الأحد، 1 نوفمبر 2026

مقارنة في الأقسام بين سورتي الذاريات والطور

 لاحظ في الذاريات كان العطف في الأقسام بالفاء (والذاريات ذروا* فالحاملات وقرا* فالجاريات يسرا* فالمقسمات أمرا)

 وفي الطور قال الله عز وجل (والطور* وكتاب مسطور) ثم قال (في رق منشور* والبيت المعمور) ثم قال (والسقف المرفوع) ثم قال (والبحر المسجور)
فهناك فرق ملفت حقيقة بين الذاريات في عطف الأقسام بالفاء، والطور التي عُطفت أقسامها بالواو.

قبل أن ندخل في موضوع التعليل
 القسم عظيم جدا، والقسم ورد في القرآن في مواطن كثيرة يعني ستة عشر سورة افتتحت بالقسم من أصل مئة وأربع عشرة سورة: [الصافات، والذاريات، والطور، والنجم، والمرسلات، النازعات، والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، والضحى ..] ستة عشر سورة، فلذلك لابد أن نعتني نحن بهذا القسم، والعلماء اعتنوا به كثيرا فلذلك ابن القيم له كتاب كامل في بيان أقسام القرآن سماه [التبيان في أقسام القرآن] وفيه واحد هندي توفي في عام 1349 اسمه الفراهي له كتاب أيضا [الإمعان في أقسام القرآن].
من الأشياء التي تبُحث في القسَم:
● كل ما ورد من مشتقات (قَسَمَ) فالمراد بها في القرآن الحلف إلا موطن واحد
يعني مثلا (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) هذا قسم، (تقاسموا بالله لنبيتنه) هذا قسم ، إلا في موطن واحد ورد فيه جذر (قَسَمَ) لكن لم يُرد به القسم وإنما أريد به التجزئة؟

الأقسام عظيمة (لا أقسم بيوم القيامة)
• يأتي بالتاء (تالله لتسألن عما كنتم تعملون)
• يأتي بالباء (فبعزتك لأغوينهم أجمعين)
• يأتي بالواو (فورب) يعني و (ورب) الفاء عاطفة و واو القسم بعدها (ورب السماء والأرض)
والحديث عن القسم كثير جدا وطويل.

▪️(والذاريات ذروا) هنا عواطف بالفاء، وعواطف الفاء هذه تساعدنا في الترجيح
 بعض العلماء ذكر قاعدة قال: "إذا رأيت الأقسام معطوفة بالفاء فالغالب أن المُقسم به جنس واحد، لكن إذا كان المُقسم به عُطف عليه عواطف بالواو فالغالب أنها أجناس مختلفة"
الشيخ السعدي في (الذاريات ذروا) ما طبق هذه القاعدة وإنما ذهب إلى ما ذهب إليه كثير من المفسرين قالوا: (الذاريات ذروا) الرياح، هذا بإجماع المفسرين، (فالحاملات وقرا) قال: السحاب، (فالجاريات يسرا) قال السفن، (فالمُقسمات أمرا) قال ملائكة
لكن من استخدم هذه القاعدة فإنه استخدمها للترجيح بين الأقوال فقال: "كل ما هو معطوف بالفاء -لأن الفاء إذا أُطلقت وهي من حروف القسم فهي تشابه الفاء التي يراد بها التعقيب- فقال هما جنس واحد لذلك قال كل المقسم به في هذه الآية هم الريح، (والذاريات ذروا* فالحاملات وقرا) الريح تحمل السحاب، (فالجاريات يسرا) الريح تمشي بيسر ولين، (فالمقسمات أمرا) الريح تقسم السحاب والأمطار بين الناس.
ثم انظر إلى الطور معطوفات بالواو لكنها مختلفة، الطور يختلف عن (وكتاب مسطور) فالطور شيء وكتاب مسطور شيء آخر، (والبيت المعمور) عندنا الطور، وعندنا البيت المعمور، وعندنا الكتاب المسطور، والبيت المعمور أكثر السلف على أنه البيت الذي في السماء السابعة، وبعضهم رجح أنه بيت مكة، وذهب إلى هذا الحسن البصري ورجحه ابن عاشور أيضا إنه بيت مكة، (والبيت المعمور* والسقف المرفوع)، إذا لاحظتم كيف الآن استفدنا من هذه القاعده التي هي قاعدة غالبة أن المعطوفات في القسم إذا كانت بالفاء فهي من جنس واحد، هذا يريحك عند اختلاف المفسرين.

فائدة: (والذاريات ذروا) كما تلاحظون ان ابن سعدي رحمة الله عليه لم يبين معنى الذاريات هو قال: هي السحاب لكن ما معنى الذاريات؟ ما معنى ذرى يذرو ذروا؟ لذلك هذا الذي عنيته في الدرس الماضي أن السعدي رحمة الله عليه اتخذ منهج التفسير الإجمالي وهو لا يعنى بتحقيق الألفاظ بقدر ما يُعنى رحمة الله عليه بالهداية من الآية، يعطيك الهداية والتربية والمنهج السلوكي فيها، والفوائد التربوية والفوائد أحيانا الفقهية، لكن التحقيق أو التدقيق اللغوي الشيخ ما كان هو موضوعه، ما كان هو اهتمامه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق