بسم الله الرحمن الرحيم
/ (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه)
أخرج البخاري في صحيحه قال ابن عباس : كان - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - يحرك شفتيه إذا أنزل عليه، فقيل له : (لا تحرك به لسانك) يخشى أن ينفلت منه، (إن علينا جمعه وقرآنه) أن نجمعه في صدرك، (وقرآنه) : أن تقرأه، (فإذا قرأناه) يقول: أنزل عليه فاتبع قرآنه، (ثم إن علينا بيانه) أن نبينه على لسانك».
وقال ابن عطية: «قال الضحاك كان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى القرآن، فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشق، فنزلت الآية في ذلك. وقال كثير من المفسرين وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه، فنزلت الآية بسبب ذلك، وأعلمه الله تعالى أنه يجمعه له في صدره» تفسير ابن عطية (٤٠٤/٥ ) .
وقال ابن عطية: «الضمير في (به) عائد على كتاب الله تعالى، ولم يجر له ذكر، ولكن القرائن تبينه، فهذا كقوله تعالى: (توارت بالحجاب)، وكقوله تعالى: (كلا إذا بلغت التراقي) يعني النفس». تفسير ابن عطية ( ٥ / ٤٠٤ ) .
وقال ابن كثير: «هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى: جمعه في صدره والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاح معناه؛ ولهذا قال: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) أي بالقرآن كما قال: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما)، ثم قال: {إن علينا جمعه} أي: في صدرك، {وقرآنه} أي: أن تقرأه، {فإذا قرأناه} أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله عز وجل، {فاتبع قرآنه} أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، {ثم إن علينا بيانه} أي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا». «تفسير ابن كثير (۲۷۸۸).
/ (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)
قال ابن تيمية : فإذا قرأناه و إن علينا جمعه وقرآنه و علينا بيانه فالقرآن هنا حين يسمعه من جبريل، والبيان هنا بيانه لمن يبلغه القرآن. ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع القرآن من جبريل، وجبريل سمعه من الله عز وجل. وأما قوله : {نتلوا} و {نقص} {فإذا قرأناه} فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه، فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال : نحن فعلنا، كما يقول الملك : نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش، ونحو ذلك؛ لأنه إنما يفعل بأعوانه. والله تعالى رب الملائكة، وهم لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدراتهم، وهو غني عنهم؛ وليس هو كالملك الذي يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه. فكان قوله لما فعله بملائكته: "نحن فعلنا" أحق وأولى من قول بعض الملوك». مجموع الفتاوى (٥ / ٢٣٣).
وقال ابن جزي: ومعنى (فاتبع قرآنه) اسمع قراءته واتبعها بذهنك لتحفظها، وقيل: اتبع القرآن في الأوامر والنواهي». تفسير ابن جزي (٢/ ٤٣٤).
/ (ثم إن علينا بيانه)
قال السعدي: وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد أو الاستحسان، أن لا يبادر برده أو قبوله حتى يفرغ من ذلك الكلام، ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه.
وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد بين لهم معانيه». «تفسير السعدي» (ص ۸۹۹).
/ (كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة)
قال السعدي: «أي: هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم تحبون العاجلة وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها عاجلة والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم المقيم فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تُخلقوا لها، وكأن هذه الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل. فلو آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه». تفسير السعدي» (ص ۸۹۹).
/ (وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة)
قال البغوي: (إلى ربها ناظرة} قال ابن عباس وأكثر الناس : تنظر إلى ربها عيانا بلا حجاب.
وقال الحسن: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق». «تفسير البغوي» (٨/ ٢٨٤).
وقال القرطبي : وقيل : إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب ... واحتجوا بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)، وهذا القول ضعيف جدا خارج عن مقتضى ظاهر الآية والأخبار.
وفي الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية)، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)
وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).
وروی جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوسا، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) متفق عليه.
وخرّج أبو داود عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه؟ قال ابن معاذ: مخليا به يوم القيامة؟ قال: (نعم يا أبا رزين قال: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر) قال ابن معاذ: ليلة البدر مخليا به قلنا: بلى. قال: (فالله أعظم).
وفي كتاب النسائي عن صهيب قال: (فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر، ولا أقرّ لأعينهم) ». «الجامع لأحكام القرآن» (۱۹) ۱۰۸-۱۱۰).
وقال ابن القيم: «وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة " إلى" الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المُعدى بـ "إلى" خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه :
● فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله تعالى : {انظرونا نقتبس من نوركم}
● وإن عدي بـ "في" فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض}.
● وإن عدي بـ " إلى " فمعناه: المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر}.
فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر ؟». «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» (٢/ ٦٢٣).
وقال ابن القيم: «الباب الخامس والستون في رؤيتهم ربهم تبارك وتعالى، وتجليه لهم ضاحكا إليهم. هذا الباب أشرف أبواب الكتاب، وأجلها قدرا وأعلاها خطرا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة وأشدها على أهل البدعة والفرقة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون. إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم. اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون». حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (٢/ ٦٠٥).
وقال ابن كثير : «وقد ثبتت رؤية المؤمنين الله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها ... ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقا في مواضع من هذا التفسير، وبالله التوفيق ... وهذا بحمد الله مُجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام. تفسیر ابن کثیر) (۲۷۹/۸).
وقال السعدي: «(إلى ربها ناظرة) أي تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم منهم من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر الذي ليس كمثله شيء، فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله الكريم أن يجعلنا معهم». «تفسير السعدي» (ص ۸۹۹).
/ (ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة)
قال البغوي: « (تظن أن يفعل بها فاقرة) تستيقن أن يعمل بها عظيمة من العذاب، والفاقرة الداهية العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر. قال سعيد بن المسيب قاصمة الظهر. وقال ابن زيد: هي دخول النار. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل. تفسير البغوي (٨) ٢٨٥).
وقال ابن كثير : وهذا المقام كقوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وكقوله: (وجوه يومئذ مسفرة*ضاحكة مستبشرة* ووجوه يومئذ عليها غبرة* ترهقها فترة* أولئك هم الكفرة الفجرة)، وكقوله: {وجوه يومئذ خاشعة* عاملة ناصبة*تصلى نارا حامية) إلى قوله: (وجوه يومئذ ناعمة* لسعيها راضية* في جنة عالية) في أشباه ذلك من الآيات والسياقات. «تفسير ابن كثير (۸) ۲۸۱)».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق