السبت، 25 يوليو 2026

اسم الله (النور) من كتاب فقه الأسماء الحسنى

 (النور)
وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّي يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارُ نُورُ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النور: ٣٥]. وقد أفاد هذا النص وغيره من النصوص الواردة في هذا الباب تسمية الرب سبحانه نورًا، وبأن له نورًا مضافا إليه، وبأنه نور السموات والأرض، وبأن حجابه نور، فهذه أربعة أنواع :
الأول: إطلاقه عليه سبحانه اسماً.
الثاني: إضافته إليه وصفاً، كما يضاف إليه حياته وسمعه وبصره وسائر صفاته، وتارة يضاف إلى وجهه كقوله في الحديث: (أعوذ بنور وجهك)، وتارة يضاف إلى ذاته كقوله تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ [الزمر : ٦٩] .
الثالث: إضافة نوره إلى السموات والأرض، كقوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
الرابع: ذكر أن حجابه النور، كما في الحديث الصحيح: (حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه لله- في كلام جامع له في بيان معنى هذا الاسم، وتوضيح مدلوله:
«النور من أوصافه تعالى على نوعين:
/ نور حسي: وهو ما اتصف به من النور العظيم الذي لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ونور جلاله ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تطيق المخلوقات كلها الثبوت النور وجهه لو تبدى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة، ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السموات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم التي عرضها السموات والأرض - وسَعَتُها لا يعلمها إلا الله - من نوره، فنور العرش والكرسي والجنات من نوره، فضلا عن نور الشمس والقمر والكواكب.
والنوع الثاني: نوره المعنوي، وهو النور الذي نور قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته من أنوار معرفته وأنوار محبته، فإن لمعرفته في قلوب أوليائه المؤمنين أنوارًا بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله فكل وصف من أوصافه له تأثير في قلوبهم، فإن معرفة المولى أعظم المعارف كلها، والعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهذا العلم الذي هو أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها.
فكيف إذا انضم إلى هذا نور محبته والإنابة إليه، فهنالك تمتلئ أقطار القلب وجهاته من الأنوار المتنوعة وفنون اللذات المتشابهة في الحسن والنعيم
 فمعاني العظمة والكبرياء والجلال والمجد تملأ قلوبهم من أنوار الهيبة والتعظيم والإجلال والتكبير.
ومعاني الجمال والبر والإكرام تملأها من أنوار المحبة والود والشوق.
ومعاني الرحمة والرأفة والجود واللطف : تملأ قلوبهم من أنوار الحب النامي على الإحسان، وأنوار الشكر والحمد بأنواعه والثناء.
ومعاني الألوهية تملأها من أنوار التعبد، وضياء التقرب، وسناء التحبب وأسرار التودد، وحرية التعلق التام بالله رغبة ورهبة، وطلبا وإنابة، وانصراف القلب عن تعلقه بالأغيار كلها.
ومعاني العلم والإحاطة والشهادة والقرب الخاص: تملأ قلوبهم من أنوار مراقبته، وتوصلهم إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات كلها، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فكل معنى ونعت من نعوت الرب يكفي في امتلاء القلب من نوره، فكيف إذا تنوعت وتواردت على القلوب الطاهرة الزكية الذكية، وهنا يصدق على هذه القلوب القدسية انطباق هذا المثل عليها، وهو قوله : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّى يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورُ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ...) الآية [النور: ٣٥].
وهذا النور المضروب هو نور الإيمان بالله، وبصفاته وآياته مثله في قلوب المؤمنين مثل هذا النور الذي جمع جميع الأوصاف التي فيها زيادة النور، وهو أعظم مثل يعرفه العباد، وقد دعا الله الحصول هذا النور فقال: «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، اللهم اجعلني نورا» متفق عليه (١).
ومتى امتلأ القلب من هذا النور فاض على الوجه، فاستنار الوجه، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي يكون في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) (٢) متفق عليه
فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره» (٣) اهـ.
وبهذا التقرير الوافي، والبيان البين يظهر معنى هذا الاسم العظيم، ويتضح مدلوله.
هذا؛ ولما كان النور من أسمائه سبحانه وصفاته كان دينه نورا، ورسوله نورا، وكلامه نورا، ودار كرامته لعباده نورا يتلألأ ، والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين ويجري على ألسنتهم، ويظهر على وجوههم، ويتم تبارك وتعالى عليهم هذا النور يوم القيامة، كما قال سبحانه: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: ۸] .
------------------------------
(۱) رواه البخاري (٦٣١٦) ، ومسلم (٧٦٣) عن ابن عباس له في حديث قيام الليل.
(٢) رواه البخاري (٦۸۱۰) ، ومسلم (٥٧) عن أبي هريرة له .
(٣) فتح الرحيم الملك العلام» (ص/ ٦٢ - ٦٥).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق