(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم...)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) يخبر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى إلا باتباعه دينهم لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه ويزعمون أنه الهدى فقل لهم أن هدى الله الذي أُرسلت به هو الهدى وأما ما أنتم عليه فهو الهوى بدليل قوله (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى والتشبه بهم بما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»
ت/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ثم أما بعد: قول الله جل وعلا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) هذا إخبار من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن اليهود والنصارى هاتين الطائفتين لن يرضوا عنه مهما فعل إلا أن يتبع ملتهم أي الدين الذي هم عليه ويزعمون أن دينهم هو الهدى. قال جل وعلا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع اليهودية، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع النصرانية لأنهما ملتان ملة اليهود وملة النصارى، ومرّ معنا أن كلٌ من أهل هاتين الملتين يقول عن أهل الملة الأخرى أنهم ليسوا على شيء (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) فهما ملتان وكل ملة منهما تعادي الأخرى وتبغضها وترى أنها ليست على شيء فقوله جل وعلا هنا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) أي لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتهم اليهودية، ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع ملتهم أي النصرانية قال (حتى تتبع ملتهم) وهما -كما تقدم- ماذا؟ ملتان، قال (حتى تتبع ملتهم) أفرد الملة لأن الكفر ملة واحدة والدين إما حق وإما باطل، والباطل كله ملة واحدة، ملة الباطل والضلال والمعادات لدين الله عز وجل ورسله الكرام وعدم قبول ما جاء عن الله سبحانه وتعالى فالكفر في هذا ملة واحدة (حتى تتبع ملتهم) والملة هي: الطريقة، ملتهم أي: طريقتهم ودينهم الذي هم عليه، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم قل أيها النبي لهؤلاء أن هدى الله هو الهدى، أن هدى الله أي الذي بعثني به وهو الإسلام الذي رضيه جل وعلا لعباده ولا يرضى لهم دينا سواه (قل إن هدى الله) أي دينه الذي بعثني به (هو الهدى) أي هو الدين الصحيح، وهو الصراط المستقيم، وهو الدين الذي رضيه الله سبحانه وتعالى لعباده دينا ولا يرضى لهم دينا سواه (ومن يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
(قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت) أيها النبي (أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) هذه نظير قول الله سبحانه وتعالى في سورة الزمر (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) قال الله سبحانه وتعالى له ذلك وهو يعلم أنه لن يشرك، ويعلم أنه لن يتبع أهواءهم وملتهم، ولهذا الخطاب في هذا مع الرسول عليه الصلاة والسلام والأمر للأمة، هذا فيه تهديد (ولئن اتبعت أهواءهم) فيه تهديد للأمة أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أي فرد من أفراد الأمة فيه تهديد له في هذه الآية وتحذير من اتباع اليهود واتباع النصارى، الله جل وعلا يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله ما لك من الله من ولي ولا نصير) فهذا فيه التهديد الشديد والوعيد العظيم للأمة عن اتباع اليهود واتباع النصارى.
(بعد الذي جاءك من العلم) أي بعد ما جاءكم القرآن والسنة وفيهما الهدى والنور والضياء والحق والدين القويم والصراط المستقيم ، (بعد الذي جاءك من العلم) العلم هذا هو الوحي الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام.
(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)، (ما لك من الله من ولي ولا نصير) هذا الختم فيه التهديد لمن تولى اليهود والنصارى واتبع ملتهم فإنه يفقد بهذا نصرة الله سبحانه وتعالى له ويفقد ولاية الله سبحانه وتعالى له،ويُحرم نصرة الله له، الذي يتبع ملة اليهود وملة النصارى يبؤ بهاتين العاقبتين يفقد الولاية ويُحرم النصرة، ولاية الله التي فيها الحفظ والتسديد والمعونة والتوفيق، يُحرم ولاية الله (ما لك من الله من ولي) (ولا نصير) يحرم النصرة، نصرة الله سبحانه وتعالى له فيحرم من ولاية الله له ويحرم من نصرة الله له إذا ماذا؟ اتبع ملة اليهود فهذا فيه التحذير الشديد مثل ما هناك التحذير بقوله (ولئن أشركت ليحبطن) التهديد بحبوط العمل (ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) تهديد بحبوط العمل والخسران، وهنا تهديد بفقد الولاية والحرمان من النصرة، فقد الولاية والحرمان من النصرة، الذي يتبع ملة اليهود يفقد ولاية الله له (الله ولي الذين آمنوا) يفقد هذه الولاية، ويُحرم النصرة (لننصر رسلنا والذين آمنوا) يفقد هذه (كذلك حقا علينا نصر المؤمنين) يُحرم هذه النصرة إذا اتبع ملة اليهود والنصارى.
قال الشيخ رحمه الله تعالى هنا في قوله (ولئن اتبعت أهواءهم) قبلها قال ماذا؟ (ملتهم) أفرد والأهواء جمع قال أهواءهم (ولئن اتبعت أهواءهم) لأن الأهواء ليست هوى واحدا لأن الدّين الذي عند الناس إما هدى أو هوى كما هو واضح في الآية إما هدى أو هوى والدّين واحد هو الذي نزّل به وحي الله، والهوى طرائق شتى أهواء كثيرة، طرائق شتى وأهواء كثيرة ولهذا قال بعض السلف قديما قال: "لو كانت الأهواء هوى واحدا لقيل إنه الحق لكنها أهواء" اتباع الأهواء لما يريد الإنسان أن يتبع الهوى، هو مَن يتبع؟ أهواء كثيرة، هي أهواء كثيرة وأهواء متناقضة ومتضادة ومتعارضة وهذا مما يبين فساد الأهواء لأنها أهواء متناقضة (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك) أهواءهم أي آراءهم الباطلة وما تمليه عليهم عقولهم الكاسدة (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) قال الشيخ رحمه الله: "يخبر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى إلا باتباعه دينهم لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه ويزعمون أنه الهدى فقل لهم أيها النبي إن هدى الله الذي أرسلت به، الذي بُعثت به الإسلام الذي رضيه الله سبحانه وتعالى لعباده هو الهدى، هو الدين الحق، هو الصراط المستقيم وأما ما أنتم عليه فهو الهوى بدليل قوله (ولئن اتبعت أهواءهم) فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى والتشبه بهم بما يختص به دينهم قال: "والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب كما أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب"
ن/ قال رحمه الله: "ثم قال (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون* يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب ومنّ عليهم به منة مطلقة أنهم يتلونه حق تلاوته أي يتبعونه حق اتباعه والتلاوة: الاتباع فيُحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمُحكمه ويؤمنون بمتشابهه وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب الذين عرفوا نعمة الله وشكروها وآمنوا بكل الرسل ولم يفرقوا بين أحد منهم فهؤلاء هم المؤمنون حقا، لا من قال منهم نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ولهذا توعّدهم بقوله (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها »
ت/ قول الله جل وعلا (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) من المعنيون بذلك الذين اتيناهم الكتاب؟ وما المراد بالكتاب؟ هل المراد التوراة أو المراد القرآن الكريم. (الذين اتيناهم الكتاب) قولان لأهل العلم في تفسير الآية:
الأول ورجحه الامام ابن جريره الطبري رحمه الله وغيره: أن المراد بالذين آتيناهم الكتاب من أسلم من اليهود، والمراد بالكتاب التوراة، (الذين آتيناهم الكتاب) أي الذين آتيناهم التوراة (يتلونه حق تلاوته) يعني يتبعونه حق الاتباع ومن اتباعهم له حق الاتباع ماذا فعلوا؟ لما رأوا أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة ورأوا وجود الرسول عليه الصلاة والسلام قد بُعث بالأوصاف التي ذكرت في التوراة وعرفوها كما يعرفون أبناءهم آمنوا به (يتلونه حق تلاوته) يتبعونه حق الاتباع، لا يؤولونه ولا يحرفونه ولا يكتمون مثل ما صنع الأوائل منهم أو الآخرون منهم فهذا قول في في معنى الآية وهو اختيار ابن جرير،
ويقوي هذا القول وبهذا أيضا استدل ابن جرير رحمه الله أن الآية التي بعدها والآية التي قبلها كلها في من؟ في هؤلاء، الآية التي قبلها (ولن ترضى عنك اليهود) والتي بعدها (يا بني إسرائيل) فهذا يقوي أن المراد من أسلم من اليهود وأن المراد بالكتاب التوراة. والقول الثاني: المراد بالذين آتيناهم الكتاب المؤمنون من أصحاب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، والمراد بالكتاب القرآن.
(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) ما هو حق التلاوة؟ يتلونه حق تلاوته يعني التلاوة المطلقة، يتلونه التلاوة المطلقة العامة الكاملة وهي تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى لأن تلاوة اللفظ مهما جوّده الإنسان وحبّره واتقنه وضبطه الضبط التام هذا جزء من التلاوة المعنية، تلاوة القرآن حق التلاوة هي تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى ولهذا جاء عن ابن عباس "(يتلونه حق تلاوته) يتبعونه حق اتباعه ثم قرأ (والقمر إذا تلاها) أي تبعها، حق تلاوة يتبعونه، فإذا التلاوة حق التلاوة هي التلاوة المطلقة العامة الكاملة التي هي تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى، تلاوة اللفظ بحسن الحفظ، حسن القراءة، حسن الضبط، وتلاوة المعنى الاتباع قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "أُنزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملا" جعلوا العمل هو القراءة فقط، جعل القراءة هي العمل لا يعتني بمعاني القرآن وهدايات القرآن فلا يعمل بالقرآن، يجوِّد يتقن لكنه لا يعمل بالقرآن مثل ما قال أيضا الحسن البصري عن بعض قُراء زمانه -هو في زمن التابعين- قال: "يقول أحدهم قرأت القرآن ولم أسقط حرفا" يعني من قوة إتقانه وضبطه لحفظه، يقول قرأت القرآن ولم أُسقط حرفا يقول الحسن رحمه الله: "وقد أسقطه والله كله لا يٍرى عليه القرآن لا في خُلق ولا في عمل" لا يُرى عليه القرآن في أخلاقه ولا يُرى عليه القرآن في أعماله، قال: "فلا والله ما هؤلاء بالقُراء ولا العلماء ولا الورعة لو كانت القُراء مثل هؤلاء لا كثّر الله في الناس مثل هؤلاء" فالتلاوة تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى، تلاوة المعنى باتباع هدايات القرآن (أفلا يتدبرون القرآن)، (أفلم يدّبروا القول)، (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) قال ابن مسعود رضي الله عنه: "والله إن حق التلاوة أن يُحل حلاله ويُحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يُحرّف عن مواضعه" "ولا يُحرّف عن مواضعه" كما هي طريقه المتكلمين وكتب التفسير التي بُنيت على علم الكلام طافحة بتحريف القرآن عن مواضعه وتأويله على غير معناه وعلى غير المراد به، قال: "والله إن حق تلاوته أن يُحلّ حلاله ويُحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرف عن مواضعه" وجاء نحو هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غير واحد من أئمة التفسير وفي هذا نُقول عظيمة جدا تجدونها في تفسير ابن كثير والدر المنثور وغيرها من الكتب التي جمعت أقاويل السلف رضي الله عنهم ورحمهم.
قال (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) الضمير في قوله (به) عائد إلى ماذا؟ عائد إما إلى الكتاب أو إلى النبي عليه الصلاة والسلام، عرفنا أن من أئمة التفسير من يرى أن المراد بالذين آتيناهم الكتاب أي اليهود الذين آتاهم الله التوراة فأسلموا هؤلاء يؤمنون بالرسول (يؤمنون به) أي بالرسول لأنهم وجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم رأوا صفاته في التوراة ووجدوه مطابقة لهذا الذي بُعث عليه الصلاة والسلام فآمنوا به بدون تردد، فالذين منهم يتلون التوراة تلاوة صحيحة حق التلاوة ويتبعون ما جاء في التوراة لا يُحرفون لا يكتمون لا يُغيرون التوراة عن مواضعها آمنوا مباشرة، يثني الله عليهم لأن لما ذكر في سياق الآيات ذم أولئك في تحريفهم في باطلهم في ضلالهم مدح هؤلاء منهم الذين تلوا التوراة حق التلاوة لما رأوا الصفات، صفات النبي عليه الصلاة والسلام في التوراة مباشرة آمنوا به، عدد منهم آمن مباشرة لأنهم وجدوا صفات، وجدوا شيء مطابق لها، لم يقُم في قلوبهم حسد مثل الآخرين ولا أهواء مثل الآخرين ولهذا مباشرة آمنوا بدون تردد ولهذا يثني الله عليهم يقول (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) أي النبي هذا قول في عودة ضمير، ومن أهل العلم من يقول الضمير عائد على الكتاب (يؤمنون به) أي الكتاب والمعنيان متقاربان.
قال (يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به) عودة الضمير مثل الذي قبله النبي عليه الصلاة والسلام أو الكتاب.
(ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) في آية أخرى قال (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) فهذه الآية وكذلك قوله (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) فيها شاهد للحديث الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان حقا على الله أن يدخله النار) مثل ما في الآية قال (النار موعده) هنا قال (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) هناك قال (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) مثله ما جاء في الحديث (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان حقا على الله أن يدخله النار).
(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون* يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) هذه آخر الوصايا والتهديدات والوعيد لبني إسرائيل بُدأت بقوله سبحانه وتعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم) ثم قال سبحانه وتعالى بعدها (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) واستمرت الوصايا إلى هنا، استمرت الوصايا والتهديدات والوعيد لهم والتحذير لهم من ذاك الموضع إلى هذا الموضع وسبق أن نبهت على أمر مهم نبه عليه الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذه الآيات بدءا من قوله (يا بني إسرائيل) وانتهاء إلى قوله هنا (يا بني إسرائيل) يُعرف بتأملها وتدبرها الفرق بين العلماء والفقهاء ومن يدعي ذلك، الفرق بين العلماء والفقهاء حقا ومن يدعي العلم ومن يدعي الفقه، فالذي يقرأ هذه الآيات يستظهر هذه المعاني يجد أنها تُبصره بالعالم حقا، الفقيه حقا مِن الذي يدعي ذلك وهو ليس كذلك، يدعي العلم وليس من أهله، ويدعي الفقه وليس من أهله، وكثير من المفسرين لما يتعرضوا لتفسير هذه الآية أو هاتين الآيتين (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) اكتفاء بما تقدم من تفسير لها في الموضع الأول وهي نفسها إلا أنها حصل تقديم وتأخير في الشفاعة والعدل وإلا هي نفسها، ولهذا كثير من المفسرين اكتفوا بتفسيرها في الموضع الأول ولهذا قال الشيخ هنا "وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها" تفسير الآية، هما آيتان تقدم تفسيرهما في الموطن الأول واكتفى كثير من المفسرين بالكلام عليها في الموطن أو عليهما في الموطن الأول.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب ومنّ عليهم به مِنّة مطلقة أنهم يتلونه حق تلاوته أي يتبعونه حق اتباعه والتلاوة الاتباع" ابن عباس رضي الله عنهما استدل على ذلك بقوله تعالى (والقمر إذا تلاها) وهذا يفيدك عندما تقرأ الآيات التي فيها التلاوة، الآن لما تقرأ (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة) ما معنى يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة؟ الآن إقام الصلاة من عطف الخاص على العام، يتلون كتاب الله يعملون به وإقام الصلاة عمل، إقام الصلاة هذا من التلاوة للقران، وإيتاء الزكاة من التلاوة للقرآن، قوله (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة) مثل (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة) لأن (يتلون) يعملون (عملوا الصالحات)، يتلونه يعملون به مثل (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) مثلها يتلونه يعملون به.
قال: "والتلاوة الاتباع فيُحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمُحكمه ويؤمنون بمتشابه، هؤلاء هم الذين يتلون القرآن ويتلون الكتاب بحق التلاوة، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب الذين عرفوا نعمة الله وشكروها وآمنوا بكل رسول" وهذا السياق من الشيخ يفيد أنه اختار ماذا؟ الأول الذي اختاره ابن جرير واختاره جماعة من المفسرين، أيضا الإمام ابن القيم يرد القول الثاني ويقول السياق يأبى ذلك، ما بعدها وما قبلها يأبى ذلك السياق. قال الشيخ: "وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب الذين عرفوا نعمة الله وشكروها وآمنوا بكل الرسل ولم يفرقوا بين أحد منهم فهؤلاء هم المؤمنون حقا لا من قال منهم نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ولهذا توعدهم بقوله (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) وفي الآية الأخرى (فالنار موعده) هذا توعد لهؤلاء، وهذا الذي يثني الله عليه ويخبر أنه هو التلاوة الحقيقية هو المطلوب في القرآن، هو المطلوب من المؤمنين في كتاب الله أن يتلى حق التلاوة، هذا هو المطلوب أن يتلى حق التلاوة وهذا لا يُعارض أن الآية تتعلق بمن أسلم من اليهود لا يعارض ذلك لأن هذا هو المطلوب في كل كتاب أنزله الله أن يتلى حق التلاوة بأن يُعمل بكل ما جاء به لا أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، قال: "ولهذا" يعني كثير من أئمة السلف من الصحابة ومن اتبعهم بإحسان تكلموا عن هذا المعنى في القرآن نفسه يُتلى حق التلاوة أي يُتبع حق الاتباع، وهذا مطلوب في كل كتاب في كل كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى.
قال الشيخ رحمه الله:" وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها" يقصد الآيتين (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين* واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) لأنه تقدم تفسير هاتين الآيتين.
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما .. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق