الاثنين، 1 يونيو 2026

اسم الله (الوارث) / من كتاب فقه الأسماء الحسنى

.. وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع كلها بصيغة الجمع، وهي:
 قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ [الحجر: ٢٣]
 وقوله تعالى: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٩]
وقوله تعالى : ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص : ٥٨]. 
ومعنى «الوارث» أي: الباقي بعد فناء الخلق، فكلُّ مَن سواه زائل، وكلُّ مَن عداه فان، وهو جل وعلا الحي الذي لا يموت، الباقي الذي لا يزول، إليه المرجع والمنتهى، وإليه المال والمصير، يفني المُلاك وأملاكهم، ويرث تبارك الخلق أجمعين؛ لأنه باق وهم فانون، ودائم وهم زائلون. 
فقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ أي: نرث الأرض ومن عليها بأن نميت جميعهم فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل، إذ الجميع يفنى وكل يموت، ويبقى الله وحده الحي الذي لا يموت. وقال عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: ٤٠]، وفي هذا تنبيه لمن ألهته الدنيا وشغلته عما خُلِقَ لأجله وأُوجِد لتحقيقه؛ أن الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها ستذهب عن أهلها ، ويذهبون عنها، وسيرث الله عزوجل الأرض ومن عليها، ويُرجعهم إليه فيجازيهم بما عملوا فيها.
وفي موضع آخر من القرآن توعد سبحانه كفار قريش الذين مَنَّ الله عليهم بأن مكّن لهم حَرَمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنه سبحانه، وأبوا قبول دعوة رسول الله والإيمان بما جاء به توعدهم بما فعله بالأمم الماضية حيث قال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص : ٥٨]، أي: أنه سبحانه الوارث للعباد حيث يُميتهم سبحانه ويرجع إليه جميع ما متعهم به من النعم، ثم يعيدهم إليه ليجازي كلا منهم بعمله.
وفي ذلك اليوم ينكشف للناس الغطاء، وتذهب أوهام من تعلقت قلوبهم بالدنيا، وظنوا أنهم باقون فيها، وأن ملكهم فيها سيبقى، وأنهم إلى الله لا يرجعون، فيوقنون حينئذ بأن الملك الله الواحد القهار، وأنه سبحانه الوارث لديارهم وأموالهم، ولا ينفعهم حينئذ تقطع قلوبهم حسرات وامتلاؤُها بالندم والأسف.
وكان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، فإنكم لم تُخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سُدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر مَنْ خرج من رحمة الله، وحُرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافداً بباق، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتى تُردّون إلى خير الوارثين ؟!. ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله جل وعلا، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله عباد الله قبل انقضاء مواثيقه، ونزول الموت بكم» ثم جعل طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله (۱).
وقد حث الله عباده المؤمنين على النفقة في سبيله مِنَ المال الذي مَنَّ عليهم به، وجعلهم مستخلفين فيه، مُذكّرًا لهم بأنه الوارث سبحانه، قال تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد: ٧] إلى أن قال : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: ١٠].
روى مسلم في صحيحه (۲) عن مطرف، عن أبيه عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يقرأ: (ألهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي، قال: وهل لك يا ابن آدم مِن مَالِكَ إِلَّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت».
ثم إنَّ الله عز وجل هو المالك للسموات والأرض، والمالك لكل شيء، والأرض له سبحانه يورثها من يشاء من عباده. 
قال تعالى: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: ۱۲۸]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقال تعالى : ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢٧].
والجنة دار كرامته يورثها من يشاء من عباده (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَا* لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: ٦١ - ٦٣] ، وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الزخرف: ٧٢].
وكتابه جل وعلا هو كتاب الهداية والعز والفلاح، يورثه سبحانه من اصطفاهم لمنته واجتباهم لكرامته، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [فاطر: ٣٢]، فكلهم قد اصطفاهم الله لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتمايزت أحوالهم، فلكل منهم قسط ونصيب من وراثته.
ثم إن التوسل إلى الله بهذا الاسم داخل في عموم قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: ۱۸۰] ، ولا سيما بمراعاة المناسبة بين المطلوب والاسم المذكور كما في دعاء نبي الله زكريا عليه السلام ، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ۸۹ - ۹۰]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم : ٥ - ٦]. والإرث المذكور هنا إنما هو إرث علم ونبوة ودعوة إلى الله جل وعلا،  إرث مال، وقد توصل له في هذا السياق باسم الله الوارث مراعاة لمناسبة المسألة والمطلوب.
وقد استجاب الله عز وجل لدعاء نبيه زكريا ، فجعل امرأته ولوداً بعد أن كانت عقيما، ورزقه ولدًا ذكرًا صالحا سماه يحيى، وجعله نبيا من الأنبياء، ورث النبوة من بعد أبيه .
ومثل هذا الإرث المبارك ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦]، أي: ورث سليمان أباه داود النبوة، والأمر لله من قبل ومن بعد، وهو المانّ وحده، وإليه المرجع والمآب، وهو تبارك وتعالى خير الوارثين.
________________________
(۱) رواه ابن أبي حاتم ، كما في تفسير ابن كثير » ( ٥ / ٤٩٤).
(٢) (رقم : ٢٩٥٨).




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق