الاثنين، 2 فبراير 2026

الدرس الستون/ تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٩) (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم…)

 الدرس الستون تفسير سورة البقرة: من الآية (٨٩)/ صوتي

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد: فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:
ن/ «قوله (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين* بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) أي ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة وقد علِموا به وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب استنصروا بهذا النبي وتوعدوهم بخروجه وأنهم يقاتلون المشركين معه فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا كفروا به بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فلعنهم الله تعالى وغضب عليهم غضبا بعد غضب لكثرة كفرهم وتوالي شكهم وشركهم، (ولهم في الآخرة عذاب مهين) أي مؤلم موجع وهو صلي الجحيم وفوت النعيم المقيم فبئس الحال حالهم وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله الكفر به وبكتبه وبرسله مع علمهم وتيقنهم فيكون أعظم لعذابهم»

ت/ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأصلح لنا إلهنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد:
 هذه الآية الكريمة قول الله جل وعلا (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) إلى تمامها والآية التي بعدها فيها إقامة الحجة على اليهود في تكذيبهم بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكانوا قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام بينهم وبين العرب الكفار المشركين حروب، كانت تنشب بينهم حروب مع مشركي العرب وكانوا يستفتحون على أولئك المشركين بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، (يستفتحون) أي يستنصرون يقولون سيُبعث قريبا نبي وسنكون من أتباعه وسنحاربكم معه ونقتلكم معه، هكذا كانوا يقولون للمشركين لأنهم يجدون في التوراة ما يدل لذلك، ويجدون في التوراة صفات هذا النبي عليه الصلاة والسلام، ويعرفونه، يعرفونه معرفة واضحة بينة ظاهرة، وكانوا يستنصرون به على الذين كفروا يقولون سيبعث قريبا وسنكون أتباعا له وسنقاتلكم معه، هكذا كانوا يقولون للمشركين، وكانوا أيضا يقولون في دعائهم يسألون الله عز وجل  أن يعجل مبعث هذا الرسول، كانوا يقولون في دعائهم «اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان» فهم يعلمون أن نبيا سيبعث وصفته كيت وكي، يجدون في التوراة، يعرفون ذلك.

(فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)
(لما جاءهم ما عرفوا)
لما بُعث هذا النبي الذين أخذوا وقتا طويلا وهم يستنصرون به ويقولون إذا بعث اتبعناه وقاتلناكم معه، فلما بعث كفروا به (فلعنة الله على الكافرين) لما بُعث كفروا به، سبب الكفر ما هو؟ سبب الكفر به أنه ليس منهم، من قريش، هذا هو حسد، يعرفون أنه نبي وأنه مرسل من الله وأنه مؤيد بالحق يعرفونه معرفة تامة واضحة يجدونها عندهم في التوراة فكفروا به لا لشيء إلا للحسد لم يكن منهم فحسدوه وكفروا به.
 وهذه الآية فيها إقامة الحجة عليهم
انظر ماذا يقول الله جل وعلا يقول (ولما جاءهم كتاب من عند الله) ما الكتاب؟ القرآن (ولما جاءهم كتاب من عند الله) أي القرآن، ما شأن هذا القرآن؟ مصدق لما معهم، الذي معهم ما هو؟ التوراة، مصدق للتوراة (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) فجاء هذا الكتاب الذي هو القران الكريم مصدق للتوراة التي بين أيديهم قال (مصدق لما معهم) يعني للكتاب للتوراة التي معهم والتي يزعمون أنهم يؤمنون به الذي هو التوراة وأنهم يصدقون بما فيه وقال (مصدق لما معهم) هذه واحدة في إقامة الحجة عليهم أن الكتاب الذي بُعث به محمد عليه الصلاة والسلام مصدق للكتاب الذي معهم.
 (وكانوا من قبل) من قبل ماذا؟ مبعث النبي، (كانوا من قبل) أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.
(وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) (الذين كفروا) مشركي العرب، ومعنى (يستفتحون) أي: يستنصرون، ومعنى يستنصرون: يقولون أنه سيُبعث قريبا وسينصرنا الله معه عليكم فهو نبي مؤيد من الله وسنكون اتباعا له وسينصرنا الله عليكم ونقتلكم معه، يستنصرون يستفتحون على الذين كفروا أي يستنصرون بمبعث هذا النبي عليه الصلاة والسلام على الذين كفروا وكانوا قبل البعثة من دعائهم « اللهم انصرنا عليهم بمبعث هذا النبي الذي يخرج في آخر او يُبعث في آخر الزمان.
 (ولما جاءهم كتاب من عند الله)
هذا شرط أين الجواب؟
الآن جاء شرط آخر جديد (فلما جاءهم) أين جواب الشرط؟ 
قال (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) إلى الآن لم يأتِ جواب الشرط لكن دل عليه جواب الشرط الذي بعده، لأن المعنى هو المعنى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، (كفروا به) هي جواب الشرط.
(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) كفروا بهذا الكتاب، قال (فلما جاءهم ما عرفوا) ما هو هذا الذي عرفوا؟
لما جاءهم ما عرفوا هذا النبي ومبعثه عليه الصلاة والسلام وصفاته التي ذُكرت عندهم في التوراة فجاءت مطابقه للواقع الذي يرونه ويشاهدونه، (فلما جاءهم ما عرفوا) أي بُعث هذا النبي عليه الصلاة والسلام بالصفات التي يجدونها عندهم في التوراة وعرفوه كما يعرفون أبناءهم أن هذا هو المُبشر به بالتوراة، (لما جاءهم ما عرفوا كفروا به) المُوجب للكفر سياتي معنا، الموجب للكفر أنه ليس منهم، من قريش فحسدوه، حسدوه على نعمة الله عليه وفضل الله سبحانه وتعالى عليه والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، واليهود أشد الناس حسدا، من أعظم الناس اتصافا بالحسد،  ولهذا وُصفوا به في مواطن من كتاب الله عز وجل، حسدوا النبي على عليه الصلاة والسلام على النبوة والكتاب، وحسدوا المؤمنين على الإيمان،  ويحسدوننا على الجمعة وعلى كثير من الطاعات التي أكرمنا الله سبحانه وتعالى بها فهم قوم حسَدَه يعني متجذر فيهم الحسد.
(فلما جاءهم ما عرفوا) بُعث هذا النبي الذي يجدونه ويجدون صفته عندهم في التوراة (كفروا به فلعنه الله على الكافرين) حلت عليهم اللعنة وهي الطرد والإبعاد من رحمة الله (فلعنة الله على الكافرين). ما الذي صنعوه الآن؟
الآن جاءهم خير ويعرفونه وجاءهم شيء واضح يتبينونه وشواهده كثيرة عندهم في التوراة، جاءهم إيمان، جاءهم نور، جاءهم هدى ويعرفون ذلك، يعرفون أن هذا إيمان وأن هذا هدى وأن هذا رضا الله سبحانه وتعالى، يعرفون ذلك وتركوا ذلك بماذا؟ بدنيا فانية وحسد وبغي ولهذا يقول الله عز وجل: (بئس ما اشتروا)، (بئس) هذا فعل ماضي جامد، (بئس) مثل (نِعم) فعل ماضي جامد، ما معنى جامد؟ يعني ما يتصرف، الآن (ضرب) هذا متصرف [ضرب، يضرب، اضرب] إلى آخره، أما (بئس) هذا جامد ما يتغير فعل ماضي جامد و(بئس) هذه اللفظة مستوفية لمعاني الذم، مثل (نِعمَ) مستوفيه لمعاني المدح.
قال: (بئس ما اشتروا) (ما) هذه مصدرية أي: بئس الذي اشتروا به أنفسهم، (اشتروا به أنفسهم) يعني باعوا به أنفسهم، بيعة خاسره تمام الخسران لأن الذي باعوه ما هو؟ حظهم من ثواب الله العظيم، الذي آمن بالتوراة ثم بُعث محمد عليه الصلاة والسلام فآمن به يؤتى أجره مرتين،  باعوا ذلك بيعة خاسرة الخسران المبين، باعوا ذلك لا لشيء إلا للحسد، مع أنهم يعرفون أن هذا هو الربح،  وأن هذه التجارة الرابحة، وأن هذا هو الحق، وأن هذا هو الهدى، فباعوا ذلك للحسد قال (بئس ما اشتروا به أنفسهم) أي ما ضيعوه من الثواب الأجر العظيم الحاصل لهم لو آمنوا.

 (بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله)
 (أن يكفروا بما أنزل الله) المتروك هنا هو الإيمان، التصديق بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما بُعث به، والذي رضوه لأنفسهم وقبلوه لأنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله، ما هو؟ القرآن، ما أنزل الله القران المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام.
 (بغيا) هذه مفعول لأجله، (بغيا) يعني لا لشيء إلا لأجل الحسد والبغي، والبغي فُسر بالحسد، بغيا أي حسدا لأن البغي الظلم والحسد ظلم، الحسد من البغي ومن الظلم والحاسد عدو نعمة الله، هذه أبلغ صفة للحاسد، الحاسد عدو نعمة الله، عندما يرى نعمة الله عز وجل حصّلها أحد اشتعلت ناره بالحسد فهو عدو نعمة الله على خلقه أو على من شاء من عباده.
 قال (أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله) (أن يُنزل الله) أي: لأن ينزل الله من فضله التي هي النبوة والكتاب على محمد عليه الصلاة والسلام على من يشاء من عباده أي محمد صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا يقول (وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
 (على من يشاء من عباده) الذي هو نبينا عليه الصلاة والسلام، (فباءوا بغضب على غضب) انتبه هنا غضب على غضب هذه كانت جاءت مقابل ماذا؟ يؤتون أجرهم مرتين لو كانوا آمنوا، انظروا الربح العظيم الذي باعوه وضيعوه يؤتون أجرهم مرتين مرة لإيمانهم بالتوارة ومرة لإيمانهم بالقرآن، فالذي حصّلوا بهذا الكفر غضبين غضب على غضب، بدل أن يكون أجر على أجر وثواب على ثواب (فباءوا بغضب) بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام، (على غضب) الذي هو تضييع التوراة، لأن الآن تكذيبهم بالرسول عليه الصلاة والسلام هو أيضا تكذيب بالتوارة لأنهم هم يعلمون أن التوراة جاءت مشتملة على الإخبار بهذا الرسول ويعرفون ذلك، ويعرفون أن هذا الإخبار عن الرسول والبشارة به من كلام الله جل وعلا في التوراة، يعرفون ذلك فكذبوا به فباؤوا بغضب يتعلق بالتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام القرآن المنزل عليه على غضب على تكذيبهم أيضا بالتوراة وتبديلهم، جاءوا إلى الآيات التي تتعلق صفات الرسول والبشارة به وأخفوها وكتموها وبدلوا ما تمكنوا من تبديله منها يحرفوها وصاروا من البغي الذي عندهم والحسد يكتبون بأيديهم أشياء ويلصقونها أنها من التوراة، ومر معنا (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) عذاب فيه إهانة لهم وإذلال لهم (وللكافرين عذاب مهين)
في سورة الحج الله يقول (ومن يهن الله فما له من مكرم) انتبه هنا (لهم عذاب مهين) هذا عذاب الكافر، عذاب الكافر هو عذاب إهانة له يختلف عن عذاب عصاة الموحدين، عذاب عصاة الموحدين تطهير لهم يعذب ليُطهر، لما يعذب في النار يعذب ليُطهر ينقى من ذنوبه ثم يدخل الجنة بفضل الله عليه، أما هؤلاء عذابهم إهانة لهم، إذلال لهم وهو عذاب دائم مستمر لأن الكفر والشرك والنفاق الأكبر هذه التي هي أكبر الذنوب وأعظمها هذه لا تطهرها النار وإنما الذي تُطهر النار المعاصي التي دون الكفر ودون الشرك بالله سبحانه وتعالى.

قال الشيخ رحمه الله: «أي ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة مصدق لما معهم وقد علموا به - علموا به أي بهذا النبي عليه الصلاة والسلام ومبعثه وصفته يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة - وعلموا به وتيقنوه على أنهم إذا كان وقع بينهم وبين المشركين - يعني والحال أنهم، في بعض النسخ - حتى أنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية - يعني قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام إذا وقع بينهم حروب استنصروا بهذا النبي عليه الصلاة والسلام (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) يعني بهذا النبي، يستفتحون يستنصرون، يستنصرون بهذا النبي وتوعدوهم بخروجه يقولون سيخرج قريبا نبي وسنكون اتباعا له وسنقاتلكم معه، كانوا يستنصرون على المشركين.
 هنا الآن يعني انتبه لأمر في وجه إقامه الحجة عليهم في قوله (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) هذه تحتها علم عظيم في باب الحجة والاحتجاج، لأن الآن قبل مبعثه ماذا كانوا يفعلون؟ يستفتحون يستنصرون إذا هم على يقين أنه نبي وأنه مؤيد من عند الله، فقبل مبعثه يستنصرون به وبعد مبعثه يكفرون به، استنصار وكفر هل يجتمعان؟ ولهذا تحت هذه الجملة (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) وجوه عجيبة في إقامة الحجة عليهم، وجوه عجيبة جدا. الإمام المبدع المتفنن المتقن ابن القيم رحمه الله تعالى استخلص من هذه الجملة عشرة وجوه للرد عليهم، عشرة وجوه عجيبة ودقيقة جدا تجدها في المجموعة الذي جمع في تفسيره رحمه الله تعالى كان ذكر أنه يمكن تقرير الحجة عليهم من هذه الآية من صور عديدة وذكر عشرة صور في إقامة الحجة عليهم من كونهم يستفتحون به قبل البعثة وبعد البعثة يكفرون به قال: «فلما جاءهم هذا الكتاب وهذا النبي الذي عرفوا كفروا به بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فلعنهم الله وغضب عليهم غضبا بعد غضب لكثرة كفرهم وتوالي شكهم وشركهم ولهم في الآخرة عذاب مهين أي مؤلم موجع وهو صلي الجحيم وفوات النعيم المقيم فبئس الحال حالهم وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله الكفر به وبكتبه وبرسله مع علمهم وتيقنهم فيكون ذلك اعظم لعذابهم عند الله سبحانه وتعالى» نعم

ن/ قال رحمه الله: «قوله (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين* ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون* وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئس ما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) أي وإذا أُمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن استكبروا وعتوا وقالوا (نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) أي بما سواه من الكتب مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله تعالى مطلقا سواء أنزل عليهم أو على غيرهم وهذا هو الايمان النافع الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله، وأما التفريق بين الرسل والكتب وزعم الإيمان ببعضها دون بعض فهذا ليس بإيمان بل هو الكفر بعينه ولهذا قال تعالى (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا) ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه، فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال (وهو الحق) فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات والأوامر والنواهي وهو من عند ربهم فالكفر به بعد ذلك كفر بالله وكفر بالحق الذي أنزله، ثم قال: (مصدقا لما معه) - هذا الأمر الثاني قال بأمرين نعم أحسن الله إليكم-
ثم قال (مصدقا لما معهم) أي موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه فلم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بنظيره هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى، وأيضا فإن كون القرآن مصدقا لما معهم يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب فلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به فإذا كفروا به وجحدوه صاروا بمنزلة من ادعى دعوة بحجة وبينة ليس له غيرها ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته ثم يأتي هو لبينته وحجته فيقدح فيها ويكذب بها أليس هذا من الحماقة والجنون!! فكان كفرهم بالقرآن كفرا بما في أيديهم ونقضا له، ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله قل أي لهم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)»

ت/ ثم قال سبحانه وتعالى (وإذا قيل لهم) وإذا قيل لهم أي إذا قلت لهم أيها الرسول أو قال لهم أهل الإيمان، (إذا قيل لهم) أي لليهود (آمنوا بما أنزل الله)  هذا هو الأصل في الإيمان الإيمان بكل ما أنزل الله، هذا هو الأصل، ما يتحكم الانسان ويختار بعض المنزل ويرفض بعضا، الإيمان حقا هو الإيمان بكل ما أنزل الله وإذا كان الإنسان تجاه ما أنزل الله يختار يؤمن ببعض ولا يؤمن ببعض هذا هو الكفر حقا ولا ينفعه الإيمان ببعض حتى لو كان البعض كثيرا، لا ينفعه، الإيمان حقا هو الإيمان بكل المُنزّل اقرأ قول الله تعالى (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) هذا هو الإيمان حقا (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي كتاب أنزله، (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) هذا هو الإيمان، الإيمان بكل ما أنزل الله،  لكن لما يكون المرء في الإيمان انتقائيا يختار،  هذا أؤمن به، هذا لا أؤمن، هذا يناسبني هذا لا يناسبني، هذا هو الكفر حقا حتى لو كان الذي يؤمن به كثيرا، هذا هو الكفر حقا مثل ما وصفه الله عز وجل -كما سياتي معنا- (إذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا)، (بما أنزل علينا) الآن فرقوا في الإيمان بما أنزل الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، (آمِنوا بما أنزل الله) يعني القرآن، (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) أي التوراة، (قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) (ما وراءه) يعني التوراة، (ما وراءه) يعني ما بعده، ما نزل بعده يكفرون به ولا يؤمنون والمقصود كفرهم بالقران، بما وراءه أي كفرهم بالقران الذي جاء بعد التوراة وبه ختمت الكتب المنزلة كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام به ختم الأنبياء وكما أنه عليه الصلاة والسلام شريعته خُتمت بها الشرائع، خاتم الكتب، خاتم الشرائع، خاتم النبيين.
(ويكفرون بما وراءه) أي التوراة، وراء التوراة، ما الذي وراء التوراة؟ ما الذي جاء بعدها؟ هذا القرآن المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، (وهو) والحال، الجملة حالية (وهو) أي هذا الذي يكفرون به يجمع بين أمرين كل منهما فيه إقامة حجة عليهم:
 الأول: أنه حق (وهو الحق) فالحق يجب الإيمان به وقبوله فهو حق لا ريب فيه. اقرأ مر معنا أول ما قرأنا في البقرة (ذلك الكتاب لا ريب فيه) حق لا ريب فيه، هذا الأمر الأول.
 الامر الثاني: أنه مصدق لما معهم (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)
 (وهو) أي القرآن (الحق مصدقا لما معهم) (لما معهم) أي التوراة.
 قل في إقامة الحجة عليهم وإبطال باطلهم وبيان فساد دعواهم قل أيها النبي صلى الله عليه وسلم قل لهم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) إن كنتم صادقين في أنكم تؤمنون بالتوراة، إن كنتم صادقين، هم يقولون (نؤمن بما أنزل علينا) (بما أنزل علينا) أي التوراة وما وراء نكفر به، إن كنتم صادقين في دعواكم وهذا فيه بيان تناقضهم في دعواهم أنهم يؤمنون بالتوراة أنهم يؤمنون بالتوراة وهذا فيه بيان أنهم التوراة نفسها لا يؤمنون بها، فيقول قل لهم إن كنتم صادقين فيما تدعونه أنكم تؤمنون بالتوراة فلم تقتلون أنبياء الله، (تقتلون)  أي لم قتلتم أنبياء الله؟ تعبير عن الماضي بالمستقبل عبر عن  الماضي بالمستقبل لأنه بمنزلة الصفة، صفة ثابتة لهم، يعني صفة ثابتة لهم أن هذه حالهم قتل الأنبياء هذه صفه ثابتة لهم ولهذا عبر عن الماضي بالمستقبل قال (تقتلون) ويأتي هذا في القرآن، سياتي معنا قريبا في (واتبعوا ما تتلو) هي ما تلت الشياطين شيء مضى، اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.
 (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) إن كنتم صادقين في دعواكم بأنكم تؤمنون بالتوراة فلماذا تقتلون الأنبياء؟ أين في التوراة قتل النبي؟ أين في التوراة قتل المؤمن؟ ونحن نعرف - مر معنا- أنه أُخذ عليهم الميثاق لا يقتلون أنفسهم ولا يخرجون أنفسهم من ديارهم، ما معنى لا يقتلون أنفسهم؟ يعني لا يقتل بعضهم بعضا، لم يكتفوا بقتل بعضهم بعض قتلوا أنبياء وهم يقولون نؤمن بالتوراة وأُخذ عليهم الميثاق في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضا وهم قتلوا أنبياء، ليس فقط قتل بعضهم بعضا، قتلوا أنبياء الله، فإذا كنتم تدّعون أنكم فعلا صادقون في إيمانكم بالتوراة وأنكم تؤمنون بالتوراة لم تقتلون أنبياء الله، وأنبياء الله حقهم أن يكرموا وأن يعززوا وينصروا ويؤيدوا ويؤمن بما جاؤوا به فكان منهم قتل.
 (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم صادقين)
(إن كنتم صادقين)
أي في ما تدعونه من الإيمان بالتوراة وفيها النهي عن ذلك، قال الشيخ : «وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن استكبروا وعتوا وقالوا نؤمن بما أنزل علينا فقط، غيره ما نؤمن به، نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه».
هذه الآن (نؤمن بما أنزل علينا)
هل هي حقيقة؟ هذه دعواهم ولهذا جاء بيان نقض هذه الدعوى، هذه دعوى ليست حقيقة، لو كانت حقيقة لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام فورا لأن التوراة فيها أمر بالإيمان به ونصره واتباعه، يعرفون ذلك هم، فهذه دعوى (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) يعني فقط نؤمن بما أنزل عليهم (ويكفرون بما وراءه) أي بما سواه من الكتب مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله مطلقا سواء أنزل عليهم أو على غيرهم وهذا هو الإيمان النافع
الإيمان بكل ما أنزل الله بدون تحكم أو انتقاء،  يؤمن الإيمان مطلقا بكل ما أنزله الله سبحانه وتعالى قال: «مع أن الواجب أن يؤمنوا بما أنزل الله مطلقا سواء أنزل عليهم أو على غيرهم وهذا هو الإيمان النافع، الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله وأما التفريق بين الرسل والكتب - يعني يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض ويؤمن ببعض الكتب ويكفر ببعض وزعم الإيمان ببعضها دون بعض - فهذا ليس بإيمان بل هو الكفر بعينه، هذه حقيقة الكفر بل هو الكفر بعينه ولهذا قال الله عز وجل في موضع آخر (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) مثل صنيع هؤلاء (نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه) هذه مثلها تماما (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) أي طريقا وسطا بزعمهم قال الله جل وعلا (اولئك هم الكافرون حقا) هذه حقيقة الكفر ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا - أي في هذا السياق - ردا شافيا والزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه فرد عليهم بكفرهم بالقران بأمرين:
● قال: (وهو الحق) هذا الأمر الأول
فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات والأوامر والنواهي وهو من عند ربهم فالكفر به بعد ذلك كفر بالله وكفر بالحق الذي أنزله الله.  هذه واحدة.
● الثانية قال: (مصدقا لما معهم) أي موافقا لا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه فلم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بنظيره وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى، وأيضا فإن كون القرآن مصدقا لما معهم يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب فلا سبيل لهم إلى اثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوا صاروا بمنزلة من ادعى دعوة بحجة وبيّنة ليس له غيرها ولا تتم دعواه الا بسلامة بينته ثم يأتي هو لبينته وحجته فيقدح فيها ويكذب بها أليس هذا من الحماقة والجنون فكان كفرهم بالقرآن كفرا بما في أيديهم ونقضا له ولهذا تقدم معنا (فباؤوا بغضب على غضب)، ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله قل لهم أيها الرسول صلى الله عليه وسلم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)، (إن كنتم مؤمنين) أي إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بهذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا وأصلح لنا شأننا كله وهدانا إليه صراطا مستقيما ...
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب اليك اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد واله وصحبه أجمعين..  جزاكم الله خيرا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق