السبت، 22 أغسطس 2026

تفسير قوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } الشيخ حسن بخاري



كثيرا ما نقرأ ونسمع قول الله عز وجل في سورة النور (الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات)
 ما المقصود بقوله الطيبات للطيبين؟
 سمعت قول المصنف رحمه الله وحكى ذلك أئمة التفسير كشيخ المفسرين الطبري وغيرهم كثير رحمة الله عليهم، فُسر بأن النساء الطيبات للرجال الطيبين لأن الله قال قبلها - وكل ذلك في سياق الوعيد على من أطلق لسانه بالاعتداء على أعراض المسلمين بالقذف - (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يومئذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون* يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) قال بعدها: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) فكان المتبادر أن الخبيثات من الأزواج والنساء للخبيثين من أمثالهم بمعنى أن الخبث يجتمع مع بعضه كما قال الله عز وجل (ويجعل الخبيث على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون) وإذا كان الطيب درجات أعلاه ورأسه طيب المعتقد بالإيمان وتوحيد الله وعبادته وحده ثم إفراده بالعبادة، فالخبث أيضا في البشر درجات، فما أخبثه؟ الشرك بالله والكفر بالله جل جلاله، أخبث البشر على وجه الأرض الكفرة من خلق الله الذين لا يعرفون لله حقا ولم يؤدوا له واجبا أولئك شرار الخلق عند الله، أخبثهم - والعياذ بالله - فكان معنى الآية في أحد تفسيرات أهل العلم (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) المقصود به الأزواج، فالنساء الخبيثات لمثلهم من الأزواج الخبيثين، ويكون معنى قوله تعالى (الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) كذلك، أن النساء الطيبات للرجال الطيبين وأن الله يخص أهل الإيمان بهذا التقدير لحكمة يعلمها بما يكون فيه إكراما لأهل عبادته من المؤمنين.
 وفُسرت الآية أيضا: بأن قوله تعالى (الخبيثات للخبيثين) هذا وصف فيحتاج إلى تقدير موصوف محذوف، ما الخبيثات؟
 قيل: معناه الكلمات الخبيثات للخبيثين، وأيضا إذا قلت (الطيبات للطيبين) معناها الكلمات الطيبات للطيبين، بمعنى أن الله عز وجل جعل للطيبين من عباده الكلمات الطيبة التي لا يتكلمون إلا بها ولا يعبدون الله إلا بها، وأخبث الكلام ما يُنسب إلى الله جل جلاله مما حرمه الله ونفاه عن ذاته العلية بأن ينسب له شريك - تعالى الله - أو زوجة أو والد أو ولد - عياذا بالله - فإذا نُسب ذلك إلى الله على ألسنة بعض البشر فهذا من شر وأخبث الكلام.
 قال الله عز وجل (الخبيثات للخبيثين) فإذا كان هنا معنيان: أن الطيبات والخبيثات بمعنى الكلمات أو بمعنى النساء والأزواج قال المصنف رحمه الله: "وهي تعم ذلك وغيره فالكلمات والأعمال والنساء الطيبات لمناسبيها من الطيبين وبالعكس فالكلمات والأعمال الخبيثات لمناسبيها أيضا من الخبيثين" فإذا أبصرت - عبد الله  نفسك رعاك الله - عبدا مؤمنا يعرف لله حقه ويقوم لله بما أمر الله به، يجاهد نفسه في هذا الطريق ما استطاع ألا يراه الله عز وجل إلا قائما بالعبودية التي خُلق من أجلها فإنه يحمد الله أن سلك به طريقا طيبا يحبه الله جل جلاله. نعم.
 " والله سبحانه جعل الطيب بحذافيره في الجنة وجعل الخبيث بحذافيره في النار" كما قال الله سبحانه وتعالى (ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون) طيب والجنة ماذا فيها؟
 ما فيها الا الطيبون والطيبات.
 طيب وإذا جاء بعض العباد يوم القيامة فيه شيء طيب وشيء خبيث؟ لا يدخل الجنة وفيه خبث مثقال ذرة، فإما أن يُنقى فيعفو الله عنه، أو تغلب حسناته سيئاته، أو يظفر بشفاعتة الشافعين يوم القيامة، أو يرحمه أرحم الراحمين، فلا يدخل الجنة إلا مُنقى مطهرا، فإن بقي شيء من خبثه ولم ينل شيئا من تلك المداخل التي يُطهر العبد فلابد أن يمر على النار - عياذا بالله - حتى يُصفى، ولذلك فان آخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل من أهل الإيمان مُوحد لكنه ممن فرط وأسرف على نفسه فربما أستكثر من المعاصي والموبقات فإذا دخل النار - عياذا بالله - ثم أدركه العفو وخرج منها بعدما استوفى حقه من العقاب يدخل الجنة وقد تطهّر. فهذا ميزان عظيم أخبرت عنه الشريعة سيأتي شرحه في كلام المصنف. نعم
" فجعل الدور ثلاثة دارا أُخلصت للطيب وهي حرام على غير الطيبين وقد جمعت كل طيب وهي الجنة، ودار أخلصت للخبيث والخبائث ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار، ودار مُزج فيها الطيب والخبيث وخلط بينهما وهي هذه الدار" أي دار؟ دنيانا هذه، فيها الخبيث وفيها الطيب، فيها الصالح وفيها الطالح، لكنك إذا دخلت الجنة - قل إن شاء الله - إذا دخلت الجنة فلا ترى فيها حولك إلا طيبا، لا ترى إلا زوجة طيبة، ولا طعاما إلا طيبا، ولا شرابا إلا طيبا، ولا جارا إلا طيبا، لا تشرب ولا تأكل ولا تتنفس ولا تقع عينك إلا على كل طيب، هذه في الجنة خالصة، أما هذه الدار ففيها هذا وفيها ذاك، ولهذا وقع فيها الابتلاء والامتحان. نعم.
" ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط وذلك موجب الحكمة الإلهية فإذا كان يوم ميعاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط الجنة وهي دار الطيبين، والنار وهي دار الخبيثين، وأنشأ الله سبحانه من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم فجعل طيبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذتهم، أنشأ لهم منها أكمل أسباب النعيم والسرور، وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلآمهم فأنشأ لهم منها أعظم أسباب العقاب والآلآم، حكمة بالغة وعزة قاهرة ليُري عباده كمال ربوبيته، وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته، وليُعلم أعداءه أنهم كانوا هم الكاذبين المفترين لا رسله البررة الصادقون قال تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون* ليبين لهم الذي الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، والمقصود: أن الله تعالى جعل على السعادة والشقاوة عنوانا يعرفان به، فالسعيد طيب لا يليق به إلا طيب ولا يأتي إلا طيبا، ولا يصدر منه إلا طيب، ولا يلابس إلا طيبا، والخبيث لا يليق به إلا الخبيث، ولا يأتي إلا خبيثا ولا يصدر منه إلا الخبيث، فالخبيث يتفجر من قلبه على لسانه وجوارحه، والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه جوارحه، وقد يكون في الرجل مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهلها فإن الله فإن أراد الله به خيرا طهّره من المادة الخبيثة قبل الموافاة فيوافيه يوم اللقاء مطهرا لا يحتاج الى تطهير بالنار، فيطهره منها بما يوفقه له من التوبة النصوح، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" هذه كلها مكفرات، التوبة النصوح، الحسنات الماحية كما قال الله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات) وقال عليه الصلاة والسلام (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) وكذلك المصائب المكفرة فإن مصيبة العبد في صحته في نفسه في بدنه، في ماله في أهله في ولده كلها إذا صبر واحتسب كفّر الله بها من خطاياه قال (حتى الشوكة يشاكها يكفر الله بها من خطاياه) فإذا اراد الله بعبد خيرا وفيه شيء مما واقعه في الحياة خبثا فإن الله يطهّره قبل الموافاة. نعم.
"ويمسك عن الآخر مواد التطهير فيلقاه يوم يلقاه بمادة خبيثة ومادة طيبة، وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه فيدخله النار طُهرة له وتصفية وسبكا، فإذا خلُصت سبيكة إيمانه من الخبث صلح حينئذ لجواره ومساكنة الطيبين من عباده، وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها فأسرعهم زوالا وتطهرا أسرعهم خروجا، وأبطؤهم أبطؤهم جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد"
 أبطؤهم في طهارته من خبث ما لقيه في الدنيا في النار -والعياذ بالله- أبطؤهم خروجا منها، قال (وما ربك بظلام للعبيد) فانظر كيف جعل الإيمان كسبيكة من الذهب هي في داخل كل واحد منا وربما أصاب سبيكة الذهب شيء مما يعتريها فتحتاج إلى تصفية وسبك فإذا دخلت النار انصهرت وذابت فتخلصت مما علق بها من الشوائب. نعم.
" ولما كان المشرك خبيث الذات لم تُطهر النار خبثه بل لو خرج منها عاد خبيثا كما كان كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه" لو أُدخل الكلب -أعزكم الله وغُمس في ماء البحر وخرج يبقى نجسا فلا يغسله ماء البحر ولو انغمس فيه لأنها نجاسة عينية فلا علاقة لها بتطهير، فكذلك نجاسة الكافر قال الله (إنما المشركون نجس) فنجاسة لا تطهرها عقابات الآخرة - نسأل الله السلامة-
" فلذلك حرم الله عليه الجنة، ولما كان المؤمن الطيب المطيب مبرأ من الخبائث كانت النار حراما عليه إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها، فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، وشهدت فِطر عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين، ورب العالمين" وأشهد وتشهدون أنه أحكم الحاكمين ورب العالمين.
 انتهى كلام المصنف في هذا الفصل رحمه الله تعالى. ونفعنا وإياكم بما أورد فيه من كلام بديع وحكمة جليلة، واستكثروا ليلتكم من الصلاة والسلام على رسول الهدى وسيد الورى صلى الله عليه وآله وسلم تصيبون من رحمات ربكم وصلاة ربكم أضعاف ما تصلون به على نبيكم صلى الله عليه وسلم، فعليه صلى الله ما سطع الضياء وترنمت ورقاء بالأشعار، وعليه صلى الله ما التف الدجى وترددت ذكراه في الأقطار، صلوا عليه وسلموا تسليما، فاللهم صل وسلم وبارك عليه، وارزقنا يا رب علما نافعا وعملا صالحا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء. اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك يا ذا الجلال والاكرام، واختم لنا بالحسنى وبلغنا ما يرضيك عنا يا ذا الجلال والاكرام، لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق