الأحد، 23 أغسطس 2026

التفسير المؤصل/ سورة آل عمران ( ١- ٩)

بسم الله الرحمن الرحيم

 افتتحت هذه السورة بـ (الم) وهي الحروف مقطعة، وأعتقد سبق أن تناولناها في سورة البقرة، وهي وإن تعددت الأقوال فيها فهي يمكن أن تجمع في ثلاث مسارات من المعاني نذكرها على وجه السرعة وهي: إما أن تكون لها معنى، أو لا تكون لها معنى، أو يفوض أمرها إلى الله سبحانه وتعالى. هذا ملخص الأقوال. 
من قال أن لها معنى يوجد آثار متعددة من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، تحدثوا في هذا المعنى، فإما أنهم وجهوه إلى الزمن -زمن الأمة-، أو وجهوه إلى أسماء الله سبحانه وتعالى، ولكن في كل هذا ليس هناك دليل مرفوع يحدد هذا الموضوع.
القول الثاني: أن ليس لها معنى ليس من باب إنها حشو أو زائدة وإنما لأن الحروف بدون كلمات في وضع اللغة العربية أنها لا تستقل بمعنى والقرآن نزل بلغة العرب فهنا في مثل هذه الحالة سيبحث عن الحكمة، ما الحكمة من مجيء هذه الحروف؟ فقالوا هذا دليل على أن هذا القرآن الذي أعجزهم أن يأتوا بمثله هو من جنس هذه الحروف التي يستعملونها في الكلام فكان من دلائل إعجازه، وكذلك استقراء العلماء أن كل السور التي افتُتحت بالحروف المقطعة يأتي بعدها الحديث عن القرآن الكريم إلا في سورتين، وهاتان السورتان لهما تأويل آخر.
القول الثالث: يفوضون أمرها إلى الله سبحانه وتعالى. فلا يقولون لها معنى ولا يقولون ليس لها معنى.
 هذه الثلاث مسارات التي تُجمع فيها كل خلافات العلماء.
 من العلماء مثل ابن تيمة وابن القيم وابن عثيمين وغيرهم قالوا: بأن هذه الحروف من جنس حروف اللغة العربية ليس لها معنى، ولكن (**) الحديث عن إعجاز القرآن أنه من جنس هذه الحروف.
 ● قال الله عز وجل بعدها: ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ذكر الله عز وجل نفسه وذكر صفاته.
(الله) علم على الله عز وجل وكما قيل أعرف المعارف، واشتقاقه من الإله المألوه الذي تألهه القلوب ومعروف أن ركني العبادة هي كمال المحبة وكمال التعظيم ، فمن عبد الله بأحدهما وقع في الضلال، فمن عبد الله بالتعظيم دون المحبة ضل فيها الخوارج، ومن عبد الله بالمحبة فقط دون التعظيم ضل فيها الصوفية، فالعبادة الحقة يجتمع فيها كمال التعظيم مع كمال المحبة.
(لا إله إلا هو) هذه كلمة التوحيد، ومعروف أن (لا) نافية للجنس، و(إله) اسمها وخبرها محذوف تقديره (حق)  ما دليل هذا التقدير؟ وجدناه في نصوص أُخر كما في قوله تعالى في سورة الحج (ذلك بأن الله هو الحق) ويؤيده أنه توجد آلهة عبدت على وجه الأرض فالنفي هنا للإله الحق، لا يوجد إلا الله سبحانه وتعالى.
(إلا هو) هو: ضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى. فائدة أن نحدد أنها ضمير الرد على الصوفية الذين جعلنا (هو) من أسماء الله فكانوا يتعبدون بذكر الله فيقولون: هو.. هو.. هو.. يعني إذا أرادوا أن يذكروا سبحانه تعالى يرددون الضمير، الضمير قد يعود إلى الله وقد يعود إلى غيره، هو ضمير يشير إلى قضية فلا يُتعبد الله سبحانه وتعالى بتكرار ضمير فهو ليس من أسمائه سبحانه وتعالى.
 ثم ذكر الله عز وجل اسمين من أسمائه والتي كما أسلفنا في فضائل السورة أنه اسم الله الأعظم، فما معنى (الحي) وما معنى (القيوم)؟
تناولناه في آية الكرسي لكن لا بأس أن نُشير بشكل موجز إلى هذين الإسمين.
هذين الاسمين علم مطلق على الكمالات المطلقة لله سبحانه وتعالى، فالـ (الحي) فيه كمال الصفات، و(القيوم) فيه كمال الأفعال. فهو حي حياة كاملة، في وجوده، في زمنها يعني بمعنى من الحياة الناقصة أن يعتريها النوم، من الحياة الناقصة. الموت، فالله سبحانه وتعالى له الحياة المطلقة، وأيضا من كمال حياته كمال سمعه، كمال بصره، كمال قدرته، يعني أن غيرها من الأسماء والصفات تندرج أو تتفرع من اسم (الحي) نظرا لسعة معنى هذا الاسم.
و(القيوم) يأتي قائم بنفسه وقائم بخلقه، فهو قائم بنفسه غير محتاج لأحد، وقائم بغيره كل محتاج إليه سبحانه وتعالى، ولذلك لماذا أنيط هذا الفضل أنه اسم الله الأعظم؟ هذا يرتبط بقضية أنك تستشعر هذه المعنويات، تستشعر أن تدعو الحي المطلق الذي له الكمال فتصير كل حاجتك الله سبحانه وتعالى يعلم بها، يسمعها، لا يغفل عنها، وهو قائم بك فإذا لجأت إليه وصمدت إليه فإنه يعطيك، فالاستشعار طبعا لا شك إن الحديث عن آثار الأسماء والصفات حديث يطول ويتشعب منه كثير من قضية زيادة الإيمان (فمن أحصاها دخل الجنة) لأنه بالفعل استحضار النفس للأسماء والصفات وآثارها هي من أكبر المعارج التي توصلك إلى هذا الأمر، بل لو تحدثنا عن قضية العلم بالله سبحانه وتعالى أنك تعلم بالله سبحانه وتعالى عنوانها ومسلكها وطريقها أنك تعلم أسماءه وصفاته وما يترتب على هذه الأسماء والصفات. كلما ارتقيت في هذا الأمر فأنت تعبد الله على بصيرة، أنت تعبد الله سبحانه وتعالى وأنت تعرف من هذا المعبود الذي تتوجه له بالعبادة، وما الذي يستحقه منك وأنت تؤدي هذه العبادة.

● ثم قال بعدها (نزّل عليك الكتاب)
الآن بدأ الحديث عن الكتاب الذي هو كما ذكرنا الحروف المقطعة يتلوها الحديث عن الكتاب.
 لو تذكرون في سورة البقرة ذُكر (ذلك الكتاب لا ريب فيه) هنا ماذا قال؟ (نزّل عليك الكتاب بالحق)، هناك قال (لا ريب فيه)، وهنا قال (بالحق) فهذين الوصفين يتمم بعضهم البعض، فإذا كان بالحق إذا لا ريب فيه أي لا شك فيه ولا اضطراب ولا قلق، فأنت تعلم أنه كلام الله سبحانه وتعالى، وأنه منزل من عند الله عزوجل.
 الباء فيه (بالحق) للملابسة، أنه ملابس للحق فيعني أن كل ما فيه حق، ونزل من الله الحق، وطبعا وصف الكتاب بالحق قد يكون في هذا الإجمال لكن عندي آيات متعددة في سور متعددة فصّلت لي فروع هذا الحق، فمثلا في سورة الرعد فصّل يمكن يكون مقصدها الحديث عن الحق بمجالات، (له دعوة للحق)، (كذلك يضرب الله الحق والباطل)، (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) لأن الحديث عن الوحي النازل، فالوحي النازل من عند الله سبحانه وتعالى الحق، فإذا الله سبحانه وتعالى في نفسه حق، وما ينزل من عنده حق، والرسل المبعوثون من عنده حق، والملائكة الذين يرسلهم حق، فكل ما يأتي في قضايا الإيمان هو الحق، وعكس الحق الباطل.
 إذا (نزّل عليك الكتاب) طبعا الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، (الكتاب) المقصود به القرآن، وهو أحد أسماء القرآن الكريم، فالقرآن الكريم له أسماء متعددة نتلمسها في حديث القرآن، يعني القرآن بأسماء متعددة، ولا شك أن كل اسم له من الصفات، ما نربطه بالمُسمى. فلماذا سمي القرآن كتابا؟ لأنه محفوظ في الصدور، ومكتوب أيضا في السطور، فالكتابة لها وقعها وكانت من أمور التوثيق للقرآن الكريم.
 بماذا وُصف هذا الكتاب؟ قال (مصدقا لما بين يديه)
 ما معنى مصدقا؟ عكس الصدق ماذا؟ الكذب، مصدق لما بين يديه أي: الكتب السابقة، فهو إذن الكتب السابقة حق، ولم يأتِ تناقض بين هذه الكتب، فكلها أتت بأصول الاعتقاد، وكلها أتت بحق الله على العبيد، كلها أتت بما تحدث به النجاة عند لقاء الله سبحانه وتعالى.
قال وأيضا (وأنزل التوراة والإنجيل) فهذه سنته سبحانه وتعالى مع خلقه أنه بعث رسلا، وأنزل معهم الكتب، وكان أشهر هذه الكتب التوراة المنزلة على اليهود، والإنجيل المنزل على النصارى.
(من قبل) أي من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
(هدى للناس) هذه الكتب السماوية تنزل هدى للناس ففيها ذكر ما يريده الله سبحانه من عبيده. والهدي هنا المقصود بالهدى بمعنى الدلالة، دلالة الإرشاد، أما دلالة التوفيق فهي من عند الله سبحانه وتعالى. هذه تنزل حجة على الخلق وترشدهم إلى الطريق المستقيم، ثم من يكتب الله سبحانه وتعالى له حظا وتوفيقا فإنه يقبل هذا الحق النازل من عند الله سبحانه وتعالى ويعمل به ويتبعه، ومن كان هناك طوية سيئة في نفسه فيحدث له الضلال...
قال (وأنزل الفرقان) ما المقصود (وأنزل الفرقان)؟
 الفرقان هو اسم من أسماء القرآن الكريم، لكن هل المقصود هنا القرآن أم وصف الفرقان لهذه الكتب الثلاثة؟ وصف لهذه الكتب الثلاثة، لأنه لو أُريد العلَم، قيل في أول السياق (نزّل عليك الكتاب) فإذا قيل (وأنزل الفرقان) كأن الكتاب غير الفرقان. فالفرقان وإن كانت في مواضع أُخر المقصود بها القرآن الكريم إلا أن الراجح - والله أعلم - في هذا السياق  ليس المقصود بها القرآن كعلم، وإنما المقصود أنها وصف لهذه الكتب الثلاثة. فما معنى كلمة الفرقان؟
 أي يفرق بين الحق والباطل، فعندما يبين طريق الحق وكيف يُسلك، وما هي الأعمال التي تفعل حتى يكون الإنسان (**)، كيف يعتني الإنسان بقلبه وهو في طريق الحق، كيف يمكن أن يصل إلى نهاية المطاف وهو لا يزال ثابتا على الحق، ثم ما هو طريق الباطل؟ وكيف يُجتنب، فشرح هذا الأمر هذه من سمات الكتب السماوية، ولو استعرضت القرآن الكريم بأكمله لوجدت عشرات المواضع يمكن أن يستشهد بها في دلالة هذا القرآن على الفرق بين الحق والباطل، وهذا الفرقان يستمر حتى يوم القيامة فيفرق بين أصحاب النار وأصحاب الجنة.
 قال بعدها (إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد) الآن بعد أن يبين إنها تفرق بين الحق والباطل، نزلت هذه الكتب بالحق من عند الله سبحانه وتعالى وهو حق، وبينت الحق والباطل.. 
إذا كان هذا الأمر حصل بتمامه فمن يكفر مع هذا الأمر فهو مستحق للعقوبة لأنه قد أقيمت له الحجة، أرسلت له الرسل، ونزلت عليه الكتب، وهذه الكتب كان فيها من البيان وفيها من الدلالة، وفيها من الإرشاد، وفيها من الهدى، ما يحصل به الاستقامة، ما يحصل به الإيمان، فإذا كفر مع قيام هذه الأمور كلها فهو لهم عذاب شديد لأنهم ما كفروا وهم جاهلين، ما كفروا وهم ما وصلهم الحق، وصلهم الحق، ونزلت عليهم الكتب، وأرسلت لهم الرسل فهم مستحقون للعذاب الشديد.

 قال بعدها (والله عزيز ذو انتقام)
هذا الاسم لله عز وجل يأتي، أو من آثاره الحديث عن قدرته سبحانه وتعالى على العقاب، وطبعا معروف أن العزة تأتي عزة قهر، وعزة قدر، فهو سبحانه وتعالى عزيز القدر، وهو عزة قهر يقهر من يخالفه، فلذلك أتى بعدها (ذو انتقام)، طبعا الانتقام ليس اسما من أسماء الله عز وجل وإنما هي صفة، وهي من الصفات التي لا يُشتق منها اسم لله سبحانه وتعالى. معروف أنه في القرآن الكريم إذا أتى وصفا لا يشتق منه اسما، الأسماء لا بد أن تكون ثابتة، لكن الإسم يمكن أن يُشتق منه وصفا، فمن صفاته سبحانه وتعالى الانتقام ولكن هذا الانتقام يكون مرتبط عادة بوصف آخر، فهو منتقم من المجرمين، فمن صفات البشر أنه يمكن يكون الإنسان منتقم من كل الناس، سواء كان محق أو غير محق، فهذه صفة نقص، لكنها لله سبحانه وتعالى غالبا تأتي، أو هي تأتي مع الذين يستحقون هذا الانتقام، وهذه طبعا فيها ترهيب للناس عندما يخالفون أمر الله سبحانه وتعالى، ولاحظ أنها قُرنت بقضية إقامة الحجة التي هي  إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبيان هذه الكتب للحق والباطل، فلم يبق له عذر، فإذا هو ينتقم منهم لأنهم مستحقون لهذا الأمر.

قال بعدها (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) طبعا كما هو معروف من قواعد التعليل 
(إن) تفيد التعليل، ما بعدها تعليل لما قبلها فلما ذكر أنه شديد العقاب وأنه عزيز ذو انتقام بهؤلاء الذين كفروا بعد قيام الحجة، قال (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) إذن لماذا وقع هذا الأمر؟ لأنه عز وجل اطلع على أحوالهم، اطلع على قلوبهم،  واطلع على مبدأ الأمر ومنتهاه فلذلك أوقع عليهم العقوبة، ولذلك من النقص البشري أنه قد يوقع الحكم القضائي أو حكم المحكمة على ناس مظلومين والسبب في ماذا؟ أن البشر قد يخفى عليهم بعض الأمور، قد لا تقوم الحجة يعني فيه أمور  يبنون عليها الحكم فحقيقة هذه الأمور قد تكون كما ظهر وقد تختلف، لكن الله سبحانه وتعالى عندما ينتقم فهو ينتقم وهو يعلم أن هذا الشخص يستحق الانتقام فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، طبعا لا شك أن هذه الآية فيها تحذير شديد لأن الإنسان ما أكثر ما يتخفى إذا أراد أن يفعل جُرما ويظن إنه إذا تخفى من الناس طويت صفحة هذا الجرم، أو هذا البغي، أو هذا الظلم، أو هذه الجريمة، طالما إنه تخفى عن الناس لكن هذه الآية ترهيب لهذه النفوس عندما يوسوس لها الشيطان أنه مع التخفي تنتهي هذه القضية، تنتهي هذه الجريمة لأن الله عزوجل يقول (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولافي السماء) فهذه لو نضعها عنوان لما وقعنا في ذنب، ولما وقعنا في معصية، لكننا نغفل ويزين لنا الشيطان هذا الأمر، وكثيرا ما يغلب عند الناس نظرة الناس ويخفى علينا، ولذلك جاء في كلام السلف: "اتق أن تجعل الله أهون الناظرين إليك" لأنك عندما تتخفى من الناس معناه أقوى الناظر لك، أنت تستحضر إنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومطّلع عليك في كل أحوالك ومع ذلك تتخفى من الناس وهم ماذا سيفعلون لك!! لكن من الذي يملك؟ عزيز ذو انتقام، شديد العذاب؟ هو الله سبحانه وتعالى.
هذه من القواعد التي تحصل بها الاستقامة، وتحصل بها يقظة القلوب، وعماد التقوى قائمة على مثل هذه الآيات، أنك تتقي أي تجعل بينك وبين ما تخافه وقاية، من هو أحق من يُتقى؟ هو الذي يطلع عليك ويعلم ويقدر أن يعاقبك، ويقدر أن يُنزل عليك العقاب.

قال (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) 
كثيرا ما تُربط قضايا الربوبية والألوهية بالخلق بشكل عام، فالخلق بشكل عام هو محطة من محطات أدلة الربوبية، فالله سبحانه وتعالى يُذكر هذا الإنسان بأنه هو الذي خلقه، بل وذكره في مبدء هذا الخلق، ليس فقط هو مستتم الخلق، هو الذي صوره في الأرحام، ابتدأ تصويره، ابتدأ خلقه إلى أن أصبح إنسانا بكامل خلقه وأصبح بعد ذلك يجادل، أو أصبح بعد ذلك يكفر، تذكر أنك في البداية الله سبحانه وتعالى هو الذي صورك في الأرحام، الأرحام طبعا معروف أن الإنسان يتشكل فيه مبدء خلق الإنسان.
قال (كيف يشاء) هذا ربط بالمشيئة، ولكنها طبعا بسنة الله مشيئة تشير إلى  طريقة معينة، يعني ليس أنها هذا على شكل حيوان أو على شكل جبل، لا.. معروف أن الإنسان سيُخلق بهذه الطريقة لكنه يمكن أن تتفرع تحت هذه المشيئة أشياء أخرى بعضهم تام الخلقة، بعضهم مشوه، وما إلى ذلك، لكنها إجمالا تربطك بقضية مشيئة الله سبحانه وتعالى، فالإنسان تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى من مبدء خلقه، وفي مسألة عمله واستقامته وما إلى ذلك هو تحت المشيئة في كل شيء،  والمشيئة طبعا موضوع طويل.

■ قال (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) إذا فرّع بعد الخلق الألوهية، إذن هناك قبلها الربوبية وتحدث عن أسماء الله وصفاته وتفرع عنها بالألوهية (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ولاحظ أن العزة تكررت هنا، (عزيز ذو انتقام) ثم قال عزيز وأضاف لها صفة الحكيم، ومعلوم أن 
كل اسم من أسماء الله عزوجل فيه كمال مطلق وإذا اقترن الإسمين يصبح كمال مع كمال، فهو (عزيز) كما قلنا عزيز القدر والقهر، (والحكيم) حكيم سبحانه وتعالى في أفعاله، حكيم في ما ينزل من عند الله فالقرآن كله حكمة، ومعاملة الله سبحانه وتعالى للخلق وفي سننه كلها حكمة، وكل شيء في هذه الحياة من الله سبحانه وتعالى بحكمة، فهو إن أثاب فهو بحكمة، وإن عذّب وأنزل العقوبة فهو بحكمة، والحكمة هي: إصابة الصواب ووضع الشي في موضعه الذي يستحقه.
هذه مقدمة تشعر بأن فيها تركيز في قضية الربوبية والألوهية، وإنزال الكتب وإقامة الحجة. يتلوها بعد ذلك مقطع يبتدء فيه الحديث عن هذا الكتاب، وما سيأتي فيه من تفصيل يرسم لنا منهج أسباب الضلال في الحياة بشكل عام.
عندما تواجه شيء في الحياة تتساءل كيف صاروا إلى هذا الأمر؟! كيف ينشأ هذا الضلال من هذا الشخص؟! معقول الحق بهذا الموضوح وتجد أشخاص يقولون كذا، أو يتبعون كذا، ما الذي يجعلهم يصلون إلى هذا الأمر؟! هذا الإنسان مهم جدا أن يعرف كيف يحدث الضلال، لأنه إذا عرف المسألة من قعرها، من بدايتها فهو قادر على (..) أحيانا الإنسان يتوجه في مناقشة بعض القضايا إلى ما تؤول إليه، أو إلى نتائج، أو إلى فرعيات يُغرق فيها وما يصيب أصل المسألة، فيستغرق وقت في النقاش قد ما يفلح، قد ما يصل لنتيجة والسبب أنه لم يمسك المشكلة من أصلها.
 هذه السورة كونها ستتحدث عن النصارى واتباعهم لقضايا أوقعتهم في الضلال حتى أصبح الضلال علما عليهم، ما السبب أنهم وقعوا في ذلك وقد جاءهم رسول، ونزلت عليهم الكتب وعاشوا فترة كما عاش الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو يقول حواريين مع عيسى، لماذ هذا الأمر كله حصل بعد ذلك؟ هذه شرح كامل لها في الآية التي ستأتي بعد قليل وأقسام الناس وأصنافهم، ولا شك - كما ما قلنا - أن سورة البقرة كان فيها تحذير لئلا إذا نزلت الأحكام يقولون لماذا هذا؟ وكيف هذا؟ ويبدؤون يناقشون، فكذلك الأمر هذه السورة حذرتنا من المسلك الذي وقع فيه النصارى في اتباعهم للمتشابه، فكانت هذه الآية أماً في القرآن نؤول إليها في الكثير من معالجة القضايا، وكثير من معالجة الضلال الذي يقع. فماذا قال الله عز وجل في هذه الآية؟
قال: (هو الذي أنزل عليه الكتاب) هذا إجمال، ثم يأتي التفصيل (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، (وأُخر) ما موقعها من الإعراب؟ هل هي عطف اسم على اسم؟ وإلا عطف جملة على جملة؟ جملة على جملة، التقدير: "ومنه أُخر متشابهات" مثل ما قال: (منه آيات محكمات) كأنه قال "ومنه آيات أُخر متشابهات". إذا هذا الكتاب إجمالا كله نزل علينا بالحق، كل ما فيه حق وبيّن لنا كل ما نحتاجه في هذه الحياة، ولكن من الابتلاء لنا في اتباع هذا القرآن أن جعله أنواع منه مُحكم ومنه متشابه.
قد يقول قائل: لماذا لم يُجعل كله مُحكم وانتهت القضية؟
سنفسر أولا المحكم والمتشابه ثم نرجع لقضية الحكمة من تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه.
ما معنى كلمة مُحكم؟
محكم من الإحكام يأتي بالمعنى الإتقان، يأتي بمعنى أنه على وجه واحد، لأن الإحكام لو أتينا إليه كوصف للقرآن الكريم نجده يأتي أحيانا - كما يقال في قواعد التفسير - أن الشيء إما يتبين بمرادفه أو يتبين بضده، أو أحيانا بالتقسيم إذا قيل هذا الشيء قسيم لهذا الشيء معناه القسم الثاني يسهم في (**) فإذا قلت مثلا هؤلاء طالبات ممتازات، وهؤلاء -مثلا- كسلانات معناه بيّن لي إن الممتازات لسن كسلانات أو أن الكسلانات لسن ممتازات، فإذا أي شيء فيه تقسيم التقسيم يسهم في بيان كل فريق باستقلال، فكونه قال إن هذه الآيات المحكمات وجدناها في القرآن أحيانا تأتي في مقابل مثاني، وأحيانا تأتي في المقابل متشابه، فإذا أتت في مقابل مثاني معناه المُحكم الذي يأتي بطريقة واحدة، المتشابه الذي يُثنى ذكره.
  أحيانا المحكم يأتي بمعنى المتشابه، معناه أن المتشابه ما يحتمل أكثر من وجه، والمحكم ما هو فصل في بيانه لا يقع فيه اختلاف.
هناك أمر آخر، طبعا هو مبحث مستقل في علوم القرآن وله تشعبات، وعندنا آثار من السلف تحدثوا عن هذه القضايا فقالوا مثلا المحكم هو الحلال والحرام، والناسخ مثلا يأتي في المتشابه المنسوخ، يأتي هنا مثلا أمثال القرآن وأقسام القرآن قسموا بعض المواضيع إلى محكم ومتشابه، لكن دعنا نقول أن هذا يمكن أن يكون من باب التفسير بالمثال.
لكن خلينا مع وصف الآية لما قال: (محكمات هن أم الكتاب) ما معنى كلمة أمّ؟ الأم التي يُرجع إليها، يقال مثلا عن مكة ام القرى لأن قلوب الناس تهوي إليها، أم الأبناء الأبناء يرجعون إليها، فإذا آيات القرآن منها محكمات وصفها بأنها أم الكتاب، إذن هي واضحة الدلالات لا تحتمل أكثر من قضية، المفاهيم التي فيها مستقرة البيان وكُرر ذكرها في القرآن ولا تحتمل أي اختلاف، فإذًا يُرجع إليها..
إذا هذا الوصف وصف المتشابه في مقابل أن المحكمات هن أم الكتاب دل على أن المتشابه يحتمل أكثر من معنى ولكن الفيصل في معرفة المعنى الصحيح أن تُرجع هذا المتشابه إلى هذا المُحكم فلا تضرب بعضه ببعض.
الذي يتبع ما تشابه، المتشابه طالما أن له معنيان يحتمل كذا ويحتمل كذا لكن أحد المعاني تظاهر القرآن على بيانه، وأحد المعاني لا، فيه شيء من السقوط، فإذا اتبعت هذا الذي فيه سقوط فأنت تضرب القرآن بعضه ببعض، فلذلك هذا المتشابه ينبغي أن يُرد إلى المحكم
وسيردنا الكثير من المتشابه الذي احتج به النصارى لما أتى وفد نصارى نجران إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسنجد الرد على هذه الشُبه في ثنايا هذه السورة بشكل أكبر.
الشاهد الذي ينبغي أن يُعلم أن في القرآن ما هو محسوم الدلالة ومُبيَن المعاني، وما هو لا يحتمل أكثر من معنى، وهذه غالبا هي أصول الاعتقاد في القرآن الكريم أما التفرعات هذه تأتي في قضايا يعني أقل أهمية.
الآن نعيد طرح السؤال، قد يقول قائل: لماذا لم تكن كل آيات القرآن محكمات ويحسم الخلاف؟ وما توجد عندنا هذه الطائفة التي تتعلق بالمتشابه وتدعي أن القرآن متناقض أو يضرب بعضه بعض، أو ما إلى ذلك كما نسمعه من المستشرقين أو حتى ممن خرجوا لنا الآن بأوجه مختلفة، وأنت إذا فتحت الساحة وبدأت تقرأ كيف إذا أرادوا القيام بمعصية، كيف يأخذون بعض النصوص ويضربون بعضها ببعض، ولهم مسالك مختلفة، سواء كانت من باب المُحكم والمتشابه، أو من أبواب إنكار السنة أو ما إلى ذلك، عندنا مسالك مختلفة. فهنا يطرح العلماء في تفسير هذه الآية ما الحكمة أن يكون في القرآن محكم ومتشابه؟ 
هذا من الابتلاء، كما الإنسان يبتلى أحيانا بالمصائب، بالموت بالفقر وما إلى ذلك، حتى العقل يُبتلى، فالعقل قد يصيبه شيء من الغرور، قد يصيبه شيء من التعالي في المعرفة بحيث يزعم أنه على الحق وهو على الباطل. فما الضابط في السلامة في هذه القضية؟
ليس هو قضية الذكاء، يوجد كثير من الأذكياء خارجين من الملة، وثابتين على الضلال - والعياذ بالله - لكن العقل يحتاج إلى تسليم لله سبحانه وتعالى، ولذلك يقولون العقل ليس هو الذكاء، العقل مرتبط بقضية الإيمانيات، الذكاء عملية ذهنية بحتة، لأن إذا فكرت في معنى العقل أصلا في اللغة: هو يعقِلك أن تتبع القبيح، ولذلك أسماؤه في القرآن: العقل، النهى، الحِجر، كلها فيها قضية أن الإنسان يريد شيء وهذا يعقِله أو يُمسِكه أن يستطرد في هذا الأمر. فالعقل الذي أثنى عليه القرآن هو العقل الذي يمنعك عن اتباع هذا الضلال، فليس هو العملية العقلية الذكاء، وإنما هو الذكاء مع العقل الذي سيعقِلك عن هذا الأمر. فإذن العقل نفسه أو الذكاء، أو لنقل المُخ يُبتلى في مثل هذه الأمور، فلما يُوضع مُحكم ويوضع متشابه الذي عنده إيمان سيرد المتشابه إلى المحكم ويعلم أنه كله من عند الله، ويعلم أن الله عز وجل لما وصفه بالحق، فهذا المتشابه يمكن أن يرد إلى المحكم ويكون بعد ذلك من الراسخين في العلم، كما سيأتي بعدها في النص. الذي يتبع ما تشابه فهذا سيأتي وصفه بعد قليل، فهنا يكون رسب في الاختبار وما نجا في هذا المقام.
فإذن هذه الآية قعّدت لنا من مُفتتحها، طبعا مفتتحها قبل الذي هو لما قال (نزل عليك الكتاب بالحق) هذه محطة رئيسية، المحطة التي بعدها: هذا الحق منه مُحكم ومنه متشابه ثم تفرع منها ما مواصفات الناس في مقابل وصف الكتاب بأن بعض آياته محكمة وبعض آياته متشابهة؟ ما مواصفاتهم؟ هل هي عملية عقلية واحد ذكي وواحد غبي؟ لا، ليست القضية أنه واحد ذكي وواحد غبي، ليس أن الغبي هو الذي اتبع المتشابه، والذكي هو الذي ردّ المتشابه إلى المحكم، لا، ردها إلى عملية قلبية. فماذا قال بعدها؟
(فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه) زيغ: بمعنى ميل مأخوذة من زاغت الشمس إذا مالت عند الغروب، لكنه أصبح بعد ذلك مصطلح في الضلالة، أحد مصطلحات الضلال قضية الزيغ.  فإذن (فأما الذين في قلوبهم زيغ) عندهم ضلال فماذا يفعلون؟
يتعاملون مع القرآن على أنه متشابه فيذهبون إلى ما تشابه ويجعلونه أصلا ويُغفلون المحكم.
طيب عندكم المُحكم ما فيه اختلاف، إما أنه يُغفلونه أو يضربون بعضه ببعض، ويخرجون من قضية اتباعه والاستسلام له والإيمان به فقال (فيتبعون ما تشابه منه) ما السبب في ذلك؟ لاحظ تفصيل بعد تفصيل. السبب في ذلك: ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
 الفتنة أيضا هي محطة رئيسية في قضية التمحيص، معروف معنى الفتنة أصل الفَتن هو: وضع الذهب في النار ليتميز الذهب الخالص مما خالطه من الشوائب. 
فلما تحصل الفتنة يتفرق الناس إما ناس ناجين وهنا يصفو معدنهم ويتبين جميلهم، ويتبين زكاة إيمانهم، وإما مفتونين - والعياذ بالله - فيكونوا ضالين. فإذن هؤلاء أرادوا فتنة، أرادوا إيقاع الفتنة بالآخرين عندما جعلوا المتشابه أصلا.
 وقال (وابتغاء تأويله) هنا يأتي قضية الحديث عن كلمة التأويل، ونحتاج إليها أكثر في المقطع الآخر الذي هو (وما يعلم تأويله إلا الله) التأويل - في أصل الوضع - يأتي بمعنيين:
● إما من أَوْل الشيء بمعنى حقيقته التي يؤول إليها، إذا قلت آل الأمر إلى كذا معناه أنه وصل إلى حقيقته. ولذلك يأتي في حديث رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه (سبحانك اللهم وبحمدك) يتأول القرآن أي أي يجعل هذه الآية دعاء، فآل الشيء إلى هذا الشيء وليس بمعنى التفسير.
● المعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير.
فإذن هؤلاء من الذي يتبع المتشابه؟ هم الذين في قلوبهم زيغ وهدفهم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
 قال الله عز وجل (وما يعلم تأويله إلا الله) هنا في قضية مشهورة وهي: هل الوقف هنا وقفا لازما وتكون الواو استئنافية وتكون (الراسخون) مبتدأ وخبرها (يقولون آمنا به كل من عند ربنا)؟ أم أنها حرف عطف (وما يعلم تأويله إلا الله) ويعلمه أيضا الراسخون في العلم؟
خلاف مشهور عند أهل التفسير، ولكن تحرير الخلاف - والله أعلم - أنه يعتمد، لا نقول فصلا أنه وقف لازم قولا واحدا، ولا نقول أنها عطف قولا واحدا، وإنما ترجع إلى معنى التأويل.
فإن قيل أن التأويل هنا بمعنى التفسير فـ (الراسخون في العلم) معطوفة، لأن الله عز وجل  بيّن ما أنزله ولم يُنزل شيئا لا يُعلم معناه بالتفسير، وهذا مصداق لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.
● أما أن قيل إن الأَوْل بمعنى حقيقة الشيء، فهناك في القرآن أمور لا تُعلم حقائقها وكنهها وأشهر ما يُقال في ذلك الأسماء والصفات، فهي معروفة المعاني ولكنها كيفيتها وحقيقتها فكما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول" هذه الأمور هي التي يتحدث فيها العلماء في هذه القضية.
فالراسخون في العلم هذه نستحضر فيها إذا قلنا إنها بمعنى التفسير لما قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه، ماذا قال فيها؟
قال: قسم تعلمه العرب من كلامها، وقسم لا يُعذر أحد بجهالته، وقسم يعلمه أهل العلم (لا يعلمه إلا الله) وقسم لأهل الاستنباط الذين هم أهل العلم.  فالرأسخون  في العلم هم الذين يُسألون في مثل هذا الموضع، وليس قليلو البضاعة الذين يضربون المتشابه في المحكم، هؤلاء هم الذين يستفتون في هذه القضية، أبمعنى أن إذا حصل قضايا خلافية أو أمور دقيقة، سيرجع فيها إلى الراسخون في العلم، 
ومن مواصفات الراسخون في العلم (يقولون آمنا به كل من عند ربنا)، (كلٌ) تعود إلى ماذا؟ تعود إلى المُحكم والمتشابه.
كونها (كل من عند الله) فلماذا يضرب بعضها ببعض، آمنوا بها كلها وهي كلها من عند الله، فما تشابه يُرد إلى المحكم.
هذه تعطيك تقسيم الناس بشكل عام، هي الآن شرحت سبب ضلالهم، لكن دعنا نقول صف ثاني من الفوائد في هذه الآية، يعني طبعا الفائدة الأولى استصحابا للموضوعات الواردة في السورة الذي هو قضية ضلال النصارى لأنه سيأتي في مناقشتهم أنهم استخدموا آيات من القرآن للاستدلال على ضلالهم فكان ذلك من اتباع المتشابه، فهذا هو يدخل في الآية دخولا أوليا وهو الصف الأول من الفوائد والهدايات من هذه الآية.
 لكن دعنا نقول على مستوانا نحن جميعا مؤمنون بالله سبحانه وتعالى، وكلنا مؤمنون بأن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، 
نجد داخل الصف المسلم هناك أناس متفاوتون داخل الأحكام الشرعية، تأتي في مسألة الحجاب، تأتي في مسألة التعامل مع  القضايا المعاصرة، تأتي في بعض القضايا الخلافية، عند مناقشة من عنده معصية أو من عنده ضلالة تجد أنه لا يقول أنا عندي هذه المعصية وسأتوب منها وخلاص، لا، يذهب يستشهد على معصيته بشيء من القرآن، وهذا طبعا لا شك أنه أخطر. هذا يعطي قضية ما أثر هذا القرآن على القلوب؟ وكيف يمكن إني أتوقى من هذا الأمر؟
ليست القضية أني فقط أمسك المحكم والمتشابه وأناقشه، لا، فيه قضية تحتها وهي قضية هل في قلبي زيغ أو قلبي سليم؟ وبعدها هذه مرحلة أو صف ثاني ترتب عليها قضية إني أناقش، أو إني أتبع متشابه، يعني ا
لآية جميلة جدا في إنها تحل جذور القضية
لم تناقش قضية لا تفعلوا كذا بالمتشابه، ولا تفعلوا كذا في المحكم، وافعلوا، وجعلت القضية فقط مُحكم ومتشابه، لا، ناقشتها من تحت وأمسكت القلوب، قالت لنا أنه فيه القلوب في ناس تتلقى القرآن، ولذلك يعني لما قال الله عز وجل في الآية السابقة لما قال الله عز وجل (نزّل عليك الكتاب بالحق) المفسرون يجعلونها قبل كتأسيس لهذه الآية قبلها يقولون عندنا آيات أخرى تحدثت عن أن الله سبحانه وتعالى نزله على قلبك لتكون من المنذرين، فإذن مكان تلقي القرآن هو القلب قبل أن يطرأ على العقل، وما إلى ذلك القلب، فالقلب مسألة خطيرة جدا، إذا فيه شكوك، إذا فيه هوى، إذا فيه دخن وجاءه القرآن فليس شرطا إنه يُحسن تلقيه. 
ولذلك إذا وجدنا في النتيجة فيها مشكلة، ما وجدت قلبي، ما استطعت أمسك قلبي أني أتبع، وأني أفعل ما يريده الله عز وجل مني، قبل ما أناقش القضايا الظاهرية، أرجع، أترك كل هذه الأمور وأقف لحظة صفاء مع نفسي ماذا في هذا القلب، عندي غيرة، عندي حسد، عندي حسد، عندي محبة شهوات..
وسيأتيني بعد قليل من العلاج (زين للناس حب الشهوات) فإذا مسألة تصفية القلب، ولذلك لو تأملت آية النور في سورة النور عالجت هذه القضية بمنتهى التفصيل لما تحدثت عن النور الذي هو وصف القرآن بأنه نور، بأنه كمشكاة في مصباح، المصباح في الزجاج، ثم قالت تحدثت لي عن الزيت (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور) فذكر نور ونور، فيه نور الوحي وفيه نور القلب، فهذا القلب يحتاج إلى معالجة حتى يُحسن تلقي نور الوحي ، فإذا حصل أن هذا القلب على نور، ونزل عليه هذا النور أصبح نور على نور،  بينهما تفاوت، وبعدها تأتي آيات الظلمات التي أعطتني مستويات الظلمات الكثيرة، فالعلاج في مثل هذا الوضع هذا نور، يحصل به الهداية، ويحصل به الرفعة، ويحصل به النجاة، ويحصل به دخول الجنة، ويحصل به الصعود إلى الفردوس الأعلى، طب لماذا لسنا هكذا جميعا؟ لنعالج قلوبنا قبل كيف نستطيع تلقيه؟ كيف هذا القلب؟ كيف هذا القرآن يأخذ بقلوبنا ويوصلنا إلى هذا الأمر؟ دعني أصفي هذا القلب كما أصفي هذا الزيت، لو كنت في هذا المثل، فهنا يبتدئ الحديث عنه، سنأخذ مواصفات القلوب ونفصل القول فيها إن شاء الله.
 سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

/ قال الله عز وجل في وصف الراسخين في العلم، طبعا الرسوخ  بمعنى الثبوت، من تمكنت قدمه، فهذا مصطلح كثيرا ما يستخدم مع العلم، من يكون له في طلب العلم والاستمرار فيه ونيل مسالك ومفاتيح العلوم يسمى راسخا في العلم بمعنى أنه وقف على دقائق كثيرة وصار يعلم مفاتيحه فهؤلاء رسوخ العلم أعطاهم - طبعا لا شك أن الحديث عن العلم في القرآن حديث يطول ذكره وأخص ما يُذكر فيه أن 
العلم يقتضي العمل، أما إذا العلم لم يورث عملا فهذا يورث قسوة قلب وهذا وارد في وصف اليهود الذين كانوا يعلمون ومع ذلك لا يعملون فغضب الله عز وجل عليهم وجعل قلوبهم قاسية، هذه وردت في أوصاف اليهود ولذلك الأمثال الواردة في سورة الأعراف - في نهايتها - كانت تتحدث (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان ) هذه كانت تشرح قضية إذا تخلف العمل عن العلم، أن الإنسان يكون يملك علما ولكنه لا يعمل فهذا كان تشبيهه في القرآن (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) وطبعا  ليس هذا مجال الحديث عنه لكن هنا نركز على قضية أن العلم الممدوح الذي وردت فيه الأحاديث والآيات على فضله هو العلم الذي يورث العمل أما العلم الذي لا يتبعه عمل فهذا قسوة قلب فالراسخون في العلم أين العمل هنا؟ (يقولون آمنا به كل من عند ربنا)
إذا هذا هو العمل المناسب للسياق وهو الحديث عن كون القرآن ينقسم إلى مُحكم ومتشابه فما العمل الذي يناسب وصف القرآن بأن منه محكم وأن منه متشابه؟
أن الإنسان يُسلم طالما أنه يعلم أن الله هو الحق وأن الكتاب حق والوحي حق والرسل حق والكتب حق فإنه يجعل المُحكم هو أم الكتاب ويُرجع المتشابه إلى هذا المُحكم قائلا ومعلنا ومسلِما (آمنا به كل من عند ربنا) وهذه طبعا توجيه للعقول لأنه ممكن يأتي الشيطان ويلقي شبهة وأنت تقرأ آية أو تقرأ محتملات تفسيرية في آية معينة وما إلى ذلك، يمكن أن يسابقك الشيطان ويطرح عندك فكرة طيب لماذا في الآية هذه مذكور كذا إذن فيه كذا، ويبدأ حسب قبولك لهذه الوسوسة يمكن أن يسترسل، ولذلك الله سبحانه وتعالى يعلمنا من أننا نستعيد بالله من الشيطان الرجيم قبل التلاوة حتى يكون هناك حصن وتخلية قبل التحلية، ثم أثناء التلاوة لو عندك شيء من هذه الأفكار فإن الإنسان يتوقف ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وممكن أن يتفل عن يساره كما يفعل في الصلاة بحيث يقطع على الشيطان استرساله في إلقاء الشبهات التي هي وُصفت بأن أصحابها أصحاب زيغ، أساسا كيف يزيغ القلب؟ إلا أنه لما يلقي عليه الشيطان يستقبل هذه الإلقاءات ويفتح لها القلب ويبدأ يحققها ويفكر فيها ويستدل عليها وما إلى ذلك إلى أن تصبح عقيدة في القلب، لكن وسيلة قفل هذه الاسترسالات أنه لو أتت هذه الفكرة فقل: آمنت بالله، ولذلك أحاديث صريح الإيمان لا يزال الشيطان يقول من خلق كذا؟ من خلق الله؟ هنا يقول: آمنت بالله، إذا قال آمنت بالله قطع استرسالات الشيطان في الوسوسة. أنا عندي نصوص كثيرة تشرح لي كيفية الوقاية فهنا من صفات الراسخون في العلم لما يلقي الشيطان مثل هذه الإلقاءات أو يلقي قضية شبهة المتشابه والمُحكم، أو في قضية معينة أنه يقول: آمنت بالله ويُسلم بأنها كل من عند ربنا.
 ما التعقيب الذي أتى بعد وصف الراسخون في العلم حال قولهم (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) قال (وما يذكّر إلا أولوا الألباب) أصحاب العقول، واللب هو: جوهر الشيء، فهذه مصطلح قرآني نجده هذه الفئة بهذا الوصف وإن كانت طبعا هي فئة واحدة لكن كل مرة بوصف معين يسترسل منها شيء من الصفات، فعندي أولوا الألباب هنا وفي الرعد وفي غيرها من المواطن تجد فيه صفات لأولي الألباب، أولوا الألباب من صفاتهم: أنهم يعلمون أن الكتاب حق من عند الله سبحانه وتعالى ويقولون آمنا به كل من عند ربنا، طبعا هي 
بمفهوم المخالفة تعطيك أن كل من يخوض في شبهة، وكل من يرُد مُحكما على متشابه العكس فإنه ليس بصاحب العقل،
صاحب العقل هو الذي يرُد المتشابه الى المُحكم ويعلم أنه من عند الله ولا يضرب بعضه ببعض، أما من يفعل العكس فانه سفيه وقليل العقل،  والله سبحانه وتعالى قال (وما يذكّر إلا اوأولوا الألباب).
تتمة الآية التي بعدها أيضا ما زالت في وصف الراسخين في العلم وهذه طبعا تعطيك قضية قيمة الثبات على الحق، ترى الثبات على الحق ما هو شيء يُدعى بسهولة، لأن الإنسان طالما الروح تسري في هذا الجسد وهو في صراع مع الشيطان لا يأمن نفسه أنه يفتتن في أي لحظة من اللحظات 
فسؤال الله سبحانه وتعالى الثبات هذا مطلوب، ولا يُظن أنه ثبت في لحظة من اللحظات أنه أخذ منشور الأمان أنه طوال حياته ثابت لا.. يمكن -والعياذ بالله - أن يحدث الانتكاس.
فمن صفات الراسخون في العلم، ولماذا أصلا وُصفوا بانهم راسخون في العلم؟ لأنه ليست القضية أنه والله تخرج من شهادة معينه، وإلا ختم كتاب معين خلاص انتهى الامر وصار ثابت وصار ناجي ودخل في الفردوس الأعلى وانتهى لا، المسألة تحتاج إلى مجاهدة طالما أنه في هذه الحياة وطالما أن الشيطان يحاول أن يقطع عليه الطريق.
فما هي وسائل السلامة ووسائل الثبات؟
وصف لي حالهم بأنهم دائموا الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وطلب العون إلى الله عز وجل فكان من دعائهم (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) إذا ممكن أن يكون الإنسان مهديا، وممكن أن يكون في وقت من الأوقات راسخا في العلم وطلب العلم لكنه قد يحدث له انتكاسة والعياذ بالله، ونسأل الله عز وجل الثبات، فالإنسان طالما أنه في هذه الحياة دائما يقول (اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك)، (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذا هديتنا)، (اللهم اجعل في قلبي نورا) يعني عندي مجموعة من الدعوات سواء في القران أو في السُنة تصب في قضية حاجة الإنسان إلى التضرع الى الله سبحانه وتعالى أن يثبته حتى لا يُفتتن في هذه الحياة.
فإذا مسألة أن الشيطان يقطع عليك الطريق وينقلك من الراسخين في العلم إلى الذين في قلوبهم زيغ واردة ووجدت على مدار التاريخ الإسلامي، وجدت من كان كذا وأصبح كذا، طبعا لن ندخل في تفاصيل شخصيات معينة أو سلوكيات معينة لكن نقول أن 
مقتضى ظاهر الآية تدل على أن الإنسان معرض للفتنة في أي وقت وهو بحاجة إلى أن يتلمس أسباب الثبات من النصوص الشرعية من القرآن والسنة ومن أسباب الثبات كثرة الدعاء كما ورد في هذه الآية.
إذا (ربنا) هذا منادى الأصل فيها يعني تقدير النداء: يا ربنا، وإظهار اسم الربوبية في الدعاء هذا أمر فاض به القرآن ووُجد على ألسنة الأنبياء وعلى ألسنة الراسخين في العلم، وعلى ألسنة المتقين والمؤمنين فهي من الأمور التي تستشعر فيها قربك من الله سبحانه وتعالى، إذا استشعرت أن الربوبية أن الله سبحانه وتعالى رب الخلائق يعطيهم ويرزقهم ويهديهم فهذه هي صفات الربوبية، فأنت تتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) فكلما دعوت الله سبحانه وتعالى مستحضره اسمه أثر ذلك الاسم هو مضمون هذه الدعوة فهو من أسباب قبول هذه الدعوة مثل: يا رزاق ارزقني، يا وهاب أعطني، يا غفّار اغفر لي، يا تواب تب علي، فهذه يعني يلتحم فيها أمرين:
/ أمر معرفتك بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته، وأمر حسن الظن بالله سبحانه وتعالى.
/ ثم بعد ذلك تحصيل الدعاء لأن الله عز وجل إذا كان بهذه الصفة فهو القادر على أن يهبك مضمون هذه الدعوة.
 فالربوبية من شأنها قضية -مثلا- الهداية فهنا يقول (ربنا لا تزغ قلوبنا) فبعد ان قال (في قلوبهم زيغ) كأنه يقول رب لا تجعلني مع هذه الفئة (لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا).
 ● نقف مع كلمة (بعد إذ هديتنا)
 هنا الآن أقروا على أنفسهم أنهم مهديين هل هم من باب الغرور؟ أو من باب العُجب بالعمل مثلا إنه يصف نفسه بأنه مهدي؟
 ● قال العلماء: أنه من باب التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، وهذا أمر أيضا موجود في الآيات وفي الأحاديث، ويمكن حديث النفر الثلاثة هو أصرح مضمونا بشكل صريح من أنه حدث لهم فرج بعد أن توسلوا إلى الله عز وجل بسالف أعمال صالحة، فإذا من أسباب إجابة الدعاء التوسل بالأعمال الصالحة السابقة فهم كانوا راسخين في العلم وردوا المتشابه إلى المُحكم فهم مهديين في هذه القضية فتوسلوا بهذا العمل أن يثبتوا على هذه الهداية، ويثبتوا على هذا المنهج ولا ينتقلوا إلى الفريق الثاني الذين زاغت قلوبهم واتبعوا المتشابه، وحصلت منهم الفتنة وصد الناس عن سبيل الله سبحانه وتعالى.
 إذا (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) 
هذه الدعوة الأولى طلبوا من الله سبحانه وتعالى الاستقامة والثبات على الحق وعدم الزيغ.
ثم طلبوا منه هبة قالوا (وهب لنا من لدنك رحمة) الرحمة صفه ومن أسماء الله عز وجل الرحمن والرحيم فالرحمة هي أثر من هذين الإسمين، الرحمة لو انطلقت في مسميات الرحمة في القرآن، ما الأشياء التي سميت بالرحمة؟ تجد كثير من هبات الله سبحانه وتعالى تسمى رحمة فالجنة مثلا تسمى رحمة، المطر مثلا رحمة، فإذا كونها هنا منكرة ليست معرفة، ليست مرتبطة بمتعلق فهم سألوا رحمة الله سبحانه وتعالى كلها، ولا شك أن ما يتناسب مع هذا السياق يدخل فيها دخولا أوليا ألا وهو الثبات على الهداية ونيل الجنة.

● قالوا (إنك أنت الوهاب) هذه أيضا صيغة أخرى من صيغ التوسل، قبل قليل كان التوسل بالأعمال الصالحة، الآن التوسل بالأسماء والصفات، فإذن كما ما ذكرنا قبل قليل أنه قضية أنك تنطق بالاسم الذي يحصل به الدعاء الذي تطلبه فطلبوا هبة الرحمة لأن الله سبحانه وتعالى وهّاب قالوا (إنك أنت الوهاب) و(إن) تعليلية ما بعدها تعليل لما قبلها، فلأن الله هو الوهاب سألوه أن يهبهم الرحمة.
قال الله عز وجل بعدها دعوة ثالثة قالوا (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) الآن هذه هل هي دعوة بحد ذاتها أم  خبر؟ خبر، هي صفتها دعوة لكن فحواها (جامع الناس ليوم لا ريب فيه) خبر عن يوم القيامة لكنها تتضمن إلى أنهم امنوا بذلك اليوم فكأنهم توسلوا أيضا بعمل بأنهم يؤمنون بأن هناك يوم آخِر، وأن الناس سيُجمعون فيه، وأن هذا الخبر هو خبر حق وخبر يقين وأنهم ينتظرونه، فلا شك أنه يحمل في طياته النجاة في ذلك اليوم، وأن يكونوا من الفائزين في هذا اليوم لأن هذا اليوم هو الذي سيكون فيه مآلات الأمور والنتيجة هل هذا الإنسان زائغ أو مهتدي، هل هو خُتم له بخير أو خُتم له بشر، هذا اليوم الذي ستجتمع فيه الخلاق، فكونهم أعلنوا وأظهروا ذلك الإيمان فكأنهم يتوسلون إلى الله عز وجل بهذا العمل أنهم آمنوا باليوم الآخر أن يجعلهم من الناجين في ذلك اليوم، ولا شك أن هذه الدعوات كلها تصف مقدار الرسوخ في العلم، تصف اليقين، تصف قوة الإيمان، وبالتالي حُق لهم أن يسموا بأنهم راسخون بالعلم ليسوا متذبذبين، وليسوا شاكين وليسوا في ريب من ذلك اليوم، أو في ريب من هذا الكتاب..
فكأنها تصف في المقابل أن الذين في قلوبهم زيغ واتبعوا ما تشابه عكس هذه الدعوات هي صفات فهم ليسوا مهديين، وليسوا على يقين من اليوم الآخر، وكل هذه الأمور لم تحصل لهم، فهذه صفات الراسخين في العلم.
كثير ما يأتينا في القرآن لما يأتي وصف القلوب يوصف الفريقين استحضريها -مثلا- في سورة الحج في قوله تعالى (وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان..) ثم الآية الثانية (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم) والآية اللي بعدها (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم) 
الشاهد: أنه ذُكر مع العلم إثبات القلوب، وذُكر مع المرض والقسوة تلقي إلقاءات الشيطان بدلا من تلقى الوحي، فيحصل باجتماع الوصفين خارطة طريق إما من هذا الفريق، أو من هذا الفريق ، كذلك الآية التي بين أيدينا (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) هذا فريق.
الراسخون في العلم بسبب العلم، بسبب عملهم بهذا العلم قالوا: (آمنا به كل من عند ربنا) فهذه الآن خارطة طريق فلذلك أنت أيها الإنسان تأتي وتختبر قلبك، ما موقفك عندما تُقرأ عليك آية؟ عندما تعطى حكما شرعيا هل أنت تسارع بالامتثال؟ ولو وجدت الامتثال عسيرا عليك بدأت تعالج في قلبك ، ما يفترض أن الإنسان يكون كامل مكمل في كل شيء في استقبال الوحي، لكن على الأقل أنه لو وجد خللا أو وجد ضعفا في الاستجابة أقرّ بالخلل وبدأ يعالج نفسه 
غير عمّن لو وجد هذا الضعف بدأ يُشرعن لهذا الضعف، وبدأ يشرعن لهذا الضلال، ويقول هذا هو الحق والدليل هو كذا وكيف تأتي هذه الآية مع هذه الآية، المهم أنه يكون هو على الصح والآيات كلها تصير باطل، أو القرآن يضرب بعضه ببعض. فأنت في الواقع تجد نماذج من كذا ونماذج من كذا، كيف تكون من هذا الفريق ولا تكون من هذا الفريق؟ 
هذه الآية كلها ابتدأت بالحديث عن القلوب تحتاج إلى أن يختبر الإنسان نفسه في مواقف.. قد يزعم لنفسه أنه على الهداية، وأنه يستقبل الوحي وأنه لا يرد شيء وما إلى ذلك، لكن لما يأتي ذكر حكم معين أو ما إلى ذلك قد لا يجد قلبه بالطريقة التي زعمها لنفسه عندها يحتاج هذا الإنسان إلى أنه يعالج قلبه،،
ووسائل المعالجة أيضا مبسوطة في القرآن الكريم ذكرت أمور كثيرة لعلنا مع تسلسل الدراسة في الآيات يأتينا نماذج من هذا الأمر، لكن النموذج الذي يبدو عندنا الآن في هذه الآية هو: سرعة التسليم، قبل ما تقول عقلك يقول كذا تقول آمنت بالله،،أول قضية تحسم بها مداخل الشيطان أنك تقول آمنت بالله ثم تبدأ،، لا يمنع أنك تستفسر لو ظهر عندك شيء يضرب بعضه ببعض، قد يكون، الناس تتفاوت في العلوم وقد يبدو عندك أنه بالفعل متضارب لقِصر علمك وليس لأن الامر كذلك، فهناك فرق بين أنك تعتقد هذا الأمر لكنك تُشرعنه وتقول هذا هو الصح، وبين أنك تذهب لأهل العلم، لراسخ في العلم وتقول هذه الآية مع هذه الآية كيف التوفيق بينهم؟ فإذا أتاك الجواب الصحيح أغلقت باب هذه الشبهة، هذا هو الفرق بين الفريقين.
أعود وأقول لا يُزعم أن كل الناس لابد أن يكونون راسخين في العلم ليكونوا من الفرقة الناجية،، الراسخون في العلم هؤلاء على أعلى الهرم، الذين طلبوا العلم وتمكنوا وأصبحوا هم المُصدرِين للفكر في هذا الأمر، وهم الذين يحسمون الخلافات في هذه القضية، أنا لما أكون في درجات تحت ليس شرطا أني لا أكون ناجيا إلا لما أصبح مثلهم، لا شك أنهم سيكونون في درجة أعلى لكن على الأقل أنظر لمسلكهم، مسلكهم أنهم (قالوا آمنا به كل من عند ربنا) مسلكهم أنهم قالوا (ربنا لا تزغ قلوبنا) صدروا هذا الأمر جعلوه هو الأهم هو القمة أنهم سأل الله عز وجل وتضرعوا به فهو الذي يملك هذه القلوب وقلوبنا بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء..
ولذلك في آية النور عُلّمنا فمن ثمرات هذه الآية نجد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم اجعل في قلبي نورا، في سمعي نورا، في بصري نورا، عن يميني نورا، عن شمالي نورا، من أمامي نورا، من خلفي نورا، من فوقي نورا، من تحتي نورا) هذا النور يحرق الشبهات، ولذلك حتى لو أخذتها في مثَل سورة الرعد ماذا قال فيهم في قضية الحق والباطل قال: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبد رابيا) أنت لما تفسح المجال لهذا الوحي وتجعله هو الذي يدخل، هو الذي يُحاكم، هو الذي يسيطر عليك في كل هذا الأمر، قليلا قليلا سيُمسك هذا الباطل، وهذه الشبه، ومداخل الشيطان، وهذا الضعف وكذا سيأخذها وسيجعلها غثاء، يجفيها مثل ما السيل هذا أخذ الأعواد وأخذ القش وأخذ الوساخة التي في الوادي وجفاها ورماها على طرف الوادي
 وأصبح ما ينفع الناس يمكث في الأرض وهذا الزبد أصبح جفاء لا بقاء له فهذا هو القرآن في قلوبنا، لما نفتح هذا القلب ونتلقاه ونقول آمنا به ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل في قلوبنا نورا ويجعل هذا النور هو الذي يشع في هذا القلب فإنه مع الوقت، أنت لا تستعجل النتائج، والله أنا قرأت اليوم وِردي خلاص أريد أن أصبح ابن تيمية وإلا أصبح ابن عثيمين، الأمور تأتي بالتدريج وهؤلاء العلماء ليس في طفولتهم أو خرجوا من الدنيا وهم على هذا الأمر، مع طلب العلم مع فتح القلوب إلى وحي الله سبحانه وتعالى انتقلوا من مرحلة إلى مرحلة وطبعا لا شك أن الأمر فيه عوامل متعددة لكن مثَل سورة الرعد عظيم جدا في شرح خارطة الطريق خصوصا إذا استحضرت قضية (فسالت أودية بقدرها) ففيه وادي ضيق وفيه وادي واسع، والوادي الواسع يحمل ماء أكثر، الواد الضيق ما يحمل من الماء إلا قليل، أنت قلبك هل هو ضيق أم واسع؟ وإن كان ضيقا وسعه واجعله يستجيب للوحي إلى أن يحدث..، لذلك آخر الآية وفي وسط الآية (كذلك يضرب الله الحق والباطل) فكان ذلك مثل للحق والباطل ومدى بقائهم، ما الذي يبقى في هذا القلب وما المسيطر، طبعا لسنا في مجال شرح هذا المثل في الآية، لكن اقرأ فيه وانظر المقايسات التي بداخله، وانظر مواصفات الباطل ومواصفات الحق كلها في المقايسة بين أجزاء هذا المثل،
 فالشاهد أن هذه الآية في النهاية تعطيني وصفين ما هي أوصاف الذين في قلوبهم زيغ؟
 / أول شيء ابتغاء الفتنة فهدفه الصد عن سبيل الله سبحانه وتعالى، عندما يُصدّر فكرة ويقول الحق هو كذا يأخذ المعنى البعيد ويجعله أصلا ويهمل المعنى الحق حتى يُلبّس على الناس ويجعلهم ما يتبعون شرع الله سبحانه وتعالى ويصدون عن سبيل الله فهذا الزيغ من آثاره مثل ما إن الرسوخ من آثاره (قالوا آمنا بالله) الزيغ من آثاره أنهم ابتغوا الفتنة وصد الناس عن سبيل الله سبحانه وتعالى.
 ثم الصفة الثانية: وابتغاء تأويله وهذه كما تصدق على قضية إنكار الحكم بالكامل يأتي في قضية التأويل في باب الأسماء والصفات أحيانا فهذه مجال ضلال وإن كان يعني الحاجة للتفصيل فيه في قضية أبواب الأسماء والصفات التي هي أنهم ينظرون لظاهر القرآن يستحيل تطبيقه فيتبعون تأويل الآية بشيء خلاف الظاهر مثل قضية إنهم يوأولون اليد مثلا بالقدرة أو غيرها من الأسماء والصفات يعني هذه تسمى باب التأويل، والتأويل: صرف الكلام عن ظاهره بقرينة في السياق تدل على ضعفه. الشاهد: (وابتغاء تأويله) أنهم أرادوا تأويل المحكم بالمتشابه بدل أن يردوا المتشابه إلى المحكم عكسوا المسألة وردوا المحكم إلى المتشابه ولبّسوا على الناس في هذا العلم. هذه الصفات الذين من قلوبهم زيغ، ولذلك قال الله عز وجل (وما يعلم تأويله إلا الله).
ثم يأتي بعد ذلك صفات الراسخون في العلم، طبعا لا شك أن هذه الصفات القمة وتحتها صفات، يعني ليس كل الناس في زيغهم وصلوا إلى أنهم يفتنون الناس وينتظروا تأويله، فيه زيغ بسيط وفيه زيغ مستحكم وكامل، وطلب العلم مراتب أيضا، فيه رسوخ في العلم هذه مرتبة عالية، وفيه طلب علم الذي يصعد في هذا المقام، وفي كلٍ أعراض خلينا نقول لو كل مرض له أعراض وله أسباب شفاء فكذلك 
هذه القلوب لها أعراض نختبر بها أنفسنا نشخص الحالة أين أنا في هذين الوصفين وفي أي درجة، لو كنت -أنا والعياذ بالله- من الذين في قلوبهم زيغ فما مستوى هذا الزيغ؟ ونفس الشيء لو كنت أنا من الراسخين في العلم في أي مستوى؟ وكيف يمكن إني أتخلص من هذا إن أنا وجدت شيء من هذا الأعراض، وكيف يمكن أن أرتقي وأثبت، لو وجدت نفسي مع الفريق الثاني. الصفات تُعرض بالكامل، والنتائج تُعرض بالكامل، والجزاء والثواب يُعرض بالكامل وأنت أيها الإنسان (بل الإنسان على نفسه بصيرة) يُحكّم نفسه على هذه الأمور. وهذه هي أساسيات التدبر، التدبر كما قال ابن القيم: هو أنك كلما تقرأ آية تشعر أنها تخاطبك أما إن قرأت الآية كأنها تتحدث عن صفات أقوام أو قصص أنبياء أو قصص مخالفين وأنت بمعزل عن هذا الأمر هذه من أقفال التدبر، إذا لم تعرض نفسك في كل آية فهذه يسمونها أنها من أقفال التدبر كل آية وأنت تقرأها تعرِض نفسك عليها، قد تكون تُمسك بشكل مباشر، وقد تكون لا تُمسك، لكن يمكن أن تنتقل إلى الصف الثاني من الفوائد، يعني كل آية وكل موضوع في القرآن فيه قضية سياقية هي المعنية في هذا، وفيه صف ثاني من الفوائد فقد يكون مواعظ هذه الآية أنا في سياقها وممكن أحكمها، وقد اكون أنا من الصف الثاني في تدبر هذه الآية. الشاهد: أني كل ما أقرا موضوع وكل ما أقرا آية فأنا استشعر أني مخاطب فيها، وأن هناك مجال للعمل أن أعمل بهذه الآية بوجه أو بآخر فهذه من أساسيات التدبر،  بل حتى من أساسيات التدبر غير قضيه أنها فقط مجرد تقسيم قلوب، مسألة القلوب وتلقي القلوب للوحي أصلا هذه من أسس الحديث عن مسألة التدبر، فالقرآن تلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم بقلبه ولما خوطبت القلوب أو طريقة تلقي الذكرى بالقرآن قال (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) فهذا القلب هو الذي وُصف في سورة النور (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ..) إلى آخر الآية هذه هي مواصفات القلب الذي يُحسن تلقي القران. طيب لو كانت مواصفاته أقل انتقل للمستوى الثاني (أو ألقى السمع وهو شهيد) فهو يلقي السمع وهو شهيد فيترقى من مرحلة إلى مرحلة يلقي السمع أي يعزل نفسه في لحظة قراءة القرآن،  يعزل نفسه عن كل الشواغل ويركز في الاستماع والانتفاع بالقران، وهو شهيد حاضر بنفسه، بقلبه، بعمله في هذه الآيات عندها سيرتقي من هذه المرحلة إلى أن يكون له قلب، فهذه الفكرة تحصل للإنسان إذا راعى قلبه بمجموع هذه الصفات.
 الثلاث آيات هذه أو الأربع آيات هي في الحقيقة نستطيع أن نقول أنها تمهيد لموضوع محاجّة وفد نصارى نجران الذين اتبعوا ما تشابه وأخذوا بعض الكلمات وجعلوها دليلا على التأليه ودليلا على ألوهية عيسى، ودليلا على بنوة عيسى لله سبحانه وتعالى -تعالى الله عما يقولون- كلها احتجوا بشيء من القرآن قالوا ما بال هذه الآية كذا، وما بال هذه الآية كذا وتركوا الأصول التي تتحدث عن التوحيد وعن الألوهية وعن الربوبية، وعن بشرية الرسل وما إلى ذلك، تركوها كلها وأخذوا ضمائر أو أخذوا أشياء ما أنزل الله بها من سلطان فردوا المحكم إلى المتشابه وكان ذلك بسبب زيغ هذه القلوب وليس أن هذا هو الحق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق