السبت، 4 أبريل 2026

فوائد منتقاة / سورة هود الآيات (٤٩- ٦٧ )

ثم وجهت الآيات الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصبّره وتثبته في مواجهة عناد قومه وأذاهم (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) وفيه تربية للمؤمنين على الصبر والتقوى من خلال الوعيد بحسن الخاتمة العاقبة عليهما.

/ في قوله تعالى (إن العاقبة للمتقين) 
" قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة التي تبعث الأمل في نفوس أهل الإيمان وتملأ قلوبهم ثقة ويقينا، وراحة وطمأنينة ، وهذه الآية الكريمة جاءت مرة على لسان موسى عليه السلام وهو يبشر قومه الذين آمنوا به بحسن العاقبة لهم في الدنيا والآخرة، والتمكين في الأرض إن هم لازموا التقوى.
 وجاءت هذه القاعدة بلفظ مقارب في خطاب الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في خواتيم سورة طه (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) [طه: ١٣٢].
وجاءت هذه القاعدة أيضا بعد انتهاء قصة قارون في خواتم سورة القصص قال تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) [القصص: ٨٣].
ومن المعلوم أن العاقبة هنا لا تنحصر في الآخرة التي ضمن الله النجاة فيها للمتقين كما في قوله (والآخرة عند ربك للمتقين) بل هي عامة في الدنيا والآخرة ولكن قبل أن نسأل أين صدق هذه القاعدة؟ فلنسأل أين تحقيق التقوى على الوجه الصحيح؟! وإلا وعد الله لا يتخلف.
و نُذكّر هنا بأهمية هذه القاعدة في حياتنا اليومية:
فإن آية القصص (والعقبة للمتقين) جاءت بعد قصة قارون الذي لم يصبر على شهوة المال وفي هذا إشارة إلى حاجة العبد -رجلا كان أو امرأة- لتدبر هذه القاعدة جيدا، خصوصا وهو يعيش في جو من المغريات والفتن والصوارف عند دين الله -يتدبرها ويتأملها- لتُهوّن عليه الصبر عن الشهوات والملذات المحرمة، فكلما دعته نفسه إلى ما يخالف التقوى فليُذكّرها بحسن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، وكذلك الداعية من أحوج ما يكون إليها وهو يسير في طريق الدعوة الطويل والمليئ بالابتلاء بالخير والشر وخصوصا إذا كان لا يجد معينا ولا ناصرا بل قد يجد مناهضا ومعايا.
ومفهوم هذه القاعدة القرآنية المحكمة: أن كل من لم يكن تقيا في أحواله وأفعاله فلا عاقبة له حسنة وإن أُمهِل زمانا أو تُرك دهرا وهذه سنة الله في خلقه، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يستدل بهذه القاعدة القرآنية (والعاقبة للمتقين) وبأمثالها إبان هجوم التتار على بلاد الإسلام، وكان يقسم بالله أن التتار لن ينصروا  بل سيُخذلون وينكسرون، وكان مما قاله حينها: «واعلموا أصلحكم الله أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين»" (١)

(وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) وهذه القوة تشمل جميع القوى فيزيد الله عابديه قوة في إيمانهم ويقينهم ودينهم وتوكلهم وغير ذلك مما هو من جنس ذلك ويزدهم قوة في أسماعهم وأبصارهم وأجسادهم وأموالهم وأولادهم وغير ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم " (٢)

- من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام قال له قومه (يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ) ومع هذا فبينته من أظهر البينات وقد أشار إليها بقوله (إني أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
فهذا من أعظم الآيات أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل واثق مما قاله جازم به قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم ومما هم عليه إشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم عليه ، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها ، ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه وفي ضمن ذلك أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين ، ثم قرر دعوته أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل عليه وآمن به ولا يشمت به أعدائه ولا يكون معهم عليه فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه.

- (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) أي: الحاكم العدل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم في تصرفه وقضائه وقدره وتدبيره وعطائه ومنعه، وأمره ونهيه وعقابه وثوابه وجزائه، وشرعه وأسمائه وصفاته، وكل ما يتعلق به سبحانه وتعالى - فإن ذلك جميعاً يجري على أكمل الوجوه، وهو مطابق لكمال ذاته وصفاته جل جلاله، ولا يوجـد شيء من هذا يخرج عن هذا المعنى، لكونه على صراط مستقيم، وهذا هو المعنى الصحيح في هذه الآية، وهو اختيار ابن جرير - رحمه الله-.
ومن صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه وينزل به بأسه فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم وأنه يذهب بهم ويستخلف قوما غيرهم ولا يضره ذلك شيئا .
أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم في موضعين من كتابه :
/ أحدهما هذا الموضع في سورة هود (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
/ والثاني : قوله في سورة النحل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهةُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) قال أبو إسحاق : " أخبر أنه وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء فهو لا يشاء إلا العدل ".

- (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَنَجَيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٌ) 
 فيه تربية على أنه لا أحد ينجو بعمله الصالح وإنما النجاة من العذاب برحمة الله تعالى والعمل الصالح سبب في النجاة ، وفي الآية ما يدل على نجاة من آمن مع هود من قومه من عذاب يوم القيامة لأنه تعالى كرر النجاة، فقال في نجاة الدنيا من الريح العقيم (نجينا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ) وقال في نجاة الآخرة من العذاب الغليظ (وَنَجَيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٌ).

- قوله (هُوَ أَنْشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)
فيه ربط بين الطاعة والنعمة، فالنعمة على الإنسان من الله تعالى توجب عليه طاعته من خلال توحيد الإلهية والاستغفار والتوبة.
والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأن إنشاءه إنشاء لنسله، وإنما ذكر تعلق خلقهم بالأرض لأنهم كانوا أهل غرس وزرع، ولأنهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتا ويبنون في الأرض قصورا، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض، فلأجل منافعهم في الأرض قُيدت نعمة الخلق بأنها من الأرض التي أنشئوا منها.

ـ (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجيب) قربه تعالى نوعان : عام، وخاص
/ فالقرب العام : قربه بعلمه من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
/ والقرب الخاص: قربه من عابديه وسائليه ومحبيه، وهو المذكور في قوله (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) [العلق: ١٩]، وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) [البقرة: ١٨٦] ، وهذا النوع قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يُقرن، باسمه "القريب" اسمه "المجيب"

قال الرازي في تفسير هاتين الآيتين: " اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدئ بالدعوة إلى عبادة الله ثم يتبعه بدعوى النبوة لابد وأن يطلبوا منه المعجزة، وأمر صالح -عليه السلام- هكذا كان، يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة - أشاروا إليها - ناقة، فدعا صالح ربه فخرجت الناقة كما سألوا. 
واعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه:
*الأول : أنه تعالى خلقها من الصخرة.
*وثانيها : أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل.
*وثالثها : أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر.
*ورابعها : أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة.
*وخامسها : ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر.
*وسادسها : أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم.
وكل من هذه الوجوه معجز قوي، وليس في القرآن إلا أن تلك الناقة كانت آية ومعجزة، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه.
___________________________
١- القاعدة الخامسة عشر: (والعاقبة للمتقين) د. عمر بن عبد الله المقبل (بتصرف) 
٢- البداية والنهاية لابن كثير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق