الاثنين، 24 أغسطس 2026

اسم الله (المُحسن) من كتاب فقه الأسماء الحسنى للشيخ عبد الرزاق البدر

[المُحسن] لم يرد هذا الاسم في القرآن اسماً وإنّما ورد فعلا كما في:
 قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: ٧٧]
 وقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ﴾ [يوسف: ۱۰۰ ] 
وقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ [الطلاق: ١١]
وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴾ [السجدة: ٧]
وقوله تعالى : (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: ١٤].
وجاءت السنة بإثبات هذا الاسم لله عز وجل في ثلاثة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 
الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب المحسنين) «رواه الطبراني، وأبو نعيم» (۱) 
الثاني: حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال: حفظت من رسول الله الله اثنتين قال : (إن الله محسن يُحِبُّ الإحسان إلى كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته». رواه عبد الرزاق وغيره (٢).
الثالث: حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عزوجل محسن فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم فليحسن مقتوله، وإذا ذَبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته» رواه ابن عدي (٣).
وهذه الروايات تدل بمجموعها على ثبوت هذا الاسم لله عز وجل.

وقد جاء ذكر هذا الاسم في ثنايا كلام أهل العلم، وكثُر التعبيد الله به (٤).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكان شيخ الإسلام الهروي قد سمى أهل بلده بعامة أسماء الله الحسنى، وكذلك أهل بيتنا غلب على أسمائهم التعبيد الله : كعبد الله وعبد الرحمن وعبد الغني والسلام والقاهر واللطيف والحكيم والعزيز والرحيم والمحسن...» (٥) ، وذكر بعض أسماء الله الحسنى.
وقال ابن القيم رحمه الله : "وإقرار قلوبنا بأنَّ الله الذي لا إله إلا هو... وأنه حکيم كريم محسن... ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسن يحب المحسنين" (٦).
و معنى اسم الله المحسن يرجع إلى الفضل والإنعام والجود والإكرام والمن والعطاء، والإحسان وصف لازم له سبحانه، لا يخلو موجود عن إحسانه طرفة عين بالإيجاد والإنعام والإمداد، قال تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان من طين ﴾ [السجدة: ٧]، وقال تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [التغابن : ٣].
وأعظم الإحسان التوفيق لهذا الدين وشرح الصدر للزوم طاعة رب العالمين، والتثبيت على الحق والهدى إلى الممات، إلى أن يتوج ذلك بأعظم الكرامة وأجل الإحسان بدخول الجنان يوم القيامة، ورؤية الكريم الرحمن المحسن المنان، نسأله سبحانه من فضله العظيم وإحسانه الجزيل.
ثم إن الله سبحانه يحب من عباده أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو الكريم يحب الكرماء، محسن يحب المحسنين، قال تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ۷۷]، وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: ١٢٨].

والإحسان من العبد هو أعلى مقامات الدين وأرفعها كما جاء ذلك في حديث جبريل المشهور ، وفسر الإحسان في الحديث بأن يعبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله جل وعلا يراه لا يخفى عليه منه شيء، وهذا إحسان في عبادة الله، وهو أشرف الدين وأرفع مقاماته كما تقدم، ومن الإحسان أيضا الإحسان إلى عباد الله برا بالوالدين، وصلة للأرحام، ووفاء بالحقوق، وإعانة لذوي الحاجات، وكف الأذى عن الناس، والاجتهاد في إيصال الخير لهم، إلى غير ذلك من الإحسان لعباد الله.
وقد وعد الله على ذلك بالثواب العظيم، قال تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [التوبة: ١٢٠].

ومن ثمار الإحسان العظيمة في الدنيا انشراح صدر المحسن وطيب نفسه وطمأنينة قلبه، ولذا يقول العلامة ابن القيم رحمدلله في كلام عظيم له عن أسباب شرح الصدر، قال: ومنها: الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرا، وأطيبهم نفسا، وأنعمهم قلبا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا، وأنكدهم عيشا، وأعظمهم هما وغما. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح (٧) مثلا للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنّتان من حديد، كلما همّ المتصدق بصدقة اتسعت عليه وانبسطت، حتى يجر ثيابه ويُعفي أثره، وكلما همّ البخيل بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها، ولم تتسع عليه، فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق وانفساح قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه)(٨)

وأما ثواب الإحسان في الآخرة فكل ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين يناله المحسنون، قال تعالى: لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر: ٣٤].
وقد جمع الله لهم بين الثوابين المعجل والمؤجل في قوله: ﴿ فآتاهم اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران : ١٤٨]. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
--------------------------------
(۱) «الأوسط» (٥٧٣٥)، وأخبار أصبهان (۱۱۳/۲) من طرق عن محمد بن بلال، ثنا عمران القطان، عن قتادة عن أنس بن مالك منه.
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد»: «رجاله ثقات».
وقال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة» (٧٦١/١): «إسناده جيد».
(٢) مصنف عبد الرزاق) (٤ / ٤٩٢) - ومن طريقه الطبراني في الكبير» (٢٧٥/٧) ، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال (فذكره).
ورجال إسناده ثقات رجال مسلم. أبو الأشعث اسمه شراحيل بن آدة، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي.
ورواه إسماعيل القاضي في حديث أيوب السختياني (٣٦) عن يحيى الحماني، حدثنا حماد ابن زید، عن أيوب، به مثله. والحماني مختلف فيه، وقد اتهم بسرقة الحديث.
والحديث رواه مسلم (رقم: (١٩٥٥) من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، بإسناده، بلفظ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم.... الحديث.
(٣) في الكامل» (٦ / ٢٤١٩) من طريق عبد الله بن رشيد، ثنا مجاعة بن الزبير أبو عبيدة، عن الحسن، عن سمرة، فذكره.
وإسناده ضعيف مسلسل بالعلل عبد الله بن رشيد ليس بالقوي وفيه جهالة، ومجاعة ابن الزبير مختلف فيه وضعفه الدار قطني وغيره، والحسن مختلف في سماعه من سمرة.
وقال المناوي في التيسير» (١ / ٩٠): «إسناده ضعيف».
لكن الحديث صحيح يشهد له الحديثان قبله.
(٤) وقد جمعت في رسالة لي مفردة حول إثبات هذا الاسم الله كل من سمي معبدا للمحسن من أهل العلم وغيرهم إلى نهاية القرن التاسع، فبلغ عددهم أكثر من خمسين شخصاً.
(٥) مجموع الفتاوى» (۳۷۹/۱).
(٦) طريق الهجرتين» (ص/ ۱۲۰).
(٧) (صحيح البخاري (رقم: (١٤٤٣) ، و (صحيح مسلم» (رقم: (۱۰۲۱) من حديث أبي هريرة له .
(٨) (زاد المعاد» (٢/ ٢٥ - ٢٦).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق