الثلاثاء، 19 مايو 2026

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

العلاقة بين الحج ويوم القيامة

ولكن قبل أن نستمر في تدبر آيات سورة الحج، لنا أن نتساءل: يا ترى لماذا جاءت سورة الحج بهذه البداية العظيمة، والحديث المتواصل القوي الحاضر عن قضية البعث؟ لماذا؟ ما العلاقة بين الإيمان بالبعث، وبين الحديث عن الحج؟ ما العلاقة بين هذه البداية المركزة التي تركز في نفس الإنسان الإيمان بالبعث، والكلام عن الحج؟ السورة تتحدث عن الحج، وسيأتي الحديث عن الحج، فلماذا الكلام في البداية عن البعث؟ سبحان الله العظيم، هذا القرآن العظيم، كما ذكرنا قبل قليل، معجز في كل شيء، معجز في تناسب الآيات والسور، معجز في ترتيب الآيات في السورة الواحدة، معجز في تقديم الأمثال، معجز في كل شيء. يا سبحان الله.

من أراد أن ينظر إلى منظر مصغر ليوم البعث، وليوم القيامة، فليتدبر الحج. من أراد أن يرى مواقف وأهوال يوم القيامة بصورة مصغرة مبسطة بطبيعة الحال فليذهب إلى الحج. كيف؟ مواقف يوم القيامة، مواقف الحشر، وقوف الناس، ازدحام الناس، ما يظهر عليهم من آثار السهر، والتعب الشديد، والنصب، مظاهر كلها أريد لها أن تجعل الإنسان يقترب قليلاً، بعض الشيء، من مواقف الحج. الحر الشديد، الزحام الخانق، الانتظار الطويل، حال البشر وهم يجتمعون في حالة انكسار، وذل، وخضوع، وتضرع بين يدي الله سبحانه. اللباس البسيط الذي يلبسه كل الحجيج، دون طبقية، دون فرق بين عزيز أو ذليل، دون فرق بين غني أو فقير، دون طبقية على الإطلاق، دون فرق بين أسود أو أبيض. الكل يلهج بالدعاء، والتضرع، والخشوع، والانكسار، والذل لله سبحانه وتعالى، للواحد، للملك. يقفون على هذه المواقف والمشاعر، يطلبون شيئاً واحداً، الكل يشتركون في طلب شيء واحد، تركوا من ورائهم الدنيا، تركوا الأعمال، تركوا المناصب، تركوا الأهل، تركوا الأولاد، تركوا كل شيء، وجاءوا لله الواحد القهار، يسألونه صفحاً، عفوًا، مغفرةً، رحمةً من عنده. هذه المواقف العظيمة تذكر بشيء واحد، تذكر بمواقف يوم القيامة، مع فارق واحد، أني حين أقف في الحج في المشاعر المقدسة، على جبل عرفة، على منى، على مزدلفة، حين أقف تلك المواقف، أنا لا زلت في دار العمل، لا زلت فيها، والحج عمل، ومن أعظم العمل، أما يوم القيامة فسأقف مواقف الذل، والتضرع، والخضوع، والترقب، والتوجس، ولا يمكن أن يكون بين يدي عمل آخر أستطيع أن أقدمه. فالآخرة، ومواقف يوم القيامة، دار جزاء لا دار عمل. انظر إلى الفارق، وانظر إلى الربط العظيم الذي ينبغي أن يستحضره كل من يقف في مواقف الحج العظيمة. كل من يقف على جبل عرفة عليه أن يتذكر ذلك الموقف المهيب الذي سيأتي لا محالة. كل من يقف وينفر من منى إلى عرفة، إلى مزدلفة، عليه أن يتذكر تلك المواقف العظيمة، عليه أن يتذكر تنقله بين مواقف وأرصات يوم القيامة، عليه أن يتذكر الحالة التي سيكون عليها، وعليه أن لا ينسى أبداً أنه اليوم لا يزال في رحمة من الله سبحانه، هو لا يزال في دار العمل، فليقدم بين يدي الله سبحانه من الأعمال ما يستطيع أن يقدمه قبل فوات الأوان.

 الإيمان بالبعث والتقوى في سورة الحج

الإيمان بالبعث يبقى دائما حاضر في سورة الحج ليؤكد على معاني التقوى ليكون هو الدافع الرئيس للإنسان للعمل للتزود بزاد الدنيا إلى زاد الآخرة للتزود بالأعمال الصالحة للقيام بكل ما يمكنه أن يقوم به ويتزود به من عمل في هذه الدنيا قبل فوات الأوان. 

تأتي آيات الحج بعد هذا المقطع العظيم لتؤكد على نفس الحقيقة التي ابتدأت بها وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. القضية حقيقة ولكن ليست المسألة في وقوع هذه الحقيقة التي ستقع لمحال دون شك أو ريب. الإشكالية في بعض الناس في أصناف من الناس الإيمان بالبعث لديهم فيها شك فيها جدال فيها عدم استحضار لهذه الحقيقة استحضاراً يدفع بهم إلى العمل وإلى التضحية وإلى تقديم كل غالي ونفيس في سبيل العمل الصالح في سبيل نيل رضا الله سبحانه وتعالى. وانظر معي إلى قول الله عز وجل في الآيات التي تليها وهو يقسم أنواع من البشر أنواع من الناس لم يجعل الإيمان بالبعث حقيقة حاضرة في حياتهم. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* تدبر سورة الحج / د. رقية العلواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق