السبت، 2 أكتوبر 2010

التفسير الإشــــــــــاري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معنى التفسير الإشاري :
هو تأويل القرآن على خلاف ظاهره ، لإشارات خفية تظهر لبعض أولي العلم ، أو تظهر للعارفين بالله من أرباب السلوك و المجاهدة للنفس ، ممّن نوّر الله بصائرهم فأدركوا أسرار القرآن العظيم ، أو انقدحت في أذهانهم بعض المعاني الدقيقة ، بواسطة الإلهام الإلهي، أو الفتح الرباني، مع إمكان الجمع بينها وبين الظاهر المراد من الآيات الكريمة.

وقد ذكر الد.مساعد الطيار أن أغلب التفسير الإشاري يدخل في باب الاستنباط فقال : ولقد تأملت أنواع الأمثلة في التفسير الإشاري فوجدت أغلبها يدخل في باب الاستنباط ؛ لأن الغالب على هذه أنها لو فُقِدت لم يتأثر ظاهر القرآن ، والتفسير إنما يتعلق بظاهر القرآن ، وليس بما فيه من دلالات على غير الظاهر .

ولابدَّ من الإشارة إلى أمر مهم في هذا الجانب ، وهو بيان الفرق بين التفسير وهذه الإشارات وغيرها من الاستنباطات ، فأقول :
أولاً : أن من ضوابط التفسير المهمة ( بيان المعنى ) ، فإذا بان المعنى ، وتمَّ ، فقد انتهى التفسير ، وما وراء ذلك فإنه ـ في الغالب ـ لا يخرج أن يكون من علوم القرآن التي ترتبط بالآية ، أو من الاستنباطات بأنواعها المتعددة .

ثانيًا : أن التفسير يتعلق بظاهر النصِّ ، وما خرج عن ظاهره ، فهو من باب الاستنباط ، سواءً أكان اعتبارًا أو إشارة أو قياسًا أو مفهوم مخالفة أو غير ذلك .

ثالثًا : وأن من ضوابط التفسير ـ أيضًا ـ تناسقه مع السياق ، وكل معنى صحيح أُلحِق بالآية ، وهو لا ينتظم مع سياق الآية ، وله وجه ارتباط بها ، فإنه لا يدخل في باب التفسير ، وإنما يكون من باب الاستنباط .

وسأضرب لك مثلين يُبِينَانِ عن ذلك :

المثل الأول : روى الطبري بسنده عن أَبي أمامة في قوله : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) قال: (( هم الخوارج )) .
وسياق الآية كما ـ لا يخفى ـ في اليهود ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) .

والملاحظ أن في فعل أبي أمامة أمرين :
الأول : أنه انتزع جزءًا من الآية .
الثاني : أنه حمل هذا الجزء الذي في سياق اليهود على الخوارج .
ولو أردت أن تسبك المعنى على تفسير أبي أمامة ؛ لظهر لك اختلال النظم مع المعنى ، فالمعنى ـ لو كان كلام أبي أمامة تفسيرًا ـ : وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وأنتم تعلمون أني مرسل إليكم من الله ، فلما زاغ الخوارج أزاغ الله قلوبهم ...

ولا يخفى عليك هذا الخلل ؛ لو كان أبو أمامة يقصد التفسير ( بيان المعنى الظاهر من السياق ) ، لكنه ـ رضي الله عنه ـ أراد أن ينبهك إلى أن الخوارج شابهوا اليهود في هذه الحيثية ، وهي أنهم قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم ، وليس مراده أن الْمَعْنيَّ الأول بهذه الجملة هم الخوارج ، وعلى هذا لا يحسن أن تَعُدَّ كلام أبي أمامة من التفسير ، بل هو من باب القياس الذي يأتي بعد بيان المعنى الظاهر في السياق .

المثل الثاني : في قوله تعالى : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) ، فقد ورد عن الإمام الشافعي وغيره : ( لما حجب هؤلاء في حال السخط ، دلَّ على أن قومًا يرونه حال الرضى ) ، وهذه الآية في عِداد الآيات التي يستدل بها أهل السنة على رؤوية الباري في الجنة، لا حرمني الله وإياكم هذا الفضل العظيم .

وإذا تأملت سياق الآيات وجدته في الكفار حيث قال تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) ، وظاهر معنى الآية في سياقها أن الكفار ممنوعون من رؤية ربهم ، وهذا تمام المعنى ، فلو فسَّر مفسِّر هذه الآية بهذا القدر لما قصَّر في التفسير ، أما ما ورد من بيان (مفهوم المخالفة ) ، وهو الاستدلال بمنع قوم على الكشف لقوم ، فهذا من باب الاستنباط ، وليس من باب التفسير .
ودليل ذلك ما أشرت لك به من أن مفسرًا لو لم ينتبه إلى هذا المعنى الدقيق لما كان مقصِّرًا في بيان المعنى من جهة التفسير .

وقد يرد سؤال عند بعض الناس ، ومفاده : ألا يصح أن نقول : لما أخبر أن الكفار يصلون الجحيم دلَّ على أن المؤمنين يدخلون الجنة ؟
فالجواب : بلى ، لكن هذا المعنى لم يخالف فيه أحد فيلزم التنبيه على دقائق الاستدلال لِمَا وقع فيه الخلاف ؛ مثل مسألة الرؤية التي خالف فيها المعتزلة ومن أخذ بقولهم ، والفرق بين الاستدلالين ظاهر .


أنواع الإشارات:
مما يحسن التنبه له أنه ليس كل ما نُسِب إلى التفسير الإشاري فأنه باطل محض ، بل الإشارات والاعتبارات مثل القياس في الفقه ، منه ما هو صحيح ، ومنه ما هو خطأ ، ومنه ما هو باطل."ا.هـ
ثم أورد حفظه الله كلام العلماء في ضوابط قبول التفسير الإشاري ، وسأكتفي بذكره لكلام ابن القيم :
قال ابن القيم ـ في تفسير قوله تعالى ( فالموريات قدحًا ) : (... وأضعف منه قول عكرمة : هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد : هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب .
وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب


وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول : ـ تفسير على اللفظ ، وهو الذي ينجو إليه المتأخرون .

ـ وتفسير على المعنى ، وهو الذي يذكره السلف .

ـ وتفسير على الإشارة والقياس ، وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم .

وهذا لابأس به بأربعة شرائط :

ـ أن لا يناقض معنى الآية .

ـ وأن يكون معنى صحيحا في نفسه .

ـ وأن يكون في اللفظ إشعار به .

ـ وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم .

فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة ؛ كان استنباطا حسنا ) التبيان في أقسام القرآن ( ص : 49) ."ا.هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق