د. صالح بن عبدالرحمن الخضيري
{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢﴾}
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
فهذا هو المجلس الأول من سورة فاطر وتسمى سورة الملائكة لذكر الملائكة فيها. ومناسبة وضعها بعد سبأ تآخيهما في الافتتاح فسورة سبأ وسورة فاطر من السور الخمس التي أُفتتحت بالحمد وسورة فاطر -سورة الملائكة- هي خاتمة السور الخمس التي أُفتتحت بحمد الله مع تناسبهما في المقدار. وقال بعض أهل العلم: إفتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب لختام ما قبلها من قوله تعالى في سورة سبأ (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) [سبأ:54] كما قال تعالى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:45] فهو نظير اتصال أول الأنعام بفصل القضاء والمختَتم به المائدة لما ختم الله تعالى المائدة بذكر حال أهل النار وذكر أهل الجنة ومن رضي عنهم قالوا (الحمد لله) وهنا قال (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) [سبأ:54] قال بعد ذلك (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هذا على قول من يذهبون إلى علم المناسبات.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) سبق الكلام على الحمد، وقوله تعالى (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي مبتدئهما وخالقهما على غير مثال سابق. قال ابن عباس رضى الله عنهما: كنت لا أدري ما (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أنا ابتدأتها، (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني بديع السموات والأرض، قال الضحّاك: "كل شيء في القرآن فاطر السماوات والأرض فهو خالق السموات" وهذا يضاف إلى ما يسمى بالكليّات في القرآن كما قال ابن عباس: "كلُّ سلطان فى القرآن فهو حُجّة: وقيل كل رجز فهو عذاب وهكذا ولها فن مستقل يُعتنى به.
(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً) أي بينه وبين أنبيائه، والملائكة -كما جاء في الصحيح- خُلقوا من نور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "وخلقت الملائكة من نور"، فالملائكة عليهم الصلاة والسلام خُلقوا من نور والملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم أعمال عديدة جليلة منهم:
حملة العرش، ومنهم الكرام الكاتبون (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)) [الإنفطار] ،ومنهم الموكّلون إسرافيل موكّل بنفخ الصور، ومنهم جبريل موكّل بالوحي ومنهم ميكائيل موكّل بالقَطْر ومنهم من يحضرون مجالس الذكر وحِلَق العلم ومنهم كذلك الذين يدخلون البيت المعمور وهكذا.
(جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً) بينه وبين أنبيائه (أُولِي أَجْنِحَةٍ) يطيرون بها ليبلّغوا ما أُمِروا به سريعاً وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ستمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب ليلة الإسراء.
(جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى) منهم من له جناحان (وَثُلَاثَ) ومنهم من له ثلاثة (وَرُبَاعَ) ومنهم من له أربعة ومنهم من له أكثر من ذلك كما هو الحال بالنسبة لجبريل عليه الصلاة والسلام.
(يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ) قال الزهيري وابن جريج: يعني حُسْن الصوت.
(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى.
/ ثم قال (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وهذه الآية تدل على أن ما شاء الله كان ومن لم يشأ لم يكن وأنه لا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع وأنه لا يمكن لأحد أن ينفع أحداً إلا بأمر الله وإذنه (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ) أيّ رحمة كانت فإذا فتحت هذه الرحمة فلا يستطيع أحد كائناً من كان أن يمسكها عن هذا الذي فتحت له هذه الرحمة وإذا أمسك الله الرحمة عن أحد فلا يستطيع أحد من البشر أن يفتح هذه الرحمة عن هذا الذي أمسكها الله تعالى عنه.
إن الله تعالى هو الذي له العزة وله الحكمة البالغة في هذا فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قال تعالى (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ) [يونس:107] وقال الإمام مالك: "كان أبو هريرة إذا مُطِروا يقول مُطِرنا بنوء الفتح ثم يقرأ هذه الآية (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)" قصده مُطِرنا بفضل الله ورحمته لا بنوء كذا وكذا كما كان يقول أهل الجاهلية.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) هنا في سورة فاطر، السورة عجيبة في بيان دلائل قدرة الله سبحانه وتعالى بطرق وأساليب متعددة كلها تقرير لتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، بيان لعظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وأنه يجب أن يُفرَد وحده بالعبادة دون سواه. وهنا في هذه الآية ينبه عباده ويرشدهم للاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه مستقل بالخلق والرزق فهو الذي يحيي ويميت ويرزق ويُصِح ويعطي ويمنع فيجب أن يفرد وحده بالعبادة لا شريك له (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) فكيف تصرفون بعد هذا البيان الواضح وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟!
/ (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ) وهذا أيضاً نوع من التسلية لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام لأن السورة مكية وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعاني في الفترة المكية من تكذيب المشركين واستهزائهم وسخريتهم وردّهم لدعوته (وَإِن يُكَذِّبُوكَ) يا محمد (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ) سلف من قبلك رسل فلك بهم أسوة. (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) كل الأمور تُرجع إلى الله سبحانه وتعالى من أولها إلى آخرها وسيجزي عباده على هذا.
/ ثم قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) أي المعاد والبعث والجزاء كائنٌ لا شك فيه، لا محالة (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) سُميت دنيا لأنها دنيئة بالنسبة إلى ما أعدّه الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العميم فينهاهم الله تعالى أن يتلهوا بهذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) لا تفتننكم هذه الحياة الدنيا فإن بعض الناس اغترّ بالحياة الدنيا، واغترّ بالمال، واغترّ بالولد، واغترّ برئاسته فركن إلى الدنيا ونسي الآخرة وهذه خصلة ذميمة، وقد قال الله تبارك وتعالى (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:64] يقول ابن القيم رحمه الله: "ما ذكر الله الدنيا في القرآن إلا بصفة الذمّ لها والتنقص لهذه الدنيا والعيب لها". والمشكلة أن حب الدنيا والركون إلى الدنيا كثيرا ما يصدّ الإنسان عن صراط الله المستقيم. ولقد صدق سفيان الثوري -رحمه الله- حين قال: "بلغني أنه يأتي على الناس زمان تمتلئ قلوبهم من حب الدنيا فلا تدخلها الخشية" وذلك لأن الدنيا بزخرفها وزينتها ورياستها الشخص إذا انفتن بها يصد عن الآخرة كما قال سفيان: لا تدخلها الخشية، هذا مع أن عيوب الدنيا بادية وهى بعبرها ومواعظها منادية
قد نادت الدنيا على نفسها ** لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعمر أفنيته ** وجامعٍ بددتُ ما يجمع
كم تبدل نعيم هذه الدنيا بالبؤس! كم أصبح الواثق ممن يملكها وأمسى وهو منها قنوط يؤوس! تقول بعض بنات العرب الملوك الذين نُكبوا أصبحنا وما في العرب أحد إلا وهو يحسدنا ويخشانا وأمسينا وما في العرب أحد إلا وهو يرحمنا.
ودخلت أم جعفر البرمكي على بيت في يوم عيد أضحى تطلب جلد كبش تريد أن تجعله سِقاء وهي أم الوزير الذي يملك خزائن وأمر ونهي فقالت كنت في العيد الماضي –يعني قبل سنة- عند رأسي أربعمائة جارية يقمن عند رأسي لخدمتي وأنا أزعم أن ابني جعفر عاقٌ لي واليوم جئت أطلب منكم جلد أضحية لأجعله سِقاءً.
وكان أحمد بن طولون ملك مصر كثير السَرَف في إنفاق المال حتى إن زوجته أقامت لبعض لعبها زواج الدمية من الدمية أنفقوا في هذه المناسبة مئة ألف دينار قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح "إن رجالا يتخوّضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة". أنفقوا مائة ألف دينار على زواج لعبة من لعبها فما مضى إلا قليل حتى رآها الناس وهي في سوق بغداد تطلب من يتصدّق عليها.
وقصة المعتمد بن عبّاد مشهورة وخُلِع بعض خلفاء بني العباس وحُبس ثم أُطلق فاحتاج إلى أن وقف في يوم الجمعة في الجامع يقول للناس تصدقوا عليّ فأنا من قد عرفتم.
ومر بعض الصالحين بدار فيها فرح وقائلة تقول في غنائها:
ألا يا دار لا يدخلك حزنٌ ** ولا يُزرى بصاحبك الزمان
ثم مرّ بها بعد أيام وإذا الباب قد أُغلق وفي الدار بكاء فسأل عنهم فقيل مات صاحب الدار فطرق الباب وقال إني سمعت قبل أيام من هذه الدار امرأة تقول كذا وكذا فبكت المرأة وقالت يا عبد الله إن الله يُغيّر ولا يتغيّر والموت غاية كل مخلوق فانصرف عنهم باكياً. والتاريخ يعيد نفسه والعبر كثيرة وقليل من يعتبر والله المستعان.
(فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) وهو الشيطان يقول للمؤمنين كما قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم:22] وقال تعالى عن المؤمنين يقول المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يُضرب بينهم بسور (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ* يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [الحديد:14] .
/ ثم بيّن الله تعالى عداوة ابليس لابن آدم فقال (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) وتأمل قول الله (فَاتَّخِذُوهُ) فهي أبلغ من قوله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عدو) لأنك إذا اتخذته عدواً تماماً كما تعلم أن الكافر المحارب عدو لك فتأخذ العُدّة والاستعداد لأي لحظة يهجم عليك فيها فكذلك قال (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) بعض الناس يدّعي عداوة الشيطان وهو مطيعٌ له كما قال الفضيل بن عياض -رحمه الله- قال: "يا مفتري يا كذّاب تزعم أنك عدو لإبليس في العلانية وأنت تطيعه في السر!" ولذلك قال (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً) اجعلوه عدواً (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير) فهو يقصد أن يُضِلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير. يقول بعض العلماء: وتحت هذا الخطاب نوع لطيف من العتاب كأنما يقول إنما عاديتُ ابليس من أجل أبيكم آدم ومن أجلكم فكيف يحسن بكم أن توالوه؟! بل اللائق بكم أن تعادوه وتخالفوه ولا تطاوعوه. الله سبحانه وتعالى يقول أنا عاديت إبليس ولعنته وطردته من أجل أبيكم آدم فكيف تطيعونه (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) [الكهف:50].
/ (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لما ذكر الله تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى عذاب السعير ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن وأن الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الصالحات لهم مغفرة لذنوبهم ولهم أجر كبير عند الله على ما عملوه من خير.
/ ثم قال تعالى (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) من الكفار والفجار يعملون أعمالا سيئة وهم يحسبون أنهم بذلك يحسنون صنعاً كما قال الله تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)) [الكهف] بعض الناس الآن يقيم على ما هوعليه من فجور وشرك وكفر ومعصية وقد يعمل أعمالاً يظن أنه أحسن وفي الواقع أنه أساء. أُنظر مثلاً إلى مُلّاك بعض القنوات السيئة الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً زُين لهم سوء عملهم -والعياذ بالله- فرأوه حسناً يضلّون الناس من خلال هذه المواقع ومن خلال هذه القنوات السيئة والخبيثة التي تنشر الفواحش والكفر والشرك والمعاصي والفساد وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولهذا قال الله (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) لا تأسف على ذلك، فإن الله جل وعلا حكيم في قدرِه وحكيم في كونه يُضل من يشاء ويهدي من يشاء له الحجة التامة والعلم التام (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
(فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) يعني لا تأسف على ذلك فالله تعالى حكيم في قدرِه وفي أمره وفي نهيه ويضلّ من يشاء ويهدي من يشاء (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ). وقد جاء في صحيح ابن حِبّان ومستدرك الحاكم وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى ومن أخطأه منه ضلّ فلذلك أقول جف القلم على ما علِم الله عزّ وجل).
ثم قال الله تبارك وتعالى (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) الريح والرياح تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ولهذا الرياح ثمان: أربعٌ منها عذاب وأربعٌ منها رحمة. الرياح ثمان أربعٌ منها عذاب وهي:
القاصف كما قال تعالى (يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً) [الإسراء:69]
والعاصف قال تعالى (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً) [المرسلات:2]
والصرصر قال تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) [فصلت:16]
والعقيم (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)) [الذاريات] هذه الأربع عذاب.
وأربعٌ منها رحمة وهي: (الناشِرات والمبشِّرات والمُرسَلات والذاريات)
قال تعالى (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً) [المرسلات:3]
وقال (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) [الروم:46]
والمرسلات قال تعالى (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً) [المرسلات:1]
وقال (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً) [الذاريات:1]
فالرياح ثمان أربع منها عذاب وأربع منها رحمة فالعذاب في القاصف والعاصف والصرصر والعقيم، والرحمة في الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات.
هنا الله سبحانه وتعالى قال (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ) كثيراً ما يستدل تعالى على البعث والحساب بإحياء الأرض بعد موتها كما في أول سورة الحج ينبه تعالى عباده أن يعتبروا بهذا لن الأرض تكون ميتة هامدة جامدة خاشعة لا نبات فيها سبحان الله إذا أنزل عليها المطر قبل أن تنبت ترى الأرض مشرقة وأيامنا هذه القريبة التى أنزل الله تعالى علينا غيثاً من السماء تتضح لك إذا نظرت في الأرض ذهبت الغُبرة وتطهرت الأرض وتنظفت استعداداً لما يشاؤه الله سبحانه وتعالى من إنبات النبات. ولهذا إذا أرسل الله السحاب إلى الأرض تحمل الماء وأنزله (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج:5] كذلك الأجساد إذا أراد الله أن ينشرها وأن يبعثها أنزل من تحت العرش مطراً يعم الأرض جميعاً فتنبت الأجساد بأمر الله وهي في قبورها كما ينبت الحب في الأرض. ولهذا قال قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح "كل ابن آدم يبلى إلا عَجْبُ الذنب منه خلق ومنه يُركَّب" الذي هو في أسفل الظهر، الخرزة التي في أسفل الظهر ولذلك قال الله تعالى (كَذَلِكَ النُّشُورُ). وفيه علاقة بين الرياح وبين السحاب وبين المطر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: (نُصِرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور) الصبا الرياح الشرقية والدبور الريح الغربية كما قال الله عن عاد (فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً) [فصلت:16] وأيضاً الرياح بأمر الله تجمع السحاب وتلقّح السحاب وتسوق السحاب بأمر الله ثم ينزل المطر فهناك علاقة وطيدة بين السحاب وبين الرياح وبين نزول المطر ونزول المطر دليل على عظيم قدرة الله تعالى في بعث الأجساد. (كَذَلِكَ النُّشُورُ) ولهذا جاء في حديث أبي رزين قال: (قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال يا أبا رزين أما مررت بواد قومك مَحْلاً ثم مررت به يهتز خَضِراً؟ قلت بلى، قال فكذلك يحيي الله الموتى).
ثم قال تبارك وتعالى (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) أي من كان يحب أن يكون عزيزاً في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تبارك وتعالى فإنه يحصل له مقصوده لأن الله بيده الدنيا والآخرة ولأنه سبحانه وتعالى يُعزّ من يشاء ويذل من يشاء وتأمل في أحوال الكفار والمنافقين في كل زمان ومكان أنهم يلجؤن دائماً وأبداً إلى الكفار يريدون أن يعتزوا بهم، قال الله تعالى (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) [النساء:139] فإذا تأملت في هذا القرآن العظيم تجد أن الله سبحانه وتعالى يصف نفسه بأنه العزيز ويصف نفسه بأنه عزيز ذو عزة فلله العزة جميعاً والعزة صفة تليق بجلال الله وعظمته كما قال تعالى (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة:209]
وقال (لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:6]
وقال جل وعلا (وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) [النساء:158]
وقال (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:74]
لأنه سبحانه هو الذي يعز ويُعلي وينصر من يشاء (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26]
وكما أن صفة العزة لله جل شأنه فالمؤمن له نصيب من هذه العزة من الذى وهبه هذه العزّة؟ الله العزيز سبحانه. هذه الآية تحدد مسار الأفراد والمجتمعات في هذه الحياة الدنيا وبعد الممات، أين تكون العزة؟ وممن تطلب العزة؟ قال الله تعالى في هذا الخطاب الموجه لكفار قريش الذين كانوا يطلبون العزة بعبادة غير الله عز وجل استبقاء لمكانتهم بين قبائل العرب وهم أصحاب المكانة العالية الرفيعة الدينية في مكة فهم يظنون -يعتقدون- أن بقاءهم على عبادة الأصنام والأوثان يبقي لهم العزة بين العرب، كما أنه أيضاً تذكير للمؤمنين المستضعفين في مكة لأن سورة فاطر سورة مكية وهم يواجهون من الكفار صنوف الأذى أن الله تعالى يقول لهم (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ) هو الذى يهبها لمن يشاء ويسلبها ممن يشاء، قال تعالى (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [يونس:65] والعزة هي المنعة والغلبة قالت العرب: من عز بزّ، فالعزة هي المنعة والغلبة. قال الله (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8] فمن كان يريد العزّة بعبادة الأوثان أو بالتوجه لغير الله أو بطاعة الطواغيت وعبادتهم من دون الله فإن العزة لله جميعاً. وقيل: من كان يريد عِلم العزة لمن هي فإن العزة لله جميعاً ذكره ابن جرير.
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) من التلاوة والذكر والدعاء يصعد إلى الله سبحانه وتعالى، الصلاة تصعد ولها نور إذا كان صاحبها أدّاها كاملة في وقتها محافظاً على شروطها وأركانها وواجباتها.
(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال ابن عباس: "الكَلِم الطيب ذِكر الله يُصعد به إلى الله عز وجل والعمل الصالح أداء فرائض الله ومن ذكر الله ولم يؤدِ فرائضه رُد كلامه على عمله فكان أولى به. وقال مجاهد: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. فعندنا الآن عمل صالح وكلِم طيب، العمل الصالح أداء الفرائض وغيرها والكلم الطيب تلاوة القرآن وذكر الله وتسبيحه وتهليله ودعاؤه واستغفاره والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هذا كلِم طيّب وهذا عمل صالح. قال إياس بن معاوية ا-لقاضي-: لولا العمل الصالح لم يُرفَع الكلام، وقال الحسن وقتادة: لا يُقبل قول إلا بعمل. ولهذا أنت تصلي والصلاة أفعال وأقوال أنت تتوجه إلى ربك وتدعوه بقلبك وبلسانك.
(وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) قال جماعة من السلف: هم المراءون بأعمالهم يمكرون بالناس يوهمون أنهم في طاعة الله وهم بغضاء إلى الله عز وجل يراؤون بأعمالهم وهذه الصفة أكثر ما تكون في المنافقين كما قال الله (يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء:142]
فالآية عامة في المشركين والمنافقين وغيرهم وأول من يدخل في هذه الآية هم المشركون ولهذا قال تعالى (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) أي يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنُهى لأنه ما أسرّ عبدٌ سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، ما أسرّ أحد سريرة إلا كساه الله رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على إنسان أحمق غبي ما يفرِّق، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم بل يُكشف لهم عن قريب. والله جل وعلا لا تخفى عليه من أعمال العباد خافية فهو يعلم سرهم ونجواهم فهؤلاء الذين يراؤون الناس بأعمالهم ولا يخلصون القول والعمل لا شك أن عملهم حابط وفاسد ولهذا جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) وفي رواية (فهو للذي أشرك وأنا منه بريء). وهنا قال الله (وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) ويجوز أيضاً أن يكون كل من مكر ودبّر المكائد لرسل الله وللمؤمنين من عباد الله أن مكره وتدبيره وتخطيطه يكون وبالاً عليه وشرّاً عليه كما قال الله سبحانه وتعالى في قصة صالح عليه الصلاة والسلام (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51)) [النمل]
فكل من مكر مكره سيكون وبالاً عليه وكل من خطط ودبر لإيذاء عباد الله والنيل منهم فإن الله يبطل كيده ويجعل أمره في سِفال ويجعل عاقبة أمره خسراً وهذا من حفظ الله تعالى لأوليائه ولعباده المؤمنين نسأل الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين. نسأله سبحانه أن يصلح قلوبنا وأعمالنا وأن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: فهذا هو المجلس الثاني من سورة فاطر يبدأ بقول الله تبارك وتعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
/ قوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) ابتداء خلق أبيكم آدم كان من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ولهذا قال تعالى (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا) أي ذكراً وأنثى، لطفاً منه سبحانه وتعالى ورحمة أن جعل لكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعلها من جنسكم كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) وقال (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
(وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) فهو جلّ وعلا هو العالم بذلك، لا يخفى عليه شيء، وقال هنا (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى) من أنثى يشمل أيّ أنثى سواء كانت من بني آدم أو من الجنّ أو من الطير أو من البهائم أو من الوحوش وغيرها (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ)، وقال تعالى (مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) وقد تقدّم الكلام في سورة الرعد على قوله تعالى (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)).
وقوله (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) أي ما يُعطى بعض النُطَف من العمر الطويل يعلمه الله سبحانه وتعالى، وهو عنده في الكتاب الأول (وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) الضمير عائد على الجنس -كما يقول ابن كثير- لا على العين; لأن العين الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله لا يُنقَص من عمره، لكن عاد الضمير على الجنس، قال ابن جرير: وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه أي ونصف آخر يعني هنا الله يقول (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) يعني من عُمُر الشخص أيّ شخص كان (إِلَّا فِي كِتَابٍ) يعني في اللوح المحفوظ، وجاء عن ابن عباس: "ليس أحدٌ قضى الله له طول عمرٍ وحياة إلا وهو بالغٌ ما قدّر الله له من العمر وقد قضى الله جلّ وعلا له ذلك، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدّره الله سبحانه لا يُزاد عليه ولا يُنقص منه".
(وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) ولهذا قال قتادة: "الذي يُنقَص من عمره الذي يموت قبل ستين سنة". وقيل: الذي ينقص من عمره هو ما لفظته الأرحام من الأولاد من غير تمام الذي يسمى السِقْط. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيرها: "ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد فهذا هذا".
(إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) طبعاً زيادة العمر ونقصانه هو بأمر الله وهذه محل كلام للعلماء هل هناك أمور تزيد في العمر؟ وما هي الزيادة؟ هل هي زيادة حسية أو معنوية؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: " من أحبّ أن يُبسَط له في رزقه ، ويُنسَأ له في أثره فليَصِل رحمه " وهنا من العلماء من قال: إن الزيادة زيادة حقيقة فيكون الآدمي له أجلان أجل تعلمه الملائكة وأجل مغيّب في علم الله فإذا وصل رحمه -والله عالم بحقائق الأمور هل سيصل أو لم يصل- فإذا وصل رحمه جاءته الزيادة التي كتب الله، مثل إنسان افرض إن الله كتب عمره تسعين سنة إذا وصل رحمه وعمره ستين سنة إذا لم يصل رحمه فالملائكة لا تعلم العمر المعلّق الذي هو التسعين إنما تعلم العمر الستين فإذا قيل لهم إذا وصل الرحم أوصلوه للتسعين وإذا لم يصل الرحم فأوصلوه للستين فهذا يسمونه الأجل المعلق أو العمر المعلق، وقيل: إن طول العمر وقصره إنما هو بحسب البركة فقد يعيش الإنسان عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو خمسين سنة ويكون كأنه عاش مئات السنين نظراً لما نفع الله تعالى به من أمور الخير والعلم والعمل والدعوة إلى آخره، وبعض الناس تسعين سنة ومئة سنة ولا كأنه عاش إلا عشر سنوات أو خمس سنوات نظراً لقصر ما عمل من الصالحات والخيرات وما إلى ذلك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "خيركم من طال عمره وحَسُنَ عمله وشرّكم من طال عمره وساء عمله" وللسيوطي رسالة في موضوع الزيادة زيادة العمر ونقصانه من رغب أن يراجعها. (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) فهو سهل عليه سبحانه وتعالى، يسير لديه لا يخفى عليه منه شيء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق