الثلاثاء، 7 يوليو 2026

الدرس السبعون / تفسير سورة البقرة: من الآية (١٢٤)

(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ "قوله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين* وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) يخبر تعالى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام المتفق على إمامته وجلالته الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه بل وكذلك المشركون أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات أي بأوامر ونواه كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره ويزكو عمله ويخلُص ذهبه وكان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام فأتمّ ما ابتلاه الله به وأكمله ووفاه فشكر الله له ذلك ولم يزل الله شكورا فقال (إني جاعلك للناس إماما) أي يقتدون بك في الهدي ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل والتعظيم من كل أحد وهذه لعمر الله أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام شمّر إليه العاملون، وأكمل حالة حصّلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم من كل صدّيق متبع لهم داع الى الله والى سبيله فلما اغتبط ابراهيم بهذا المقام وأدرك هذا طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضا من إمامته ونصحه لعباد الله ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية والمقامات السامية فأجابه الرحيم اللطيف وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحط قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام فإنه مقام آلته الصبر واليقين ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة والشمائل السديدة، والمحبة التامة والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام، ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة ولكن مع إتيانه بأسبابها"

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين اللهم يا ربنا يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام فقهنا أجمعين في الدين وعلمنا التأويل أما بعد: قول الله جل وعلا (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) الابتلاء هو الامتحان والاختبار، ابتلاه أي امتحنه واختبره، وفائدة الامتحان: تميُز الناس الصادق من الكاذب، الجاد من الهازل، العامل من العاطل.
 ابتلاه بكلمات المقصود بالكلمات التي ابتلاه بها أي الأوامر والنواهي، أمره سبحانه وتعالى بأوامر ونهاه عن نواه، أمره بأمور أن يفعلها ونهاه عن أمور أن يرتكبها.
 (فأتمهن) أتم الكلمات التي أمره الله سبحانه وتعالى بها قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "قال كثير من السلف: أي قام بجميع ما أُمر به ووفّى كل مقام من مقامات العبادة فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير" يعني من من شدة توفيته لما أمر به، العبادات الكبيرة لا تشغله عن الصغيرة، الأعمال العظيمة لا تشغله عن الأعمال أو الأعمال الكثيرة لا تشغله عن الأعمال القليلة، أتمّ كل ما أمره الله به ولهذا أثنى الله عليه في موطن آخر من القرآن قال: (وإبراهيم الذي وفّى) وفّى وفّى أي أتمّ ما أمره الله سبحانه وتعالى به من أوامر وانتهى عما نهاه تبارك وتعالى عنه من نواهي.
قال (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) هذا الآن الابتلاء والابتلاء له ثمرة ما هي الثمرة؟
قال (إني جاعلك للناس إماما) أي قدوة للعالمين، قدوة للمتقين (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم) إمام أي: قدوة (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين) أمة: إمام في الخير، ولا يكون المرء إماما في الخير إلا إذا اجتمعت فيه خصال الخير ولهذا تُعد الإمامة في الدين من أعظم الرتب وأرفعها لأنه اجتمعت فيه صفات الخير فيكون قدوة للناس ولا يكون المرء إماما لمن بعده في الخير إلا إذا ائتم هو بمن قبله في الخير، ومن دعوات عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان (واجعلنا للمتقين إماما) أحد السلف في تفسيره لها قال: "(اجعلنا للمتقين إماما) أي اجعلنا مؤتمين بالمتقين" قال ابن القيم: "وهذا من أحسن التفسير.
قال "واجعلنا مؤتمين بالمتقين" ما المعنى؟ لا يكون إماما للمتقين بعده إلا إذا ائتم بالمتقين قبله. فهذه رتبة علية كانت ثمرة ماذا؟
الوفاء والتمام الذي قام به لما ابتلاه الله بالكلمات فكان أولا: الابتلاء، ثم ثانيا: التمكين (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) هذا التوفيه (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) فابتلاء أولا ثم التمكين، الإمام الشافعي سأله رجل قال: أيهما أفضل للرجل أن يُمكّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكّنهم فيستفاد من هذه الآية: العاقبة العظيمة للصبر على الابتلاء الذي هو محافظة العبد التامة وعنايته الدقيقة بالأوامر فعلا لها، والنواهي تجنبا لها، ابتعادا عنها.
قال: (واذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما) هذه العاقبة، هذه عاقبة الوفاء، عاقبة الإتمام الذي كان من إبراهيم لما أُمر به عليه صلوات الله وسلامه، (قال إني جاعلك للناس إماما) من عظيم إحسانه عليه السلام وحرصه على الخير وبقاء الخير في الناس أحب بقاء الأئمة أئمة الخير الذين يُقتدى بهم في الخير لأن الناس على مر الأيام يحتاجون حاجة ماسة إلى أئمة الهدى، إذا كان الناس في مجتمعاتهم لا يوجد إلا أئمة الضلال دعاة باطل كيف تكون حال الناس (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) فالمجتمعات بحاجة شديدة جدا إلى أئمة هدى
ما معنى أئمة هدى؟ أن يشتغل الناس - طلاب العلم- بالعلم والعبادة والعمل والصلاح والإصلاح ويكون في بلده إماما فيصبح في بلده خلق يأتمون بهم، يقتدون بما عندهم من العلم والعمل وينتفعون بما عندهم من دعوة وتعليم، فالناس حاجتهم شديدة إلى الأئمة أئمة الهدى. والإمامة في الدين ما تنال إلا بأمور وخلاصتها أربعة أمور اليوم استمعنا إليها في صلاة الفجر في قول الله سبحانه وتعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) أربعة، وانظر شرحا عظيما لها في رسالة الإمام ابن القيم إلى أحد إخوانه، شرح لهذه الأمور الأربعة التي تُنال بها الإمامة في الدين، فإبراهيم عليه السلام حقق هذه الإمامة لما قال الله له (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي)
ما معنى (ومن ذريتي)؟ 
أي واجعل يا الله من ذريتي أئمة في الدين يُقتدى بهم فأجاب الله سبحانه وتعالى دعوته وحقق ما سأله نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام، حقق ما سأله فجعل الله سبحانه وتعالى في ذريته النبوة والكتاب هذا من إجابة الله لدعوته جعل في ذريته النبوة والكتاب، وجميع الأنبياء الذين بُعثوا من بعده كلهم من ذريته عليه السلام وهذا من إجابة دعوته قال (ومن ذريتي) سأل الله أن يجعل من ذريته أئمة في الدين يُقتدى بهم في الصلاح والإصلاح
قال الله عز وجل (لا ينال عهدي الظالمين) وهذا فيه أن الظالم حتى لو كان نسبه من أشرف الأنساب لا ينال هذه المقامات وليس أهلا لها (لا ينال عهدي الظالمين) أي هذه المرتبة العلية الرفيعة الإمامة في الدين لا ينالها ظالم ولو كان من ذرية الأنبياء، ولو كان من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام إمام الحنفاء الوجيه عند رب العالمين سبحانه وتعالى فهذا فيه دلالة على أن الظالم ليس أهلا للإمامة، الظالم لنفسه والظالم للناس ليس أهلا للإمامة في الدين. ومما ينبه عليه في هذا المقام: أن من أعظم الظلم للناس الذي له أثر في عدم نيل الإمامة ما نهى الله عنه في مواطن من القرآن مثل الهمز واللمز والنميمة والغيبة والسخرية بالناس والطعن واللعن هذه كلها تجعل الإنسان ليس أهلا
ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة) الشاهد من هو؟ الذي يشهد للناس بالخير، والشافع الذي يشفع لهم بالخير، فيقول إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة، لماذا؟ لأن الناس في الدنيا ما سلموا منهم لا من جهة الشهادة فهم طعانين، ولا من جهة الشفاعة فهم لعانين فما سلموا منهم في الدنيا فليسوا أهلا أن يكونوا يوم القيامة شهداء للناس بالخير أو شفعاء للناس بالخير فمقام الإمامة في الدين مقام رفيع لا يناله ظالم، لا يُنال بالظلم، لا يُنال إلا بالرحمة والرفق والإحسان واللطف والخير والنصح والعناية بإصلاح النفس وإقامتها على طاعة الله سبحانه وتعالى، إقامتها على الطاعة، على العبادة لله جل وعلا قال (لا ينال عهدي الظالمين) ومثل ما تقدم يعني هذه الرتبة الرفيعة العالية لا ينالها ظالم ولو كان من ذرية الأنبياء، لو كان من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام، الظالم ليس أهلا لهذه الرتبة فيستفاد من هذا: من أحب لنفسه هذه الرتبة في الدين فعليه أن يجاهد نفسه على البعد عن الظلم، أن يعرف الظلم بأنواعه ويجاهد نفسه على البعد منه، لا يظلم نفسه ولا يظلم غيره، يجاهد نفسه على السلامة من الظلم، وأيضا الاتصاف بضده العدل..
وأظلم الظلم الذي يسقط فيها فاعله إلى الحضيض إلى الدركات الشرك بالله (والكافرون هم الظالمون)، (إن الشرك لظلم عظيم) أظلم الظلم هو الشرك اظلم الظلم ولهذا من يصرف شيئا من العباده لغير الله يسقط سقوطا الى الحضيض إلى الهلكات ولا يكون أهلا لا إلى إمامة ولا إلى ما هو دون الإمامة لأن الشرك يسقطه إلى أسفل الدركات والله جل وعلا يقول (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين* بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) (قال لا ينال عهدي الظالمين).
 
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "يخبر تعالى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام المتفق على إمامته وجلالته الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه" بل وكذلك المشركون، متفق على إمامته، متفق على منزلته، متفق على علو رتبته عليه السلام حتى أن كل الطوائف تدعيه، ما معنى كل الطوائف تدعيه؟
اليهود يقولون إبراهيم كان يهوديا، والنصارى يقولون إبراهيم كان نصرانيا، والله يقول (ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) وكذّبهم الله عز وجل في دعواهم هذه بالتاريخ، والتاريخ يُكذَّب به كثير من الباطل قال (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) هذا تكذيب لهم بالتاريخ، كيف تقولون أنه يهودي أو نصراني وأصلا التوراة والإنجيل وعيسى وموسى كلهم إنما بُعثوا من بعده كيف يكون هذا الكلام؟! هذا تكذيب لهم بالتاريخ. قال "كل من الطوائف - من طوائف أهل الكتاب - تدعيه بل وكذلك المشركون - الكفار - كانوا يدّعون أنهم على ملة إبراهيم" ما الذي كانوا عليه؟ الشرك الصراح، والكفر البواح ويدّعون أنهم على ملة إبراهيم، الله عز وجل يقول (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين) كيف يكون هذا الادعاء الذي هو من أسفه الادعاء وأشنعه وأقبحه يقولون أنهم على ملته!! قال "بل وكذلك المشركون"
يخبر تعالى أن عبده وخليله الذي كذا كذا أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، بكلمات ما هي الكلمات؟ قال أي أوامر ونواهي، أمره بأوامر أن يفعلها كثيرة عديدة، ونهاها عن نواهي، وجميع الأوامر التي أُمر بها فعلها، وجميع النواهي التي نُهي عنها اجتنبها، وفّى ما ترك حتى مثل ما قال السلف "فما شغله أمر كبير من الأوامر عن أمر صغير" وفّى بالأوامر الصغير منها والكبير، الدقيق والجليل، عليه السلام ولهذا امتدحه الله قال (وإبراهيم الذي وفّى) يعني وفّى بكل ما أمره الله سبحانه وتعالى به قال: "أي بأوامر ونواهي كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده" "في ابتلائه لعباده" الابتلاء بالأوامر والنواهي افعلوا ولا تفعلوا، هذا الابتلاء، ما غرض هذا الابتلاء؟
قال: "ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق" ليميز الخبيث من الطيب، ليتبين الكاذب من الصادق، "الصادق الذي ترتفع درجته ويزيد قدره ويزكو عمله ويخلص ذهبه" وكان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام،
  المقام ماذا؟ مقام الوفاء والإتمام لما امتُحن به لما ابتُلي به، كان من أجلّهم في هذا المقام الخليل عليه السلام "فأتمّ ما ابتلاه الله به وأكمله ووفّاه "فشكر الله له ذلك ولم يزل سبحانه وتعالى شكورا فقال (إني جاعلك للناس إماما)" هذا من شكر الله سبحانه وتعالى لنبيه أن جعله إماما.
 قوله (إني جاعلك) والتي استمعنا اليها في سورة السجدة (وجعلنا منهم أئمة) الإمامة في الدين لا تكون إلا إذا جعل الله الشخص كذلك ولهذا لا يعتمد على الأسباب، يبذل الإنسان الأسباب ويجتهد فيها غاية الاجتهاد لكن يسأل ربه ولهذا لما ذكر الله عز وجل عن عباد الرحمن بذلهم للأسباب العظيمة ذكر أنهم يدعون الله عز وجل بقولهم واجعلنا للمتقين إماما (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما* أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) صبروا بذلوا أسباب وجاهدوا أنفسهم وعملوا بما أُمروا به وانتهوا عما نُهوا عنه وسألوا ربهم الإمامة في الدين، هذه الرتبة التي أعلى ما يكون، فلا تكون إلا إذا جعل الله سبحانه وتعالى العبد كذلك، وهكذا أمور  الخير، أمور العبادة، أمور الطاعة ما يمكن أن تفعل شيء منها إلا إذا جعلك الله كذلك ولهذا لاحظ في دعاء إبراهيم (ربنا واجعلنا مسلمين لك) تأتي معنا، (ربي اجعلني مقيم الصلاة) (اجعلني) كثير يأتي هذا، ما يمكن أن يحصل منك شيء من الخير إلا إذا جعلك الله كذلك،
 أحد السلف يقول موضحا هذا المعنى بمثال يقول: "لو أخرج قلبي من صدري وجعل في كفي اليسرى أمامي - يعني أراه جعل في كفي اليسرى - وجيء بالخيرات كلها ووضعت في كفي اليمنى - مثلا التوكل، الصدق الصبر، الرجاء، الخوف، كل أعمال القلوب لو جيء بها ووُضعت في كفي اليمنى - لم أستطع أن أجعل شيئا منها في قلبي" الآن لاحظ يقول القلب في اليد اليسرى والخيرات كلها في اليمنى قال لم أستطع أن أجعل شيئا منها في قلبي إلا أن يكون الله الذي يضعه (جعلنا)، لازم نفهم هذا، (جعلنا) إذا فهم المرء هذا الأمر ما يلتفت إلى الأسباب التي يقوم بها، يفعلها يجاهد نفسه على فعلها لكن يرجو رحمة ربه، يرجو فضل ربه سبحانه وتعالى.
 قال (إني جاعلك) إبراهيم الخليل عليه السلام ما كان في هذه الرتبه إلا بجعل الله له، الله الذي جعله ولما قال (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي كذلك أجاب الله دعاءه وجعل، جعل من ذريته الأئمة في الدين قال (إني جاعلك للناس إماما) أي يقتدون بك في الهدى ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل والتعظيم من كل أحد، وهكذا كان جعل الله له لسان صدق في الآخرين عليه صلوات الله وسلامه وعلى جميع النبيين،  وهذه الإشارة الى ماذا؟ إلى الإمامة، وهذه لعمر الله أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام شمّر إليه العاملون أن يكون المرء إماما في الدين.
إمام في الدين ليس لقبا يا سيادة الإمام، ليس لقب يبحث عنه يُلقب به، الإمامة عمل يتصف به ويعمل به ويتحلى بأوصاف، هذه الإمامة بحيث أن الناس كل ما أرادوا خصلة من خصال الخير وجدوا في هذا الإمام قدوة لهم فيه، ولهذا لا يكون المرء إماما حتى تجتمع فيه صفات الخير، يتحلى بها، قال: "وهذه لعمر الله أفضل درجة يتنافس فيها المتنافسون وأعلى مقام شمّر إليه العاملون وأكمل حالة حصّلها أولوا العزم من المرسلين واتباعهم من كل صدّيق متبِع لهم داعٍ إلى الله وإلى سبيله"
 "فلما اغتبط إبراهيم - فرح بهذا الفضل وسُر بهذا الإنعام والإكرام الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى به - فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام وأدرك هذا حصّل هذه الرتبة العلية - جعله الله كذلك - طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجه ذريته وهذا أيضا من إمامته"
الطلب هذا نفسه من إمامته لماذا؟
لأنه حرص على على بقاء أئمة في الدين للناس يهتدون بهديهم ويقتدون بهم قال: "وهذا أيضا من إمامته ونُصحه لعباد الله ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون فلله عظمة هذه الهمم العالية والمقامات السامية" يعني اشفق على الأجيال التي تأتي، ليس فقط هذا همّه في الجيل الذي يراهم ويعيش معهم بل همّه اتجه إلى الأجيال فيما بعد أن يكون فيهم أئمة حتى يصلح الناس بوجود هؤلاء الأئمة يقتدى بهم ويهتدى بهديهم قال (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي أئمة في الدين.
 قال الشيخ رحمه الله: " فأجابه الرحيم اللطيف" وعرفنا أن من إجابة الله لدعوته أن جعل في ذريته النبوة والكتاب (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) فجعل في ذريته النبوة فلم يبعث نبي بعد إلا من ذريته عليه السلام هذا من إجابة الله دعوته، وأخبر سبحانه وتعالى بالمانع من نيل هذا المقام- مقام الإمامة - فقال (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحطّ قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام لأنه لو كان ظالما كيف يكون ظالم وإمام؟ يأتمُ به الناس في الظلم، لأن إمام يعني قدوة، فإذا كان ظالم معروف بالظلم يصبح إمام؟! إمام في ماذا؟ في الظلم؟ والإمامة في الدين لا تجتمع مع الظلم، أما الإمامة في الشر نعم هناك إمامة في الشر هناك أئمة في الشر (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) هناك أئمة يدعون إلى النار، يدعون إلى الشر، لكن إمامة في الدين ما تجتمع والظلم (لا ينال عهدي الظالمين) أي لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها وحط قدرها لمنافاة الظلم لهذا المقام فإنه مقام آلته الصبر واليقين ما الدليل على أن الإمامة في الدين آلتها الصبر واليقين؟ (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين قال: " آلته الصبر واليقين ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الجميلة والشمائل السديدة والمحبة التامة والخشية والإنابة.
 وهل من شرط الإمامة في الدين العصمة؟
يخطئ الانسان وتزل قدمه لكنه مع نفسه في جهاد عظيم في إصلاحها وتدارك نفسه في تقصيره وكثرة استغفاره وإنابته وتوبته (كل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون) ليس من شرط الإمام أن لا يخطئ ولا يقع في الزلة أو الخطأ، يقع لكنه دائما يعتني بنفسه ويعمل على مجاهدتها التامة (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
 قال الشيخ: "فأين الظالم وهذا المقام" يعني أين هو وهذا المقام مقام الإمامة في الدين، قال رحمه الله تعالى: "ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة" هذا كلام عظيم جدا واستفاد من الآية أن غير الظالم سينال الإمامة (لا ينال عهدي الظالمين) مفهومها أن من لا يكون ظالم ينال، الآية لها مفهوم ولها منطوق:
منطوقها: أن الظالم لا ينال العهد
مفهومها: أن غير الظالم ينال العهد ينال الإمامة
هذا يستفاد منه: أن مجاهدة الإنسان نفسه على تجنب الظلم والبعد عن الظلم يصل به إلى هذه الرتبة العلية. قال: "ولكن مع إتيانه بأسبابها" أسبابها التي هي: المجاهدة للنفس وكثرة الدعاء للرب (واجعلنا للمتقين إماما).
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق