/ (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ )
فيه ربط بين الاستغفار والتوبة من جهة وبين كونه تعالى (رحيما ودودا) من جهة أخرى، وذلك أن التوبة والاستغفار هما كالمقدمة للوصول إلى رحمة الله تعالى والحصول على محبته ومودته. فالاستغفار أعظم طرائق جلب رحمة الله بدليل القرآن ، قال الله جل وعلا عن نبيه صالح (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل: ٤٦ ]، وفي الخبر الصحيح (من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه سبع مرات غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف)
والاستغفار جاء على السنة أنبياء الله ورسله :
• فعلى لسان نبينا محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- : (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ )
• وقال على لسان نبيه هود عليه الصلاة والسلام : (وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ..)
• وجاء على لسان صالح عليه الصلاة والسلام : (قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيبٌ )
• وعلى لسان شعيب عليه الصلاة والسلام : (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) .
/ وبه تفتح مغاليق الأمور ، قال سبحانه وتعالى على لسان نبيه محمد -صلى اللّٰه عليه وسلم- (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعَكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه ..)
/ وبالاستغفار تُستمد الأرزاق ، ويُستكثر من المال والولد ، وتستمطر الرحمات، قال جل جلاله على لسان نوح عليه الصلاة والسلام (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا)
/ وبالاستغفار يودع الميت ولذا فقد كان النبي -صلى اللّٰه عليه وسلم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال : (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) رواه أبو داوود.
/ وبالاستغفار تتحات الخطايا والذنوب قال رسول الله ﷺ : (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثا غفرت ذنوبه وإن كان فاراً من الزحف) رواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . قال ابن عيينة : "غضب الله داء لا دواء له" وعقب عليه الإمام الذهبي بقوله : "دواؤه كثرة الاستغفار بالأسحار والتوبة النصوح".
وقد كان الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عليه الصلاة والسلام يقول : (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ). رواه البخاري
- وقال عليه الصلاة والسلام : (إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ).رواه مسلم، قال الإمام النووي : "والمراد هنا ما يتغشى القلب"، قال القاضي : "قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه فإذا فَتَرَ عنه أو غفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه"، وروى مكحول عن أبي هريرة قال : "ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مكحول : "ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة" وكان مكحول كثير الاستغفار .
قال القرطبي : قال علماؤنا : "الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان ، فأما من قال بلسانه : استغفر الله ، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر ". وروي عن الحسن البصري أنه قال : "استغفارنا يحتاج إلى استغفار".
قال بكر بن عبد الله المزني : "أنتم تكثرون من الذنوب فاستكثروا من الاستغفار ، فإن الرجل إذا وجد في صحيفته بين كل سطرين استغفار سره مكان ذلك"
ونتيجة الاستغفار والتوبة في الآية الثالثة الحياة الطيبة في الدنيا والفضل العميم في الآخرة ، ونتيجته في الآية الثانية والخمسين الحياة الرغيدة والقوة العظيمة . ونتيجته في الآية الواحدة والستين التمكن في الأرض ورضاء الله تعالى ، ونتيجته في قصة شعيب الخير والنماء ، والرحمة والود ، والأمان من العذاب ."
/ (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)
هذان اسمان من أسماء الله تعالى ، والرحمة واضحة المعنى لكن سنأتي بمثال لنقرب المعنى: لو أن إنسانا رأى دابة من الدواب لنفرض كلبا يلهث من العطش فسقاه فهذه رحمة ، لكن هل سقيك للكلب ورحمتك به يدل على أنك توده وتحبه؟ محال ، فلا يلزم من الرحمة الود والمحبة، ورحمتك لشخص كافر ينزف دما وإنقاذك له في موقف إنساني لا يلزم منه أنك توده وتحبه، هنا شعيب لما عرّف بربه جل وعلا قال (إِنَّ رَبِّي رَحِيمُ ودود) يرحم أولياءه لابد من هذا القيد وعباده الصالحين وهو يودهم ويحبهم ويحبونه ، لا يرحمهم لمجرد الرحمة إنما يرحمهم وهو وادّ لهم جل وعلا .
يقول ابن القيم رحمه الله - : "وما ألطف اقتران اسم الله الودود بالرحيم؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يُحبُّ، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه " يحب التوابين" وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان"
/ حُسن المحاورة والبيان والمجاوبة من شعيب عليه السلام - كان سبباً لإطلاق خطيب الأنبياء عليه السلام، وورد هذا في بعض الآثار (۳).
- (قَالُوا يَاشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) ما نفهم أكثر كلامك، مما يدل على تبلد مشاعرهم وغلظة طباعهم ، وكثيرا ما نشاهد في عصرنا الحاضر أمثال الملأ من قوم شعيب ممن طغى حب المال على نفوسهم ، وسيطر على أفكارهم ، فلا يفهمون إلا ما يُسمى في العصر الحاضر لغة المال ، وهي في الحقيقة لغة الجشع والشره والطمع ، فإذا ما حدثتهم بلغتهم أنصتوا إليك بكل ذرة في أجسادهم ، وأما إذا حدثتهم حديثا آخر أعرضوا عنك وأغلقوا دون حديثك أسماعهم وعقولهم ، ورأوا فيما تحدثهم به مضيعة للوقت.
/ (قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ )
فيه تربية على أن المؤمن يعفو كرامة الله وغير المؤمن يعفو كرامة للناس، وشتان بين السبيلين.
تفقه من الآية السابقة : من ذكّرك بالله إقبل تذكيره ، ومن خوفك بالله إقبل تخويفه، ومن جاءك عن طريق ربك ترغيبا أو ترهيبا أو تذكيرا فاقبله ، كان ابن عمر رضي الله عنهما - إذا رأى أحد غلمانه يُصلي يُعتقه ، فلما كثر العتق في غلمانهم أصبح الغلمان كلما رأوا ابن عمر جالسا جاءوا يصلون فإذا رأى أحدا يصلي أعتقه، فجاء أحد ينصحه، قال : يا ابن عمر إنهم يخدعونك ، فقال : "من خدعنا بالله انخدعنا له " قبلنا خدعته لأنهم جاءوه عن طريق الله . لا يعني هذا أن يكون الإنسان غافلا يُسخر منه أو ما أشبه ذلك ، لا، لكن في الأشياء التي يملكها المرء ، والمراد من الآية تعظيم الله في القلب.
/ (أَلَا بُعْدًا لِمَدِّينَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ)
اتفقوا وتشابهوا في سوء المعتقد فحق عليهم أن يتشابهوا في البعد عن الله.
/ (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا)
أخبر الله أنه نجى شعيبا ومن معه من المؤمنين برحمة منه، وفيه وجهان:
/ الأول: أنه تعالى إنما خلّصه من ذلك العذاب لمحض رحمته تنبيها على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا بفضل الله ورحمته.
والثاني: أن يكون المراد من الرحمة الإيمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضا ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى.
/ (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثمِينَ ) قال الرازي: " روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم." قال الله في قصة صالح ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) وفي قصة شعيب (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)
فما الحكمة من اختصاص الفعل في قصة شعيب بـ "التاء" وحذفها في قصة صالح؟
التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك هذا جواب السهيلي. وعندي فيه جواب أحسن من هذا -إن شاء الله- وهو : أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ، ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن ، وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ :
/ أحدها : الرجفة في قوله في الأعراف (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ )
/ الثاني: الظلة بقوله (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) [الشعراء: ۱۸۹]
/ الثالث : الصيحة (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)
وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم ، فصهرتهم الشمس بحرها ورُفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس ، فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم ..
في قصة شعيب -عليه السلام - من الفوائد والعبر الشيء الكثير نذكر بعضا منها :
ـ أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد وإلى إيفاء المكيال والميزان وجعل الوعيد مرتبا على مجموع ذلك.
ـ أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى.
ـ أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: (إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ) أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم.
ـ أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) ففي ذلك من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة.
ـ أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره، فإنه رتب العمل به على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل فالإيمان ناقص أو معدوم.
ـ أن الصلاة، لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه، فيإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها، تختل أحواله الدينية.
ـ أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوّله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه.
ـ أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منتهٍ عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب - الله : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) .
ـ أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية .
ـ أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه.
ـ أن العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين بل لا يزال مستعينا بربه متوكلا عليه سائلا له التوفيق وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومسديه ولا يعجب بنفسه لقوله (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
ـ أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده ولا عبرة بقول من يقول "إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه العفو وأما عود الودّ والحب فإنه لا يعود فإن الله قال: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ).
ـ أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان .
/ ختمت الآيات استعراضها التاريخي لبعض قصص الأنبياء مع أممهم بوقفة قصيرة عند نبي الله موسى مع فرعون أظهرت فيها مسؤولية شخصية فردية ، وأشارت إلى أن اتباع قوم فرعون وطاعتهم له لا يخلصهم من مسؤوليتهم أمام الله تعالى .
/ (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يتقدمهم يوم الحساب والجزاء ، فكما كان قدوتهم في الضلال في الدنيا ، كذلك يتقدمهم إلى النار يوم القيامة .
/ (وَأَتَّبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) اللعنة هي الطرد والإبعاد من رحمة الله وتنقسم أحكامها إلى ما يلي:
ـ لعن المسلم المصون - مسلم عادي - فهذا باتفاق العلماء لا يجوز لأحد أن يلعنه.
ـ لعن الأوصاف العامة وهذا جائز بالاتفاق مثل أن تقول ألا لعنة الله على الظالمين، ألا لعنة الله على الكافرين، ألا لعنة الله على الكاذبين هذا يسمى لعن ذوي الأوصاف العامة وهو جائز بالاتفاق.
ـ لعن الأوصاف الخاصة تقول لعن الله آكلي الربا، لعن الله السّراق، لعن الله من يلعن والديه، فهذا جائز جاءت به السنة، تلعن الوصف لا الشخص .
ـ لعن الكافر الذي ثبت أنه مات على الكفر فهذا جائز كلعن أبي جهل ولعن فرعون هذا كله جائز.
ـ لعن الكافر الذي لم يتحقق موته على الكفر فهذا ينظر فيه فإن كان غالب الظن أنه مات على الكفر فيلعن وتركه أولى وإن كان غالب الظن أننا لا ندري مات على الكفر أو مات على الإيمان فإننا نتوقف في لعنه.
ـ لعن الكافر المعين الحي يجوز أو لا يجوز؟
الله - جل وعلا - يقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ فجاء الله بقيد هنا هو (وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارُ) فمن لعن كافرا معيناً أبطل القيد القرآني، وهذا قول جماهير العلماء.
ونقل عن أبي بكر ابن العربي في كتابه أحكام القرآن القول بأنه يجوز لعن الكافر المعين ، لكن الأدلة التي قالها غير صحيحة أتى بحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعن عمرو ابن العاص أيام كفره لكن الحديث ضعيف جداً ولم يقل أحد بصحته، مادام قلنا إنه لا يجوز لعن الكافر المعين فمن باب أولى لا يجوز لعن المسلم العاصي المعين.
فالمؤمن ينبغي عليه أن يفر من اللعن قدر الإمكان فلا يعود نفسه على اللعن فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال كما في حديث أبي الدرداء وهو في صحيح سنن أبي داوود ( إن العبد إذا لعن تصعد اللعنة إلى السماء تُسد أمامها أبواب السماء ثم تُعاد إلى الأرض فلا تجد لها مساغا فتلتفت يميناً وشمالاً - كما قال صلى الله عليه وسلم - ثم تذهب إلى من لُعن فإن كان أهلاً وإلا رجعت للذي لَعن) ويؤيده كذلك ما في سنن أبي داوود من حديث صحيح أن عبد الله ابن مسعود - الصحابي المعروف - كان صديقاً لرجل يقال له أبو عمير فذهب عبد الله ابن مسعود لزيارة أبي عمير فلم يجده فأدخلته أم عمير الدار، فبينما هو ينتظر صاحبه سمع امرأة أبي عمير تقول - بعد أن بعثت جارية - لعنها الله أبطأت علي، فخرج ابن مسعود من البيت وجلس خارج الباب ناحية عن البيت، فجاء أبو عمير فوجد ابن مسعود خارج الدار فقال : ما منعك أن تدخل بيت أخيك؟ قال: قد دخلت ولكني سمعت امرأتك تلعن جارية لها أبطأت عليها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن اللعنة إذا خرجت من فيّ - يعني فم - قائلها تذهب إلى من لُعن فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى من لَعن ) فقال ابن مسعود : فكرهت أن أكون بسبيل اللعنة - في طريق اللعنة -) أي : ما أحببت أن أجلس في البيت حتى لا تمرّ اللعنة.
كذلك ثبت أن عبد الملك ابن مروان الخليفة الأموي المعروف استضاف أم الدرداء رضي الله عنها وأرضاها فسمعته في الليل وهو في قصره يلعن فلما أصبحت قالت له: إنني سمعتك تلعن بعض خدمك وإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ( لا يكون اللعانون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء) فاللعن لا يجوز أبداً أن يُكثر الإنسان منه. وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإكثار من اللعن سبب من أسباب دخول النار، قال عليه الصلاة والسلام (معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة جزلة قالت: بم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير) الشاهد: قوله - صلى الله عليه وسلم- (إنكن تكثرن اللعن).
/ (بِئْسَ الرِّفدُ الْمَرْفُودُ )
معنى الرفد: الإعانة، فيكون المعنى أي: بئس العون الذي قدموه لهم وأعانوهم به وذلك بأن أُتبعوا لعنة بعد لعنة.
_________________________
١- الاستغفار فوائد عظيمة ومعاني جليلة / الشيخ عبد الرحمن السحيم / باختصار
٢- تأملات تربوية في سورة هود / د. عثمان قدري مكانسي .
٣- عن محمد بن إسحاق قال : و شعيب بن ميكائيل النبي صلى الله عليه وسلم - بعثه الله نبيا فكان من خبره و خبر قومه ما ذكر الله في القرآن، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا ذكره قال : "ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه". رواه الحاكم في المستدرك (٢ / ٦٢٠) (٤٠٧١)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق