الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

التفسير المؤصل/ بين يدي سورة آل عمران

🔘 بين يدي السورة 🔘

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نبتدئ بإذن الله السورة وكعادة المفسرين قبل أن يشرعوا في تفسير الآيات يبتدؤا أولا بما يسمى بين يدي السورة، ويطرح في هذه المقدمات الأمور التعريفية بالسورة التي هي ليست مرتبطة بتفسير الآيات من اسم السورة ونزولها، ومناسباتها وفضائلها إن وجدت وما إلى ذلك.
 أولا: نبتدئ باسم السورة: سورة آل عمران، ولها اسم آخر مستنبط من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يصدق أن يسمى وصفا أكثر من كونه اسما وهو الزهراء أخذا من حديث النبي صل الله عليه وسلم (الزهراوان) البقرة وآل عمران. هذه هي الأسماء التوقيفية، وهناك أسماء ليس عليها دليل قد يذكرها بعض المفسرون.
نزول السورة: السورة كما هو معلوم مدنية.  
هل لنا من طريق إلى تحديد سنوات معينة داخل المدني؟ يعني عادة الذي يروى في الأحاديث في نزول السور المكي والمدني هذه ثابتة فيها روايات، لكن كما نعلم أن المكي ثلاثة عشر سنة، والمدني عشر سنوات، أحيانا يحتف بالسورة بالمقاطع أو بالآيات قرائن تقرب لك الوقت داخل هذه المدة الطويلة.
 فهل في هذه السورة من قرائن تحدد لي وقت معين، داخل المدني في الجزء الثاني للسورة؟ نجد أن عندنا في هذه السورة قرينتان وليست قرينة واحدة.
القرينة الأولى: أن غزوة أحد وردت في هذه السورة، وكما نعلم أن غزوة أحد كانت في السنة الثالثة تقريبا.
وعندنا سبب نزول الذي هو قصة وفد نصارى نجران كما سنفصل فيما بعد.
 طبعا كونه قصة وفد إذا هو مرتبط بماذا؟ بعام الوفود، وعام الوفود كان في السنة التاسعة، أي أنه متأخر في النزول.
 إذن أنا عندي تاريخان يمكن أن يحددا لي أو يقولب لي الفترة الزمنية التي هي السنة الثالثة والسنة التاسعة، لكن هناك قول قوي من المفسرين أن قصة نصارى نجران لم تكن في عام الوفود وإنما كانت بين بدر وأُحد، كانت بعد غزوة بدر. فإن كان هذا القول هو الصحيح - طبعا هذا يحتاج إلى تحقيق تاريخيا – فإن هذا يعني أن السورة متقاربة في النزول وفد نصارى نجران زمنا قريب من غزوة أحد، فهي بين السنة الثانية والثالثة تقريبا.
 طبعا هذا نستفيد منه عادة المفسرون لما يحددوا الفترة الزمنية هو في الأول مجرد تحليل، لكن لما ندخل في ثنايا التفسير قد ترتبط  كثير من موضوعات السورة بتلك الفترة الزمنية، فهي أحيانا معينة في الترجيح، أحيانا معينة في التوضيح، أحيانا معينة في تحديد بعض القضايا التي ترِد في  هذه السورة لكن عادة نحررها في البداية ثم في ثنايا التفسير إن احتجنا إلى استدعاء هذه المعلومة لتوضيح قضية معينة فإنها الأمور تكون قد قُعّدت في بداية هذه السورة.
لما ندخل في موضوعات السورة لنخلص بعدها إلى المقاصد، وبعدها نخلص إلى المناسبات لكن قبل ذلك سنتحدث في فضل السورة. فضل السورة: لم يرد في سورة آل عمران فضل خاص بها وإنما فضل مقترن بغيرها من السور.
 أنا عندي حديثان مما أخذناه في فضائل سورة البقرة قُرن به سورة آل عمران، وكان هذا الفضل يتدرج من القرآن بأكمله، ثم البقرة وآل عمران، ثم البقرة، تدرج الفضل في هذه الأحاديث، ما هي هذه الأحاديث؟
حديث عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه) إذا هذا فضل عام لجميع سور القرآن، أي أنه كلما كنت مرتبطا بالقرآن بتلاوته يأتي يوم القيامة شفيعا وكلما كان الإنسان أكثر إخلاصا وأكثر تدبرا فإن الشفاعة تتحقق في هذا المقام. تتمة الحديث (اقرؤا الزهراويين البقرة وسورة آل عمران) ثم يأتي بعده الفضل (فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما) هذا فضل، بعدها  سيخصص لسورة البقرة (اقرؤا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة) إذا رأينا التدرج: القرآن، ثم البقرة وآل عمران، ثم خُصص فضل لسورة البقرة، لكن سنفصل في القول الذي يعنينا في هذا المقام، الذي هو فضل سورة آل عمران، ونقف أولا مع بعض المفردات:
غيايتان أو غمامتان: الغياية أو الغمامة هي كل ما أظلك من فوق، وإذا استحضرنا قيمة هذا الفضل من أحاديث وآيات أُخر تتحدث عن كُرب يوم القيامة وأن الشمس تدنو على الخلائق وكيف أحوال الناس في هذا المقام، وأحوال الناس في نجاتهم من الكُرب في هذا المقام، فصاحب سورة البقرة  وصاحب سورة آل عمران يكون لهم ظل خاص يوم القيامة، فلذلك ينبغي للإنسان أن يستعد، من الاستعداد ليوم  المعاد هو الأخذ بالأسباب المذكورة سواء كانت في القرآن أو في السنة وهذه إحدى هذه الأمور التي هي قراءة سورة آل عمران،  ولاشك أن قراءتها باستحضار معانيها أوقع في تحصيل هذا الفضل. وهذه قاعدة عامة في فضائل السور بشكل عام، كلما كان فيه سورة لها فضل فأنت تكسب هذا الفضل ويتحقق لك كلما كان هذا الفضل مرتبطا بالمعاني في السورة ولعلنا نركز عليها أثناء التفسير ما الذي في هذه السورة يستدعي أن تكون سببا لنجاة صاحبها يوم القيامة بحيث تظله هذه السورة من كرب يوم القيامة.  فهذه تأتي أثناء التفسير لكن بشكل عام نقول: أنه إذا أردت أن يتحقق لك هذا الفضل فلتكن قراءتك لهذه السورة تدبرا وعملا بما فيها من أحكام وعقائد وهدايات، فإذا ارتبط القول بالعمل تحقق هذا الفضل.
فرقان من طير صواف:  أيضا الفِرق التي هي قطع فكأن فيها مجموعتين طير، معروف أن الطيور حين تطير تلتحم مع بعض بحيث بالفعل تشكل مثل الغمامة ومثل الغياية، إذا هذه الأمثال الثلاثة كلها تصب في نفس المعنى، ولعل الحديث الثاني يركز على هذه القضية بشكل أكبر.
الحديث الثاني وهو عند مسلم أيضا، عن جبير بن ** قال: سمعت النواس بن سمعان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعلمون به) لاحظ كلمة (يعملون به) وهذا الذي نركز عليه في قضية الفضائل (تقدمهم سورة البقرة وآل عمران) إذا من كان أكثر تلاوة للقرآن، أكثر تدبرا، أكثر عملا بالقرآن الكريم، فإنه يصبح لهم تميز في مراحل الحشر يوم القيامة، وتميز في النجاة في ذلك اليوم. قال - راوي الحديث -النواس بن سمعان: وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد) طبعا هذا يعطيك قيمة ضرب الأمثال، ضرب الامثال يعني هذا حديث واسع لو أُفرد الحديث في قضية ما تأثيره على القلوب، ما تأثيره على العقول في استيعاب المعاني، ما تأثيره على التطبيق، لأنه يراه رأي العين، يعني فرق بين الأمور المعقولة أن تُسرد وبين أن تُربط هذه الأمور المعقولة بشيء يبصر بالعين، ويحس ويُشاهد، فتأثيره في الأنس على النفوس، واستقبالا لهذه المعاني وإمكانية التطبيق أكثر بكثير مما لو كان سُرد نظريا خاليا عن المثال، فلذلك النواس بن سمعاني يقول: "ما نسيتهن بعد" وهذا يعني كأني  أتخيل النواس بن سمعان كلما همّ بقراءة القرآن وافتتح سورة البقرة وآل عمران يستحضر هذه المعاني أن يقول: "ما نسيتهن بعد" طبعا وما أحرنا أن يكون هؤلاء قدوتنا في تلقي الكثير من المعاني، كيفية كيف يتلقون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، كيف يتلقون القرآن، هذه كلها أمور تربوية مواضع قدوة في هذا المقام. عدّ هذه الثلاثة الأمثال كما ورد في الحديث السابق (كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حزقان من طير صواف) شرق: بمعنى نور وضياء. إذا هما ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو فرقان طير، أيضا جماعة من الطيور. فكأن هاتان الإثنتان إحداهما البقرة والأخرى آل عمران، هذا هو التشبيه.
 قال: (تحاجان عن صاحبهما) فإذا كأنها يعني جندي يتقدم هذا الشخص ليدافع عنه، ومعروف أن مسألة يوم القيامة فيه الحساب وفيه السؤال، وفيه الكربات وفي الختم على الأفواه ونطق الأيدي، يعني هي كُرب في قضية الحساب في هذا الأمر، فمن كان في صدره البقرة وآل عمران،  من كان في صدره العمل بهاتين السورتين فهي ستُحاجّ يوم القيامة  طبعا لا شك أن هذا فضل عظيم وما أحرانا أن نستحضر هذا الفضل ونحن نستقبل معاني هذه السورة لتقع موقعها في العمل وزيادة الإيمان. نسأل الله عز وجل أن نكون جميعا ممن  يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
فضل آخر: وهو حديث خاص بآية واحدة في هذه السورة الذي هو اسم الله الأعظم في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وسورة طه فقال راوي الحديث القاسم أبوعبد الرحمن: "التمسته في سورة البقرة فإذا هي آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وفي آل عمران فاتحتها، وفي طه (وعنت الوجوه للحي القيوم) فهذا وإن كان طبعا في المسألة خلاف في اسم الله الأعظم فيسرد من فضائل هذه السورة.
 باقي شيء لا نسميه فضل، ولكن يكشف قضية تلقي الصحابة لهذا الفضل كما ورد في المسند عن أنس رضي الله عنه قال: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران يُعد فينا عظيما" لأنه مر على نسبة كبيرة من القرآن الكريم بما فيها الجوامع، بما فيها أصول الاعتقاد، بما فيها أصول الشرائع، نظرنا في سورة البقرة كيف جمعت بين هاتين القضيتين، فإذا أصبح ما يحمله من العلم، ما يحمله من الإيمان، يستحق أن يُكرّم صاحبه ويُعد فينا عظيم، فهذه لا شك أنها إجمالا تكشف لنا طريقة تلقي القرآن ومنزلة القرآن في تكريم الأشخاص ليس بالمال، وليس بالجاه، أو بكثرة الولد وما إلى ذلك، وإنما بما يحمل في صدره من القرآن.
 إذا هذا من حيث فضائل السورة، لكن لو أتينا إلى ما هي أهم الموضوعات الواردة في هذه السورة، لن نسردها سردا، طبعا كونها من السبع الطوال فلا ننسى أن شيء من فضائل هذه السورة يرتبط بقضية أنها إحدى السبع الطوال، لن ندخل في تفاصيل موضوعات طويلة لكن نحاول أن نجمع فروع هذه الموضوعات في موضوعين رئيسيين جاء النص بتعداد الآيات الواردة فيها وهذا يعني  أنه عندي دليل في قولبة هذه الموضوعات، عندي موضوعين رئيسين:
 أحدهما: كان سببا لنزول السورة وهو المرتبط بوفد نصارى نجران والحِجَاج، إقامة الحجاج على النصارى في عقائدهم نظرا لأن هذا الوفد قدم للنبي صلى الله عليه وسلم وسأله أسئلة وحصل فيها اتباع للمتشابه، فكانت هذه السورة -تقريبا ثمانون آية من هذه السورة في هذا الموضوع، وهي طبعا يعني كما رأينا في سورة البقرة تنقُل من موضوع إلى موضوع، من تاريخ إلى تاريخ، ومن حادثة إلى حادثة من حياة اليهود، فهذه السورة من موضوع إلى موضوع في مناقشة النصارى في قضايا الاعتقاد التي حصل فيها الضلال لهذه الفئة، طبعا معروف أن النصارى اشتُهروا وأصبح علما عليهم قضية الضلال، فمواطن الضلالة المتمسكين بها كانت هذه السورة تقيم الحِجاج فيها، وسنرى فيما بعد كيف نُوقش النصارى في هذا.
الموضوع الثاني: هو غزوة  أُحد، ومعلوم أن أطول الآيات النازلة في الغزوات ما ورد في غزوة أُحد، وهي طبعا حُق لها أن ينزل فيها قرآن أكثر نظرا لأنها اختلفت عن باقي الغزوات في حصول هزيمة، وبالتالي الدروس المتلقاة من مواطن الفشل -وهذه تأخذها حتى في حياتك- المواطن التي أخفقت فيها أو فشلت فيها أو حصل لك فيها كرب نسبة تعلمك من الحدث أكثر بكثير من الموضوعات التي تمر بسلام، فكذلك لو بسطت الأمر بالنسبة لمغازي النبي صلى الله عليه وسلم تجد أن الغزوة التي حدث فيها هزيمة أو حدث فيها حدث سلبي يكون فيها نسبة الاتعاظ أكثر، فبالتالي دروس النصر والهزيمة تستلهم من آيات غزوة أحد، وهي شغلت تقريبا ستين آية. إذا هذا أهم موضوعين واردين في هذه السورة.
 س: ما هو مقصد السورة؟
 
الآن هذان موضوعان لكن هل مثلا نقول مقصد السورة هو وفد نصارى نجران؟ أو مقصد السورة هو غزوة أُحد؟ أم أنه موضوع يتولد من هذين الموضوعين؟
مسألة المقاصد نخرج من الجزء وننتقل بعده  للكل، كيف نقولب هذين الموضوعين لنخرج بمقصد واحد؟ مثل ما رأينا في سورة البقرة عندنا بني إسرائيل وتحديدا اليهود، عندنا الأحكام الشرعية، وقلنا هذان موضوعان رئيسيان ثم انتقلنا إلى كل جمع بين هذين الموضوعين، فكذلك في سورة آل عمران عندي موضوعان رئيسيان، وأريد بعدها أن أنتقل من الجزء إلى الكل.
 كما تعلم موضوع مقاصد السور ووحدتها الموضوعية أمر اجتهادي، وإذا كان اجتهادي فممكن أن ينتج أكثر من قول، وكل قول كما تحدث عمدة الباحثين في التفسير الموضوعي أنها حسب زاوية الرصد، يأتي باحث أو متأمل ومتدبر ينظر من زاوية وتخرج له القولبة بطريقة معينة، ويأتي آخر ينظر من زاوية أخرى تخرج له قضايا أخرى لكنها لا تتعارض، كلها تسهم في الوصول إلى كليات السورة أو الرسالة العظمى في هذه السورة. ممكن أنا بالنسبة لي يأتي عندي قضية النظر في قولبة هذان الموضوعان ممكن من زاويتين: زاوية ممكن أنظر لها إلى قضية الحديث عن طاعة الله وطاعة الرسول. طاعة الله وطاعة الرسول نجد لها عمق كبير في هذه السورة، أنا أصلا في البداية قلت لك هي موضوعان، لكن هذان الموضوعان قبلهم مقدمة وبعدهم خاتمة، فإذا قارنت المقدمة بالخاتمة وربطتيها مع هذين الموضوعين تجدين أنها يتجلى فيها قضية الطاعة، يعني بمعنى أن وفد نصارى نجران آتى بعد آية (32) تقريبا.. الثلاثين آية الأولى وهو ما نسميه مقدمة كان فيه تأصيل لكيفية التعامل مع الشُبه بشكل عام، يعني مخاطبة مؤمنين كمؤمنين بصرف النظر عن النصارى، كيف يؤصل في القلب أن يُعصم من الشُبه، كيف يؤصل في القلب أن يكون عنده قوة إيمان وأن يعرف المسار الصحيح، المعروف أنك ما تستطيع ترُد على أحد، أو تُبين خطأ أحد إلا وأنت عارف الصحيح، إذا أنت ما تعرف الصحيح كيف ترد على الخطأ!!فتثبيت الطريق المستقيم والصحيح يكون في البداية كالجاهزية للاطلاع على شُبه الآخرين وكيفية الردود عليها، فلو اطلعت على الآيات أو تمعنت ما هو مسار القضايا الجزئية التي وردت في الثلاثين الآية الأولى كلها تصب في قضية التمهيد لكيفية الرد على الشُبه وحماية القلب من اتباع المتشابه، ولذلك يأتي في بدايتها -مثلا- الحديث على أقسام الناس في تلقي القرآن، والمحكم والمتشابه وما إلى ذلك، ويأتي في ثناياه (إن الدين عند الله الإسلام) إذا هذا هو الطريق الصحيح، وحول هذه (إن الدين الإسلام) سباقها ولحاقها كلها تأصيل أن هذا هو الطريق المستقيم، ليس كما ضلت النصارى، وليس كما حصل من ضلال اليهود، يعني هم أكبر فرقتين  يظهرون على السطح في قضية محاربة الإسلام. فإذا أول ثلاثين آية كانت تتحدث عن هذا الموضوع.
في ثنايا هذه الثلاثين آية، وفي ثنايا مقطع وفد نصارى نجران، وفي ثنايا أيضا الحديث عن معركة أُحد كان يؤتى بين الفينة والأخرى بالأمر بطاعة الله وطاعة الرسول، يعني – مثلا- (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) هذه توسطت هذان الموضوعان، لكن عندي أيضا آية كانت مفصلية في هذه السورة التي هي (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فهذه كانت موقعها (32) وبعدها مباشرة بدأ الحديث عن نصارى نجران وما حصل منهم من هذه المحاجّة.  فإذا يعني هذا الموضوع تجدينه أيضا عميق في قصة غزوة أحد، وأن الهزيمة أصلا ما حصلت إلا بسبب المعصية، تخلفهم عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل الرماة عن الجبل حصلت الهزيمة، فكانت إذا محور رئيسي في الإطالة في الحديث عن غزوة أُحد، فإذا طاعة الله وطاعة الرسول وأسس هذه الطاعة، وكيفية التفتيش عنها داخل القلوب، ولماذا يحصل هذا الأمر، والإيمانيات التي في أول السورة، والإيمانيات التي في آخر السورة كلها تقولب لي هذا الموضوع، فيمكن أن يكون مقصد.
زاوية أخرى يمكن أن ينظر فيها وهي أيضا جديرة بالتأمل والنظر: أن هذه السورة لفت نظرنا فيها أنها ركزت على موضوع الاصطفاء، وإذا تأملت في موضوع الاصطفاء هذا يربطني باسم السورة أو ارتباطه باسم السورة بشكل أكبر، يعني عندما قال الله (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) هذه صريحة في الاصطفاء.
 دعنا نقول أن هذه ذكرت الاصطفاء باللفظ، لكن لو نظرنا إلى الاصطفاء باللفظ وبالمعنى، وبدأنا نفتش عنه في السورة وجدنا عددا من المستويات التي تحدثت عن الاصطفاء بشكل عام، طبعا معروف أن كلمة الاصطفاء معناها اختيار من متعدد، اختيار الأفضل من متعدد، يعني بمعنى الاجتباء يكون فيه كثير ومتفاوتين، قد يكون هذا التفاوت بين جيد وأجود، وقد يكون بين خروج من ملة ودخول في ملة، المهم أنه يوجد تباين المتعدد والاصطفاء هو اختيار أفضلهم. فإذا إذا نظرنا إلى موضوع الاصطفاء سنجد أنه في أكثر من مستوى: 
أول مستوى من مستويات الاصطفاء: اصطفاء على مستوى الأديان (إن الدين عند الله الإسلام) إذن اختار الله عز وجل هذا الإسلام واصطفى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون رسولا لهذا الدين، هذا وجدنا في مقدمة السورة.
ثانيا: اصطفاء على مستوى البشر. أصلا موضوع النبوات مرتبط بقضية الاصطفاء، لأن الله سبحانه وتعالى يصطفي خير البشر لبعثهم بوحيه وتبليغ الناس، لكن هذه السورة وجدناها تحدثت عنه بشكل جلي لما قال الله عز وجل (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فاصطفى آدم، واصطفاء آدم ممكن أن يؤخذ من هذه السورة أو من السور الأخرى، فخلقه بيديه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم لما أُهبط إلى الأرض حصل قضية افتراق الناس، وسؤال إبليس النظِرة إلي يوم القيامة، الشاهد: أنه فيه مقومات اصطفاء لآدم.
● ننتقل بعدها إلى نوح، مواطن الاصطفاء، طبعا هو أحد أولي العزم من الرسل، وهو أول رسول، وأول رسول إلى محاربة الشرك وعبادة الأوثان، وانتقم الله من قومه بأن أنجاه وجعل ذريته هم الباقين. فإذا فيه مقومات للاصطفاء.
 ثم بعد ذلك قال في آية الاصطفاء ( آل إبراهيم) وليس إبراهيم في حد ذاته، إذن إبراهيم وآله وأبرز آل إبراهيم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا هذه أيضا فيها مقومات اصطفاء يطول الحديث عنها لعلنا إذا وصلنا إلى هذه الآية نتحدث بشكل أكبر.
 آل عمران، من تفرع من آل عمران؟
مريم أولا، ومن مريم عيسى، لكن أيضا هناك نبوات فهناك زكريا، وهناك يحيى، فهذا كله من بيت آل عمران، فهؤلاء أيضا من المصطفين، وخُصت مريم بالاصطفاء في آية مستقلة ولذلك ننتقل إلى مستوى آخر من الاصطفاء الذي هو: الاصطفاء على مستوى النساء، لأن هي التي ذُكرت في القرآن وكانت السنة تحدثت عن أربع نساء، لكن الذي ورد في القرآن هو اصطفاء مريم عليها السلام، ولذلك مريم في آية واحدة كُرر الاصطفاء مرتين، مرة عام، ومرة بمربوط بعمل، فهذا يعطيك ما هي مقومات الاصطفاء ولعلنا نفصلها إذا وصلنا هذه الآية. لكن طبعا لا شك أنه ملفت للنظر أن تُخص مريم باصطفاء مع أنها من ضمن آل عمران، ثم يذكر كلمة الاصطفاء مرتين، يعني مرة هي داخلة مع الجماعة ومرتين لها خاصة، فهي لها خاصة كان لها مرتين غير إنها أصلا خُصت بعد العموم فهي من آل عمران. فإذا هذا أيضا مستوى آخر من مستويات الاصطفاء الذي هو اصطفاء على مستوى النساء.
● ثم بعد ذلك نلمح مفهوم الاصطفاء، وهذا يمكن أن ينطبق في كل لحظة من لحظات الابتلاء، وهذه ظهرت لنا جلية في دروس غزوة أُحد، في دروس غزوة أحد فيه فرقة انهزمت، وفيه فرقة عصت، لكن في الأخير تمحض منها تمييز الخبيث من الطيب، وأصبحت فيه فرقة مصطفاة، وهذا الاصطفاء تمحض أكثر لما حدثت موقعة حمراء الأسد التي هي بعد أن انقضت الغزوة وفيه جراحات وما إلى ذلك يدعون للقتال مرة ثانية، فحصل منهم تسليم وانقياد لله عز وجل مع هذه الجراحات، فكُفوا القتال وسُجل لهم هذا الموقف، فكان اصطفاء، فلذلك أتت الآيات تثني عليهم وتثبت لهم الأجور إلى أن قال في نهاية هذه الآيات (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) إذا فيه عملية اصطفاء، عملية اصطفاء بعد هذا الموضوع، (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) يعني مسألة الاصطفاء ليست خبرا سماويا سيأتي ولكنه مواقف تُلمح، وهذه المواقف يترتب عليها أمور في الحياة، يُعلم المؤمن من المنافق، قوي الإيمان من ضعيف الإيمان (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) إلى آخر النصف.
فإذا هذا أيضا نوع من أنواع الاصطفاء ويبنى عليه مواقف كثيرة في الحياة، لعله إذا أتت هذه الآيات نُفصل فيها أكثر.
● إذا موضوع الاصطفاء يمكن أن يكون مقصدا من مقاصد السورة، لأنه في كل موضوع نجد أنه يمكن أن يتلبسه في ثنايا هذه الآيات. إذن هذا أيضا يمكن أن ينظر إليه كمقصد من مقاصد السورة.

 لو نظرنا إلى قضية ما علاقة فاتحة السورة بخاتمتها؟ هذا أيضا أمر يلخص لك مواعظ السورة بشكل عام لأنه عادة تركيز الموضوعات حتى لو أنت ستُنشئ موضوعا أو ستكتب بحثا فمقدمة البحث تكون تلخيص، وأيضا خاتمة البحث تكتب فيها النتائج التي مررت بها، فكذلك الأمر في سور القرآن أتى على سنن العرب في أن مقدمة السورة وخاتمتها -وهذه أمور نصّ عليها العلماء في المناسبات مناسبة فاتحة السورة لخاتمتها- إن أحسنت الوقوف على القضايا في المناسبات غالبا ينكشف لك مقصد السورة أصلا بشكل عام ولذلك حتى من المفاتيح لمعرفة مقاصد السور الوقوف على مناسبة فاتحة السورة بخاتمتها.
 من مناسبات فاتحة السورة بخاتمتها أن تجد في آخر السورة بعد أن انتهى الحديث عن غزوة أُحد  بدأت الآيات الحديث عن الإيمانيات: يتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا، والمناجاة والدعاء، وإذا رجعت لأول السورة تجد هذا الظلال موجود في أول حوالي خمسة عشر آية عندك فيها محطتين، بعد موضوع المُحكم والمتشابه أتى قضية الدعاء، وأيضا أتى بعد الحديث - حسب ما ورد في الروايات- عن غزوة بدر التي هي (يرونهم رأي العين) بعدين يأتي (زين للناس حب الشهوات) ويأتي بعدها (الصابرين والصادقين والقانتين والمستغفرين بالأسحار) الحديث عن هذه الثلة فكان فيها الحديث، والخلاصة: كيف نخرج بالموعظة من هذين الموضوعين الذي هو قضية زيادة الإيمان ومناجاة الله والدعاء وربط هذا الأمر يعني تعلق قلوب المؤمنين بالله سبحانه وتعالى.
 أيضا فيه أمر آخر يرتبط بهذا الموضوع وهو ما يتعلق بالقتال والجهاد، فهذا أيضا موجود في صدر السورة وموجود أيضا في آخر السورة لأن آخر السورة كان فيها حديث عن محطات من محطات القتال. وسنذكر بعض هذه الشواهد، مثلا لما قال الله عز وجل (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) هذه إلماح لما ورد في الحديث عن نصارى نجران والشُبه التي عندهم واستنكافهم اتباع الرسول وما إلى ذلك. ثم يأتي أيضا بعد ذلك (وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين) وهو الحديث عن أن بعضهم دخل في الإسلام، وهذا الأمر أيضا كان من فاتحة السورة يعني النظر في قضية التقسيم حين تحدث عن الراسخين في العلم، وتحدث عن الذين يتبعون ما تشابه منه، فهذا التقسيم أيضا ثني ذكره في آخر السورة.
نوع آخر من المناسبات: مناسبة سورة البقرة لآل عمران وهذه محطة رئيسية ليس فقط لأنها سورتين متتاليتين، بل لأن أحاديث الفضائل جمعت بينهما وأعطتهم فضل واحد، وهذا معروف في قضية المناسبات في القرآن بشكل عام، أن المناسبة تطلب بين سورة وسورة ولكن إذا وردت نصوص جمعت سور فإن المناسبة تطلب بشكل أكبر لدرجة أنه يمكن أن تطلب مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التي تليها بحيث كأنها قطعة واحدة، يعني كأن البقرة وآل عمران سورة واحدة فنطلب مناسبة فاتحة البقرة بخاتمة آل عمران، فهذا أيضا صنف من أصناف المناسبات، بل حتى تجد البعض يتحدث عن أن يستخرجوا مقصد واحد في السورتين، طالما أنه فيه عندي حديث أو نص يجمع بين هذه السور، مثلا كالحواميم، مثل المسبحات، مثل البقرة وآل عمران، وكالمعوذات، إذا وردت نصوص تجمع لي سور فهذا يعني أني أصعد -غير الذي عادة أنا أنفذه مع باقي السور- أصعد إلى مستوى آخر وأطلب لهم مقصد واحد، وأطلب لهم أيضا مناسبة بين فاتحة وخاتمة. ما علاقة أو ما مناسبة فاتحة البقرة لآل عمران؟
 أول مناسبة هي الفضائل:
قبل قليل وجدنا أنها جمعت بين السورتين بفضل واحد، وكونها جمعت بين السورتين بفضل واحد معناه أن هاتين السورتين بينهما من الالتحام وبينهما من التناسق ما جعلهما يؤدون إلى نفس النتيجة من أن هاتين السورتين تحاجّان، هاتين السورتين تظللهما، فاذا ما فيهما واحد فلا شك ان هذا من أعظم المناسبات بين السورتين.
مناسبة أخرى: وهي حقيقة بالنظر وهي قضية أهل الكتاب.  أهل الكتاب في سورة البقرة رأيناها ركزت على مَن مِن أهل الكتاب؟ اليهود، فتحدثت عن اليهود، وتاريخ اليهود والشبهات اللي أقاموها، وما هي المحطات الرئيسية التي ينبغي المؤمنون أن يحذروا معهم في التعامل معهم. ورأينا هذا الموضوع أخذ شق كبير في هذه السورة.
في سورة آل عمران ركزت على النصارى، أيضا شرحت ما هي شبههم وكيف يواجهون، وكيف يُرد عليهم، وكيفية الوقاية من الوقوع في جنسهم، كما البقرة حذرت المؤمنين من الوقوع في جنس ما فعله اليهود ألا وهو التلكؤ، وكثرة السؤال، وعدم الاتباع، حذرت أيضا المؤمنين في سورة آل عمران من إتباع ما تشابه، لأن هذا هو الذي وقع مع النصارى. فإذن المعالجة أنهم كانوا كلهم أهل الكتاب لكن هؤلاء فيهم صفات يحذر على المؤمنين أن يقعوا فيها فيضلوا مثلما ضل اليهود، وأيضا في النصارى صفات يحذر على المؤمنين أن يفعلوا ما فعلوه فيضلوا. فإذا بمجموع هاتين السورتين أصبح حديث عن أهل الكتاب، أصبح فيه تعريف بهاتين الفرقتين، وهما أكثر ما يكون الاحتدام والصراع بين هاتين الفرقتين. وهذا وجدناه على مر التاريخ البشري أن اليهود وأن النصارى -صح ظهرت فِرق ومذاهب وما إلى ذلك- لكن الصراع المستمر كان بين هاتين الديانتين من أهل الكتاب بمجموع هاتين السورتين أصبح فيه رسم خارطة طريق في كيفية التعامل معهم، وما الذي يحذر منه، وحتى الثناء على من يثنى عليه فيهم وتقسيم هذين الفريقين يعني إن حصل تقسيمهم الذين دخلوا في الدين أسباب دخولهم، ما الصفات التي تخلصوا منها حتى وصلوا الى هذا الأمر.
 لو نظرت إلى فاتحة البقرة وخاتمة آل عمران، البقرة (هدى للمتقين) وآخر آل عمران (اصبروا وصابروا ورابطوا لعلكم تتقون) ، فإذًا ذُكرت التقوى في فاتحة البقرة وخاتمة آل عمران، فأصبحت كأنها وحدة واحدة.
ذكر الكتاب: ذُكر في أول البقرة وذُكر في أول آل عمران أيضا. وتفصيلات للكتاب ذكرت أيضا في آل عمران.
هناك قاعدة قعّدها السيوطي وهو يؤلف كتابه تناسق الدرر في تناسب السور. - من المعروف إن الإنسان إذا ألّف في شيء معين إذا احتدم في التأليف  وأوشك أن ينتهي تتبلور عنده قواعد و تصبح قواعد خبير في هذا الموضوع- ففيه قاعدة نصّ عليها السيوطي يقول: "ما من إجمال في سورة إلا وله تفسير في التي تليها"، طبعا هذا لا ينطبق على جميع موضوعات السورة، لكن أي سورتين متتاليتين يمكن أن تجد إجمال في سورة ويليها تفصيل. لنطبق هذه القاعدة:
ما الإجمال الذي ورد في سورة البقرة وتلاه تفسيره في آل عمران؟
 أولا الكتاب:
إنزال الكتاب ورد مجمل في سورة البقرة، وفُصّلت أحواله في آل عمران منه محكم ومنه متشابه، وأقسام الناس في تلقي المحكم والمتشابه.
أيضا في قوله تعالى (وما أنزل من قبلك) في سورة البقرة ذُكر التوراة لكن التفصيل أتى أكثر في فاتحة سورة آل عمران لما قال (وأنزل التوراة والإنجيل) فأضيفت الإنجيل، لم تكن مذكورة في سورة البقرة.
في الحديث عن الشهداء:
في البقرة ذكرت أكثر إيجازا، فذُكر (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) ما تفصيل لا تقولوا لهم أموات؟ قوله (أحياء عند ربهم يرزقون) وتفصيل هذه الحياة أتت في سورة آل عمران.
في سورة البقرة كان من موضوعاتها  الأولى الحديث عن قصة خلق آدم  وفي سورة آل عمران قُرن معها خلق عيسى لأنه بنفس الكيفية اشتركا في كونهما غير أب فكان سبب الحجاج. هذه أيضا من المناسبات.
في قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) في سورة البقرة ورد فيها أن اليهود لما سمعوا هذه الآية قالوا: افتقر ربك، فأتى في سورة آل عمران (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) فأتى الرد عليها بالتفصيل في سورة آل عمران.
في قول إبراهيم عليه السلام (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) كيف وردت هذه الآية في آل عمران؟ استجابة هذا الدعاء (لقد منّ الله على المؤمنين) فأتى تفصيلها وحقيقتها وما آلت إليه في سورة آل عمران.
  هذه تقريبا مجمل المناسبات بين هاتين السورتين، ولا شك أن الحديث عنها الآن عام، وقد ما يستحضر دقائقه، ولكن أثناء التفسير لعلنا نشير إلى مثل هذه الموضوعات لما يأتي  التفسير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق