الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

تدبر سورة الكهف | المحاضرة الخامسة عشر| د.محمود شمس

توقفت في اللقاء السابق عند قول الله جل وعلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) بعد أن بين الله لنبيه هذا الحكم ألا ينبغي أن نقول لأي شيء سيكون في المستقبل سأفعل إلا أن أقرنه بالمشيئة. لماذا؟ لأني لا أملك الزمن، ولا أعرف ماذا سيكون في المستقبل بالنسبة لي، يعني إذا قلت سأعطيكم غدا كذا هل أنا أضمن أن أكون من أهل الدنيا غدا؟ هل أنا أضمن أني أتمكن من أن أعطيكم؟ ولذلك علمنا الله سبحانه وتعالى أن نعلق على المشيئة، لكن بالنسبة للأمر المستقبلي - وأنا أؤكد على ذلك- لأن أحيانا نستخدم (إن شاء الله) في غير موضعها. يعني أحيانا أسألك عن اسمك فتقول لي إسمي مثلا محمد إن شاء الله، هذا ما يجوز أن تقول: "محمد إن شاء الله" أنت تُخبر عن اسمك، عن شيء واقع، إنما إذا سألتك عن حدث في المستقبل فعلق على المشيئة.

(واذكر ربك إذا نسيت) يريد الله تبارك وتعالى أن يجعل القلوب متعلقة به دائما، وأن يجعلك متعلقا بالله جل وعلا (واذكر ربك) فيها أسلوب تودد وتلطف للنبي صلى الله عليه وسلم (واذكر ربك إذا نسيت) ثم أمره أن يدعو الله تبارك وتعالى راجيا من الله أن يهديه لأقرب من هذا رشدا (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) (عسى) هنا البعض يحدث عنده لبس ويظن أن (عسى) هنا إخبار من الله جل وعلا مثل -مثلا- (عسى ربكم أن يرحمكم) مثل، لكن هذه أمر من الله لنبيه يعلمه الرجاء، فهي ها هنا للرجاء لأن الله يعلم النبي ويعلم الأمة أن يلجؤوا إلى الله طالبين أن يهديهم ربهم. 

■ (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) كلمة (رشدا) وردت في القرآن الكريم كثيرا، فورد في بعض المواضع قراءتان:
(رَشدا) و (رُشدا) والبعض يرى أن (رَشدا) و(رُشدا) لغتان في الكلمة، لكن عندما نتدبر ورودها في القرآن الكريم ندرك أن (رَشدا) لها معنى يختلف عن (رُشدا)  الرُشد -بالضم- معناه الصلاح في أمور الدنيا غالبا، ولذلك قال الله في شأن تسليم اليتيم ماله (فإن آنستم منهم رُشدا) فالرُشد هنا إن آنستم منهم صلاحا للتعامل في الدنيا والحياة، ولم يشترط الله جل وعلا لتسليم اليتيم ماله أن يكون صالحا دينيا. وأيضا كلمة (رَشدا) تدل على الدين، الصلاح في أمور الدين، وصلاح الدين صلاح للدنيا طبعا ولذلك هنا في قوله (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) هنا لم ترد القراءة الأخرى، يعني وردت قراءة واحدة (رَشدا) فقط. أما في قوله تعالى (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رُشدا) و(رَشدا) ورد فيها قراءتان لأنه طلب منه أن يعلمه أمور الدنيا وأمور الدين، أو الصلاح للدين والصلاح للدنيا. 

بعد ذلك يستأنف الله القصة مرة أخرى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين) هي القصة كانت قد انقطعت؟ نعم. من قوله تعالى (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) إلى قوله (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) هذا اعتراض بين القصة، ورب العزة استأنف إتمام القصة مرة أخرى: (ولبثوا) طيب (ولبثوا) الواو العاطفة هذه تُعطف على ماذا؟ تُعطف على (سيقولون ثلاثة ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا). الله تبارك وتعالى يخبر هاهنا بالمدة التي مكثها ولبثها هؤلاء القوم في هذا المكان.
هل هناك فرق بين الفعل (لبث) والفعل (مكث) أو (مكث)؟ نعم.
(المكث) يدل على طول أمد.
و(اللبث) يدل على زمن ينتهي.
ولذلك نجد أن رب العزة عندما استعمل (لابثين فيها أحقابا) لأهل جهنم -وقانا الله وإياكم شرها- (لابثين فيها أحقابا) قيّد قوله (لابثين) بقوله (أحقابا) حتى لا يفهم الناس أن هؤلاء الكافرين سيكونون لابثين في النار فترة زمنية فقط، فأتى بكلمة (أحقابا) طيب الحُقب أو الحُقُب تقريبا مقدر بين ثمانين إلى مئة وعشرين سنة، يعني من 80 إلى 120 فهل قوله (أحقابا) يعني لابثين فيها مدة حقب فقط؟ يعني من 80 إلى 120؟
نقول لا، إنما الله جمع الأحقاب، يعني ليس حقبا واحدة، يعني في قصة موسى أيضا وفي سورة الكهف ستقابلنا (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا) أو (أمضي حقبا) يعني مدة من الزمن من 80 إلى 120.
رب العباد هنا في قوله (لابثين فيها أحقابا) جمع كلمة (أحقاب) ليقول إنها حِقب متجددة وهذا من العذاب المعنوي، ومن الإيلام المعنوي. لماذا؟ لأن الحقب إذا انتهى من ثمانين إلى مئة وعشرين يكون لديهم الأمل في الخروج والإنقاذ من النار. تعرفون لو أن سجينا مثلا محبوس -مثلا- وقلنا له أنت ستخرج بعد عشر سنوات هو جلس يعد الأيام والليالي وعندما اقتربت العشر سنوات من الانتهاء قلنا له لا، لقد جدد لك عشر سنوات أخرى، وكلما انتهت نقول له لقد جدد لك، لقد جدد، هذا هو معنى أحقابا، يعني جمع الله الأحقاب ليقل إياكم أن تفهموا أنه حقب واحد، لا، إنما هي أحقاب تتجدد لزيادة إيلامهم المعنوي، عندما يكون لديهم الأمل أنهم سيخرجون من النار فإذا بهم يدركون أن هناك فترة زمنية أخرى وهكذا. ونعلم أن الإيلام المعنوي أشد على النفس من الإلام الحسي. نعم هي حُقُب متكررة وهذا هو السر في جمعها.
الله يقول (ولبثوا في كهفهم) يعني مدة من الزمن، ما المدة يا رب؟ قال (ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا).
(ثلاثمائة سنين) أولا كلمة (سنين) هنا هل هي تمييز للعدد ثلاثمائة؟ يعني عندنا تمييز في اللغة يسمى تمييز العدد:
اشتريت مئة فدان، الفدان تمييز للعدد مئة
يحضر معنا مئة طالب، طالب تمييز للمئة.
لكن نلاحظ أن تمييز المئة والألف يكون مفردا، يعني لا أقول ثلاثمائة طلاب، لا، إنما يكون مفردا. فهنا استعمل رب العزة التمييز هنا جمعا لحكمة أرادها نحاول أن نفهمها من خلال سياق القرآن.
أولا: يستعمل تمييز المئة في اللغة جمعا وإن كان نادرا، إلا أنه استعمال فصيح، يعني هو استعمال فصيح لكنه نادر، فهذا من حيث اللغة.
لكن من حيث دلالة المعنى كلمة سنة تدل على المشقة، وتدل على المعاناة، بخلاف كلمة عام، يعني كلمة عام دائما تدل على الرخاء ولذلك (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) لماذا عند الخمسين قال (عاما) وعند الألف قال (ألف سنة)؟
لأن طبعا المدة التي لبثها فيهم وجد تعنتا منهم، ووجد تعبا شديدا وكان الرجل يأخذ ابنه لأن نوحا مكث فيهم 950 سنة، أي عاصر أجيالا متعاقبة، فكان الرجل يأخذ ولده ويذهب إليه ويقول له يا فلان لولده، يا ولدي هذا الرجل لا تطعه ولا تسمع له، يعني كان كل واحد يوصي أولاده، وبالطبع 950 سنة يعني كثيرة فقال الله (ألف سنة إلا خمسن عاما) الخمسين عام التي قضاها التي كانت قبل البعثة، يعني كانت بالنسبة له لا تعب فيها ولا تعنت فيها، ولا مشقة فيها. (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) يعني كلمة (عام) تستعمل في القرآن الكريم في الخير، إنما السنين والسنة تستعمل دائما في المشقة وفي التعنت، وفي الأيام العصيبة، ولذلك أيضا في قصة يوسف (فلبث في السجن بضع سنين). فالله جمع كلمة (سنين) هنا ليبين أن هذا الجمع يدل على أنها سنين لم تكن سهلة بالنسبة لهؤلاء الذين كانوا في الكهف لكن عناية الله بهم ورحمة الله التي نشرها عليهم لأنه قال (ينشر لكم ربكم من رحمته) نعم، (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) عقوبة. إذن (ثلاثمائة سنين) لكن هنا قراءتان:
● قراءة بإثبات التنوين هكذا (ثلاثمائةٍ سنين) فتكون سنين -كما قلت- تمييزا ويكون المقصود من هذه القراءة أن المعدود هو سنين، يعني لو قال ثلاثمائة وسكت ما عرفنا نوع المعدود، فكلمة سنين بينت المعدود على قراءة التنوين.
● طيب وقراءة حذف التنوين وهي القراءة الأخرى (ثلاثمائةِ سنين) يكون هنا من إضافة العدد إلى معدوده، ويكون له دلالة في المعنى. وأنا قلت إن الأمر هاهنا يتعلق بقضية السنين التي قضوها لكن على كل حال قراءة عدم التنوين تعطينا دلالة أن (ثلاثمائةِ) مضافة إلى سنين.
فالله تبارك وتعالى أتى بالقراءتين ليؤكد أمرا مهما جدا وهو: أن المدة التي لبثها هؤلاء في الكهف تحديدا (ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا) فإياكم أن تسمعوا من يقول غير ذلك لأنكم ستجدون أهل الكتاب يقولون كلاما آخر، فالله تبارك وتعالى يؤكد على أنها ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا).
طب هو لماذا قال (وازداد تسعا)؟ يعني لماذا لم يقل ثلاثمائة سنين وتسعا حتى تكون ثلاثمائة سنة؟
طبعا هم كانوا ثلاثمائة سنة بالتقويم الشمسي الذي هو التقويم الميلادي وكان وقتها المعمول به، والمعروف أن التقويم الميلادي فقط هو المعروف الذي يعرفونه بالشمس، وفي هذا إشارة إلى أن هناك تقويما قمريا سيتبعه المتبعون لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو التقويم القمري، أو التقويم الهجري. لماذا التقويم القمري لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم؟ لأننا لا نعرف بداية الشهر إلا بالقمر، يعني هلال القمر هو الذي يخبرنا بذلك، أليس كذلك؟ وشريعتنا كلها تعتمد على القمر وظهور القمر فكان هذا إشارة إلى أنك يا محمد ستتبع التقويم الهجري أو التقويم القمري.
وعندما نعمل عملية حسابية نجد أن التقويم الميلادي بالنسبة للتقويم الهجري السنة هناك فرق تقريبا 11 يوم، ما بين 11 أو 12 بناءا على ما يكون من ميلاد القمر، فيكون عندنا كل مئة سنة بالنسبة للتقويم الميلادي والتقويم الهجري سيكون عندنا فرق بين التقويم الهجري والتقويم الميلادي في المئة سنة ثلاث سنوات لأن كل ثلاث وثلاثون سنة نجد سنة فارقة، فالمئة سنة هناك فرق بين التقويمين ثلاث سنوات، طيب الثلاث مئة سنة يبقى ٣×٣ = ٩ إذا سيزدادون تسعا بالنسبة للتقويم القمري الذي سيكون فيه شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان التقويم باتباع القمر لمعرفة  بداية الشهور إلى آخره هذا رحمة من الله تبارك وتعالى. لماذا رحمة من الله؟ لو كان التقويم الذي نتبعه هو التقويم الميلادي لكان -مثلا- موسم الحج سيكون ثابتا في شهر معين في كل سنة. وسيكون رمضان أو الصيام ثابت في شهر معين يعني إذا كانت البيئة أو الدولة التي تصومه في الصيف ستظل تصومه في الصيف طول حياتها، والدولة الأخرى التي تصومه في الشتاء سيظل كذلك، لكن شاء الله تبارك وتعالى أن تكون دورة، دورة يعني الشهر يأتي أو الحج يأتي في أيام الحر والصيف، ويأتي في أيام البرد، ويأتي في..وهكذا، وتلك من رحمة الله تبارك وتعالى.
إذن (ولبثوا في كهفهم - ثلاثمائةٍ سنين و ثلاثمائةِ  سنين- وازدادوا تسعا). قال الله بعد ذلك (قل الله أعلم بما لبثوا)
ما موقع هذه الجملة؟ وما مناسبتها؟
(قل الله أعلم بما لبثوا) معنى الجملة مرتبط بقوله (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين) فإذا كان قوله (ولبثوا في كهفهم) إخبار من الله عن مدة لبثهم في الكهف يكون قوله (قل الله أعلم بما لبثوا) قطعا للمماراة في مدة لبثهم المختلف فيها بين أهل الكتاب، يعني لو قلنا إن قوله (ولبثوا في كهفهم) إخبار من الله بالمدة التي لبثوها، تكون جملة (قل الله أعلم بما لبثوا) قطعا لأي ممارة. وأنتم تتذكرون أني فرقت بين المماراة والجدال. الجدال يكون بداية ثم يصل إلى البطلان، فيكون باطلا، ويكون مذموما. يعني الجدال من بدايته لا يكون باطلا، لكنه قد يصل إلى الباطل وقد يصل إلى الحق والصواب، لكن غالبا الجدال يوصل  للباطل لماذا؟ لأن الأسلوب في الجدال أسلوب شديد في الكلام وأسلوب فيه عنف قليلا في الكلام لكنه قد ينتهي بالحق وقد ينتهي بالصواب، يعني المرأة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) انتهى الجدال إلى الحق والصواب، أم انتهى إلى الباطل؟انتهى الى الحق والصواب. إذن يعني الجدال بدايته لا تكون باطلة إنما يكون باطلا بالنهايات. لماذا؟ 
الأسلوب الشديد في الجدال واختيار الألفاظ الشديدة ورفع الصوت في الجدال يدل على أن المتحدث يريد أن يصل إلى رأيه وإلى قوله ويثبت أنه صواب، يثبت أن رأيه هو الصواب، فإذا كان كذلك فيكون الأمر فيه انتصار للنفس وفيه بطلان سيصل إليه. تمام كده؟ لكن ربما يكون المجادل يريد الوصول الى الحق والصواب لكن صوته، أو طبيعته هكذا يرفع صوته، ويتخير كلمات شديدة وعنيفة، المهم في النهايات، وصل إلى الانتصار لنفسه يبقى الجدال بالباطل، وصلنا إلى الحق والصواب والتسليم لصاحب الحق يبقى الجدال ليس بباطل، جدال محمود.
المماراة أني أماريك في أمر في الأصل أعلم أن كلامك صحيح من البداية لكن أنا أماري و أجادل معك مع أني أعرف بداية، يعني المماراة باطلة من البداية. ولذلك الله تبارك وتعالى، قال للنبي صلى الله عليه وسلم (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) إذا كانوا يمارونك مراء ظاهرا واضحا لا بد أن ترد لكن احذر أن تجاريهم في المراء. تمام كده.
الله يقول (قل الله أعلم بما لبثوا)
● طيب هذا على القول الأول أن قوله (ولبثوا في كهفهم) إخبار من الله تبارك وتعالى، ويكون المعنى: الله أعلم منكم بمدة لبثهم.
● طيب وإن كان (ولبثوا ) حكاية عن قول أهل الكتاب في مدة لبثهم، يعني اهل الكتاب تكلموا في مدة اللبث والله تبارك وتعالى صحح القول، وبين القول، والله نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يماري فيهم وأن يتكلم معهم فقال له: لقد بينت لك الأمر ثم عليك أن تفوض الأمر إلى الله في علم ذلك (قل الله أعلم بما لبثوا) يعني إذا حاولوا مماراتك في الأمر ففوض الأمر إلى الله وامنع المراء لأن المراء سيوصل إلى باطل، وسيوصل إلى أذى وإلى ضرر، فالأولى أن نمنع المماراة. ولذلك لو أننا وجدنا أحدا جاء يمارينا في أمر فإني أغلق المماراة معه لأنه يريد المماراة فقط، يعني هو يعرف الحق لكنه يتكلم بباطل، فالأولى أن لا أجاريه، أنا سأعرف أنه يماريني عندما أكون على يقين أنه يعرف الحقيقة ويأتي ليماريني فيها. لأن المماري يكون عارف حقيقة الأمر لكنه يماريك فيها، يعني مثلا عايز أجيب لكم يعني مثال من الواقع واحد مثلا يقول: أنا رأيتك بالأمس وأنت داخل بيت فلان فماذا كنت تريد؟ أنا أعرف تماما أنه يعرف أني لم أدخل بيت فلان بالأمس، إذن هو جاء للمماراة، جاء لإثبات أمر في نفسه ناشئ عن مرض في قلبه، فأنا لا اجعله يعني يأخذ هذه الفرصة، هذا هو الافضل يعني، فيكون قوله (قل الله أعلم بما لبثوا) تفويض إلى الله في العلم بذلك كما قال سابقا (قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) فهذا أيضا تفويض إلى الله، فإذا أرادوا أن يماروك في مدة لبثهم، فلا تمار فيهم وفوض الأمر إلى الله جل وعلا. والله تبارك وتعالى بيّن بعد ذلك أن رب العزة له غيب السماوات والأرض، من الذي يعلم غيب السماوات والأرض ويعلمه أنى يكون وكيف يكون، ومتى يكون، إنه الله تبارك وتعالى. فالله جل وعلا يعلم السر وأخفى، والله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، يعني هذه الجملة أظن لم ترد أبدا إلا في آية خطبة المرأة المتوفى عنها زوجها تعريضا أثناء العدة، الخطبة بالتعريض يعني لا يخطبها ولا يتكلم لكنه مثلا يهتم في مصلحتها، يهتم في مصلحة أولادها دون أن يذكر شيئا (ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) في هذا الموقف قد يحدث الإنسان نفسه أليس كذلك؟ وقد تحدث المرأة نفسها فالله قال (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) أظن ما فيه في القرآن (يعلم ما في أنفسكم) أبدا إلا هذا الموضع، كله (يعلم ما في قلوبكم) إنما هنا يعلم ما تحدثكم به أنفسكم لأن العلم بما في القلب، القلب يكون فيه الشيء المستقر لأن القلب وعاء إنما النفس هي التي تتحدث بالأماني، وتتحدث بأماني في المستقبل، فالله جل وعلا أراد أن يبين احذروا (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) أيضا اعلموا حين تأتي في أسلوب يكون معنى ذلك أن المخاطب يعرف ذلك جيدا، وأنه لا يمكن له أن يُكذِّب هذا الذي بعدها، يعني اعلموا المخاطبون يعرفون أن الله يعلم ما في أنفسهم، ويعرفون أن أنفسهم تحدثهم، إذن الله جل وعلا له غيب السماوات والأرض، له وحده جل وعلا بتقديم الجار والمجرور هنا الذي هو له لإفادة الحصر والقصر، أنه وحده هو الذي يملك غيب السماوات والأرض الله جل وعلا.
الله جل وعلا لم يجمع الأرض في القرآن الكريم أبدا وإنما جمعها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مانع الزكاة. السماوات جمعت وأفردت فما الفرق؟
أولا: السماء إذا أفردت يعني السماء (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) يكون المراد مطلق العلو وليس السماوات السبع بطبقاتها وبمن فيها إنما العلو الذي فوقنا يعني الغرفة التي أجلس فيها الآن سقفها بالنسبة لي هو سمائي لأنه مطلق علو فوق رأسك.
أما إذا أراد الله أن يذكر السماوات بطبقاتها وبعددها وبمن فيها فإنه يجمعها (السماوات) لماذا؟ لأن الجمع يحتاج إلى متعدد، يعني الجمع مطلوب فيه التعدد، يعني مثلا أعطيك قلما واحدا وأقول لك معك كم قلم؟ اجمعهم؟ ما ينفع، لابد تكون أقلام متعددة حتى أستطيع جمعها.
طيب الأرض لماذا لم تُجمع مع أنها سبع؟ كما قال الله تعالى حتى في الآية التي كان لا بد أن تجمع فيها لم يجمعها الله تبارك وتعالى وإنما أتى بمعنى يفيد الجمع (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) (مثلهن) هذه يعني أن الأرض سبع طبقات أيضا وسبع أراضين كما ذكر النبي في حديث منع الزكاة. طيب لماذا لم يجمعها الله تبارك وتعالى؟ عندنا مذهبان أو قولان في المسألة وهي:
●أن طبقات الأرض تختلف عن طبقات السماء، لا يوجد فاصل بين أرض و أرض، يعني الأرض التي نحن عليها تحتها مباشرة أرض وتحتها، ولا يوجد فيها سكان إلا الجن فمن أجل ذلك كانت أرضا واحدة ولم تجمع، هذا قول.
القول الثاني: أن الأرض مفهوم الناس فيها اليابس من الأرض، اليابس فقط، طب لما ننظر إلى الأرض نجد نسبة اليابس إلى الماء كم؟ يعني الماء تقريبا أكثر من 70%، يعني الثلث و الثلثان، فالناس عندما تذكر كلمة الأرض ينصرف ذهنهم إلى اليابس منها فلم يجمعها الله حتى لا يتوهم الناس أن الله يريد الأرض اليابس فقط، فأفردها لتقابل السماء التي هي في أعلى، يعني كل سُفل يقابل علوا وهي السماء، فبالطبع لا يوجد في الأرض مكان لا يقابل السماء. أليس كذلك؟ 
فقوله الأرض وعطفها على السماوات يشمل اليابس و يشمل الأنهار، و يشمل الجبال، و يشمل الأودية، و يشمل كل مكان في الأرض. ولعل هذا -والله أعلم- هو المناسب لسياق القرآن وهذا الكلام ذكره العلماء في الكتب.
إذا (له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع) (أبصر به وأسمع) هذا الأسلوب أسلوب تعجب كأنه يقول ما أشد بصره، وما أشد سمعه. وبالطبع الله تبارك وتعالى أسند لنفسه وذكر أن له بصرا، وأن له سمعا، فنحن نثبت لله تبارك وتعالى ما أثبته لذاته، لكن دون تكييف، أو تشبيه أو تمثيل، يعني لا نقول البصر هذا كيفيته ايه؟ أو هل هو مثل بصر الناس؟ أو سمع الناس؟ لا. لا. حاشا لله.
لكن له سمع نعم، له بصر نعم، لكن (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
في قضية تقديم البصر هناعلى السمع لأن الأمر الغيبي الذي يعلمه الله تبارك وتعالى الله يقرب المعنى لنا حتى نفهم، فغيب السماوات والأرض. أغلبه يُدرك بالبصر والقليل منه يُدرك بالسمع فكان هنا في أسلوب التعجب (أبصر به) أي أن الله جل وعلا بصير بكونه وبصير بغيب السماوات والأرض.  وكذلك ما أشد سمعه.
السمع و البصر في القرآن الكريم:
قد يذكر حاسة وقد يذكر آلة. 
السمع والبصر قد يذكره الله حاسة أي حاسة السمع التي نسمع بها وحاسة البصر، وقد يذكر آلة. إذا ذكر الله آلة السمع وآلة البصر يقدم آلة البصر على آلة السمع، يعني (ولقد إذ رأينا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها)
في الطب الحديث أثبت أن البصر مرتبط بجهاز عصبي أسفل الرأس خلف الرأس، خلف الرأس من الخلف ولذلك لو ضربت أحدا ضربة قوية على رأسه من الخلف قد يفقد فيها البصر مع أنك لم تضربه على بصره، لأنك ضربت جهاز الآلة الذي يشغل هذه الآلة. لكن إذا ذكر الله الحاسة، حاسة السمع وحاسة البصر يقدم السمع على البصر، لماذا يقدم السمع على البصر؟
لأن حاسة السمع هي الحاسة الوحيدة التي لا تنام مع الإنسان ولا تعطل، يعني وأنا نائم ممكن البصر معطل، حاسة السمع لا تتعطل ولذلك أنت تنادي على النائم، كمان هناك فرق أن الطفل يولد يسمع يعني حاسة السمع بالنسبة للطفل أول ما يولد يسمع لكنه لا يرى، البصر لا يأتيه إلا بعد أسبوع من الولادة، يعني لو طفل مولود وأشرت بيدك على بصره لا يشعر بك، بعد أسبوع يبدأ يشعر بك، لكنه يسمع من البداية.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والفعل والعمل، وأن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الكريم الذين هم أهل الله وخاصته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--------------------
https://t.me/tadaborsoratalkah

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق