الديان: هو اسم ثابت لله عزوجل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، روى الإمام أحمد في «المسند» والبخاري في الأدب المفرد وابن أبي عاصم في السنة والحاكم في «المستدرك» وغيرهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه- فقال للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القِصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يحشر الناس يوم القيامة - أو قال : العباد - عراة غرلا بُهما، قال: قلنا : وما بُهما ؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب: أنا الملك أنا الديّان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أُقِصَّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أُقِصّهُ منه حتى اللطمة، قال: قلنا : كيف وإنما نأتي الله عزوجل عراة غرلا بهما ؟ قال: بالحسنات والسيئات) زاد الحاكم (وتلا رسول الله : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ (۱) بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ) ) (١)
والديَان: معناه المجازي المحاسب، والله جل وعلا يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة عُراة ليس عليهم ثياب، حفاة بلا نعال غرلًا أي: غير مختتنين، بُهما ليس معهم شيء من متاع الدنيا، ثم يجازيهم ويحاسبهم على ما قدموا في حياتهم الدنيا من أعمال إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر : ١٧]، وقال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧]،
وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة : ٧ - ٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفُهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٠].
وقال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران : ٣٠].
ويوم القيامة يسمى يوم الدين؛ لأنه يوم الجزاء والحساب، قال الله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي : مالك يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها، يدل على ذلك قوله تعالى : (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) [النور: ٢٥] أي: حسابهم، وقوله تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [غافر : ۱۷]، وقوله تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجاثية : ٢٨]، وقوله: (أَإنَا لَمَدِينُونَ) [الصافات: ٥٣]، أي: مجزيون محاسبون.
وإذا عرف العاقل أنَّ الرَّبَّ سبحانه ديّان، وأنَّ يوم القيامة يوم جزاء وحساب، وأنه سيلقى الله ذلك اليوم لا محالة، وأنه في ذلك اليوم سيجد أعماله كلها محضرة خيرها وشرها، حسنها وسيئها؛ فإنه سيحسب لذلك اليوم حسابه ويُعد له عدته.
روى الإمام أحمد في «الزهد»(٢) عن أبي قلابة، قال: قال أبو الدرداء أنه قال: «البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا ينام، فكن كما شئت، كما تدين تدان». فالكيّس من دان نفسه وحاسبها ما دام في دار المهلة والعمل، والعاجز من أهملها سادرة في غيها وأتبعها هواها إلى أن يفجأه الندم. روى ابن أبي الدنيا في كتابه (محاسبة النفس ) (٣) عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية».
أولا يذكر الظالم الغشوم هول المطلع وشدَّة الحساب وقول الديّان سبحانه في ذلك اليوم: «لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أُقِصه منه حتى اللطمة».
ولما سأل الصحابة كيف يكون الحساب حينئذ والناس إنما يقدمون إلى الله يوم القيامة عراة غرلا بهما قال: «بالحسنات والسيئات»، أي: أنه سبحانه يأخذ للمظلوم من حسنات ظالمه، فإن لم يكن عنده حسنات أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه ثم طرح في النار، كما في حديث أبي هريرة عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إنّ المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا، وضرب هذا ، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) رواه مسلم (٤)، وروى أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٥). وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
أما والله إن الظلم لؤم ** وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصوم
ومن كمال مجازاة الرب سبحانه في ذلك اليوم أنه يجيء بنفسه في ذلك اليوم للفصل بين العباد، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا*وَجَيء يَوْمَيئذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى* يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [الفجر : ٢٢ - ٢٤].
فتفكر أيها العبد في هذا اليوم العظيم، وتذكَّر أن الرب سبحانه ديان، وأن الحقوق ستؤدى في ذلك اليوم إلى أهلها، وأن ما ثم في ذلك اليوم إلا الحسنات والسيئات.
تذكر يوم تأتي الله فردًا ** وقد نُصبت موازين القضاء
وهتكت الستور عن المعاصي ** وجاء الذنب منكشف الغطاء
اللهم أجرنا من خزي يوم الندامة، ومن الفضيحة يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
--‐-------------------------------------
(۱) رواه أحمد (٣/ ٤٩٥) ، والبخاري في الأدب المفرد (۹۷۰) ، وابن أبي عاصم في السنة» (٥١٤)، والحاكم (٢ / ٤٣٧) وغيرهم من طريق القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله ابن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (فذكره). وإسناده حسن؛ عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه لكنه حسن الحديث، والقاسم بن عبد الواحد المكي روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات» (۳۳۷/۷) ولم يجرح. وعزاه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب إلى احمد وحسن إسناده ، وكذا حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب) (٣٦٠٨) ، وفي ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم». وله إسناد آخر أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٦) من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد ابن المنكدر، عن جابر، به مطولاً. قال الحافظ في «الفتح» (١ / ١٧٤): «وإسناده صالح».
(٢) رقم: (٧٦٤) ورجاله ثقات، وفيه انقطاع.
(٣) : رقم(٢)
(٤) (برقم: ٢٥٨١).
(٥) (صحیح مسلم» (رقم: ٢٥٨٢).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق