الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

التفسير المؤصل / سورة آل عمران (١٠ - ١٤)

قال الله عز وجل بعدها (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار) إذا بعد أن ذكر الراسخون في العلم اتصل الكلام بالحديث عن أعمالهم وجزاؤهم، وجزاؤهم يفهم من قولهم لما قالوا (إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) الآن يعود الحديث عن تتمة الحديث عن الذين في قلوبهم زيغ فقال الله عز وجل: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم..) الله سبحانه وتعالى في خطابه في الجزاء يخاطب النفوس بما تفهم، يخاطب النفوس بما هي عليه في الحقيقة والواقع، في الحقيقة والواقع الإنسان عندما يقع في كرب أو يقع في مشكلة يفزع إلى ماذا؟ إلى الله هذا المؤمنين، لكن أنا أتكلم من محض البشرية، من محض البشرية عندك مال تحاول أن تشتغل فيه إلى أن تدرأ عنك هذا الأمر، فقط مصيبة تحتاج إلى شيء، يحتاج إلى جاه، عندك أولاد تتعزز بهم، فمسألة الأولاد ومسألة الأموال من واقع الحياة البشرية أمر يعتبر ملاذ في وقت المشاكل، فالإنسان يفهم بهذه الطريقة وهي طريقة واقعية من الناحية الفطرية أن الإنسان يتعزز بماله ويتعزز بأولاده، فوقع على لسان المشركين في أحوال متعددة أنهم يظنون أنهم يوم القيامة يستمر تعززهم بالمال، يستمر تعززهم بالأولاد مثل ما حصل ( فليدعو ناديه* سندعو الزبانية) فالتعزز بمسألة الجاه والأبناء وما إلى ذلك موجودة ووجد في أسباب بعض النزول، فلذلك تكرر في القرآن في مرات متعددة عندما يتحدث الله عز وجل عن العذاب يقطع وسائل النجاة من العذاب فينفي تماما إمكانية النجاة من هذا العذاب بسبب أنهم أصحاب أموال أو أصحاب أولاد فقال (إن الذين كفروا لن تغني..) عندك مال، عندك أولاد، عندك جاه، أنت ملك، أنت وزير، أنت رئيس، أنت شيخ قبيلة، أنت عندك من الولد من الحشم من الخدم، هذه كلها يوم القيامة لا تلقى الله عز وجل إلا بعملك وتُقطع عن كل هذه الأمور، فلا شك أن القلب السليم لما يقرأ هذه الآيات فهو يتعامل مع هذه الأمور في الحياة الدنيا بحجمها الطبيعي وليس بحجمها المفخم أنها ستبقى معه إلى يوم القيامة.
 إذا لا الأموال ولا الأولاد تغني من الله شيئا، و(شيئا) نكرة في سياق النفي فتدل على العموم القاعدة التفسيرية تقول النكرة في سياق النهي أو النفي أو الشرط أو الطلب أو الأمر تفيد العموم، فإذا ولا شيء،  لا يوم من العذاب، ولا ساعة من العذاب، ولا لون من العذاب يمكن أن يزول إذا قدّر الله سبحانه وتعالى عقوبة هذا الإنسان بسبب مال أو ولد، ولذلك يأتي آيات يمكن أكثر تفصيلا من هذه الآية التي هي أنهم يتمنون لو عندهم ملء الأرض ذهبا ولكن لو افتدوا بها لن يحصل هذا الأمر.
ليس هذا فحسب قال (وأولئك هم وقود النار) يعني ليس أنهم يرمون في النار، هم وقود، الشيء الذي توقد به معناه أنه هو أول ما يُسعّر بهذا الشيء، لما تقول مثلا هذا الخشب سأوقد منه نارا أيهما أكثر اصطلاء بالنار الخشب أو القدر الذي ستضعه فوقه؟ الخشب نفسه، فاذا هو نفسه مادة الوقود، فإذا قال (هم وقود النار) (وقود النار) في القران وُجد أنه بالحجارة، ووجد أنه بأجساد هؤلاء المشركين، الشاهد أنها دليل على شدة العذاب - نسال الله سبحانه وتعالى السلامة-
 أيضا من الحديث عن هؤلاء قال الله عز وجل عن الذين في قلوبهم زيغ والكافرين، قال: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم) الكاف هنا تشبيه، والدأب أي: العادة والطريقة. لماذا خُصت قصة آل فرعون في سياق الحديث عن عدم غنى الأموال والأولاد عن العذاب؟ فرعون كان من أكثر ملوك الأرض وكان من شدة تعززه بالمُلك أن (ما عملت لكم من إله غيري)، وتعزز حتى بتضاريس البلد (هذه الأنهار تجري من تحتي)، وتعزز بالأموال والخدم وذل الرعية له، فكان في قمة علوه في الأرض ولكن لما حانت ساعة إنزال العقوبة كانت عقوبته بما تعزز به، ألم يقل (هذه الأنهار تجري من تحتي) جُعلت هذه الأنهار هي التي تُغرقه ويهلك بها وقصة هلاكه مفصلة في الشعراء وفي غيرها من السور بطريقه يقصر المقام عن ذكرها.
الشاهد هنا: لما قال (كدأب) الكاف هنا كاف التشبيه شبه ماذا بماذا؟  بكون أقوام لم تغني عنهم وعوقبوا ونزلت لهم هذه العقوبة،  عندي في القران شيء اسمه القصص المَثَلي، القصة قد تكون قصة قائمة بذاتها، وقد تستخدم القصة مثلا يُمثل بها، مثل ما ورد في سورة الكهف لما قال (واضرب لهم مثلا..) كذا وكذا ويذكر قصة، فأحيانا المَثل يُمثل بشيء محسوس أراه يخبرونني، أو يكون البيان لهذا الأمر هذا الأمر مثل هذا الأمر، وأحيانا هذا الأمر مثل قصة، وهذا نستخدمه في الحياة، حين تأتي -مثلا- تعزي مصابا تقول له انظر فلان حدث له كذا وكذا والنتيجة صارت كذا وكذا، معنى ذلك أني أتيت بقصة جعلتها مثل لحال، وغالبا هذه تستخدم في مآلات  الأمور، هي التي يستخدم فيها القصص المثلي للعظة والعبرة، يعني مآل الأمر أحيانا الإنسان وهو يستقبل موضوع من الموضوعات لا يكون عنده بصيرة بعاقبة الأمور لأنه تستغرقه اللحظة، الإنسان من طبيعته حين يعيش في نعيم يشعر  أن كل الدنيا نعيم، حين يعيش في مشكلة أغلقت الدنيا كلها في وجهه، فيكون عنده قصة نظر في عواقب الأمور، ما الذي يخرجه من استغراق اللحظة ويجعله أكثر بصيرة؟ أنك تشبه حال بحال، تأتي له بقصة وتقول مبدأها كان مثل حالتك ونهايتها تغيرت، فهذا هو القصص المثلي، فهنا الآن أُخبروا بخبر بأنهم يوم القيامة لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم، هم الآن في لحظة يستمتعون بمال وأولاد وجاه فما في نظرهم إلا أنه سيستمر التعزز والالتجاء وأنها ملاذ آمن في كل الأوقات، فيقال لهم مثلكم قوم كانوا كذا وكذا وكذا وآخرة الأمر أغرقوا وأدخلوا النار، وما فُصّل عذاب البرزخ إلا في قوم فرعون (ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) ذُكرت هذه الحالة، طبعا هذا اختصار ويحال تفصيلها إلى غيرها من الآيات التي فصلت دأب آل فرعون، فعادت الله سبحانه وتعالى في عقوبتهم.
 طبعا كونه قال (آل فرعون) معناه ليس فرعون فقط بل كل قومه، نعرف أن من قومه مثلا قارون الذي تعزز بالمال وقال (إنما أوتيته على علم عندي) وما إلى ذلك، فهذا من آل فرعون وعندنا من جنوده هامان، وعندنا الحواشي الذين هم على نفس طريقة الفكر، وعلى نفس طريقة الكفر، وعلى نفس طريقة الضلال، ففرعون وآل فرعون كلهم كانوا هذا مصيرهم، ولذلك يأتيهم في محاجة النار الضعفاء الذين استكبروا (وآتهم عذابا ضعفا من النار) لأنهم اتبعوا وساروا على نفس المنهج فنالهم من الجزاء مثل ما نال هؤلاء، فهو إذا ليس فرعون فقط وإنما آل فرعون بأكملهم.
 قال (والله شديد العقاب) فهذه من شدة العقاب وهذه فُصّلت أيضا في آيات كثيرة، وفُصّل شدة العقاب في النار، وفُصّل في ملبسهم، في مشربهم، في مسكنهم، وصوت في النار، وما إلى ذلك، فالآيات كثيرة يعني يقصد الحديث عنها.
 قال الله عز وجل بعدها (قل للذين كفروا) أيضا استرسال في الحديث عن الذين كفروا (ستُغلبون وتُحشرون إلى جهنم) ستغلبون أين؟ في الدنيا، وتحشرون إلى جهنم في الآخرة، طالما أنكم في قلوبكم زيغ ولم تتعظوا بالقرآن، واستمريتم على الكفر، وصددتم عن سبيل الله، وابتغيتم الفتنة فإن مصيركم تغلبون في الدنيا فتنهزمون، وفي الآخرة يكون العقاب يوم القيامة.
مما نحتاجه في الساحة الآن آية المُحكم والمتشابه، فيه أشياء كنت ما تعرضت لها، أو تعرضت لها على عجل الأسبوع الماضي، لكن أريد أن أركز عليها.. كثير من الانحرافات التي تبث في الساحة انحرافات فكرية، في الساحة كثير منها تعتمد على الغرور بالعقل وحتى يسمونها المدرسة العقلية يكون الاحتجاج على بدعتهم أو على انحرافهم من ناحية إنهم يتبعون العقل يعني هذه أول احتجاج مقبول ومنطقي أن الإنسان يتبع العقل لكنهم يجهلون أمور مهمة وضحتها هذه الآية وهي حاجة العقل للوحي، العقل يعني عملية الذكاء شيء وعملية العقل الذي هو قضية العمل بالعلم شيء آخر، ولذلك هذه يسددها قضية الوحي، العقل إذا استنار بنور الوحي حصل بالفعل الاستقامة، إذا تخلف هذا الوحي أو تخلف النور من هذا القلب بدأ قضية الانحراف  وهو الذي بينته الآية لما قال (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) إذا هي قضية إن ذا العقل محتاج إلى الوحي.
 فيه لطيفة مهمة جدا: وهي جانب إحصائي وارد في القرآن الكريم - طبعا ليس من باب الإعجاز العددي  لكنها هي ملاحظة - كم عدد مرات ورود العقل في القرآن؟ وكم عدد مرات ورود كلمة النور في القرآن الكريم؟
 لو عملت هذه الإحصائية ستجد أن العدد متساوي، العقل ورد تسع وأربعون مرة، والنور ورد تسع وأربعون مرة، هذا في حد ذاته إلماح كافي بقضية أن الاستقامة تتم بالتوازن بين الأمرين، الوحي يدعو إلى العقل ويدعو إلى إعمال العقل ويقول (لعلهم يتفكرون)، (أفلا يعقلون)، (لو كنا نسمع أو نعقل) يدعو إلى العقل، لكن هذا العقل ليس له قوة مطلقة وليس هو صواب مطلق وإنما قد يضل بسبب ماذا؟ أن الهوى قد يدخل على العقل فيوجه هذا العقل، ويحرف هذا العقل ويغير مساره فيتبع الفتنة ويتبع ما تشابه منه، فهذه الآية أصل لشرح منشأ البدع بشكل عام. كل من يدعى المدرسة العقلية نقول العقل نعم يدعو إليه القرآن ولكنه لا يستقل وإنما هو مفتقر إلى الوحي لأن عملية اعتناق الأفكار، عملية اعتناق الرؤى، اعتناق أنك تتبنى مذهب وما إلى ذلك ليست عقلية بحتة وإنما يدخل فيها الهوى ويدخل فيها الشهوات ويدخل فيها أهداف يتسبب فيها الشيطان من تزيين وما إلى ذلك فيُلبسها بصورة العقل ويقول أنا لا.. لأن العقل يقول كذا فأنا أفعل كذا، وهو في الحقيقة المسبب الحقيقي هو الهوى والشهوات ولذلك الآية أتت تبسط لنا مواصفات أهل الشهوات ومواصفات الراسخون في العلم.
ما هي الأمور التي يحدث بها استقامة القلب؟
أولا: من صفات  استقامة هذه القلوب أنهم أهل علم فالعلم ينير القلب، وترقيك في درجات الاستقامة بترقيك بدرجات العلم إلى أن تصل إلى مرحلة الرسوخ في العلم. الراسخون في العلم بمعنى الثبوت، يعني بمعنى أن هذا العلم أورثهم عملا، أورثهم ثباتا على الحق فاستنارت عقولهم، وصح مسلكهم، وفهموا مراد الله سبحانه وتعالى. إذن أول صفة هي العلم بل والرسوخ في العلم.
ثم بعد ذلك الصفة الثانية وصفهم بالإيمان (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) فالإيمان أحد مواصفات من استقامت قلوبهم.
ثم بعد ذلك لجؤهم إلى الله سبحانه وتعالى فسألوا الله العفو والعافية، وطلبوا من الله سبحانه وتعالى الهداية، وطلبوه أن يجنبهم أسباب الزيغ (لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) وسألوه الرحمة، واستحضَروا - وهذا مهم جدا في استقامة القلب - استحضروا اليوم الآخر   فإن استحضار اليوم الآخر كلما قوي في القلب كلما استقام مسلكه. وهذا الأمر يتكرر كثيرا في القرآن في وصف سبب مهلكة أهل الكفر من أنهم يجحدون باليوم الآخر أو ما يؤمنون به أو ما يحضر عندهم مفهومه وفي المقابل في وصف المؤمنين من كثرة ترداد أمور اليوم الآخر، والجنة والنار، والخوف من الله سبحانه وتعالى، فهذا سبب يتعاهد القلب في الاستقامة.
أما أهل الزيغ فمواصفاتهم: أنهم أصحاب شهوات وبالتالي حصل عندهم الزيغ، للمعلومية أن الزيغ هذا ليست صفة جبلية، الصفة الجبلية هي الفطرة السليمة أما الزيغ فهو سبب حادث على القلب فبالتالي كل ما كان الإنسان يحافظ على فطرته وينميها بالوحي، طبعا الفطرة مرحلة ثم بعد ذلك التزكية تحدث بالوحي كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النور (نور على نور) بعد أن ذكر شِقي المثل فهذه تصعّد في درجات الاستقامة ما بين الفطرة السليمة ثم بعد ذلك تعهدها بالوحي حتى تستقيم هذه القلوب. فإذا آفة الرأي هو الهوى وإلا فإن القرآن يدعو إلى العقل.
 من صفاتهم أنهم يتركون المُحكم ويذهبون إلى المتشابه وهذه طبعا مهمة جدا في درسنا قبل قليل لما قلنا تفسير القرآن بالقرآن المحنا إلى أن أهل البدع أحيانا يستخدمون تفسير القرآن بالقرآن ولكن ما الفرق بينهم؟ الفرق أن هؤلاء يجعلون المتشابه هو أم الكتاب فيعتنقونه أولا ويعتبرونه أصلا ثم يذهبون إلى المحكم ويجعلونه متشابها ويردونه إلى هذا المتشابه، وأعتقد المؤلف كان هنا ضرب لنا مثلا في صنيع بعض المعتزلة في قوله تعالى (إلى ربها ناظرة) وبين (لا تدركه الأبصار) فاعتبروا هذه هي المتشابه محكما والمحكم متشابها وقالوا أن الله سبحانه وتعالى لا يُرى واستندوا على (لا تدركه الأبصار) وجعلوا (إلى ربها ناظرة) من المتشابه الذي يُرد إلى المحكم، فمسلكهم استخدموا فيها آية مع آية ولكن هناك فساد في الرأي وفساد في الهوى واتباع ما تشابه وترك المحكم فلذلك حصل منها الضلال.
هذه تقريبا أهم المحطات الواردة في المحاضرة السابقة.
  وبالمناسبة إذا ما كان معكم تفسير ابن كثير لأجل قضية الأمثلة انظروا كم مثال على قضية التأويل في الأحاديث، انظروا عند تفسير قوله تعالى (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)، (ربنا إنك جامع الناس) في آخر التفسير يعني انتقل إلى آية عشرة وارجع قبل عشان الآية تفسيرها طويل.
 في الحديث قال ابن مردويه بسنده .. إلى أن قال عن عائشة رضي الله عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟ فقال: ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه أما تسمعين قوله (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)) تأول القرآن يعني بمعنى أنه هذا من التفسير النبوي، هو تأول القرآن فدعا بهذه الدعوة وربطها في نفس نص الحديث قال: (أما تسمعين) مثل لما قلنا ثم قرأ كذا، أو أما تسمعين كذا فأصبح  هذا الحديث أصلا في تفسير الآية من أنه الدعاء الوارد في الآية يتأوله الإنسان ويدعو به فيصبح صنيع النبي صلى الله عليه وسلم من تأول القرآن.

 في قوله تعالى (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) هذه الآية حكى فيها حال من أحوال النزول وإن كان البعض عده سببا للنزول، وهذا طبعا لو كنا مفصلين في تفسير القرآن والسنة كان أفردنا لهذا كلام طويل لكن اختصرناه. التفريق بين أحوال النزول وأسباب النزول لأنها كلها من التفاسير النبوية، الشاهد نحن نريد أن نركز على قضية ما يسهم في البيان.
 لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من معركة بدر - ومعروف النصر العظيم الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر - جمع النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله مثل ما أصاب قريش) - كان تحذيرا لهم ودعوة لهم إلى الاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أنّا الناس - يعني عندنا قوة - فنزلت هذه الآية، أو كان من تهديدهم (قل اللذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) فكلمة (كفروا) هنا تشمل أنواع الكافرين الذين هم أهل الكتاب من يهود ونصارى، وتشمل المشركين، وكل من خالف هذا الدين بشكل عام يعني كانت لهم تحذير.
وفي قوله تعالى (إلى جهنم وبئس المهاد) لو لاحظت وجمعت الآيات التي تصف جهنم -والعياذ بالله منها- كثير منها تصف التصاق العذاب، يعني لو الإنسان في الحياة الدنيا وقع في حريق قد يكون في مبنى في حريق لكنه يستطيع أن ينجو كأن يكون مثلا الجدران وهي بعيدة أو حرارة اللهب لا تصله، لكن كثير من آيات القرآن تصف الملاصقة فإما أن تصف ثيابهم بالنار، أو تصف شرابهم من حميم هذه لا يمكن إلا أن تحرق، المهاد الذي هو الفراش،  هذا كله كناية عن شدة الالتصاق فلا منجى مع سعة النار - نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة منها وذرياتنا وجميع المسلمين - إلا أنها مواقعة للعذاب في كل أجزاء الجسد والكلام يطول في ذلك لكن هذا تعليقا على كلمة (وبئس المهاد) فهي مهاد كمستقر، لكنها أيضا من كلمة المهاد الذي هو ما يتمهد به الإنسان وغالبا ترتبط بقضية الفراش.
 ثم أعطت الآية وصفا آخر في مِنح الله سبحانه وتعالى للمقاتلين في سبيل الله وإن كان في ترجمتها على الواقع يعني أقوال متعددة للمفسرين فقال الله عز وجل: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا) طبعا لا ننسى أن الآيات التي قبلها قال (كدأب آل فرعون) قلنا في المحاضرة السابقة إن هذا من القصص المثلي الذي هو أن تضرب العظة والعبرة بمصائر أقوام سابقين فهي قصص بحد ذاتها ولكنها سيقت كالمثل، ولذلك حتى هنا في هذه الآية تحديدا، يعني الأولى سُمي فيها القوم فرعون لكن هنا آية في فئتين لم يحددها فبعضهم قالوا هذا على سبيل المثل، مثل بمعنى أنه تخييل أنه لو فرض أنه وقع كذا سيكون كذا، وقيل: لا، هذه تحكي ما حصل في غزوة بدر فهي من أنواع القصص القرآني، القصص المعاصرة التي هي أحداث النبي صلى الله عليه وسلم فهي أيضا سيقت كعظة وعبرة ولا شك أنها إذا سيقت كعظة وعبرة بعد انتهاء الحدث فهي لمن يخاطبون بها بعد الحدث تذكرة وعظة وعبرة يعني حصل لهم هذا الأمر فاتعظوا، فغيروا من مساركم، فاستجيبوا، فأطيعوا، فهذا هو قضية التمثيل بهذه الأحوال.
فإذا التمثيل الأول كان في (كدأب آل فرعون) وكيف كانوا علوا في الأرض وهذا مصيرهم فهذا تحذير للمشركين، وهنا الآن أيضا يأتي يذكر حال ويحذر من المصير. ما هي هذه الحال؟
 قال: (قد كان لكم آية) الآية: بمعنى العلامة والشاهد والحجة والبرهان، والدليل على ما يراد إيضاحه.
 (في فئتين) الفئة: الجماعة أصلها مأخوذة من فاء بمعنى رجع، والجماعة لماذا تسمى فئة؟ لأن بعضهم يرجع الى بعض سواء بالشورى سواء بالانتصار، سواء..، يعني يجمعهم قضية فيفيئون بعضهم الى بعض، فبالتالي سُميت الجماعة. هذا من حيث أصل الاشتقاق لهذه الكلمة. ما هي أحوال هذه الفئة؟
 (فئتين التقتا) أي كان بينهم معركة أو بينهم قتال، قال في وصفها: (فئة تقاتل في سبيل الله) هذا وصف الفئة الأولى تقاتل في سبيل الله، الفئة الثانية كيف وصفها؟ كافرة.
 لو سننظر في قضية طريقة التقسيم بشكل عام، إذا أعطيت وصف أعطي من جنسه في الوصف الآخر في الفئة الثانية، فكان يمكن أن يقال: "فئة تقاتل في سبيل الله وفئة تقاتل في سبيل الطاغوت" مثلا، أو فئة تقاتل في سبيل كذا أي قضية غير في سبيل الله، لكنه قال (كافرة)، طيب في الأولى هل قال هي مؤمنة؟ قال (تقاتل في سبيل الله) فما الذي نتج من المغايرة في طريقة الوصف؟ وهذا أسلوب من عادات القرآن الكريم: أنه عندما يتحدث عن التقسيم يعطي وصف في جهة، ويعطي الآخر وصف في جهة أخرى، ثم أنت تقيس عليه، إذن الكافرة تقاتل في سبيل الطاغوت قياسا على تقاتل في سبيل الله، والتي تقاتل في سبيل الله هي مؤمنة قياسا على كلمة كافرة فأصبح بعبارات قصيرة أعطاني ثراء في طريقة الوصف، وهذا يستخدم كثيرا في الأمثال القرآنية، في الأمثال القرآنية لها شواهد كثيرة، وعموما بشكل عام، أي موضع في القرآن فيه تقسيم أحوال سواء كان في الجزاء، سواء كان في العمل، سواء كان في الأسباب، في النتائج، يُلحظ فيها هذا الأمر إذا حصل مغايرة في طريقة الوصف فهذا موطن ثراء في استكمال جوانب الوصف وهذا طبعا لا شك أنه من بلاغة القرآن.
إذا صفات هذه الفئة:
● فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله
● فئة كافرة تقاتل في سبيل ما تزعمه أيا ما كان، الطواغيت أنواع مختلفة.
 طيب هذه أوصاف الفئة التي التقت
ما الذي حدث لما التقوا؟
قال: (يرونهم مثليهم رأي العين) هناك رائي وهناك مرئي، من الرائي؟ ومن المرئي؟
هل الفئة المؤمنة رأت الكافرة مثليهم رأي العين، أم الكافرة رأت المؤمنة مثليهم رأي العين؟ وهل المثلين مثل الرائي ولا مثل الطرف الآخر؟
هذه كلها أقوال للمفسرين والعبارة والألفاظ في الآية يحتملها، يعني الآية سيقت وسُبكت بطريقة تحتمل أن المشركين رأوا المؤمنين مثليهم رأي العين، ويحتمل أن المؤمنين رأوا الكافرين مثليهم رأي العين، أنا عندي آية أخرى في سورة الأنفال تصف لي قضية التقليل هذه، هنا تصف التكثير، وعندي آية أخرى تصف التقليل (يقللكم في أعينهم ويقللهم في أعينكم) والسبب أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقضي أمرا كان مفعولا. في استراتيجيات القتال لو كان في البداية رأوا الكثرة لهابوا القتال وتراجعوا فالتقليل مناسب حتى يُقدِم للمعركة لكي يقضي الله سبحانه وتعالى أمرا كان مفعولا أن يلتقي الجيشان وتحدث النتيجة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، اثناء القتال الكافر إذا رأى المسلمين كثير أُحبط ودب الوهن وربما حصل الفرار فحدث النصر للطرف الآخر، وفي المقابل لو الكافر أقلّ من عِدته اندفع وقاتل، وربما رآه أكثر بسبب الملائكة، كل هذه المعطيات لو أنك ستدرس هذا الموضوع من زاوية أخرى وليس من نص واحد،  من مجموعة نصوص سواء كانت من القرآن الكريم الاي هي الآيات الواردة في سورة الأنفال - أنا الآن أختصر لكم اختصارا شديدا ما يرِد في كتب التفسير- لأنهم في كتب التفسير يُوردون كل قول والإشكالات التي عليه، وكل قول والإشكالات التي عليه، ويستبعدون ما يُستبعد ثم يقولون الآية تستحمل هذا كله؟ لا، هذا القول صحيح إلا كذا، دعنا نناقشها بطريقة مختلفة لنمشي مع هدف الدرس الذي هو قضية النتائج المرجوة وليس كل تفاصيل المراد.
 لو جمعنا كل النصوص الواردة في مجريات غزوة بدر والآيات النازلة فيها - التي هي سورة الأنفال- مع أسباب النزول، مع ما ورد عند ابن إسحاق وابن هشام وغيرهم من أصحاب السير الذين وصفوا لنا مجريات المعركة، نجد أن التقليل حصل، والتكثير حصل، والإراءة حصلت من جانب المشركين، والإراءة حصلت أيضا من جانب المؤمنين وفي النهاية حصل مراد الله سبحانه وتعالى من نصر المؤمنين، فالتقليل كان في مرحلة، والتكثير كان في مرحلة، فلا داعي أن نضرب الأقوال ونقول هذا إشكال على هذا، وهذا إشكال على هذا، لا، هذا في وقت، وهذا في وقت.
فمقدمة المعركة التقليل كان مناسب ليتجرؤا ويلتقون - لأنه أنت تعرف سبب الغزو أنه كان  تلقي عير قريش ولم يكن الهدف معركة، لكن أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون معركة الإسلام وأن يلتقي الجيشان فهيأ لها من الأسباب، الأسباب متعددة لو كنا ندرس المعركة على حدة سنتكلم بشكل أوسع لكن هنا ما يشهد لنا في هذا الموقع أن تحدث المعركة ابتداء ثم أن يحدث النصر للمؤمنين وهزيمة المشركين ثانيا، فهذان الهدفان حصل فيها في مراحل كان التقليل مناسبا، وفي مرحلة كان التكثير مناسبا، وإلا فإن عِدة الجيش معروف أن هؤلاء ثلاثمائة، وهؤلاء كانوا تسعمائة إلى ألف، كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل من يأتي بخبر القوم قال: كم يذبحون في اليوم؟ فقال: أيام تسعة وأيام عشرة، قال: إذا القوم بين التسعمائة والألف، باعتبار أن الجزور الواحد يُطعم مائة فقاس عليها أنهم بين التسعمائة فأخذ من هذا الحديث عِدتهم.
 أيضا لدينا إشكال آخر بالنسبة لقضية الثلاثمائة للتسعمائة هذه ثلاثة أمثال، (مثليهم) تأتيك على قضية يُفسر فيها المثلين قد يؤخذ المثلين غير العدد الأصلي فيصبح ينطبق عليه، يعني ثلاثمائة ثم مثلَين أصبح إلى ستمائة إلى التسعمائة، فليس قضية إنهم الستمائة إشكال في معنى الآية يمكن أن ينظر لها من زاوية أخرى، وبهذا تلتقي كل الأقوال في سبك المعنى المراد في الآية.
الشاهد: أن هذه وصف لمقادير يقدرها الله سبحانه وتعالى لتتميم مراده وهو نصرة المؤمنين، حصل من هذه المقادير قضية الإراءة والتقليل والتكثير.
● ثم قال ختام الآية (والله يؤيد بنصره من يشاء) فإذا أراد الله سبحانه وتعالى النصر سواء تخلف العدد، تخلف العتاد، تخلفت الأسباب من برد، من جوع من أي ما كان، معروف أنه في الاستراتيجيات العسكرية هناك أسباب للنصر التي هي القوة المعنوية، والقوة العتاد، وظروف الجو، والإمدادات وما إلى ذلك، لكن هذه أسباب وينبغي أن تُتخذ لكن إذا أراد الله سبحان وتعالى أن يُمضي أمرا جعل هذه الأسباب تتخلف أو تتضاعف، فمقادير الله سبحانه وتعالى -وهذا موضوع لو يُفرد له ويُتحدث فيه لقامت عشرات الشواهد على هذا الموضوع من السُنة نفسها، وقد تكون سورة الأحزاب مجال أوسع لشرح هذه القواعد-  فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يؤيد أقام الأسباب، أو خلف الأسباب، حتى يمضي مراد الله سبحانه وتعالى لذلك كانت بداية الآية (قد كان لكم آية) فهو بالفعل موضع اعتبار واتعاظ أنهم كانوا فئة مشردين يعني مهاجرين بمعنى ليسوا في وطنهم الأصلي، وعدتهم قليلة، والإسلام لم يتمكن بعد، ومع ذلك قُلبت هذه الأسباب كلها وبالتالي هي آية بالفعل أن المؤمنين انتصروا في بدر وليس أي انتصار وإنما كل صناديد قريش قُتلوا وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم في القليب، ولو قرأت الغزوة في سيرة ابن هشام سيذوب قلبك وأنت تقرأ أحداث المعركة مقارنة بالقرآن النازل،  ففرق بين أنك تقرأ أحداث تاريخية مجرد أنه حصل ثم حصل، وبين أنك تقرأ الحدث وفيه قرآن نازل فيه، فالوصف الذي فيه وصف حقيقي يصِف كل أبعاد هذا الموضوع وليس مجرد أنها أحداث متفرقة، ولذلك لما نقول أن العلوم تُدرس بانفصال هذا جيد، لكن أن تُدرس من الزاوية القرآنية تعطي مفهوم آخر واتعاظ بشكل مختلف تماما.

 / ثم قال (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) فمن يتعظ بهذه الأحداث هو ذو بصر وذو بصيرة وينتفع بالقرآن، أما من يقف فقط مع الأسباب المادية، أو لا يتدبر القرآن فإنه تتخلف عنه كثير من الفوائد.
 ما معنى عبرة؟ موعظة.
 لماذا سميت الموعظة عبرة؟ من حيث المعنى اللغوي العبور هو أنك تجتاز من مكان إلى مكان، فمثل هذه الأمور إذا تدبرتها فأنت تنتقل من مفهوم إلى مفهوم، من فائدة إلى فائدة، من حدث إلى نتيجة، من عمل إلى جزاء، فتعبر من مكان إلى مكان.
فلذلك القصص القرآنية إذا قُرئت وأُحسِن تدبرها وأُحسِن استنباط الفوائد الحياتية منها فإن الإنسان تحصل له عبرة ويتجدد إيمانه، ويتجدد انتقاله من مفهوم إلى مفهوم.

/ ثم قال الله عز وجل بعدها: (زين للناس حب الشهوات) وبدأ يعدد في أنواع هذه الشهوات.
  نقف مع هذه العبارة:
 المُزيِن من هو؟ هو الله سبحانه وتعالى.
ولما تكلم (للناس) معناه هل هي مرتبطة بمؤمن وكافر؟ الكافرين هم الذين زُين لهم والمؤمنون ما زُين لهم؟ كطبيعة بشرية كصفات فطرية نشترك جميعا نحن البشر في وجود هذه الشهوات. قد يبدو سؤال في هذا الموضوع:
إذا كان يترتب عليها هذه المفاسد لماذا زُرعت في الفِطر؟ هل هي تخلو من الفوائد؟ إذا ما المذموم؟
ليس المذموم وجود هذه الشهوة، وإنما المذموم حبها حب يعطل باقي المصالح الأخرى.
 الحياة والنفس مجبولة على شهوات ومجبولة أيضا على أمور أخرى فمن جعل هذه الشهوات حبا يطغى على كامل السلوك ويعطل فيه الأمور الأخرى فهذا هو المذموم أما من وضع الأمور في نصابها واستمتع بهذه الشهوات بالقدر الذي يتناسب مع إنسانيته - الإنسان يختلف عن الحيوان- الحيوان مجبول فقط على الاستمتاع بأموره الفطرية، شهواته البدنية وهو مخلوق لها ويموت ولا حساب بعد ذلك، أما الإنسان فهو قبضة من طين ونفخة من روح فكما جُبل على الشهوات فهو مجبول أيضا على السوء، ومجبول على محبة الله سبحانه وتعالى، ومجبول على النظر إلى اليوم الآخر، يعني بمعنى أن حب الله سبحانه وتعالى وحب العبادة وحب الارتقاء في منازل العبادة وسمو الأخلاق وما إلى ذلك هي أيضا فطرة موجودة في النفس الإنسانية، فإذا أنا عندي شقين هذا محبوب وهذا مجبول أيضا.
أنا مطلوب مني أعيش كإنسان ليس كمَلَك فأكون فقط على شق التعبد، وليس كحيوان أعيش فقط على شق الشهوات، أنا محتاج أن أوازن بينهم،  من الذي يعطيني منهج صحيح في التوازن؟ هل هو عقلي الذي يدخل فيه الشهوات أيضا ويدخل فيه الهوى أم الوحي؟ الوحي. فإذا الشرائع أتت تضمن لي قضية التوازن فلذلك أعطتني في:
المال: ما الشيء المحبوب، وما الشيء الممكن أن تستمتع به، وأعطتني ما الشيء المحرم، وما المذموم، ودرجات التحريم، ودرجات الذم.
 في النساء: أعطتني حِل الزواج وحرمت الزنا.
في الذهب والفضة: أعطتني قضية حب التملك ونبذت وذمت الإسراف وحرمت السرقة والغصب.
الأولاد: نفس الشيء الأولاد هم زينة الحياة الدنيا ويحصل بهم الانتفاع وأعلى ما يكون فيهم إذا كان هناك صلاح وما إلى ذلك، وفي المقابل قد يكونوا فتنة أتعلق بهم وأترك أموري وفقط حياتي لأجلهم، أو أني أستخدمهم في قضية التعزز في الحياة الدنيا، فكل جانب من جوانب الشهوات فيه جانب مذموم وجانب مرضي وأيده الشرع.
 من زاوية أخرى أنظر لها أن عمارة الأرض أصلا لو لم تكن هناك محبة لهذه الشهوات لما عمرت الأرض، لو ما كان هناك حب للمال لما عُمرت هذه الأرض، لو لم يكن هناك محبة للذهب والفضة لما كان هناك عمل واتجار واكتساب وإقامة مشاريع وما إلى ذلك وقامت بها المصالح، لو ما كان حب النساء ما حصل النسل ولا حصل الولد، لو ما في حب للولد ما حصل تربية للأولاد.
فكل شيء زُرع في الفطرة ما زُرع عبثا، زُرع وله حكمة ولكن أن تتبصر في قضية الموازنة بين الأمور الشرع كفانا عناء التفكير في هذا الوضع وأعطاني ما الحلال، ما الحرام، ما المذموم، ما المكروه، ما المستحب، ورُسم لنا حتى في كل زاوية، الحرام درجاته، والحلال  درجاته ما بين المستحب وما بين المباح وما بين الواجب، فكل زاوية من هذه الزوايا أُعطينا في أحكام الشريعة الشيء الذي يكفل، وهذه الآية من آيات القرآن التي أيضا بنت لي قضية التوازن لكن نتناولها إن شاء الله في الآية الثانية وهي قوله تعالى: (قل أؤنبئكم) أعطتني قضية التوازن، لكن نؤجل قضية التوازن بعد ذلك.
 فإذا (زُين للناس حب الشهوات) ليس المذموم الشهوات وإنما حبها حب يطغى على الإنسان ويخرجه من إنسانيته إلى الحيوانية.
عدّ لي سبع معدودات من الشهوات: النساء، البنين، القناطير القنطرة من الذهب والفضة، الخيل المسومة، الأنعام، الحرث، هذه الأصول. فالشهوات أكثر من كذا لكن الشهوات لا تخلو أن تكون متفرعة عن واحد من هؤلاء السبعة، يعني لو أخذت المسكن مثلا، لو أخذت المركب، لو أخذت..، هذه كلها تتفرع إما من الخيل المسومة فهي ركوب، وإما أن تكون من القناطير المقنطرة، وإما أن تكون من أي فرد من هذه الأفراد، فهذه أصول الشهوات التي تلتقي الفطر في أنها تحبها وتعتبرها لذة من لذات الحياة، بل وحتى نعيم الآخرة، نعيم الجنة لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يحبب إلينا الجنة عدد لنا أجناس هذه الشهوات بآفاق عالية جدا مما يتوفر في الجنة لأن النفوس خوطبت بما تفهم وبما تستجيب، فلو خوطبت بأشياء ما تفهمها ولا تشعر بها لما كانت جانب من جوانب أن تتوق إلى هذا الأمر، فوُصف لنا نساء الجنة، ووُصف لنا الذهب والفضة في الجنة، ووصفت لنا المساكن والملابس وما إلى ذلك لأنها من جنس ما يحبه الإنسان في الحياة الدنيا.
طبعا يعني لن ندخل في تفاصيل أحكام كل جنس من أجناس هذه الشهوات ما المُحلل وما المحرم منه فهذا موضوعها موضوع فقهي آخر، لكن نشير لها فقط:
*النساء عندنا الزواج، وعندنا الزنا، عندنا عمل قوم لوط الذي سُمي بغير اسمه في المصطلح الحاضر المثلية وما إلى ذلك، فهذه يعني صور من صور الاستقامة، وصور من صور الانحراف في الاستمتاع بهذه الشهوات.
*البنين فيه الأبناء الشرعيين وفيه الأبناء في نطاق الزواج، ثم البنين في حد ذاتهم هناك التربية الشاملة التي تشمل المال وتشمل الأخلاق وتشمل الدين وتشمل كذا، وهناك شق واحد من التربية الذي هو مراعاة فقط الجسد من الترفيه وما إلى ذلك، فلا شك أن هذا أمر فيه خلل يتعلق بهذا الموضوع، وخير ما يكون في الأبناء إذا اجتمع إنجاب الأبناء مع الصلاح فهذه كانت من دعوات عباد الرحمن (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) فكان هناك إقرار بهذه اللذة عندما يكون الأبناء صالحين. 
*الخيل المسومة إما أن يكون المقصود بها التي ترعى، وقد يكون المقصود بها المُعلَمة، وهذا يكون بناء على أجواد الخيل. الخيل المسومة يُفهم منها الخير وتسمى عند العرب الخير حتى من شدة محبتها، وقد يفهم منها أنها وسيلة ركوب ويقاس عليها وسائل الركوب الأخرى.
*الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم.
*والحرث هو الزروع بشكل عام، معروف أن الزراعة يعني تقوم الحياة بها. فهذه كلها من أجناس ما يستمتع به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق