتموا علمهم الذي يعلمونه كأنهم لا يعلمون أي ما في التوراة التي عندهم من أوصاف للنبي عليه الصلاة والسلام كأنهم لا يعلمون، قال بعض المفسرين من السلف: « كانوا يعلمون ونبذوا علمهم وكتموه» (كأنهم لا يعلمون) الآن ما الذي صنعوه؟ نبذوا نورا، نبذوا ضياء، نبذوا هدى، نبذوا صلاحا لقلوبهم، نبذوا سعادة لهم، فكانت العقوبة أن لما نبذوا الكتاب اتبعوا ماذا؟ اتبعوا ما تتلو الشياطين، ولهذا الشيخ يقول: 
«من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ابتُلي بالاشتغال بما يضره»
وهذا مثال الآن للقاعدة، هذا مثال ابتلي بما يضره، فلما نبذوا القرآن اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان أي من السحر، فتركوا القرآن، تركوا النور، تركوا الوحي، واتبعوا وأخذوا بالسحر الذي تتلوه أي تلته على ملك سليمان، هذا الآن فيه تنبيه على أمر غاية في الأهمية، باب من الأبواب التي يجب على الإنسان أن ينتبه غاية الانتباه الحذر منها يعني الذي يعرض عن القرآن ويشتد -مثلا- إعراضه عن القران صدودا ونبذا للقران هو على غايه من الخطر لأنه سيدخل عليه قطعا شيء آخر
ولهذا تجد في الناس:
• من ينبذ القرآن فيدخل في السحر
• ينبذ القرآن فيدخل في الفلسفة الباطلة،
• ينبذ القرآن فيدخل في الإلحاد وهكذا..
 ولهذا أيضا يستفاد من هذا السياق: أن نبذ القرآن هو من أوسع المداخل للدخول في السحر وعالم السحر الذي هو الكفر بالله عز وجل، ولهذا من السحرة من يأتي إليهم ليدخل في مدرستهم - مدرسة السحر الباطلة - أول ما يطلبون منه امتهان القران وإهانة القرآن بصور شنيعة، فأول ما يطلبون منه هذا الكفر، الكفر بالله سبحانه وتعالى بإهانة الكتاب المنزل وهذا يدل عليه (نبذ) و (اتبع) فالسحر خلاصته ماذا؟ نبذ واتباع، هذا هو، خلاصته نبذ واتباع نبذ للنور، ما يدخل المرء السحر ومعه الهدى، السحر نبذ واتباع أمران تدل الآية عليهما، نبذ للهدى واتباع للباطل، اتباع لما تتلوه الشياطين ولهذا لا يكون الساحر ساحرا إلا بالكفر بالله عز وجل
وهذا السياق الذي بين أيدينا دل على كفر الساحر من سبعة وجوه بيّنها الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتابه النفيس النافع [معارج القبول] ذكرها وجوها سبعة من هذا السياق في كفر الساحر وكفر من يتعلم السحر.
 قال: (واتبعوا ما تتلو) (واتبعوا) هذه معطوفة على ماذا؟ (نبذ)، لأن السحر ما هو؟ نبذ واتباع، هذا هو نبذ للقران، نبذ للهدى المنزل من الرحمن واتباع لما يتلوه الشيطان. (واتبعوا) يعني تركوا الهدى وأقبلوا على السحر وتعلم السحر. (واتبعوا ما تتلو الشياطين) (تتلو) أي تلت الشياطين على ملك سليمان، (على) هنا كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى جاءت تعديت التلاوة بها (تتلو على ملك) بعض المفسرين قالوا: تتلو بمعنى (في) تتلو الشياطين في ملك سليمان، والحافظ ابن كثير يقول: إنها عديت (تتلو) بـ (على) لأنه ضُمّن معنى الكذب، تتلو تكذب على ملك سليمان، ضُمنت التلاوة معنى تتلو أي تكذب، تتقول على ملك، التقوّل والكذب، (تتلو الشياطين على ملك سليمان) ضُمّن معنى تكذب تتقول، (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) (على ملك سليمان) يعني على عهده، على عهد الملك، على عهد ملك سليمان عليه السلام ووقت حكمه، فكانت الشياطين تزعم أن هذا العلم والكتب - كتب السحر التي ينشرونها- أنها كانت من عهد سليمان عليه السلام، ويزعمون أنها هي التي كان سليمان عليه السلام يحكم بها، يزعمون ذلك ينسبونه ولهذا سياتي معنا في الآيات تبرئة سليمان قال: (وما كفر سليمان) هذا فيه تبرئة من زعم باطل نُسب إليه من هؤلاء.
ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلاما ما خلاصته: أن الشياطين أضلت بني آدم وذكروا أن سليمان سحر الجن بأسماء وكلمات من الشرك وكتبوا ذلك في كتب، وقيل: إنهم دفنوها ثم بعد موت سليمان بوقت أخرجوها وقالوا إن سليمان كان يحكم بهذه الكلمات والألفاظ الشركية، كان يحكم بها وكان يسحر الجن بها، وسُخر له الجن بهذه الكلمات، سُخرت له الجن بهذه الكلمات، فصار أهل الضلال فرقتين مع هذا الذي روجت له الشياطين صار أهل الضلال فرقتين:
● فرقة قدحوا في سليمان عليه السلام وزعموا أنه ليس بنبي وإنما هو مجرد ساحر من السحرة ليس بنبي.
● وفريق قالوا هو نبي ولكن الله علّمه هذه الأشياء، ما هي؟ الألفاظ الشركية الكفرية التي بزعمهم كان يحكم بها وسحر بها الجن فعملوا بها فكفروا لعملهم بكفر نُسب إلى سليمان عليه السلام بهتانا وزورا.
 فنزه الله نبيه سليمان عن قول الطائفتين في قوله - كما سيأتي- (وما كفر سليمان)، (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان)
 (وما كفر سليمان) هذه الجملة جاءت تبرئة لسليمان عليه السلام من السحر وهذا من الشواهد والدلائل على أن السحر كفر لأن الله عز وجل لما برأ سليمان من السحر الذي نسب إليه زورا وبهتانا برأه منه بهذه الطريقة قال: (وما كفر سليمان) ففي هذا أن من يتعلم السحر يكفر، وسليمان ما كفر، ما تعلم السحر ومُنزه من ذلك عليه السلام، عبّر عن السحر ما قال وما سحر سليمان، عبر عن السحر بالكفر قال (وما كفر سليمان) وهذا فيه التغليظ لأمر السحر وأنه كفر أكبر بالله سبحانه وتعالى ومن عظائم الموبقات، لما عدّ الموبقات عليه الصلاة والسلام في الحديث قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) عدّه بعد الشرك مباشرة (الشرك بالله والسحر).
 (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) الآفة كلها جاءت منهم، والشر جاء منهم ومن اتباعهم تقدم (واتبعوا ما تتلو الشياطين) فالآفة كلها من الشياطين أما الأنبياء لا يأتون إلا بالخير، ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته إلى خير ما يعلمه لهم، حاشا نبي من أنبياء الله من هذه الامور التي هي كفر بالله سبحانه وتعالى.
 (وما كفر سليمان) هذه الجملة - مثل ما قدمت - جاءت لتبرئة من شائعة منتشرة انتشارا واسعا في هؤلاء، منهم من يقول هو ساحر بحت لا نبي ولا رسول، ومنهم يقول لا، هو رسول لكن هذه أشياء الله أرسله بها بتلك الألفاظ وذاك السحر. فبرأ الله عز وجل نبيه بقوله (وما كفر سليمان) من قول الطائفتين وبيّن أن هذا الشر كله إنما جاء من الشياطين قال: (ولكنّ الشياطينَ كفروا) وفي قراءة (ولكنِ الشياطينُ كفروا)، (لكن) مشددة في قراءة ومخففة.
 إذا كانت (لكنّ) مشددة تعمل عمل إن تنصب المبتدأ وترفع الخبر (ولكنّ الشياطين كفروا) (كفروا) الجمله الفعلية خبرها.
وإذا كانت مخففة لا تعمل فيكون قوله (الشياطين كفروا) مبتدأ وخبر (لكنِ الشياطينُ كفروا) مبتدأ وخبر (الشياطين) مبتدأ و(كفروا) الجملة الفعلية خبر.
 قال: (ولكنّ الشياطين كفروا) هذا أيضا وجه من الوجوه الدالة على كفر الساحر لأن الشياطين وصفوا بالكفر في مقام ماذا؟ تعليم السحر (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) فهذا فيه أن السحر هو من تعليم الشياطين ومن وحي الشيطان الذي أضل به الناس.
 (وما أنزل على الملكين) هذه معطوفة على ماذا؟ (واتبعوا ما تتلو الشياطين) واتبعوا - كل الكلام عن اليهود - اتبعوا ما تتلو الشياطين واتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل، هذا السياق يدل على أن اليهود من مخازيهم وقبائحهم أنهم أغرقوا في السحر إغراقا شديدا جدا وتوغلوا فيه حتى قال الإمام ابن القيم رحمه الله، قال في كلامه في بدائع الفوائد في تفسير المعوذتين عند قول (من شر النفاثات) يعني السواحر (النفاثات في العقد) قال: «ولهذا اليهود أسحر الناس فيهم من السحر ما ليس في غيرهم» وقد وصفهم الله بذلك في كتابه وذكر هذه الآيات (واتبعوا ما تتلو) (اتبعوا) يعني اليهود (ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) واتبعوا ما أنزل على الملكين وقال (وما أنزل) أي واتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل، بابل هذه بلدة في العراق أنزل الله فيها ملكين من الملائكة على وجه الابتلاء والامتحان للبشر - والله يبلو عباده ويمتحنهم بما شاء سبحانه وتعالى - أنزل ملكين يبتلونهم ابتلاء في هذا الأمر، (ببابل هاروت وماروت) وهنا يعني يُروى في كتب التفسير كثير من الإسرائيليات التي ينبغي الإعراض عنها وفيها قصص ينبغي الإعراض عنها ولا يصلح أن تجعل تفسيرا لهذه الآيات أو لكلام الله سبحانه وتعالى وكثير منها مشتملة على أباطيل وأقاويل لا أصل لها.
 قال (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت) هذا بدل من الملكين أو عطف بيان، هاروت وماروت هذا اسمهما اسم الملكين هاروت وماروت، طريقة هذين الملكين في تعليم السحر أنهما ينصحان من أراد أن يتعلم، ينصحان، ليست على طريقة الشياطين غش وحيل لا ينصحانه.
 (وما يعلمان من أحد حتى يقولا) انتبه (إنما نحن فتنة) ينصحانه لأن هذا الله أنزلهم ابتلاء وامتحانا، امتحانا وابتلاء للناس فينبه، انتبه (إنما نحن فتنة فلا تكفر) هذا كفر فلا تكفر، فكان نزول هذين الملكين وجه من وجوه الابتلاء والامتحان للناس، والله سبحانه وتعالى يبتلي ويمتحن بما شاء جل وعلا.
 (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا) يقولا لمن أراد أن يتعلم على يديهما السحر (إنما نحن فتنة) يعني إنما أُنزلنا فتنة وابتلاء وامتحانا فلا تكفر بالتعلم تعلم هذا العلم، قال (فيتعلمون) من هم؟ اليهود - الكلام كله الآن عن اليهود - فيتعلمون منهما من الملكين، يعني مع أن الملكين قد نبهوهم أنهم فتنة وأن هذا كفر فلم يبالوا بكونه كفرا وتعلموا وكان من مقاصدهم في تعلم السحر 
- مقاصد اليهود - في تعلم السحر صد الدعوة التي بُعث بها محمد عليه الصلاة والسلام
ولهذا كان من أغراضهم في تعلم السحر أن يُسحروا النبي عليه الصلاة والسلام وفعلا حصل منهم ذلك كما حصل من لبيد بن الأعصم اليهودي، سحر النبي عليه الصلاة والسلام وعافاه الله عز وجل وسلمه من ذلك كما في القصة المعروفة في الصحيحين، فكان هذا أيضا من أغراضهم في تعلم السحر، يتعلمونه حسدا لأمة الإسلام وصدا لها عن دين الله سبحانه وتعالى.
 (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) وهذا فيه أن السحر له حقيقة وله تأثير، والتفريق بين المرء وزوجه هذا تأثير قوي جدا، وهذا النوع من السحر - السحر أنواع- هذا يسمى سحر الصرف، يصرف المتحابّين أشد المحبة إلى متعاديين متباغضين أشد التباغض هذا تأثير، انظر قول الله سبحانه وتعالى (ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) السحر يُذهب هذه المودة التي في القلب، يذهبها تماما يبعدها ويجعل مكانها كره وعداوة وهذا يسمى سحر الصرف، ونوع آخر عكس هذا يسمى سحر العطف، لكن ما العطف الذي يحصل؟ هل هو حب حقيقي؟ هل هو حب حقيقي؟ لا، حب مُتوهم، حب مُتخيل، ليس حبا حقيقيا، ليس شيئا في القلب حبا حقيقيا وإنما حب متوهم.
 ومما كنت قرأته في هذا أن شخصا أو امرأة - لا أذكر- يعني أتى ساحرا وأراد منه هذا النوع من السحر يعني عطف الزوج فقال له الساحر تأتيني بشيء من شعره حتى يعمل فيه عقد السحر، فأخذ من شاة لهم شعرا وأعطاها الساحر فعمل بها العقد فصارت العنز تطارده أينما ذهب، هل هذا حب؟ هذا الآن يعطيك حقيقة ما يصنع الساحر فيما يسمى بسحر العطف، يعني حب متوهم ليس حقيقي ليس شيئا حقيقيا وإنما هو حب متوهم، ولهذا - كما سيأتي معنا- السحر لا منفعة فيه أبدا إطلاقا، كله مضرة، مضرة خالصة بحته لا نفع فيه أبدا، كله مضرة (ولا يفلح الساحر حيث أتى) ومن يأتي الساحر لا يفلح أبدا، لا يُنال عند ساحر فلاح أبدا، ولا يُنال عند ساحر منفعة أبدا، هذه قاعدة لابد أن تكون ثابتة في قلب المؤمن.
 (فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم) أي السحرة (بضارين به) أي السحر (من أحد إلا بإذن الله) 
وهذا فيه أن الأسباب مهما قويت لا يكون لها تأثير إلا بإذن كوني من الله سبحانه وتعالى.
الإذن هنا المراد به الإذن الكوني القدري، لأن الإذن نوعان: كوني قدري، وشرعي ديني، المراد هنا بالإذن الكوني، فلا يكون في هذا الكون إلا شيء أذِن الله سبحانه وتعالى بوقوعه كونا وقدرا وهذا باب الابتلاء، ابتلاء العباد (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله).
 قال (ويتعلمون) أي هؤلاء (ما يضرهم ولا ينفعهم) فهذا فيه أن السحر مضرة بحتة، مضرة خالصة لا نفع فيه أبدا،  (ولقد علموا) أي اليهود (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) علم اليهود أن الساحر كافر وأن تعلم السحر كفر بالله، علموا ذلك، الله يبين هذه الحقيقة (ولقد علموا) أي اليهود وهم يتعلمون السحر ويتعاطونه علموا وتيقنوا أنه من تعلمه لا خلاق له أنه يكفر ولا خلاق له في الآخرة (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) أي ما له في الآخرة من حظ ولا نصيب، والذي يشتري السحر تعلُما له وتعاطيا له لا خلاق له في الآخرة، هذا دليل على ماذا؟ كفره، وذلك لأن السحر مبناه أصلا على الشرك والكذب والظلم، مبنى السحر على هذا ركائز السحر التي يقوم عليها هذه الثلاثة الشرك والكذب والظلم، هذه ركائز السحر التي يقوم عليها ولهذا الساحر (لا خلاق له في الآخرة) أي لا نصيب له من الثواب، ليس له إلا عذاب.
 (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون)
(لبئس ما شروا به أنفسهم) أي باعوها بأرخص الأثمان وأخس الأعمال وأقبحها.
قال (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) وهذا فيه أن الأمور كلها الكفرية من سحر أو غيره من تاب منها وآمن وصدق في توبته خير له عند الله سبحانه وتعالى (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) لهم من هذا السحر الذي لا نفع فيه بل هو مضرة كاملة، مضرة خالصة (لو كانوا يعلمون). لاحظ (لو كانوا يعلمون) هذه تكرر معنا، (لو كانوا يعلمون) يعني لو كانوا يعلمون العلم الذي ينتفعون به لكنهم يعلمون ولكن لا يعملون ولهذا كان وصفهم الغضب (غضب الله عليهم)، (غير المغضوب عليهم) يعني يعلمون لكن كأنهم لا يعلمون.
 نؤجل قراءة كلام الشيخ رحمه الله إلى لقاء الغد بإذن الله عز وجل نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما ...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين جزاكم الله خيرا.
اقرأ المزيد...

الأربعاء، 1 أبريل 2026

الدرس الثاني والستون/ تفسير سورة البقرة: من الآية (٩٧) (قل من كان عدوا لجبريل…)

 تفسير سورة البقرة: من الآية (٩٧) / صوتي

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ « قوله (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين* من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) أي: قل لهؤلاء اليهود الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان أن وليك جبريل عليه السلام ولو كان غيره من ملائكة الله لآمنوا بك وصدقوا إن هذا الزعم منكم تناقض وتهافت وتكبر على الله عز وجل فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك، وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك والله تعالى هو الذي أمره وأرسله بذلك فهو رسول محض، مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي لمن آمن به،  فالعداوة لجبريل عليه السلام الموصوف بذلك كفر بالله تعالى وآياته، وعداوة لله ولرسله وملائكته فإن عداوتهم لجبريل عليه السلام لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله تعالى من الحق على رسل الله فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله والذي أَرسل به والذي أُرسل إليه فهذا وجه ذلك»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله اإلا لا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين،  اللهم يا ربنا فقهنا في الدين وعلمنا التأويل أما بعد: قول الله سبحانه وتعالى (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) قل أيها النبي لليهود فيما يزعمونه أن جبريل عليه السلام وهو أفضل الملائكة وأعظمهم وخيرهم عدو لهم وأنهم مبغضون له ويكرهونه ويعادونه، وكان لنزول هذه الآية سبب وهو إخبار اليهود للنبي عليه الصلاة والسلام بعداوة جبريل لهم وعداوتهم له وأنه عدو لهم، يقولون جبريل عدو لليهود ولهذا يكرهونه ويبغضونه وفي سبب نزول هذه الآية قصة رواها الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إنا نسألك عن أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، قال: فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا: "والله على ما نقول وكيل" قالوا: فأخبرنا، سألوا أسئلة منها قالوا: فأخبرنا من صاحبك الذي يأتيك من الملائكة فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك بالخبر فسألوه من هو؟ قالوا حتى نتابعك إن أخبرتنا قال عليه الصلاة والسلام: جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، ذاك عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالنبات والقِطر والرحمة لكان خيرا" وفي رواية "لاتبعناك" فأنزل الله جل وعلا: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) جاءت هذه الآية جوابا لهؤلاء اليهود في زعمهم أن جبريل عدو لهم، فيقول الله جل وعلا قل لهؤلاء (من كان عدوا لجبريل) من كان يعادي جبريل ولا يقبل الذي ينزل به جبريل (فإنه نزّله على قلبك بإذن الله) (فإنه) الضمير يعود على من؟
• قيل: أي الله، فإنه أي الله، نزّله على جبريل.
• وقيل: (فإنه) أي جبريل، (نزّله) أي القرآن.
وكلا المعنيين حق.
 (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك) المخاطب محمد نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (على قلبك) لأن القلب هو موضع العلم (بل هو آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم)
 قال: (فإنه نزّله على قلبك بإذن الله) أي بأمر الله سبحانه وتعالى، (مصدقا لما بين يديه) أي من الكتاب، و(مصدقا) أي موافقا ليس مخالفا بل جاء بما يصدق ما بين يديه من الكتب ومنها التوراة المنزلة عليهم، مصدقا لما بين يديه من الكتب (وهدى) يحمل هداية البشر وصلاح الناس وما به سعادتهم وفلاحهم في دنياهم وآخراهم، (وبشرى للمؤمنين) أيضا يحمل هذا الكتاب المنزل البشارة للمؤمنين بماذا؟ لم يذكر ليعم كل خير ليعم البشارة بكل خير في الدنيا والآخرة.
قال جل وعلا: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) هذا الآن سيق مساق ذكر عداوتهم لمن؟ عداوتهم لجبريل ونزلت بهذا، الآيتين نزلت بهذا السبب عداوتهم لجبريل، فالله جل وعلا يقول: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين)
خلاصة هذا: أن المعادات لواحد معاداة للجميع، والكفر بواحد كفر بالجميع، من كذب بملك أو كفر بملك أو جحد ملك أو عادى ملكا فهو معادٍ للجميع وهذا كفر، كذلك في الأنبياء من عادى نبيا أو كذب نبيا أو كفر بنبي فهو كفر بالجميع، فالمعاداة لواحد معاداة للجميع،معاداة الواحد والكل سواء، الآن هم ذكروا معاداتهم لجبريل فقال الله (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) والعداوة لأولياء الله موجبة لماذا؟ حرب من الله للمعادي كما في الحديث القدسي (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) معاداتهم لجبريل هذه موجبة للحرب من الله سبحانه وتعالى لهم. معاداة الواحد والكل سواء، الآن هم ذكروا معاداتهم لجبريل فقال الله (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) والعداوة لأولياء الله موجبة لماذا؟ حرب من الله للمعادي كما في الحديث القدسي (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) معاداتهم لجبريل هذه موجبة للحرب من الله سبحانه وتعالى لهم، قال (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) جبريل وميكال هم من الملائكة داخلان في عموم قوله (وملائكته) لكنه خصّهما بالذكر مع دخولهما في العموم خصهما بالذكر لشرفهما وفضلهما وعظيم مكانتهما عليهما السلام. والتخصيص بعد التعميم يفيد هذا المعنى الشرف والفضل مثل قوله (فيها فاكهة ونخل ورمان) نخل ورمان داخل في العموم لكن التخصيص يفيد مزيد الفضل، مزيد المكانة، وجبريل وميكال اليهود يقولون - مثل ما تقدم معنا في الحديث - يقولون إن جبريل عدو لهم وميكائيل ولي لهم وقالوا لو كان الذي نزل عليك ميكائيل قبِلنا، فالمعادات لجبريل أو ميكائيل أو أيا من الملائكة هو معاداة للجميع، والكفر بهم كفر بالجميع، وهو كفر بالله سبحانه وتعالى، والإيمان بالملائكة من أصول الإيمان، من أصول الإيمان الإيمان بالملائكة كلهم لا يستثنى أحد ولا يخصص أحد بعدم الإيمان به أو ببغضه أو نحو ذلك، فهذا يتنافى مع هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان قال جل وعلا (كل آمن بالله وملائكته) فالإيمان بالملائكة هذا من أصول الإيمان العظيمة.
قال (فإن الله عدو للكافرين) ولم يقل عدو لهم، قال (عدو للكافرين) وهذا فيه تنبيه أن عداوتهم هذه كفر، نفس العداوة عداوتهم كفر وأنهم كافرون بهذه العداوة قال (فإن الله عدو للكافرين)
 قال الشيخ رحمه الله: «يقول لهؤلاء اليهود الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان أن وليك جبريل عليه السلام ولو كان غيره من ملائكة الله لآمنوا بك وصدقوا، قل لهم إن هذا الزعم منكم تناقض وتهافت وتكبر على الله فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك» جبريل ما هو؟ رسول، جبريل رسول ملكي ومهمة الرسول إبلاغ كلام المرسِل، فلما يأتي هؤلاء الأرذال يقولون: لا، نحن هذا الرسول ما نقبله وهذا الرسول نقبله، لو كان هذا الرسول لقبلنا أما إذا كان هذا الرسول لا نقبل، فهذا ماذا يكون؟  فيه التحكم والعناد والإباء والتناقض كلها مجتمعة، قال: «فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقران من عند الله على قلبك وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك والله هو الذي أمره وأرسله بذلك فهو رسول محض» يعني مرسل من الله، الله الذي شرّفه بذلك واختاره من الملائكة ليكون رسوله فهو رسول محض، مع أن هذا الكتاب - هذا أمر آخر في الرد عليهم - « مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدق،  مصدقا لما تقدمه من الكتب التوراة وغيرها غير مخالف لها ولا مناقض، وأيضا فيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، وفيه أيضا البشارة بالخير الدنيوي والأخروي لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك كفر بالله وكفر بآيات الله وعداوة لله ولرسله ولملائكته، فإن عداوتهم لجبريل لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله»
وهذه نقطة مهمة ينبه عليها الشيخ رحمه الله تعالى "فإن عداوتهم لجبريل لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسل الله" وسبق أن مر معنا في استنصارهم بالنبي يستفتحون بمجيئه على المشركين ويقولون سيبعث قريبا ونؤمن به ونقتلكم معه (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين* بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده) هذه مثلها، الله اختار محمد عليه الصلاة والسلام ما قبلوا هذا الاختيار وحسدوه وقالوا ليس منا هذا من قريش ما نقبله، وهنا جبريل يقولون لا ما نقبله والله الذي اختار جبريل والله الذي اختار محمد عليه الصلاة والسلام، هنا قالوا لا ما نقبل محمد حسدا وبغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده،  وهنا كذلك يقولون لا جبريل ما نقبله، إذا القصة ما هي؟
القصة نفس الدين المُرسل به جبريل والمرسل به محمد عليه الصلاة والسلام ما يريدونه ما يريدون الدين،
وقبل ذلك التوراة نفسها كانوا امتنعوا من قبولها حتى رُفع عليهم الجبل كأنه ظلة وتهددوا بأن ينزل عليهم وأن يهلكوا. فالمسألة ليست مسألة أن جبريل ما نرغب فيه، المسألة هي عداوة للدين نفسه المنزل من رب العالمين قال (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) قال: فإن عداوتهم لجبريل لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله، عداوة للدين المُنزل ولهذا قبل قال: «أبغضوا نزوله على محمد عليه الصلاة والسلام وما قبلوا الدين لأنه نزل على محمد وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا بهذا النبي ولما جاءهم ما عرفوا ما قبلوا، كفروا به ما قبلوا لأنه ليس منهم» وهنا جبريل يقولون لا هذا عدو لنا ما نريده قال: «بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسله فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله والذي أرسل به والذي أُرسل إليه، كفر بالمُنزَل وكفر بالمنزِل والكفر بالمنزَل اليه» فهذا وجه ذلك. نعم
ن/ قال رحمه الله: « قوله (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون) يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) تحصل بها الهداية لمن استهدى وإقامة الحجة على من عاند وهي في الوضوح والدلالة على الحق قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله وخرج عن طاعة الله واستكبر غاية التكبر»

ت/ قول الله جل وعلا (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) (أنزلنا) هذا فيه مُنزَل وفيه مُنزِل وفيه مُنزَل إليه، كلها يتضمنها قوله (أنزلنا) (أنزلنا إليك) مُنزِل وهو رب العالمين وهذا أيضا فيه دلائل على علو الله على خلقه لأن النزول إنما يكون من أعلى فهذا مما استدل به أهل العلم على علو الله، والدلائل على العلو كثيرة جدا، كثيرة بالآلاف يا قومنا يقول ابن القيم: «والله إن لقولنا ألفا تدل عليه بل ألفان» أدلة العلو كثيرة هذا الآن نوع من أنواع الأدلة على علو الله (أنزلنا إليك) النزول من أعلى. (أنزلنا إليك) ففيه مُنزِل، وفيه مُنزَل، وفيه مُنزَل إليه.  (ولقد أنزلنا إليك) أيها النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه (آيات بينات)  (بينات) البيان الوضوح والجلاء، بينات واضحة جلية في هداية البشر وصلاح العباد وزكاء النفوس وإنقاذ الناس من الظلمات والضلال والكفر والباطل، (آيات بينات) في هداياتها، في إرشاداتها، في حُججها وبيناتها آيات بينات.
 (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) هذه عقب ما تقدم عداوتهم للمُنزَل لأن أصل العداوة لجبريل ومن قبل العداوة لمحمد عليه الصلاة والسلام هي عداوة وبغض للمنزَل نفسه وما هذا الذي يقولونه إلا نوع من التفلت من هذا المنزَل لا يريدونه، لا يقبلونه ولهذا قال عز وجل (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات)  (وما يكفر بها) أي هذه الآيات البينات المُنزلة من رب العالمين (إلا الفاسقون) والفسق هو: الخروج عن الطاعة والخروج هنا هو خروج عن الإيمان ولهذا الفسق هنا الفسق الأكبر مثل ما قال الله (والكافرون هم الفاسقون) الفسق هو الفسق الأكبر فهي مثل قوله للكافرين في الآية التي بعدها (وما يكفر بها إلا الفاسقون) أي الخارجون عن الإيمان، فهو فسق أكبر وهو الكفر بالله عز وجل وبدينه الذي أنزله على رسله الكرام.
كأن مجيء هذه الآية - والله تعالى أعلم - بعد التي قبلها تبين هذا المعنى أن عداوة هؤلاء للدين نفسه، للدين المنزل بالآيات البينات الواضحات فأعقب الله عز وجل ما سبق بقوله (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر) بهذه الآيات البينات إلا الفاسقون الخارجون من الايمان، والمعنيون بذلك يزعمون أنهم من أهل الإيمان، بل يزعمون أنهم ماذا؟ - تقدم معنا- أنهم أرفع أهل الإيمان شأنا  بل قالوا (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا) وقالوا إن الدار الآخرة يعني الجنة خالصة لهم من دون الناس.
 يقول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) تحصل بها الهداية لمن استهدى وإقامة الحجة على من عاند وهي في الوضوح والدلالة على الحق قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله وخرج عن طاعة الله واستكبر غاية التكبر، وعرفنا أن الفسق هنا ليس الأصغر وإنما هو الأكبر الناقل من الملة الذي من كان متصفا به ليس بمؤمن لا يكون مؤمنا.  نعم
ن/ قال رحمه الله: « قوله (أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون) وهذا فيه التعجب من كثرة معاهداتهم وعدم صبرهم على الوفاء بها. فـ (كلما) تفيد التكرار، فكلما وُجد العهد ترتب عليه النقض ما السبب في ذلك؟ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود ولو صدق إيمانهم لكانوا مثل من قال الله فيهم (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)».

ت/ قول الله جل وعلا (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم)
 (أو كلما عاهدوا عهدا) هذه الآية فيها أن اليهود ليسوا من أهل الوفاء بالعهود، وعدم الوفاء هذا ديدنهم بمعنى أنهم كلما عاهدوا ينقضون، لا يصبرون على عهد ولا يفُون به، كلما عاهدوا نقضوا لأن قوله (أو كلما) كلما هذه تفيد التكرار (كلما عاهدوا) يعني في كل مرة يعاهدون ينقضون كل مرة يعاهدون ينقضون، يعاهدون ويتعاهدون بالوفاء وينقضون هذا ديدنهم، هذه طريقتهم والآية فيها تعجب من هذه الحالة السيئة الشنيئة التي كانوا عليها (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل لا أكثرهم لا يؤمنون)، قال: «وهذا فيه التعجب من كثرة معاهداتهم وعدم صبرهم على الوفاء بها فـ (كلما) تفيد التكرار، فكلما وُجد العهد ترتب عليه النقض» (نبذه فريق منهم) المقصود نقض العهود، ونبذها نقضها ما السبب في ذلك؟ السبب (أن أكثرهم لا يؤمنون) فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود ولو صدق إيمانهم لكانوا مثل من قال الله فيهم وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ففي باب العهد في من يكون صادقا وفي من يكون كاذبا في العهد، والكذب هذه صفة اليهود، وعدم الوفاء صفة اليهود ولهذا هذه الصفات بقيت مع من أظهر إسلامه مجرد إظهار وهو باقي على كفره، تقدم معنا أوصافهم أهل النفاق قد قال عليه الصلاة والسلام: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فهذه صفات لهم. نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون* ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) نعم
اللهم انفعنا بما علمتنا وزدنا علما وتوفيقا وتسديدا وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم آت نفوسنا تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا
اقرأ المزيد...

الأربعاء، 11 مارس 2026

آية وحديث ( سورتي آل عمران والنساء)

 سورة آل عمران

/ (إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68))
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إنَّ لِكلِّ نبيٍّ ولاةً منَ النَّبيِّينَ وإنَّ وليِّيَ أبي وخليلُ ربِّي. ثمَّ قرأَ (إنَّ أولى النَّاسِ بإبراهيمَ للَّذينَ اتَّبعوهُ وَهذا النَّبيُّ والَّذينَ آمنوا واللَّهُ وليُّ المؤمنين) (1)

/ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ....... (110))
عن معاوية بن حيدة القشيري أنه سمِع النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلم يقولُ في قولِه تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: (إنكم تُتِمُّونَ سبعينَ أمةً، أنتم خيرَها وأكرمَها على اللهِ) (2)

/ (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: أرأيت قولَه (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال فأينَ النارُ؟ قال: أرأيتَ الليلَ فالتمسْ كل شيءٍ فأينَ النهارُ؟ قال حيثُ شاء اللهُ، قال: فكذلك النارُ حيثُ شاء اللهُ) (3)

/ (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ " ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ: (وَلَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ. (4)

سورة النساء

/ (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) [النساء / 123] بلغتْ من المسلمين مبلغًا شديدًا. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: " قارِبوا وسدِّدوا ففي كلِّ ما يصابُ به المسلمُ كفارةٌ حتى النكبةِ ينكبُها، أو الشوكةَ يشاكُها) (5)

----------------------------------
(1) صحيح الجامع 2158
(2) حسنه الالباني، صحيح الترمذي 3001
(3) مجمع الزوائد، رجاله رجال الصحيح 6/ 330
(4) صحيح البخاري 4565
(5) مسلم 2574
اقرأ المزيد...

مصحف الحُفاظ وحصاد التدبر / الجزء (16 - 17- 18) pdf

اقرأ المزيد...

مصحف الحُفاظ وحصاد التدبر / الجزء (13- 14- 15) pdf

اقرأ المزيد...

الاثنين، 9 مارس 2026

آية وحديث (سورتي الفاتحة والبقرة)

 سورة الفاتحة

/ (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7))
عن عبدالله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بلقين فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء قال هؤلاء المغضوب عليهم وأشار إلى اليهود فقال من هؤلاء قال الضالون يعني النصارى (1)


 سورة البقرة

/ (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم قيل لبني إسرائيلَ: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58] فبدَّلوا فدخَلوا البابَ يزحَفونَ على أستاهِهم وقالوا: حبَّةٌ في شَعرة. (2)

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ..... (143))
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم يجيءُ نوحٌ وأُمَّتُه، فيقول اللهُ تعالى: هل بلغتَ؟ فيقول: نعم أي ربِّ، فيقول لأمَّتهِ: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا ما جاءَنا من نبيٍّ، فيقول لنوحٍ: من يشهدُ لك؟ فيقول محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأمتُه، فنشهد أنه قد بلَّغ، وهو قولُه جلَّ ذكرُه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. والوسطُ العدلُ. (3)

/ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ......... (187))
عن عدي بن حاتم لما نُزِّلَت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}. عَمَدْت ُإلى عِقَالٍ أسودَ وإلى عِقَالِ أبيضَ، فجَعلتُهما تحتَ وُسَادتي، فجعلتُ أنظرُ في الليلِ فلا يَسْتَبِينُ لي، فَغَدَوتُ على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فذكرتُ لهُ ذلكَ، فقالَ: إنمّا َذاكَ سوادُ الليلِ وبياضُ النهارِ) (4)

/ (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238))
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، يومَ الأحزابِ شغلونا عنِ الصلاةِ الوُسطَى صلاةِ العصرِ. ملأ اللهُ بيوتَهم وقبورَهم نارًا ثم صلاَّها بين العِشاءَينِ، بينَ المغربِ والعشاءِ. (5)
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1) مجمع الزوائد 6/ 313 رجال الجميع رجال الصحيح
(2) صحيح البخاري 3403، صحيح مسلم 3015
(3) صحيح البخاري 3339
(4) صحيح البخاري  1916
(5) صحيح مسلم 627

اقرأ المزيد...