بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله في الصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، باقي لنا من الجزء الثاني ربع الحزب الأخير المبتدئ بقول الله عز وجل:
(ألم ترى إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)ربع الحزب هذا لو تلاحظ كما كان قبله، كان عبارة عن آيات تتحدث عن الأحكام، والأحكام كان غلب عليها في آخر ربعين ما يتعلق بأحكام الأسرة من الزواج والطلاق ونحوها.
في هذا الربع عاد الحديث عن بني إسرائيل، بني إسرائيل كان تقريبا الآيات الواردة فيه كانت في الجزء الأول من السورة، ولكن كعادة أسلوب القرآن أنه ليس بالضرورة أن يُستجمع كل آيات الموضوع الواحد في مكان واحد. وهذا أسلوب من أساليب البلاغة في اللغة العربية التي ممكن أن تكون تدخل تحت موضوع في البلاغة اسمه قطع النظير عن نظيره، ويكون هذا فيه نشاط للذهن وفيه بيان لأهمية الموضوع الذي يفصل ذكره عن نظائره مما يتبعه في السورة.
🏷 قال الله عز وجل (ألم ترى إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) هذه قصة من قصص بني إسرائيل. ولعلنا نلمح لها من ناحية التفصيل مع أن درسنا فوائد لكن نذكر شيء من التفاصيل باعتبار علاقته بالأحداث الحالية، إذ أنه ورد في الروايات كما ذكر ابن كثير وغيره من المفسرين - وإن كان طبعا مصدر هذا الأمر من الروايات الإسرائيلية- إذ أن الآية ذكرت بالعموم كعادة أسلوب القرآن في القصص لكن يستأنس استئناسا بما ذُكر في الإسرائيليات:
أن هؤلاء القوم خرجوا فرارا من وباء الذي هو الطاعون، خرجوا فرارا من الطاعون وفي طريقهم بعد الفرار وكان سبب فرارهم هو حذر الموت ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلمهم مقاديره في الخلق، فهم قالوا نريد أن نأتي أرضا ليس فيها موت ونسوا أن الموت قدر من منزل من عند الله سبحانه وتعالى وله آجال محددة، فلما أتوا إلى موضع من الأرض قال لهم الله موتوا فماتوا. فتحكي الروايات أنه مرّ عليهم نبي فدعا لهم أن يحييهم فأحيا هم الله سبحانه وتعالى فكان في إحيائهم عبرة من أكثر من جانب. وبالنسبة لخصوص المخاطبين فيها دليل من أدلة القرآن على إمكانية البعث.
طبعا هذا نأخذ منه فائدة للحدث الحالي:
أن الإنسان يفعل الأسباب ولكن النتائج إلى الله سبحانه وتعالى سواء أخذناها بالحجر الصحي، أو أخذناها بجملة من الاحترازات، لكن المقادير هي عند الله سبحانه وتعالى، وإلا فإن من الأسباب كما ورد في الحديث أنه إذا كان بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منه فرارا منه، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وفي مثل هذه الأحداث يتأكد على الناس كثرة الاستغفار، يعني إذا عم الوباء أو عم أي جنس من أجناس البلاء، ولا شك أن الأوبئة من الابتلاء، فأي ابتلاء يكون عام للناس هنا في مثل هذه الحالة يتأكد على الناس الاستغفار، نعم يفعلون الأسباب والاحترازات لكن لا يزال المفروض ألسنتنا تلهج بالاستغفار حتى يكشف الله سبحانه وتعالى هذه الغمة، فإن الأسباب نفعلها من الصحة ونحوها، ولكنها أسباب بيد الله سبحانه وتعالى إن شاء أمضاها وإن شاء عطلها. بل هناك إحدى روايات الحديث التي ذُكر فيها لما حدث طاعون عمواس وكان عمر بن الخطاب يسأل وكان عبد الرحمن بن عوف قال انا عندي منها خبر، وساق الحديث الذي هو (إذا كنتم بأرض فلا تخرجوا فرارا) في إحدى روايات الحديث ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن هذا السقم عُذب به أمم من قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها) الشاهد في هذا الحديث أنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف الأوبئة (إنه عذب بها أمم من قبلكم) فهذه ما أحرانا ونحن في شهر رمضان أن نكثف من الاستغفار ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيل هذه الغمة، ويرفع الوباء ويرفع ما حل بالأمة من تداعيات لهذا الحدث.
نرجع لموضوع الفوائد في الآية:
● في قوله تعالى (حذر الموت) نأخذ منها فائدة أنه لا فرارا من الموت، ولا فرارا من كل أقدار الله سبحانه وتعالى إذا كتبها، فلا بد من حسن التوكل على الله، طبعا لا يبطل هذا مسألة الأخذ بالأسباب، لكن لا بد أن نعلم أن الأسباب كلها بيد الله سبحانه وتعالى.
● في قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) يؤخذ منها: أن الإنفاق ليس هو سبب الفقر أو الإقتار الذي هو ضيق العيش، لأن الله عز وجل ذكر بعد الإنفاق (والله يقبض ويبسط) وتصديق هذا ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (ما نقص مال عبد من صدقة) فالصدقات لا تنقص المال بل تزيده، بل تُبارك هذا المال.
بعدها تأتي قصة طالوت وجالوت وبدايتها كان في سؤالهم لنبي لهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون في سبيل الله، إلى آخر ما ورد في الآيات، نأخذ منها في قوله تعالى (ابعث لنا ملكا) بينت هذه الآية: أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة المُلك، فقالوه للنبي فهو كأن مجيء المَلِك من سلطة النبي، فهو يسأل الله سبحانه وتعالى فيبعث الملِك.
🏷 الآيات في قوله تعالى عن هؤلاء القوم (قالوا وما لنا إلا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) بينت الآية:
● أن من مقاصد القتال رفع الظلم، ومن أعظم الظلم الإخراج من الديار لأنهم قالوا (وقد أُخرجنا من ديارنا) ومر علينا بالأمس في بعض الآيات التركيز على بعض مقاصد القتال التي هي منها رفع الظلم.
● في قوله تعالى (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم) يستفاد منها: عدم تمني الشدائد وعدم تمني التكليفات الشاقة لأن الإنسان لا يضمن نفسه أنه يستطيع الصبر، ولا يضمن نفسه أنه يمتثل ويترك المحظور ويقوم بالمأمور، وهذه يصدقها حديث النبي ﷺ (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموه فاصبروا) فإذا نزل الحكم ينبغي أن تمتثل لكن قبل أن ينزل تسأله أو تتمنى حدوث الشدائد وتظن نفسك أنك أكيد ستصبر، وأنك ستوري الله عز وجل الأمر، نعم.. إذا وقع القضاء اصبر وافعل هذا الأمر، لكن قبل أن يقع لا تتمناه ولا تسأله.
ويمكن نستأنس على هذا المفهوم بحديث من أحاديث الفتن في آخر الزمان في حديث الدجال ورد في الحديث عن النبي ﷺ (من سمع بالدجال فلينأى منه) يبتعد، لا يقل أنا سأصبر، ولا يقل أنا لن افتتن ، قال: (فمن سمع بالدجال فلينأى منه) أعادها مرة ثانية (من سمع بالدجال فلينأى منه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب بأنه مؤمن فلا يزال به معه من الشُبه حتى يتبعه) فهذه تسير في نفس المفهوم أنك لا تتمنى التكليف الشاقّ فإنك لا تضمن نفسك في الصبر. ومثله كراهية النذر، كراهية النذور الشاقة التي ربما لا يستطيع الإنسان أن يفي بها، لأنه إذا نذر يجب عليه أن يفي به، فلماذا ينذر، يفعل الطاعة ابتداء دون أن يلزم نفسه بشيء شاقّ.
● في قوله تعالى (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال) هؤلاء القوم قالوا لنبيهم هذا الكلام لما بعث الله عز وجل طالوت، فكان الجواب (إن الله اصطفاه عليكم) يؤخذ منها فائدة:
أنه عند الإجابة على السؤال نبدأ بالأهم فالمهم. فهؤلاء تساءلوا كيف يكون له الملك ونحن أحق بالملك منه؟ لم يجبهم على نفس هذه الأسئلة، هناك إجابة غير هذا كل التي هي مسألة اصطفاء الله سبحانه وتعالى، فلما ابتدأ بهذا الأمر أجاب على باقي أسئلتهم فقال (وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) فهذه تؤخذ في آداب المحاورة، في كيفية الرد على الأسئلة.
● في قوله تعالى (بسطة) في بسطة العلم والجسم بشكل عام من هذه الآية نستفيد منها: أنها من مؤهلات المُلك، وهذه تعطينا نظرة في كيفية اختيار الرؤساء والمدراء وما إلى ذلك، لكل منصب له مؤهلات، فهنا الآية بينت أن بسطة العلم وبسطة الجسم من مؤهلات المُلك.
● في قوله تعالي (فيه سكينة من ربكم) يؤخذ من هذه الآية:
أن للسكينة تأثير على القلوب. خصوصا وأنه أضاف السكينة إلى الله سبحانه وتعالى، بل إلى الربوبية تحديدا، فمن تأثيرها ارتياح وانشراح الصدر خاصة في أمور الشريعة، أن تشعر بالسكينة وأنت تقوم بأعمال العبادة هذه نعمة وفضل من الله سبحانه وتعالى، ولذلك إذا تتبعت مواضع مجيء السكينة في القرآن ستستفيد منها أشياء كثيرة فيما يتعلق بالانشراح للقيام بالعبادات.
● لما قال الله عز وجل (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) بينت أن الآيات تنفع المؤمنين، إذا قال الله سبحانه وتعالى آية على شيء فإنها تنفع في زيادة الإيمان.
● في قول هؤلاء القوم (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) نأخذ منها فائدة: أن قائد الجيش ينبغي أن يمنع من لا يصلح للحرب. هناك أناس يدخلون في ضمن الجيش ولكن تأثيرهم سلبي. فمن يدخل الجيش وهو مخذِّل أو مُرجف، أو حتى ملحد فهؤلاء يُدخلون الوهن والضعف في الجيش، فما فعله طالوت قبل أن يذهب إلى القتال قام بعملية تصفية للجيش ومحاولة إبعاد الخور والضعف الذي سيأتي من هذه الفئة. ما آلية تصفية الجيش؟
في قوله تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده) إذا كان ذلك ابتلاء في مسألة الري والعطش، من يصبر على العطش ومن يريد أن يسترسل في الشرب، فحددها بأمور محددة، فهو اختبار ونتيجته أنه استبعد هؤلاء الذين شربوا وعبوا من هذا الماء ولم يكترثوا بذلك الأمر فكان ذلك دليلا على أنهم لن يصبروا على قتال العدو مادام لم يصبروا على شربة الماء. وهذه لو أخذتها من الوسائل المعاصرة، تجدين دائما الجيوش إذا دب الخطر على الدولة وما إلى ذلك تجدهم يقومون بالمناورات الحربية والتدريب وما إلى ذلك، فهذه كلها منظور فيها مسألة الجاهزية للحرب.
● في قوله تعالى (فشربوا منه إلا قليلا منهم) بينت أن العصاة في الصفوف أكثر ولذلك ورد في القرآن كثيرا مدح القلة وذم الكثرة، فهذه من ضمن الآيات التي ذمت الكثرة ومدحت القلة لأن الذين صبروا كانوا محدودين ولم يكونوا على العدد الذي كان يرتقب أنهم يكونون وصلوه.
● في قوله تعالى (والله مع الصابرين) أفادت معية الله سبحانه للصابرين، وهذه المعية من المعية الخاصة، المعية الخاصة تقتضي أو من آثارها: الحفظ والتأييد، والنصرة والتثبيت، وهذه ما أحوج الجيوش إلى أن يكون الله سبحانه وتعالى يؤيدهم بهذه المعية.
● في قوله تعالى (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)
يؤخذ منها: أن لقاء العدو أمر صعب، وسُمي في مواطن أخرى (حين البأس) فهو يحتاج إلى الصبر، ومن حاجته للصبر أن يجب على أصحاب الجيش أو من يكون في مثل هذه الحال أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بأن يصبره، ويلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى أن يثبته. فهذه لو استعرضت كل آيات الغزوات في القرآن الكريم تجد ما ينفك منها أن تجد في موضع يذكر فيها دعاء المسلمين لأنه بالفعل يحصل به الثبات، ولو تتبعت أيضا السيرة النبوية ماذا فعل النبي ﷺ في كل غزوة تجد هذا الموقف ظاهر و تبينه الآيات.
● في قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) هذه فيها إثبات سنة المدافعة، إحدى السنن الإلهية التي تذكر في القرآن الكريم سنة المدافعة التي هي أن قوم يدفع قوم حتى يقوم الحق، هذه أحد مواضعها وفي الحج أيضا (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) وتلاحظين أن كلا الآيتين وردت في سياق الجهاد، من سنة المدافعة أن الله عز وجل يقيم فئة كل منهما يدفع الآخر بحيث يظهر الحق، فلو لم تكن هذه السنة موجودة الجواب ماذا؟ (لفسدت الأرض) إذن لكان أصحاب الباطل يعني يستشير باطلهم وينتشر الإفساد دون أن يكون يدفعهم أحد فيقيم الله سبحانه وتعالى سنة المدافعة، وإحدى مظاهر سنة المدافعة فريضة الجهاد.
طبعا لو سندخل في هذه السنة تفصيلا سيدخل فيها الجهاد، وسيدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيدخل فيها أمور متعددة.
اقتران هذه السنة بظهور الفساد، وتبين أن الفساد سبب وقوع المعاصي وهذه يؤيدها مواطن أُخر في القرآن (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) فالمعاصي تسبب الفساد وإذا حصل الفساد فهنا نحتاج إلى سنة المدافعة حتى يُكف المفسدين عن الفساد.
إلى هنا ينتهي الجزء الثاني.
-------------------------------------
https://t.me/fwaidalayat
● في قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) هذه فيها إثبات سنة المدافعة، إحدى السنن الإلهية التي تذكر في القرآن الكريم سنة المدافعة التي هي أن قوم يدفع قوم حتى يقوم الحق، هذه أحد مواضعها وفي الحج أيضا (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) وتلاحظين أن كلا الآيتين وردت في سياق الجهاد، من سنة المدافعة أن الله عز وجل يقيم فئة كل منهما يدفع الآخر بحيث يظهر الحق، فلو لم تكن هذه السنة موجودة الجواب ماذا؟ (لفسدت الأرض) إذن لكان أصحاب الباطل يعني يستشير باطلهم وينتشر الإفساد دون أن يكون يدفعهم أحد فيقيم الله سبحانه وتعالى سنة المدافعة، وإحدى مظاهر سنة المدافعة فريضة الجهاد.
طبعا لو سندخل في هذه السنة تفصيلا سيدخل فيها الجهاد، وسيدخل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيدخل فيها أمور متعددة.
اقتران هذه السنة بظهور الفساد، وتبين أن الفساد سبب وقوع المعاصي وهذه يؤيدها مواطن أُخر في القرآن (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) فالمعاصي تسبب الفساد وإذا حصل الفساد فهنا نحتاج إلى سنة المدافعة حتى يُكف المفسدين عن الفساد.
إلى هنا ينتهي الجزء الثاني.
-------------------------------------
https://t.me/fwaidalayat
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق