بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في هذه الفقرة المتعلقة بالوقف والابتداء في سورة المدثر.
أولا: معظم سورة المدثر عبارة عن آيات قصيرة، والوقف على رؤوس الآيات سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما عدا رؤوس الآيات فإن الوقف فيها في مواضع محدودة من سورة المدثر.
أولها: الوقف على (كلا): جاءت (كلا) في سورة المدثر في فاتحة أربع آيات، والقاعدة في (كلا): أنها إن جاءت بمعنى النفي للكلام الذي قبلها صح الوقف عليها، وإن جاءت بمعنى (ألا) الاستفتاحية التي تكون فاتحة للجملة التي بعدها لم يصح الوقف عليها.
وتختلف وجهة نظر العلماء في بعض المواضع التي جاءت فيها (كلا) ، هل هي للنفي والزجر أو هي للاستفتاح، فمن رجح أنها للنفي والزجر صحح الوقف عليها، ومن رجح أنها للاستفتاح لم يصحح الوقف عليها. وبعض المواضع ظاهرة في المراد منها أنها إما للنفي والزجر أو أنها للاستفتاح، وبعض المواضع مشكلة، حتى إن بعض العلماء أجاز الوجهين فيها، فأجاز أن تكون نافية زاجرة، وأن تكون استفتاحية. ومن تأمل هذه المواضع تبين له أن السياق يوضح المراد بـ (كلا) ، هل هي نافية زاجرة أو هي استفتاحية.
دعونا نطبق هذا في المواضع التي جاءت فيها (كلا) في سورة المدثر.
أول هذه المواضع في الآية السادسة عشرة : (كلا إنه كان لآياتنا عنيدا) سُبقت بقوله : (ثم يطمع أن أزيد* كلا)، فالظاهر من السياق أنها نافية ، أي : ليس الأمر كما طمع، ولن أزيده، ثم قال: (إنه كان لآياتنا عنيدا) جملة مستفتحة بـ (إنّ)، فدل على أن الوقف على (كلا) هنا صحيح، وأنّ (كلا) هنا بمعنى النفي والزجر، وهو الذي ذهب إليه عامة علماء الوقف والابتداء.
الموضع الثاني: في الآية الثانية والثلاثين : (كلا والقمر)، قال قبلها (وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر* كلا والقمر)، الظاهر من السياق أن (كلا) هنا لا تحتمل أن تكون نافية زاجرة، إلا إذا أعدنا الكلام إلى ما ورد في بداية الآية، أي: ليس الأمر كما ظن المشركون من أن التسعة عشر ضعاف يستطيعون أن يغلبوهم، لكن هذا بعيد عن السياق، لأن هذا الاحتمال بعيد عن تصوّر القارئ والمستمع، فالأقرب أن تكون (كلا) هنا بمعنى : (ألا)، أو (حقًا) والقمر، فهي استفتاحية، فلا يصح الوقف عليها، كما ذهب إليه عامة علماء الوقف والابتداء.
الموضع الثالث: في الآية الثالثة والخمسين في قوله تعالى : (كلا بل لا يخافون الآخرة) بعد قوله: (بل يريد كل امرئ منهم أن يُؤتى صحفا منشرة* كلا) أي: لن يؤتوا صحفا منشرة، فظاهر من السياق أنها نافية زاجرة، فيصح الوقف هنا، كما نص عليه جماعة من علماء الوقف والابتداء.
الموضع الرابع: في الآية الرابعة والخمسين في قوله: (كلا إنه تذكرة) بعد أن قال: (كلا بل لا يخافون الآخرة* كلا إنه تذكرة)، هل تحتمل (كلا) هنا أن تكون نافية؟ تنفي ماذا؟ قال : (بل لا يخافون الآخرة)، (كلا) أي: كلا يخافون الآخرة؟ هذا غير محتمل ، لذلك لم يصحح أحد من علماء الوقف والابتداء الوقف على (كلا) هنا، وإنما جعلوها استفتاحية بمعنى (ألا) إنه تذكرة.
بقى الكلام عن الوقف والابتداء في آيتين:
الآية الطويلة، وهي قوله تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة)، والآية الأخيرة، وهي قوله : (وما يذكرون إلا أن يشاء الله).
أبدأ بما يتعلق بقول الله تعالى : (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) هل يصح الوقف هنا؟
نص على الوقف هنا بعض علماء الوقف والابتداء، وإذا تأملنا فإن جملة النفي التي جاء بعدها استثناء قد انتهت هنا، لم نجعل أصحاب النار إلا ملائكة، يعني: أن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه لم يجعلهم بشرا ولا جنا ولا غير ذلك. ثم جاءت بعدها جملة نفي أخرى بعدها استثناء كذلك، في قوله: (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا)، وكل جملة من هاتين الجملتين قائمة بنفسها، فيصح الفصل بينهما، والله تعالى أعلم.
وهل يصح الوقف على قوله : (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا)؟
الجواب : لا يصح؛ نص على المنع منه السجاوندي والأشموني، لماذا؟ لقوله بعدها: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب)، واللام هنا لام (كي) التعليلية، أي لم نجعل عدتهم إلا فتنة للذين كفروا لكي يستيقن الذين أوتوا الكتاب، ولا يُوقف قبل التعليل؛ لأن التعليل من تمام الكلام. قال: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب)، وأكمل التعليل : (ويزداد الذين آمنوا إيمانا)، جملة منصوبة معطوفة على (ليستيقن) أتمّ التعليل فقال : ( ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون، جملة منصوبة معطوفة على (يستيقن)، أتم التعليل فقال : (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا)، جملة معطوفة منصوبة إكمالا للتعليل، فلا وقف بين هذه الجمل كلها، ولا وقف إلا على قوله : ( ماذا أراد الله بهذا مثلا) هنا انتهت جمل التعليل، وقد نص على الوقف هنا عامة علماء الوقف والابتداء، لأنه جاء بعدها : (كذلك يُضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يُضل الله من يشاء ويهدي من يشاء، فهي جملة قائمة بنفسها، فصحالوقف قبلها والابتداء بها، والله تعالى أعلم.
/ وهل يصح الوقف على قوله : ( كذلك يُضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)؟
الجواب: نعم؛ نص عليه عامة علماء الوقف والابتداء، ووجهه: أن الجملة قد انتهت هنا، ثم جاءت جملة نفي بعدها في قوله : (وما يعلم جنود ربك إلا هو) فصح الفصل بينهما، والله تعالى أعلم.
/ وهل يصح الوقف على قوله : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو )؟الجواب: نعم؛ نص عليه عامة علماء الوقف والابتداء، ووجهه أن جملة النفي مع الاستثناء الذي جاء بعدها قد انتهت هنا، ثم جاءت جملة نفي أخرى مع استثنائها في قوله : (وما هي إلا ذكرى للبشر)، فصح الفصل بينهما، والله تعالى أعلم.
بقي الكلام عن الوقف في الآية الأخيرة من سورة المدثر في قوله: ( وما يذكرون إلا أن يشاء الله) هل يصح الوقف هنا؟
الجواب: نعم؛ نص عليه جماعة من علماء الوقف والابتداء، ووجهه أن جملة النفي مع الاستثناء الذي جاء بعدها قد انتهت هنا، ثم جاءت جملة مستأنفة في قوله: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة)، فصح الفصل بينهما، والله تعالى أعلم.
هذا آخر ما يتعلق بالوقف والابتداء في سورة المدثر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما وعملا وهدى وتقى. والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-----------------
د. أبصار الإسلام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق