الجمعة، 30 مايو 2025

وقفات مع سورة الحج -اللقاء الأول-

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نحمد الله-عزَّ وجلَّ-حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا ونسأله-سبحانه وتعالى-أن نكون من الشاكرين على نعمائه، فإنّ من أعظم نِعَم الله-عزَّ وجلَّ-على خلقه أن يدلّهم الصراط المستقيم ويجعل القرآن الكريم هو دليلهم على هذا الصراط المستقيم.
وهذه النعمة كلما شُكرت كلما زيدت فيها البركة؛ ولذا من الواجبات علينا-خصوصًا في هذه الأوضاع التي يعيشها العالم الإسلامي-أن نزداد شكرًا لربنا أن يسّر لنا أسباب العلم وسهّلها لنا ووفّقنا لها ويسّر لنا الاجتماع بهذه الصورة اليسيرة، فإننا نخرج في أمن من الله، ونجتمع في أمن الله، وننصرف إلى بيوتنا في أمن الله، فهذه كلها نعماء ثم أننا نجتمع على كتاب الله وعلى سنة نبيه-صلى الله عليه وسلم-متبرّئين من البدع، خائفين من الضلال، خائفين أن نكون من القوم الذين غضب الله عليهم في أنهم تعلموا ولم يعملوا، وهذه كلها مع اجتماعها نعمة عظيمة، وانظر حولك ترى آثار فقدان هذه النعمة! أسأل الله-عزَّ وجلَّ-أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن نكون ممن شكر صدقًا وحقًا فكان لربه شكّارًا كان لربه ذكّارًا اللهم آمين.

سورة الحج من أعاجيب السور

هذه السورة كما سماها أهل العلم (مِن أعاجيب السور)، والسبب في كونها من أعاجيب السور: ما تضمّنته من معاني مجموعة في كل باب من أبواب العقيدة وكل باب من أبواب العبادة. 
ومن أعاجيبها أنها تخاطب الناس على وجه العموم ثم ينقسم الناس انقسامات إلى أن ينتهي التقسيم في هذه السورة العظيمة بالكلام حول المؤمنين التي تأتي سورة المؤمنون بعدها تفصيلًا لها، فتكررت مناداة الناس في السورة أربع مرات: 
{يَا أَيُّهَا النَّاس} ثم في نهاية السورة نودي المؤمنين فقال الله-عزَّ وجلَّ-في آخر السورة كما سيتبيَّن لنا مناديًا المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا} ثم يأتي تفصيل خطاب أهل الإيمان في السورة التي بعدها مباشرة وهي سورة المؤمنون، فأصبحت سورة الحج مدخل لسورة المؤمنون.
من أعاجيب هذه السورة أيضًا: الكلام حول نفس اسم السورة فهي السورة الوحيدة التي فيها اسم لركن من أركان الإسلام، ليس هناك سورة اسمها الصلاة وليس هناك سورة اسمها الصيام ولا سور تذكر بقية الأركان إلا هذه السورة فيها الحج. والسبب لذلك والله أعلم-وهذه إحدى الوقفات المهمة-أن مسألة الحج تجمع بين أمرين أساسيين: 
الأول: ستظهر حين أعرف معنى كلمة الحج في اللغة، فما الحج في اللغة؟
الحج في اللغة بمعنى: القصد إلى معظّم، فمعنى هذا أن الحج فيه ركنين:
الركن الأول: عمل قلبي وهو القصْد، أي: تقصد، تريد، تتجه. وهنا: القصد إلى معظَّم، سيظهر من كلمة: (القصد) أنه أصلًا قصد بالقلب.
يأتي الأمر الثاني: أن هذا القصد لمن يراه الإنسان معظّمًا، وهذا العمل القلبي الثاني، أي: تقصد بقلبك من تعتقد أنه معظَّم، فالقصْد إلى معظَّم هذا اسمه (حج). هذا القصد إلى معظَّم سيكون أولًا بالقلب ثم ينتقل من كونه بالقلب إلى كونه بالجوارح، فتأتي المسألة الثانية، يعني كلمة "الحج" بنفسها كلمة عظيمة تحتاج إلى تفكير طويل، ليس هذا الذي يمر مباشرة على الخواطر أن كلمة الحج معناها بعض أعمال نقوم بها، إنما الحج أصلًا مجردًا من الأعمال هو قصْد إلى معظَّم، تقصد بقلبك أولًا وأنت تعتقد أن الذي تقصده صفته أنه معظَّم، ثم إذا قصد قلبك المعظَّم سيجر قلبك الجوارح. 
الأمر الثاني الذي يجعل كلمة الحج عجيبة: أن الجوارح ستقوم بكل أركان الإسلام تحت ظل الحج. كيف؟! 
ها هي ستصلي الصلوات المعلومة، وأيضًا ستطوف والطواف في صورته الحقيقية يشبه الصلاة، وها هي ستنفق مالًا من أجل أن تحج وهذا يشبه في أصله الزكاة، فهذان ركنان: مقصود الصلاة، ستصلي صلواتك وفي نفس الوقت ستطوف والطواف في صورة يشبه الصلاة. وستنفق مالًا فستستخرج حب المال الموجود في النفس، تزكيها بإخراج المال. ثم ستمتنع عن أمور، ستمتنع عن الرفث والفسوق والجدال في الحج، وهذا الامتناع يشبه الصيام.
فليس هناك حاج حقيقي حجّه مبرور إلا وقد تحقّق فيه القيام بأفعال أركان الإسلام، فقد صلى لله الصلاة المعروفة، لم يترك الصلاة، وأيضًا سيطوف فسيزيد صورة لصلاته عن الصورة الأساسية المعروفة، ثم سيدفع مالًا، ثم سيمتنع وهو في كل هذا ذاكرًا لله، في كل هذا معظمًا لله، في كل هذا يشهد أن لا إله إلا الله، في كل هذا يُظهر ذلّه وانكساره لله.
فانظر للأركان الخمسة من الإسلام تجدها كلها متمثلة في الحج؛ إذًا معنى ذلك أن سورة الحج تتميّز عن بقية السور باسمها لأنها سميت سورة الحج.
كأن السؤال: لماذا الحج هو الذي برز وأصبح أكثر أهمية من بقية الأركان؟! 
لا تفهم أنه أكثر أهمية لكن هذا الحج فيه بقية الأركان تامة الوضوح سواء كانت الصلاة أو الصيام أو الزكاة ثم شهادة أن لا إله إلا الله وما يلحقها هذا أظهر شيء أصلًا في الحج، لأن الذي يشهد أن لا إله إلا الله شهادته تظهر بوضوح عندما يقول: "لبيك اللهم لبيك".
هو يقول في: "أشهد أن لا إله إلا الله" ليس لي إله أحبه وأعظمه إلا الله، فإذا كان يحبه ويعظمه من آثار حب الله وتعظيمه أن يقول: لبيك، أن يستجيب للنداء، فالذي يلبّي هذا عبد وقع في قلبه محبة الله، تعظيم الله، فكان أثر محبة الله وتعظيم الله تلبية النداء؛ ولذا الإنسان عندما يقول: "لبَّيك" كما سيتبيَّن لنا إن شاء الله من خلال النقاش سيكون هذا عبد كأنه يسمع نداءً، متى تقول: لبَّيك؟! عندما تسمع نداءً، فالذي يحب الله ويعظم الله يسمع نداء الله فإذا سمعه لبَّى النداء.
وهذه الكلمة: (لبَّيك) تأتي من لُبّ الإنسان، فهو يحبّ ربّه حبًّا ويعظّمه تعظيمًا يجعله يعطيه ويُقبل عليه بلبّه فيقول: لبَّيك، وهذا الذي يلبّي ربه يلبّيه من جهة المحبة لأن في لغة العرب "امرأة لبّة" أي: امرأة محبة لأبنائها، (لبَّة): محبة، فأصبحت التلبية تأتي أيضًا من وجه المحبة، والعرب تقول: " أخذ بتلابيبه"، كيف أخذ بتلابيبه؟ يعني أخذ به منقادًا، فالذي يقول: لبَّيك. يقول: أنا منقاد، وكل هذه الحقائق هي حقيقة أثر (لا إله إلا الله)، فكأنّ (لا إله إلا الله) تظهر بوضوح في كلام الحاج لأنه يبتدئ بأن يلبي ربه كما تعلمون في أول المناسك إلى أن يصل إلى يوم العيد ويكون في قلبه من الفرح بهذا العمل الذي يرجو أن يقبله الله كما أخبر الله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
فالذي يقول: "الله أكبر" معناه أنه يقول: إقبالي عليك وقبولك لي أكبر عندي من كل شيء (الله أكبر الله أكبر) ويبقى يكبر. فيصبح الإنسان بين التلبية والتكبير يحقق معنى أنه ليس لي إله أحبّه وأعظّمه إلا الله.
نعيد الأمر الأول: هذه السورة العظيمة من أعاجيب السور، تبدأ عظمتها من النداءات الموجودة فيها، ففيها نداءات للناس إلى أن يصل النداء إلى المؤمنين، وسيتبيَّن-إن شاء الله-وسنتوقف مع هذه النداءات ونتكلم فيها بالتفصيل.
يأتي الأمر الثاني: الوقوف مع اسم السورة، هي السورة الوحيدة التي سميت باسم ركن من أركان الإسلام ولم تسمى سورة غيرها، والسبب في عظمة الاسم يأتي من جهتين:
يأتي من جهة معرفتك أصلًا لمعنى الاسم، قبل أن نتكلم عن الحج في المصطلح الشرعي فلنناقش الحج في اللغة، هذه المعلومة يجب أن نحفظها معنى الحج في اللغة: القصد إلى معظَّم، فمعناه أن الحج سيجمع بين أمرين: 
بين عمل القلب.
وعمل الجوارح.
تقصد بقلبك، جوارحك ستكون تابعة لك.
إذًا الجهة الأولى التي سيكون فيها اسم السورة عجيب أنها تشمل عملين مهمين: عمل القلب وعمل الجوارح.
ثم أن الحاج-إن صدق في حجه-لابد أن يكون معظمًا لله، إذا كان معظمًا لله فمعناه هو في نفسه ذليل، وهذا الذل واضح جدًا في سورة الحج بدليل أنها السورة الوحيدة التي فيها سجدتين، وهي التي فيها كلمة: "المخبتين"، وهي التي ورد فيها أكثر من مرة الكلام عن السجود والأمر به، فهذا كله إشارة إلى أن السورة تدور حول: الخضوع، الذل، الانكسار. تدور حول العبودية. فهذا شيء من أسرار الحج.
 ثم انظر لها من جهة الأعمال البدنية تجد أن من أسرار الحج نفسه الذي هو اسم السورة أن أعمال البدن كلها-أعمال الإسلام-من قول: (لا إله إلا الله) إلى أن نصل إلى الصلاة، إلى الصيام، إلى إيتاء الزكاة، كلها مجموعة في الحج. من أي جهة؟
إذا كانت كلمة (لا إله إلا الله) فإن تحقيقها بالتلبية وبيانها بالتكبير؛ لأن الذي يقول: (الله أكبر) يبيِّن أنه ليس في قلبه إله يحبه ويعظمه أكثر من الله، الله أكبر من كل أحد، والله أكبر من كل شيء، من كل المشتهيات ومن كل الرغبات ومن كل الاتجاهات ومن كل التعلّقات، كأنه يبيِّن ويوضح ما معنى كلمة: (لا إله إلا الله) في قلبه.
إذا بدأنا بكلمة: (لا إله إلا الله) فهذا بيانها وأكثر من ذلك البيان.
وإذا أتيت إلى الصلاة فإن الحاج يصلي صلواته وأيضًا يضيف على ذلك أنه يطوف، والطواف صورة من صور الصلاة.
وإذا أردت المال وإخراجه فهو يحج بماله.
وإذا أردت الامساك والامتناع فهو يمتنع عن الرفث والفسوق والجدال في الحج.
فهو في حال تحقيق لمقاصد أركان الإسلام؛ ولذا ترى هذا الحج عظيم في أثره على الخلق إن صدقوا في أمرين مهمين: 
إن صدقوا في مقاصدهم لا يريدون إلا أن ينظر لهم الله وهو راضٍ عنهم.
وإن صدقوا أيضًا في تعظيمهم لربهم، فكما يقولون: "إن الركب كثير والحجاج قليل"، فإن كثير من الخلق يُفضح عدم تعظيم ربهم في المواقف والأحداث. نسأل الله-عزَّ وجلَّ-أن يسترنا بستره ويجعلنا ممن عظمه حقًا ولما اختبره ظهر منه الجميل وستر منه القبيح اللهم آمين.
إذًا معنى ذلك أن هذا الاسم العظيم -اسم السورة- فيه من الأعاجيب التي تظهر داخل السورة، والناس حتى في الحج لهم هذه الأربعة أصناف وسيتبيَّن لنا، فكأننا سنأتي في لحظة نرى أصناف الناس في الحياة ونرى أصناف الناس أيضًا في نفس الحج، كأنه تأتي الابتلاءات والاختبارات فتكشف حقائق الناس.
الحج إذا تحقق حقًا وخرج الإنسان ومقصده ربه والمال الذي يدفعه يراه تزكية لنفسه والعبادات التي يقوم بها يكون صادقًا في استحضار نفسه مع ربه وامتناعه يكون حقًا، سيأتي نموذجًا جديد من شخص قد سما بعدما حج أربعة أيام! لأن كل أركان الإسلام تجتمع في أيام محددة.
ثم في الحج شأن عجيب من جهة أخرى في نفس اسم السورة: فإن الناس وهم سائرون إلى الله في حياتهم-هذه حقيقتهم-كل يوم يسألون ربهم الصراط المستقيم، وهم يقولون لربهم: نحن نقصد هذا الصراط ونريد أن نسير فيه، ونحن حجاج مقبلين عليك نرجو أن نلقاك وأنت عنا راضٍ.

في الحج نقصد مكانًا يحبه الله، وفي الحياة نقصد رؤية الله
فيكون هذا يشبه هذا في السير، أي أن السائر إلى ربه طوال الحياة على الصراط المستقيم يقصد في نهاية الأمر أن يصل إلى أن يلقى ربه وربه عنه راضٍ ويقبله ثم يتمتع بأن يراه، والذي يحج يريد أرضًا يحبها الله، أرضًا عظَّمها الله، فالحاج حين يمشي في سيره يسير ولا يريد أن يلتفت يمنة ولا يسرة.
وأكثر شيء -كما هو معلوم لمن حج ولمن يسمع عن الحج- يخيف الحجاج: الضياع، ودائمًا تسمع أن الجماعة تأخروا ولم يذهبوا عرفة في الوقت المناسب، الجماعة تأخروا ولم يدخلوا مزدلفة! انظروا هذا الضياع ولو تنظروا إلى المنطقة خالية من الناس تستطيع أن تراها بعينك من أعلى جبل محيطة مع بعضها، لكن حين يسير الناس في داخلها كم يتوهون! انظري لهذه المساحة التي هي عدة كيلومترات، مجرد عدة كيلومترات-عند الناس-لكن حين يأتونها الناس تصبح بالضبط كأنها الحياة، هكذا الحياة بالضبط عدة كيلومترات فقط تبتدئها من هنا، هنا تنام وهنا تمسى وهنا تصبح، هنا تخرج، هنا تأتي وتنتهي الحياة! 
هي بالضبط أيام منى ونهار عرفة وليلة مزدلفة ما هي إلا أيام، والناس أكثر شيء يخيفهم في هذه الأيام أن يتوهوا، هذه المشاعر بالضبط، لماذا خائفون من أن يتوهوا؟ لأنهم يقصدون، أي: يخرجون من ديارهم يقصدون مكة فيخافوا أن يتوهوا أو يضيع الوقت أو يُحبسوا، انظري كيف يكون حالنا حين نخاف أن نحبس؟! وهكذا يخاف العبد أن يحبس عن باب الله. 
عندما نصل، انظر ما هو مقدار الفرح الذي يحصل عند العبد أنه وصل إلى الحرم وأنه طاف؟ يكون معه تصريح ومتأكد أنهم سيجاوزونه وكل شيء لكن أول ما يقف عند النقطة ليفتش، تأتي مشاعر الرعب أن يُحبس، فهذه المشاعر المفروض تشبه مشاعرنا ونحن سائرون إلى ربنا، نخاف أن نحبس عن بابه، نكسل عن طاعة، نكسل عن صيام، نكسل عن صلاة، نكسل عن قيام، نكسل عن وتر، وتراك محبوسًا عن الله-عزَّ وجلَّ-. ثم إذا وصلنا يقع في قلوبنا الفرح ثم ننتهي من هذا فنطوف ونسعى على حسب النسك ونخرج من الطواف فنريد أن نصل منى بأي طريقة، نريد أن نطير ونصل إلى منى وكل مشاعرنا أننا نقصد.
انظري هذه الانتقالة "نقصد" فهكذا الإنسان في حياته يقصد الله، في رمضان يقصده بعمل، في الحج يقصده بعمل، في الشهور المعظمة يقصده بعمل، حين يذهب للعمرة يقصده بعمل، حين يتصدق يقصده بعمل وهكذا، وكل مرة يقصده بعمل، أكثر شيء يخيفه أن يتوه.
ونحن سائرون إلى الله المفترض أن تكون عندنا نفس الصورة بالضبط، نخاف أن نسير وينحرف مقصدنا، كيف ينحرف مقصدنا؟!
الحج هو القصْدُ إلى معظّم وهو الله!
لا تنس أن الحج هو القصد إلى معظَّم، والقصد إلى معظَّم يبتدئ بالقلب، هذا بالضبط يشبه حين تعبد الله، يمكن أن يحصل عند العبد انحراف عن المقصود. انظر كيف نخاف أن نضيع عن عرفة ونضيع عن مزدلفة، يعني نبات في منى ونقول سنتحرك نذهب إلى عرفة أكثر شيء يخيفنا-إن كنا صادقين-أن نُحبس عن عرفة، حين نصل إلى عرفة نخاف نحبس أن لا نذهب إلى مزدلفة، وهكذا، نخاف أن نحبس ولا نذهب لرمي الجمرات، هذه المشاعر نخاف أن نبعد عن المقصد.
والإنسان سائر إلى ربه بالضبط هذه صورته، المفترض أن تكون هذه صورته! طوال الوقت يخاف أن يحبس عن مقصده، مَن مقصوده المعظَّم؟! الله، إذا كان مقصودك المعظَّم الله؛ إذًا يجب أن يبقى هذا دائمًا في قلبك وتصبح هذه الصورة للإخلاص: أن الله هو المعظَّم في قلبك، وأنت سائر تريد رضاه، وتخشى أن تنحرف في الوسط عن رضاه.
تصور كيف يضيع الناس في المناسك؟! أحد الأسباب في الضياع أن يكون الشخص الذي يحمل الراية أمامك، وأنت تسرح، وأنت تلتفت، تتكلم في الجوال، تقف هنا تحاول تستريح! ذهبت الراية، ضاع عليك الطريق!
هكذا راية النبي -صلى الله عليه وسلم- تتوه عنها بأنك تذهب يمينًا أو يسارًا أو مع هذه الجماعة أو هؤلاء يقترحون عليك عبادة لم ترد في الشرع أو أهل الأهواء يأخذونك وتسير فتضيع عن الراية؛ فيأتي الضياع الذي هو أخطر ما يكون على أي أحد عنده وقت محدد ومقصد محدد وهذه هي الحياة بالضبط.
يعني لو تأخرنا عن مزدلفة وأشرقت الشمس ذهب البيات في مزدلفة! ذهب هذا الأمر وما استطعناه!
لو مثلًا هذا الحاج لم يأتِ عرفة لا أتاها ليلًا ولا نهارًا وهو ناوٍ أن يحج! إذًا انتهى ويقال له: السنة القادمة!
هكذا حياتنا بالضبط لابد في كل فترة من الحياة هناك مقاصد تامة الوضوح، أعمال نعملها نقصد بها ربنا ولا نتأخر، فالخوف الخوف أن نتأخر.
لو كانت هذه المشاعر موجودة تجاه الحياة كان الإنسان سار على الطريق المستقيم وهو في حالة من القوة المعنوية حتى لو ثقل بدنه هناك شوق إلى الله، هناك استغفار، هناك خوف من الضياع لكن الناس سائرون في الحياة وكأنهم مطمئنون تمامًا أنهم على الصراط المستقيم وهذا يضعف في وقت صلاتنا قولنا لربنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} والسبب أننا نشعر أننا سائرون ولا نشعر أننا نضيع لكن في الحج لأن الأشياء محسوسة -حسية- أنك ضعت وأن الناس ذهبوا إلى عرفة وأنه ليس هناك علامة وأننا في مزدلفة، لأنه هناك أشياء حسية فهناك خوف، هناك بكاء، هناك إحساس بالحزن، هناك صلاة ودعاء: دلّنا، خفف عنّا، يسر لنا! وهذا حين يكون الإنسان صادقًا في سيره للحج، فتراه أكثر شيء يخافه أن يتأخر عن الوقت، أن يضيع وقت عرفة، أو أن يجد نفسه وقتما يدعو الناس لا يستطيع أن يدعو؛ لأنه لا يعرف أين هو أصلًا في حدود عرفة أم في خارجها...
كل هذه المشاعر التي تسمعونها وراءها حكمة من الله-عزَّ وجلَّ-لأن لو كل الناس وصلوا عرفة وكل الناس ذهبوا إلى مزدلفة وكل الناس تم حجهم بدون أي مشاكل لن تكون هناك مشاعر أنك يمكن أن تضيع، والناس حين تصير هذه المواقف يكون كل ثقلهم على الحملة، كل ثقلهم على الناس، كل ثقلهم على الأشخاص، على الوزارة، على القطار، وهذا ليس صحيحًا إنما من أجل أن تتربى، لكن شعورك أنك تستطيع أن تصل إلى الصراط المستقيم بدون دعاء ولا ابتهال ولا انكسار إنما نشعر أنه بمالنا نذهب نحج والحجة مقبولة بناءً على أننا دفعنا فيها أكثر! فهذه المشاعر كلها أصلًا مفسدات، مفسدات تشبه مفسداتك وأنت سائر في الحياة، شعورك أنك مقبول، شعورك أنك فعلت ما عليك، ورميك دائمًا للأخطاء على غيرك هؤلاء سببوا لي أن أغضب وأقول كلمة خاطئة، وهؤلاء سببوا لي أن أتكلم بالرفث، وهؤلاء سببوا لي، هذا كله ليس مقبولًا كما أنه في الحياة ليس مقبولًا أنك تكون تعرف من ربك وتعظم الله وتسير في هذا الصراط ثم تكسل عنه أو تتأخر.
في الليل هناك وظائف، في النهار هناك وظائف، في الأماكن هناك وظائف...
إذا لم تأخذ كل الوظائف إذًا أنت تائه.
إذا لم تسر على الصراط المستقيم إذًا أنت تائه.
إذا لم تعرف سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل شيء إذً أنت لا تنظر إلى راية. وهكذا بالضبط هذه الصورة كاملة.
إذًا فهمنا أن الحج -اسم السورة- : القصد إلى معظَّم هو نفسه بالضبط صورة الحياة، نحن سائرون نقصد الله على الصراط المستقيم، حين يأتي الحج يصبح كأنه الصراط المستقيم موقع جغرافي، والصراط المستقيم في حياتنا ليس حسيًا إنما معنويًا، فهذا الصراط المستقيم المعنوي يصبح في لحظة في الحج عبارة عن حسيّ، وسنلاحظ علاقة بين الحسيّ والمعنوي أن كلا الطريقين مبنيان على الامتثال، ليس هناك اقتراحات أبدًا.
نفترض واحد سائر على قدميه ويذهب من عرفة إلى مزدلفة، والخريطة تقول له: من هنا، لكن هو يقول: فلنجرب هذا الطريق! فماذا سيحدث في النهاية؟! سيضيع! لابد أن يضيع، أو يأتي يقول: أجرب أن أفعل هذا الفعل، بدلًا من أن أرمي سبعة أرمي ثمانية، بدلًا من أن أرمي فقط جمرة العقبة في يوم العيد أرمي الصغرى والكبرى بالمرة! نقول: لا، لا يقبل منك وتصبح مبتدعًا وتصبح خرجت عن الصراط المستقيم ويصبح حجًا ليس مقبولًا لأنك اخترعته، بالضبط هكذا حين يكون الإنسان سائرًا ولا يفكر في امتثال الأوامر إنما يفكر أن يتقرب كما هو يريد وليس كما ربنا يريد.
في الحج أنت لا تستطيع أن تجلس في مزدلفة والناس في منى أبدًا، إنما الناس في منى أنت معهم في منى، الناس في عرفة أنت معهم في عرفة، الناس في مزدلفة أنت معهم في مزدلفة، الثلاثة أيام يجلسونها في منى تجلس معهم، يرمون الجمرات في الثلاثة أيام ترميها في الثلاثة أيام، قبل أو بعد هذه المساحة المفتوحة لا بأس لكن المقصد أن هذه الأعمال هي التي يجب عليك أن تعملها.
فمن قصد الله وهو معظم لله فيمتثل أمر الله، مثلما نمتثل أمر الله في الحج، انظر كم يكون الناس دقيقين في الحج-وهذا مما يشكرون عليه-فتجدهم يسألون: ماذا نفعل، كم حجم الحصى وقتما يرمون، ما حكم البيات في مزدلفة؟ وكثير من الناس يحبون أن يكملوا ما عليهم من الأعمال ويحبون أن يعرفوا ما الدعاء المحبوب، فهذه الدقة في الحج صورتها في الحياة أن لا تخطو خطوة إلا وقد كانت على الصراط المستقيم، لا تفتِ نفسك فتوى تذهب بدينك! لا تدخل في بيع وشراء لا تدري هل هو ربا أم حلال، لا تعالج بشيء ولا تدري هل هو شرك أم توحيد، وهكذا إلى أن يتم للإنسان أن يخرج من الحياة على الصراط المستقيم. 
مما نلاحظه أيضًا في الحج مقابل الصراط المستقيم أن الحج أيام معدودات والحياة تشبهها، الفوارق الشاسعة بين الناس في الأيام التي نراها طويلة بالضبط مثل قوم تعجلوا وقوم تأخروا، يعني كأن ليس بينهم إلا ليلة ويوم فقط، مهما طالت الأعمار ما بينهم إلا هذا اليوم، فإذا أطلت جدًا ستزيد عن الناس بيوم، وهذا اليوم اجعله عشر سنين، اجعله عشرين سنة، لكن في النهاية لابد أن تخرج من مِنى، لابد أن تخرج من الحياة... 

الحج أيام معدودات والحياة تشبهه
والذي رأى المشهد حين يخرج مِن مِنى سيكون بالضبط هو حقيقة الحياة لأنه أول ما يخرج الناس من مِنى، يقلعون خيامهم وتصبح مِنى-بعدما كانت فيها الأعداد والطعام والشراب والناس طوال ثلاثة أيام-لا شيء، اليوم يكون هذا المخيم مبني وهذا المخيم مبني، ولا يخرج من ذاك اليوم إلا وقد هُدّ كل شيء! وترجع مِنى إلى صورتها الأساسية وهكذا بالضبط الحياة سَيدُك الله-عزَّ وجلَّ-هذه الأرض دكًّا لا يوجد فيها عوجًا ولا أمتًا أبدًا، كل شيء متساوٍ، فالناس الذين كانوا يتفاخرون على غيرهم نحن في مخيم كذا يصبح ولا شيء، كله ذهب، مجرد زينة زائلة ستصبح متساوية في لحظة.
فالمقصد أن هذه الصور كلها تجعل الحج له عظمته في النفس سواء حججت أو لم تحج، الحياة صورة من الحج، طبعًا الذي يحج ويشعر بالمشاعر الحقيقية التي تنقله إلى الحياة سيكون موقفه مختلف عن من لم يشعر، لكن لو حركت قلبك؛ ستفهم أننا نسير على الصراط المستقيم الذي يشبه صراط الناس السائرين إلى ربهم في الحج.
يبقى علينا شيء مهم جدًا أن نفهمه: أن الحج قصد إلى معظّم، وإذا ما كان هذا الأمر واضحًا يعني إذا قصدت لكن ليس إلى المعظَّم ماذا يحصل في الحج؟! ترى سفيه، ترى هذا الشخص الذي لم يعظم ربه في كل المواقف سفيه، أصلًا لماذا تحصل مواقف؟! ما السبب في المواقف؟! 
نقول: الحج بالضبط يشبه الحياة لا يمكن أن يكون على ما تحب ويأتي بما تريد! بل لابد من بلاء يجره بلاء، والناس الذين يذهبون إلى الحج بتكرار، الله-عزَّ وجلَّ-ينوع عليهم أنواع البلاءات كل سنة بصورة: سنة يكون أصحابهم بلاءهم، سنة تكون نفوسهم بلاءهم ووسواسهم والشيطان، وسنة يكون وسنة يكون...
 لذلك مما يميز الحج أنه لا يشبه رمضان والشياطين ليست مثل رمضان مصفَّدة إنما هي منتشرة، وأيضًا في الحج هناك مشكلة أخرى بعد شياطين الجن، أن هناك شياطين الإنس فتجتمع عليك الصورة الحياتية الحقيقية أن هنا بلاء وهنا بلاء وهنا ينقص عليك ماذا تفعل في البلاءات؟! إذا بقيت تقول: هذا فعل وهذا اعتدى وهذا يستحق أن أرد عليه وهذا يستحق أن أدفعه وهذا دفعني أدفعه وهذا أخذ مني أأخذ منه...إذًا أنت راسب راسب راسب في كل الاختبارات!! لا يحتمل الحج ذلك أبدًا، ولابد طوال الوقت أن تقول: إن الله عظيم في نفسي؛ ومن أجله سأحبس نفسي، من أجله لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، تحبس نفسك من أجل العظيم.
فتصور الصورة: الأربعة أيام أنت تقول: هي كلها أربعة أيام ولن تعيش معه طوال العمر، هذا الذي جالس بجانبك أو الذي فوقك أو الذي هنا أو من قابلته لن تعيش معه طوال العمر، تقف تصلي في الحرم مثلًا أو تطوف ويأتي أحد يجاورك ويؤذيك أو امرأة تدفعك، فقط هذه اللحظة التي تمر عليك فيها تشبه ساعات أو أيام أو سنين لأحد يمر عليك وسينتهي!
مثلما يحصل في الطواف، انظروا كيف في الطواف لا نبقى بجانب أحد إلا الذين نمسك فيهم، مثلًا حين يكون والد وأبناؤه يمسكون في بعضهم، وأيضًا يمكن أن يضيعوا، لكن الذين يطوفون حولك ميزتهم أنهم يتغيرون، فلو تريد أن تعادي هذا وتجري وراءه لتؤذيه لأنه آذاك وهذا الآخر فعل لك كذا وهذا تنظر له وهذا تتأكد منه...إذًا ذهبت الحياة، في الصورة ذهب الطواف وفي الحياة ذهبت الحياة، فأنت تقول: هذا بيت الله لا أكون سفيهًا فيه. وهكذا بالضبط وأنت في الحياة، الرحلة إلى الله! فلا تكن سفيهًا تشتغل بغير أنك في بيت الله، بغير أن قدماك قد وطأت مكان وطئه الأنبياء، لا تفكر في غير هذا، من تعظيم البيت الحرام، ومن تعظيم ما عظَّمه الله-عزَّ وجلَّ-يقع في قلبك أنه عيب أن الله ينظر إلى قلبك وأنت مشتغل بالخلق، عيب أن ينظر الله إلى قلبي وأنا أريد أن أأخذ حقي من فلان وعلان، كله عند الله، وتصبح هناك طمأنينة في القلب أن هؤلاء الذين حولك فقط يمرون عليك وهكذا الناس حولك فقط يمرون لحظة الاختبار.
لحظة الاختبار هذه -تصوروها بهذا الشكل- أنك سائرة وجاءت هذه الحاجَّة ودفعتكِ وأنت إلا تدفعيها مثلما دفعتك! فتحاولين أن تسرعي لتصبحي في صفها، هكذا بالضبط حين تأتينا البلاءات في الدنيا هذا آذاني فأركز معه فماذا أفعل؟! أسير بنفس سرعته في الدنيا فيبقى البلاء عليّ وأنا كان يمكنني أن أخففه على نفسي بألَّا أركز معه وأطلب من الله أن يغفر له ويغفر لي ثم سيذهب وينتهي، مثلما يطوف الناس ويبتعدون عنك بالضبط هذه البلاءات في الدنيا تطوف عليك وتبتعد عنك. 

الحج يشبه الحياة من جهة السعي
هذا الحج يشبه الحياة من جهة السعي، انظر كيف أن الناس سعيهم في السعي شتَّى! هذا يتكلم في جواله وهذا عصبي وهذا متثاقل وهذا سرحان وهذا تعبان وهذا مركز ماذا يفعل وماذا يقول، فتخيل كيف سعيهم شتى في السعي والناس أوضاع مختلفة واليوم هذا يتكلم في جواله وهذا كسلان فتري صور واضحة تمامًا بأن سعيهم شتى والحياة تشبه هذا السعي كل الناس سعيهم يختلف على حسب حالهم وحضور قلبهم ونظرتهم للحياة.
إذًا كيف تتصور الحياة؟! الحياة تشبه هذه السبعة أشواط طوال الوقت تنكسر وتسبح وتذكر الله وسيأتيك هذا وسيأتيك هذا وستطول عليك المسافة وهنا تسرع وهنا تبطئ وهنا تنزل في بطن الوادي وهنا ترتفع وهنا تكون على الجبل، هكذا الحياة بالضبط، تخيلوا معي (المـَسعى) ما صورة المـَسعى؟! جبل ثم وادٍ ثم جبل مرة أخرى ثم تعود فتنزل إلى الوادي هكذا فقط، وهذا الذي نتصوره بسيط، كأنه يصور سعي الناس في الدنيا.
فالمقصد الآن أن الحج عمل لو نظرت إليه بتحليل رأيت بالضبط الحياة.
المقصد أن هذا الاسم حين سميت به السورة له دلالات عظيمة وخصوصًا لو نظرت جيدًا كيف وقعت هذه السورة بين سورتين: بين سورة الأنبياء وبين سورة المؤمنون.
أما الأنبياء فقد اتفقوا جميعًا على الحج، اتفقوا جميعًا على هذا النسك؛ ولذلك حين يأتينا -إن شاء الله- في الأسبوع القادم الكلام عن إبراهيم -عليه السلام- سنرى كيف أن إبراهيم نادى واتبعه كل الأنبياء في ذلك، فلما جاءت سورة الحج تقول: وكلهم دعا إلى التوحيد وكلهم دعا إلى الحج. ثم تأتي سورة المؤمنون بعد سورة الحج خصوصًا أننا نجد خاتمة سورة الحج تنادي المؤمنين: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ستتبيَّن لنا -إن شاء الله- العلاقة بين سورة الحج وسورة المؤمنون وسورة الأنبياء.

نبدأ الآن بمطلع السورة، سنقف فقط وقفات على السورة:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ}
ابتدأت السورة بنداء الناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وجاء الأمر بالتقوى، لكن انظروا بداية سورة الأنبياء: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} ثم أتى بعدها في سورة الحج خبر عن الساعة، جاء خبر عن زلزلة الساعة وأن زلزلة الساعة شيء عظيم ثم أتى أخبار عن تفاصيلها، فقط نرى مطلع سورة الأنبياء لنتصور الأمر.
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَـٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} 
في سورة الأنبياء التي هي قبل سورة الحج أتى الخبر: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} ما حالهم؟ {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} فهذه الغفلة سببت لهم الإعراض {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ} هل لا تأتيهم النذر، لا تأتيهم الآيات؟ لا، بل تأتيهم {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم} ما صفته؟ {مُّحْدَثٍ} الذكر (محدث) أي: جديد، مجدد، يجدد لهم التذكير، ما ردهم؟ {إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} ما حال قلوبهم؟ {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} إذًا لاهيةً قلوبهم ولاعبة أبدانهم، مع أن الذكر يأتيهم ومع اقتراب الحساب، فماذا نفعل مادام اقترب للناس الحساب؟! {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} جاءت كلمة الناس وجاء في أول الحج {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} يعني مادام اقترب الحساب لا تكونوا من أهل الغفلة، لا تكونوا من أهل اللعب، لا تكونوا من أهل اللهو، لا تلهو قلوبكم وتلعب أبدانكم، وكلما جاءكم ذكر يذكركم بلقاء ربكم كان موقفكم أن تعاملوه باللعب وتعرضوا عنه.
ونحن اليوم كل يوم هناك ذكر محدث لنا، فإذا نظرنا للشمس التي تولد كل يوم صباحًا وتموت كل يوم في نهاية اليوم، وإذا نظرنا للقمر يولد في بدايته ويموت في نهايته ثم إذا نظرنا للأكثر والأقرب حسًا وهم الموتى الذين يموتون حولنا، كل هذا ذكر محدث، كل يوم يقال لنا: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} إلى درجة أننا بنفسنا نعيش مواقف نكون آمنين في سيارتنا -اسأل الله أن يؤمّن الجميع ويؤمّن المسلمين-نكون في سيارتنا سائرين ولا نجد إلا قد حصل حادث أو حصل كذا من الأمور، في لحظة إذا ما قلت: (لا إله إلا الله) انتهى الأمر ثم ينجيك الله ويخرجك الله فهذا ذكر محدث؛ لتتذكَّر لقاء الله، فلا تقابل الذكر المحدث بالإعراض! إنما قابله بالتقوى، تجد نفسك كدت أن تهلك ثم ينجيك الله، فقابل ذلك بالتقوى، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} وما الذي يدفعكم للتقوى؟! أن تكونوا مؤمنين، أن تكونوا مصدقين، أن تكونوا متيقنين، بأي شيء؟! بما ستلقونه، بما سيكون حقًا موجودًا.

هذا الجزء الثاني الذي سنتكلم فيه: أن أزمتنا الحقيقية فيه أن ما نسمعه دائمًا معرفة، مجرد معارف نسمعها لم تبلغ في قلوبنا لا علم اليقين ولا عين اليقين ولا حق اليقين فلا نراه؛ ولذلك في سورة التكاثر الله-عزَّ وجلَّ-يقول: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} أي: يبقى يلهيكم ويلهيكم حتى تصلوا إلى المقابر ثم يقول لنا في آخر السورة: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} لا تكفي أن تكون معلومة أن نأتي نناقش مثلًا قول الله-عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} هذا الكلام كله مفهوم في أصله أنه سيأتي وقت ستذهل عن كل شيء، نحن في المواقف البسيطة نذهل عن كل شيء فكيف حين يأتي هذا اليوم كل شيء تذهل عنه ولن تفكر إلا في نفسك، اليوم  تجري وراء فلان وتجري وراء محبة فلان وغدًا لن تفكر إلا في نفسك فقط لكن لا تجعل الوقت المناسب يفوت، الوقت الذي تفكر فيه في نفسك فقط!

أزمتنا الحقيقية أن الحقائق التي نسمعها تقف في عقلنا على حد أنها معرفة ولا تبلغ قلوبنا
هذا الكلام الذي نسمعه بدون الدخول في تفاصيله معروف عندنا، معروف عند الناس أن يوم القيامة سيكونون فرادى ويلاقون ربهم ولا أحد ينفعهم لا شفيع ولا صديق حميم ولا أحد ينفع أحد ومع ذلك نعيش المواقف والأحداث بالضبط في الثلاثة كلمات التي ذكرت في سورة الأنبياء (معرضون، لاهية قلوبهم، يلعبون)!
والسبب في هذا كله: أن الحقائق التي نسمعها تقف عندنا في عقلنا على حد أنها معرفة كأننا نتثقّف، كأن أحد يقول لك: في الفضاء هناك كائنات كذا وكذا! كأنه كلام بعيد عنا، فنحتاج أن نرد قلوبنا ونحتاج أن نفكر ونفكر، نحتاج أن نغير همومنا ما الذي يهمّنا؛ ولذا كلما سمعت هذه الأخبار لابد أن تفكر في الأحوال، لابد أن تفكر بشريط واضح تمامًا ماذا سيكون حين يأتي الملك، متى سيأتي مجهول، لكن ماذا سيحصل حين يأتي إما ملائكة رحمة أو ملائكة عذاب، وهذه ما يجب أن يهمني ويشغلني وأفكر فيه، وكيف تأتي ملائكة بمقدار الأفق يكونون، وكيف حين تقبض الروح إما تقبض بيسر وسهولة وإما يحصل فيها كذا وكذا... كل هذه الحقائق تحتاج أن تكون محل للتفكير، تشغل القلب، إلى أن يتعايش الإنسان هذه الحقائق فتؤثر عليه لكن الناس ماذا يفعلون؟! سنسمع الآن كيف ينقسمون إلى أربعة أقسام.

سنقرأ آية 3 و4، وآية 8، وآية 11، وآية 14.
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ}
أمام الأمر بالتقوى الذي أتى قبله ذكر محدث والناس يسمعونه ماذا يفعل الناس أمام هذا التذكير، أمام الأمر بالتقوى؟! بدأ الصنف الأول، الصنف الأول: يجادل حين تقول له: تذكَّر ما سيكون بعد هذا، حين تكون في هذا الموقف ليس هناك رجعة، ليس هناك ارتداد إلى هنا، ليس هناك حل، اتقِ الله من أجل أن ينجيك الله.
فصنف يجادل لكن ليُعلم أن هذا لم يجادل من منشأ نفسه إنما هذا يجادل وهو يتبع أحد ولذلك سنرى صفته، يقول الله-عزَّ وجلَّ-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ} أي: يجادل في لقاء الله، يجادل في عقوبة الله، يجادل في أوامر الله، يجادل في أمر الله بالتقوى، يجادل وهو يجادل هل يفهم ما يقول؟! الجواب: لا؛ لأن الله-عزَّ وجلَّ-يقول: {بغير علم} أي: يأتي لأي معصية من المعاصي التي يحبها ويهواها ويقول: الأغاني ليست حرامًا، لماذا؟! يقول: أنا أرى أن الأغاني ليست حرامًا، أنا أرى هذا، هكذا من عندك؟! نعم، من عنده أخذ قرارًا! إذًا يجادل بغير علم ويكلمك وهو أصلًا مشكلته الأساسية أن هذا هواه ولذلك يجعله الموضوع الرئيس في الحياة وإلا أنت أصلًا لم تأتِ تقول له: هذا حرام وهذا حلال، لم تأتِ تقول له، إنما هو يبدؤك بالجدال لأن الاستسلام الذي هو أصل الدين ليس موجودًا، فمادام الاستسلام الذي هو أصل الدين ليس موجودًا، يجادل.
واضحة جدًا هذه الصورة في الحج، نأتي نقول للحاجَّة مثلًا: "سنستيقظ غدًا قبل الفجر بساعة لتجمعوا أغراضكم ونذهب إلى عرفة". تقول: "لماذا ساعة؟! نقوم قبل الفجر بنصف ساعة!" فنبدأ الآن في الدنيا يخاصموننا ويجادلوننا! إلى أن نصل نقول: "الأولى في مزدلفة أنك لا تتكلمي وتنامين من الليل ما تستطيعين نومه" الأول كان في الدنيا والآن في أمر الشريعة، تقول: "لماذا ننام وهذا ليس وضع يسمح بالنوم وربنا لم يشدد علينا...!" وكلما تكلمنا في شيء تجادل، الآن هل هذه تجادل من نفسها؟! سنجد صفتين، هذه صورة في الحج وصورة في الحياة:
الصفة الأولى: أنه بغير علم.
والصفة الثانية: أنه يتبع كل شيطان مريد
 كأنه هو بنفسه ليس من أجل الجدال ويأتي أحد يدربه على أن يجادل في كل شيء، هذا حين يعترض لا يريد أن يعترض إنما فقط يقلد، فهو يتبع كل شيطان مريد. هذا الشيطان المريد لا يقصد به هنا شياطين الجن إنما أصلًا يقصد به شياطين الإنس الذين يخرجون مثلًا في الإعلام وفي وسائل التواصل فيعترضون على دين الله.
شخصين: المجادل والشيطان المريد، ماذا يفقدون وما علاقتهم بالحج؟! 
يفقدون تعظيم الله، وفقدانهم لتعظيم الله يؤدي إلى عدم الاستسلام، وإذا ما استسلموا ما صورة عدم الاستسلام؟! الجدال.
ولذلك بني إسرائيل في سورة البقرة ماذا فعلوا حين أمروا أن يذبحوا البقرة؟! جادلوا، ما استسلموا فكانوا نموذجًا إلى قيام الساعة أن هذا الذي يجادل حاله الحقيقية أنه لم يستسلم لله-عزَّ وجلَّ-.
تصوّر الحاج الآن؛ الحاج وغير الحاج، غير الحاج مع دين الله والحاج مع الحج: إذا لم يستسلم في تشريع الله ولم يستسلم حتى في دنياه لما خطَّه القوم ماذا يحصل؟! سيجادل ثم لابد أن يتوه، لابد أن يفقد قلبه، لابد أن لا يصل إلى حج.
ولذلك من الممنوعات في الحج الرفث والفسوق والجدال، ولماذا يصبح ممنوعًا في الحج؟! 
ليصبح سمتك الطاعة لله، ليكون الاستسلام طريقك، وأنت أصلًا الدين الذي تدين به اسمه الإسلام، فما المطلوب منك؟! الاستسلام، هذا الاستسلام فقده الناس مع جهلهم، يعني جاهل وغير مستسلم، ماذا تتصور من جاهل غير مستسلم؟! 
مثل الطفل الصغير الذي لا يفهم أي شيء في الحياة ويأتي يقول لك: المفترض تفعل كذا المفترض أن لا تفعل كذا! فماذا يكون موقفك من طفل صغير لا يفهم الحياة ويأتي يقول لك: المفترض تفعلين كذا وتتركين كذا؟! أكيد أنك تعتبرينه سفيهًا لأنه جمع بين أمرين: جمع بين الجهل والكلام في شيء لا يفهمه.
إذًا الناس في الحياة وفي الحج سواء هناك صنف كبير وقاعدة عريضة لا تستسلم إنما تجادل، معها علم وهي تجادل؟! ليس معها علم!! وتجادل في الله، ما معنى أنها تجادل في الله؟! يعني تجادل في شرع الله، تجادل في لقاء الله، تجادل في استحقاق الله في الانكسار والذل والخضوع، تجادل في ذلك، إلى أن بلغنا للأسف الشديد أنهم يجادلون في وجود الله!
وطبعًا هذا وحده كاف لنعرف حجم المشكلة، وكيف أن الجدال بدايته رأي في الشرع ونهايته نبذ الشرع، لابد أن ينبذ الشرع، وما أصبح بني إسرائيل مغضوب عليهم إلا حين بدؤوا بالجدال.
وهناك فرق كبير بين الجدال والمعرفة، فرق كبير لكن المشكلة أنهم تمرنوا على يد مجادلين فانتهى الأمر أنهم يعتقدون أنهم يسألون وهم في حقيقتهم يجادلون في الدين، فهناك فرق كبير بين واحد يقول: اقنعني لماذا أرمي سبعًا، اقنعني لماذا أطوف حول الكعبة سبع مرات؟ وبين واحد يقول: من المؤكد أن هذه السبعة التي نطوفها لها أثر في حياتنا ولها صورة...فتقول له: أنت مؤمن أن الله حكيم هنا مطلوب منك أن تستسلم لحكمته فيقتنع لأنه هو أصلًا سأل وهو مؤمن بعظمة الله.
ولذا الحج قصد إلى معظَّم، والحياة تشبهه تمامًا أنك في حياتك تسير إلى معظَّم، إلى عظيم، المطلوب منك أن تستسلم في طريق السير

الحج القصد إلى الله العظيم، المطلوب منك أن تستسلم ولا تجادل في شرعه
المشكلة الأولى أن هناك واحد يجادل وهو لم يعطَ جدلًا، يعني هو بنفسه لم يعطَ قوة على الجدل إنما يرسلون له مقطع من دقائق أو من ثوانٍ يسمع كلمتين ولا يفهمهم فيحملها ويتكلم، ويكون مجلس طويل عريض الناس فيه من أهل الدين والصلاح والإيمان ثم نأتي نقول: هجرنا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، علينا أن نقرأ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، علينا أن نهتم بسنته ونقرأ صحيح البخاري ويأتي واحد صغير لا يفهم شيء يقول: لكن صحيح البخاري ليس صحيحًا ولا ينسب للنبي -صلى الله عليه وسلم-!! من قال لك إنه ليس صحيحًا؟! فيدور ولا يعرف من قال له أصلًا! لكنه التقطتها مثل الجرثومة دخلت إلى قلبه وأصابت فؤاده وهو لا يدري أنه مريض، ويتكلم به وهو لا يشعر أنه قد أجرم في حق دين الله!
كيف تظن أن الله لا يحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم! 
وكيف تظن أنه لا يقيض رجالًا لها!
وكيف تظن أن جزءً من دين الله يضيع! كيف تظن ذلك!
الشاهد أن من جادل في دين الله تبعًا، فقد نقض أهم عُرى الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام.
غالب هؤلاء يُشفق عليهم الحقيقة لأنهم جهال ويتبعون ويمكن أكثر شيء والديهم والمجتمع المحيط يتحمل مسؤولية تركهم لهؤلاء المجادلين، واليوم أصبح الجدال ثقافة-على تعبيرهم-وأصبح الحوار ويتكلمون في كل شيء الذي يعنيهم والذي لا يعنيهم والذي يفهمونه والذي لا يفهمونه يتفلسفون فيه! أصبحت هذه الشابة المثقفة أو الشاب المثقف هو الذي له رأي في كل شيء يفهمه أو لا يفهمه، وهذه كلها ثقافة من خارج ديار المسلمين، هذه جرثومة دخلت على عقول المسلمين، والحقيقة أن المسلم إذا أمره الله قال: سمعًا وطاعة.
ألا نسمع هؤلاء الكرام كما وصف الله-عزَّ وجلَّ-في أخر سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} ما وصف هؤلاء المؤمنون؟ وصف هؤلاء المؤمنون أنهم آمنوا بالله وبكتبه وبرسله ثم أهم شيء {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}، هؤلاء إذا ما عللت لهم ما قال: سمعنا وأطعنا، وإذا عللت له طعن لك في الدين والدين لا يحتمل أن كل شيء يعلل والأصل أن تعبده بالاستسلام.
قال الله-عزَّ وجلَّ-: {كُتِبَ عَلَيْهِ} كتب على مَن؟ يعني الله-عزَّ وجلَّ-قدَّر على هذا الشيطان أن يُضلّ كل من اتبعه، فمعنى ذلك أن الإنسان لو ترك نفسه لهذا الشيطان لابد أن يضله {أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ}.
وأيضًا {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ونحن نريد أن نهتدي إلى الصراط المستقيم وطوال الوقت نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} هذا الصنف الأول الذي يجادل تبعًا، ليس رأسًا إنما هو يتبع كل شيطان مريد.
تصور هذا الشيطان المريد مَن هو؟ 
يكون هؤلاء الإنس الذين في الإعلام، الذين يأتون إلى دين الله ويطعنون فيه، يأتون إلى حقائق الإيمان ويطعنون فيها، يقولون لك: لابد كل شيء أن تمرريه بعقلك، كأن العقل أداة للحكم على الشريعة! والعقل أداة لاستقبال الشريعة وليس للحكم على الشريعة، وهم بنفسهم في دنياهم إذا مروا بتجارب أخذوا نتائج التجارب وجعلوا عقولهم تحكم على النتائج لكن ليست عقولهم تقول النتائج إنما عقولهم تحكم على النتائج.
إذًا العقل دائمًا يستقبل النتيجة فالشريعة حين تأتيك تستقبلها، وُجد عقلك من أجل أن يعقلك عن الخطأ من أجل أن تصل أن تتقي الله؛ ولذلك في سورة الفجر: {هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} يعني يحجره عن الخطأ، يمنعه عن الخطأ بعدما يعرف الحقائق، الله يخبرك ما هي الحقائق التي تغيب عليك وأنت تجعل عقلك يحجرك عن الخطأ؛ ولذلك العقل السليم هو الذي حين يأتي في المواقف يتقي الله، لا يجادل في تقواه إنما يتقي الله.
هذا الصنف الأول، باختصار الصنف الأول ما صفته؟ يجادل وهو متبع، يتبع كل شيطان مريد.

والآن سيأتيني وصف الشيطان المريد في آية 8 و9 و10.
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}
نرى صفاته: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} إلى هنا يشبه الأول، لكن هذا: {بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} ما الفارق؟
الفارق أنه ادّعى أن عنده علم، ادّعى أنه ممن يعرف الحقائق، ثم تجد أنه بغير علم ولا مهتدٍ بهدي ولا هناك كتاب منير يدله إنما فلسفة وآراء الناس وأفكارهم وآراؤه ولا هو يرى ولا يرى مثله من الخلق، وفي لحظة يقارن بين كلام قاله الله أو كلام قاله النبي-صلى الله عليه وسلم-وبين كلام قاله فلان وعلان ويرجح بينهم وممكن يأتي في الأخير يقول وكلام الله أصوب! أصلًا من بداية الأمر كيف تتصور أن تقارن بين كلام الله وكلام رسوله وبين كلام هؤلاء، حتى لو صوبته!
ألم تر أن السيف ينقص قدره **إذا قيل أن السيف أمضى من العصا!
كيف أصلًا تقارن بين السيف والعصا؟! كيف يقارن الناس بين كلام الله وكلام غيره! 
فعدم تعظيم الله في القلوب وعدم قصد المعظَّم-سبحانه وتعالى-سبّب أنّ الإنسان يلوّث فكره بأي أمور، بأي كلام يسمعه، انظر كيف حين واحد يقارن بين الله الشافي وبين الحلقة التي ممكن أن يلبسها أو الخيط الذي يمكن أن يلبسه! هذه كلها أهوال حقيقية تدل ّعلى عدم تعظيم الله-عزّ وجلّ-. على كل حال، هذا صفته أنه {يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} ثم أنه له صفة نفسية خطيرة، وهذه الصفة النفسية من تأمّل وجدها مباشرة، أنه ما به؟
{ثَانِيَ عِطْفِهِ} ما معنى (ثاني عطفه)؟ أي: يلوي عنقه تكبّرًا، يقول: لا تناقشني، أنا أفهم، لا تكلمني، أنتم مساكين لا تفهمون! وأكثر صفة واضحة فيه أنه يرى نفسه أفهم من الخليقة، ثم يُخرج لك من التراث ويُخرج لك من كلام العلماء السابقين ويقول لك: البخاري قال كذا ويُرد عليه، والطبري قال كذا ويُرد عليه! يعني هو الفهيم وأن هؤلاء كلهم هذه ثغراتهم وهذه عيوبهم وهذه أخطاؤهم، ونحن لا نقول إنهم معصومون، إنما كل الخلق يخطؤون، لكن مَن عُدّ خطؤه كان دليل فضله.
المقصد أن هذا المتكبّر يرى نفسه أنه فهيم، يرى نفسه أنه يستطيع أن يقدر الأمور، يرى نفسه أن كلمته يجب أن تسري على الناس وأن الذي لا يطيعه ضال، وبذلك يكوّن في نفوس الناس حزبية له، فيستنصرهم لنفسه، ويكوّن له شعبية بحيث ينتصر الناس لرأيه ويدفعون كلام العلماء. فهذا يجمع بين صفات:
أولًا: أنه يجادل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
والأمر الثاني: أنه مع عدم استسلامه، في حالة من الكبر ويصوّب نفسه ويخطّئ أي أحد آخر.
وهذه الصفة للأسف الشديد موجودة عند ناس كثيرين، أنه الصواب وأي أحد يخالفه خطأ، يعني ليس هناك أمر ثانٍ ولا الأمر واسع ولا نناقش الموضوع ولا أي شيء، يطالبك بالحوار يطالبك أن تسمعه ويمتنع هو أن يسمعك، وأي أحد يخالف رأيه يصبح عدوه! وهكذا إلى أن تجد المجتمع قد انقسم وتحارب فيما بينه بناء على ظهور مثل هؤلاء في المجتمع.

الله-عزَّ وجلَّ-ذكر هنا وعيدًا لهذا الذي يجادل بغير علم ومتكبّر، في مقابل أن الأول الذي يجادل وهو متبع لله-عزَّ وجلَّ-عرض عليه الحقائق، يعني حين نرجع للآيات الأولى سنجد أنه بعدما ذكر الصنف الأول عرض عليه الحقائق: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ} عُرضت عليه الحقائق، في مقابل الصنف الثاني لم تُعرض عليه الحقائق إنما أخبر أنه: {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} والسبب: أن فيه صفة تشبه صفة إبليس وهي الكبر، فإذا وجد الكبر أي موعظة لن تأتي بنتيجة.
هكذا أنت تقابل في الحياة وتقابل في الحج، أشخاص لا يعظمون الله في نفوسهم إنما نفوسهم هي العظيمة في نفوسهم، أهم شيء نفسه، وهذا كأنه يمثل صورة الذي اتخذ إلهه هواه، هو العظيم إذا قال القول لا يثنيه، إذا قال رأيه في مسألة لا يثنيها، لكن عندك علم أو تفهم؟! يقول لك: أنا فلان الفلاني، أنا حاصل على كذا ويأتي بكل الحروف التي قبل اسمه ويقول لك: أنا كذا وبحثت في كذا، ويمدح نفسه ويمدح نفسه (كالبالونة) في الانتفاخ!
 هذه المشاعر الخطيرة اليوم بعدما كان في الزمن الماضي يستحي الناس أن يتكلموا عن أنفسهم، اليوم الناس يتدربون أن يتكلموا عن أنفسهم ويتدربوا كيف يعرضون سيرتهم الذاتية! لا يخرجون على الناس إلا بعدما يقومون بعمل قائمة بقدر الجدار أنه درس وتعلم وجاء وفعل... فهذا كله عبارة عن كمية أمراض مختزلة في قلب صغير، وهؤلاء حتى ليسوا مثل الصنف الأول في كون أن الله وعظهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ} وعرض عليهم الأمر إلى أن وصلنا إلى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّـهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} كل هذا عرض على الصنف الأول الذي جادل وكان متبع ليرجع عن اتباعه، لكن الصنف الثاني مباشرة هدد والسبب: الكبر، الكبر مرض إذا أصاب الإنسان لا يصلح لا للحياة ولا للحج خاصة.
ولذا واحد من الاختبارات الكبيرة الخطيرة في الحج وتظهر هنا في سورة الحج بسبب السجود وبسبب وصف المخبتين، واحد من الاختبارات الكبيرة الخطيرة في الحج وفي الحياة (الكبر)، الخطر الخطير، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وصف الكبر وأخبر أنه: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)) قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)) ذرة من كبر كافية لعدم الاستسلام، والنبي-صلى الله عليه وسلم- وصف الكبر ما هو؟ 
((بَطَرُ الْحَقِّ)) أي رد الحق، متكبر في هذه الجهة بالذات، وبعد ذلك يأتي ((وَغَمْطُ النَّاسِ)) يعني لا يعطي الناس حقوقهم، لكن الأخطر من ذلك كل حق يعرض عليه إذا لم يتبناه هو أولًا يصبح ليس حقًا إلا إذا هو تبناه. مثلًا؛ افترض في زكاة الحليّ، هناك رأيين واضحين عند العلماء رأي يقول: مادام ملبوس إذًا ليس عليه زكاة، ورأي يقول: النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ من المرأة الذي كانت تلبسه وقال كذا وكذا وقال حتى لو كنت تلبسينه عليه زكاة، هذان رأيان، افترض أنه تبنى رأي أن عليه زكاة، القضية ليست الرأي الأخف والأصعب، لا القضية أنه تبنى أنه عليه زكاة، فيصبح كل تفكيره أنه يجب عليكم أن تزكوا، وإذا لم تزكوا أصبحتم عصاة وتدخلون النار وتفعلون! لا يسمح حتى أن تقول إن هناك رأي ثانٍ، عندما تقول: هناك رأي ثانٍ؛ يرد الحق، يرد أن هناك رأي ثانٍ ولا يسمح بالنقاش أبدًا، عندما يتبنى الفكرة مباشرة يحكم بها.  ليس شرطًا أشد أو أقل شدة، القضية ليست هنا، إنما القضية أنه ما دام تبنى هذا الرأي؛ انتهى! يردّ أي شيء آخر من الحق.
ومن أجل ذلك هؤلاء لو قادوا الأمة ذهبت الأمة للهلاك! لأنهم لا يقبلون أبدًا، هناك جماعة يقولون: أنا أرى أن هذا الحق وهناك بعض العلماء خالفوا في ذلك لكني أرى أن هذا الرأي الصائب، هذا الفرق بين أني أرد الحق وبين أن أقول هذا الذي أعرفه من الحق، الذي أعرفه من الحق والذي أعمل به وهذا ما عليه الفتوى، هذه كلها كلمات تسمعينها حين تسمع سؤال على الهاتف ونور على الدرب تسمع هذه الكلمات، يقول: هذا الذي عليه الحق، هذا دلالة الدليل عندنا، هذا ما عليه الفتوى، هذه كلمات كلها تقول لك إن هذا الحق، والكلام الآخر يمكن أن يكون قولًا متساويًا ويمكن أن يكون قولًا لا دليل عليه، فيفهمك الثاني ما هو.
يأتي مثلًا حكم غطاء الوجه يأتي أحد يناقش ويناقش نقول: الأدلة الصريحة والواضحة الثابتة تدل على أن كشف الوجه أمر منسوخ وغطاء الوجه هو الناسخ، ومن ثمّ هذه أدلته التي أتت، صحيح أتت أدلة هنا وأدلة هنا لكن بقاء كشف الوجه كان على الأصل لأنهم أتوا من الجاهلية كاشفين وجههم، ثم أتت الأدلة الناقلة عن الأصل وغطوا وجههم، ففهمنا أن الناقلة عن الأصل هي الشرع الأخير، وكذا وكذا والأدلة وعائشة -رضي الله عنها- في حادثة الإفك حين قالت: "كان يعرفني قبل الحجاب" كل هذه الكلمات وما معنى الجيب في لغة العرب، هذا كله حق وهذا الذي نراه وهذا الذي نعتقده، والذين خالفوا ذلك أخذوا أدلة فيها متشابهات. هذا نقاش غير أن أسفّه كل شيء وأقول: فقط الذي أعتمده هو الصواب وأي شيء آخر باطل! 
لا تتصوري أن هذا الشيء فقط في الدين إنما حتى في الحياة، يعني (س) تشتري مثلًا جوالًا من نوع و (ص) تشتري جوال من نوع آخر، (س) تبقى طوال الجلسة تدافع عن جوالها وعن شركة جوالها وأنه أفضل شيء وأنه ليس هناك مثله وأنت لابد في النهاية أن تعترفي أن جوالك لا يساوي ولا شيء وفقط جوالها الذي طيب، وفقط الذي اشترت منه هو الطيب، أما أنت فلا تعرفي تشترين ولا الشركة ثم تطول الأيام وتأتي نسخة جديدة من جوالك أنت وتأتي تدافع عنه لأنها اعتمدته! أي شيء هي تعتمده وهي تراه إذًا أي شيء آخر لا يكون.
قبل أن نفكر في الناس ونبحث هذه صفة مَن فيمن أعرفهم؟ فلنفكر في أنفسنا، وما أخطر هذه الصفة علينا وما أكثرها وما أكثر تكرارها، يكون من الكبر لأنه رد الحق، أنا أمامي الدليل ولا أقبله، غير النقاش وأني أقول إن هذا الدليل الصائب وغير الحوار وغير معرفة الحق.
ومن أجل ذلك عندما تكون لا تعرف أنه حق ولأنك لم تختره فترده وتراه ليس حقًا هذا مثلما فعل إبليس، إبليس تصوري عابد يعرف مَن هو الله في السماء مع الملائكة، يعرف أن الله خلق آدم بيديه، أُمر بالسجود فيقول لربنا: أنا خير منه! هذه حال خطيرة، لا تتصوروا أن كل من سيكون مثل إبليس سيقول: أنا خير منه، إنما سيرد الحق بصور مختلفة.
عندما يكون طبعنا في الحياة لابد أن يأتي الاختبار ويظهر طبعنا في الدين، مادام الإنسان متطبع في حياته لابد أن يأتي في الدين، فعندما يأتي في الحج يظهر في الغالب الاثنين، يظهر رد الحق في الحياة وفي الدين؛ لأننا نكون ذاهبين نازلين منتظرين وهي ترد الحق، كلما نقول لها: أفضل نجلس هنا تقول: لا لا، أفضل نذهب إلى هنا، إنما ما تعتمده هي، تقول: أفضل نجلس هنا فكلكم تجلسون هنا...فكل هذه الصعوبات التي نجدها في الشخصيات تبدأ برد الحق في الدنيا ثم تنتهي برد الحق في الدين.
فالذي يذهب للحج المفترض أن يكتشف نفسه هل هو من المتكبرين الذين يردون الحق ويجادلون في الحق، وفي الأصل أنت تكتشف نفسك في الحياة لأنك وأنت سائر إلى الله في الحياة ورددت الحق وتكبرت عليه هذا معناه أنك تركت الطريق المستقيم وذهبت إلى طريق إبليس، إبليس فعل هذا بالضبط.

نرى الصنف الثالث والخطير جدًا:
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِن دُونِ اللَّـهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)
الحقيقة هذا أخطر قسم من أقسام الناس لكونه في ظاهره أنه مستسلم؛ لأن الله-عزَّ وجلَّ-يقول في حق هذا: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَىٰ حَرْفٍ} (يعبد الله) كلمة خطيرة جدًا، فإذا كان وصفه أنه يعبد الله ماذا بقي؟! لكن تأتي الصفة بعدها يعبده (على حرف)؛ ولأن الحرف معنوي وليس حسي لا يشعر به الإنسان، ممكن أن يقف على حرف وهو لا يشعر فتأتي الفتنة، والفتنة هذه خطورتها أنها تقلبه على وجهه، فإذا لم يكن يرد نفسه ويناقشها ويراجعها دائمًا عندما تأتي الفتنة لا يستطيع أن يقف؛ لأنه يقف على حرف، متخيلين حرف الجبل؟! هو متصور أن قدمه ثابتة على الدين.
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ} إذًا صفته أنه يعبد يصلي ويصوم ويتصدق "يعبد الله" لكن دافع هذه العبادة تظهر حين تسمع أنه يعبد الله على حرف، ما هو هذا الحرف الذي سيقلبه؟! مصالحه، هواه.
المعنى {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} اطمأن به يعني لم يطمئن بالله إنما اطمأن بالخير، حين وجد نفسه أقبل على الدين واستقام استقامت أموره ونجح يقول: معناه الاستقامة خير، يرسب يقول: ما فائدة أني صليت، ما فائدة أني صمت!
فمعناه لا يطمئن لدين الله إلا إذا أعطاه الله ما يريد، وهو في صورته كأنه واضع قدمه في مكان سليم والحقيقة تصوريه على حافة من جبل تأتي الفتنة كأنها العاصفة التي تدفعه فينقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة.
وهذا الحقيقة من أخطر الأصناف، لأن في مسألة الجدال ممكن الطباع لا تسمح بالجدال، ممكن الإنسان يحبس نفسه يسكتها لكن حين تكون المقاصد غير صحيحة يكون الإنسان هذا أصلًا عابد لله لكنه غير مكتشف لنفسه أنه يعبد الله على حرف، فعندما تأتي المواقف وتأتي الأمور، يرتدّ ينقلب على وجهه!
هذه الصفة للأسف الشديد ما أظهرها في الحج، واضحة جدًا وتشبه جدًا في الحياة.
مثلًا خرجوا ووجدوا زحام عند القطار، قدر الله أن يكون هناك زحام، لو أراد الله تيسيره كان يسره إنما قدر الله، ولا أتكلم من فراغ إنما من مواقف وأحداث نعيشها مع الحجاج، أنت تعيش مثلما يعيشون وتحبس مثلما يحبسون ثم ترى بنفسك ما موقفك، ولأي درجة أنت قابل أنك محبوس في نوع من أنواع العبادة، أنت أصلًا محبوس تعبد الله!
الناس يقولون: جلسنا خمس ساعات ننتظر القطار، وفي القريب وليس ببعيد في أقل من خمس سنوات كنا نجلس في الباصات خمسة عشرة ساعة ونحن شاكرين الله حامدين له! ونرى الناس السائرين على أقدامهم نقول: الحمد الله، اليوم أنت تركب القطار بعد خمس ساعات تصل في أقل من خمسة عشرة دقيقة والناس يجلسوا خمسة عشرة ساعة في السيارة، لا أتكلم عن الوقائع فقط إنما أتكلم عن أن هناك صور للفتن كثيرة يكون الإنسان سائر أنه لابد أن تكوني يا حملة عندك خطط منظمة، هذه الخطط المنظمة تقابلها الأقدار التي لابد أن نستسلم لها.
كذبوا علينا أكذوبة كبيرة الغرب والشرق أننا منظمين ونسير على القانون وانظري لتسونامي حين آتاهم ماذا فعلوا؟! أغرق الدنيا وحملهم، التفجيرات الأخيرة في الصين ماذا فعلوا؟! إذًا كل شيء يخرج عن السيطرة، لكن يشعرونا أن كل شيء تحت السيطرة!! كل شيء على كيفهم، يضعوا الخطة وتسير بالضبط! حتى الأمراض صار الناس يفكرون فيها هكذا عندك مرض سافر للخارج وافعل كذا ويتحكمون في المرض وأين الله الشافي؟!
فهذه المشاعر حين يكون الإنسان مرتب نفسه أن لا نذهب وأن لا نتأخر إذًا أين المشقة التي وراءها وأصلًا الحج هذا صورة من الحياة لابد أن يكون وراءها المشاق.
على كل حال، هذه التفاصيل كلها يفهمها الحجاج جيدًا ويفهمها الإنسان في الحياة أنه ليس هناك شيء في الحياة يسير كما تريد، لا تتصور لأنك أطعت الله معناه أن الله يعطيك ما تريد! أطعت الله يعني الله يعاملك بحكمته فيسبّب لك أسباب زيادة الإيمان.
تُحبس خمس ساعات وينفرج عنك يوم القيامة الحبس العظيم، تصوري الفارق الآن تحبس خمس ستة عشر ساعة اليوم هنا في الدنيا ثم في نهايتها تصل إلى مخيمك وتصل بعدها إلى بلدك وتغتسل وتلبس وتنام وتفعل كل ما تريد هذا في مقابل أن يوم القيامة لا تحبس عن باب الله ولا تحبس عن باب الجنة! ماذا يكون عشرة أو اثني عشر ساعة، ماذا يكون هذا، لكن لأن الحج قصد إلى معظَّم وعدم تصور أنه قصد إلى معظّم وأنه صورة بالضبط من يوم القيامة حاصل أننا نتعامل مع محسوسات، وحتى في الحياة تُحبس عن هذا من أجل أن تؤجر، تُمنع من هذا من أجل أن تؤجر، تتألم هنا من أجل أن ترتفع، لك درجة في الجنة لا تلحقها إلا بصداع يصيب رأسك، بألم يصيب إصبعك، بمغص يصيب بطنك، هكذا تلحق الجنة هنا وهنا وهنا ثم تأتي الآلام الأكبر والآلام الأكبر إلى أن يسير الإنسان من الآلام والأمراض وليس عليه خطيئة، كل هذا من نعمائه!
فالذي عبد الله على حرف وينتظر فقط ما يناسبه وما يرغبه ما عبد الله حقا.
يعبد الله على حرف، حرفه متى أصاب الخير اطمأن للخير، اطمأن للدين وثبت عليه، وإذا أصابه ضر، شيء لا يناسبه انقلب على وجهه، انقلب على وجهه بمعنى سبّ الدين، كره، رجع، في الحج كره الحج، يسب الحج وهكذا، وتحصل مواقف يظنون أنهم يتكلمون عن الناس وهم في الحقيقة يتكلمون عن الله!
في هذه الأيام خصوصًا لأن المسألة فيها حملات فيضعون ثقلهم على الحملة، على الناس، وفي الحقيقة هم يعترضون على قدر الله، ولا أقصد بهذا الكلام التسيّب إنما أقصد بهذا الكلام أنك مؤمن أنه: ((أَنَّ الأمة لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ)) وكثير منا نكون متجاورين نركب نحن وهم لا يركبون، ويركبون هم ولا نركب نحن، وهم يصلون قبلنا بأربعة خمس ساعات ونحبس نحن بسبب فقط خطوة لم نخطها فمن حبسنا وأكرمهم؟! الله.
فأنت تصورها هكذا وتصورها في الحياة إن شاء الله يتبيَّن.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.






الاثنين، 19 مايو 2025

الدرس الثامن والثلاثون |  تفسير سورة البقرة: الآية (٢٦) (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة..)

 تفسير سورة البقرة: الآية (٢٦) (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة..) 



الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمسلمين والمسلمات أما بعد:
📖 فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "قوله تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثل يُضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين* الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون).
يقول تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما) أي مثلٍ كان بعوضة فما فوقها لاشتمال الأمثال على الحكمة وإيضاح الحق، والله تعالى لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله تعالى في ذلك، فليس ذلك محل اعتراض، بل هو من تعليم الله تعالى لعباده ورحمته بهم فيجب أن تُتلقى بالقبول والشكر ولهذا قال تعالى: (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم) فيفهمونها ويتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله تعالى لم يضربها عبثا بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ فيعترضون ويتحيرون فيزدادون كفرا إلى كفرهم كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال تعالى (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة، وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده وانفرد بالهداية والإضلال. ثم ذكر تعالى حكمته وعدله في إضلاله من يُضل، وأن ذلك عدل منه تعالى فقال (وما يضل به إلا الفاسقين) أي الخارجين عن طاعة الله تعالى، المعاندين لرسل الله الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضى فضله وحكمته هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال. والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان، كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)"
🎙بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد: يقول الله جل وعلا: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) هذه الآية الكريمة نزلت في بيان عظم شأن الأمثال المضروبة في القرآن الكريم وأن فيها عبرة لمن اعتبر، وفيها ردا على الجاحد المنكر، ففائدتها عظيمة.
 قد تقدم معنا في علوم القرآن التي ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أنواعها، أن من أنواع علوم القرآن الأمثال المضروبة، وهي كثيرة جدا في القرآن وأكثرها في بيان التوحيد والتحذير من ضده الشرك بالله سبحانه وتعالى. وأيضا من الأمثال المضروبة بيان حال الكفار المبطلين والمنافقين الفاسقين.
 قد تقدم معنا في أوائل السورة مثلين (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) ثم قال (أو كصيب من السماء) مثلين أحدهما مائي، والآخر ناري في كشف حال المنافقين. وجاءت أمثال كثيرة في القرآن، وقد يضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالشيء الحقير لبيان خسة الشرك وقُبح حال المشرك كقوله (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) وقوله (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) وضرب الله عز وجل المثل في بيان قبح حال من يأتيه الحق ويرى العلم فلا يعمل به قال: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار) وقال: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث)، وضرب أيضا مثل بالشيطان (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر) الأمثال كثيرة جدا في القرآن، وقد يضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالشيء الحقير، أو بالشيء الخسيس من ذباب أو عنكبوت أو مثلا مثل ما تقدم الشيطان (كمثل الشيطان) أو الحمار، وهذه الأمثال للمتدبر ولمن يعقل عن الله سبحانه وتعالى خطابه يدرك عظم نفعها، وكبير فائدتها، وأن فيها عبرة لمن أراد الاعتبار، وفيها رد على الجاحدين المنكرين ودحض باطلهم. والمثل إذا تضمن إحقاق الحق وبيانه، وإبطال الباطل ودحضه كان من أحسن الأشياء وأنفعها.
والمقصود من المثل تجلية الأمر الذي ضُرب المثل لأجله.
 لما جاءت هذه الأمثال متوالية في القرآن ضاقت بها صدور المنافقين والضالين خاصة أنها كانت كاشفة لخزي ما هم عليه، وفساد ما هم عليه، وقبح ما هم عليه، جاءت كاشفة لذلك، ولهذا أخذوا يعترضون على هذه الأمثال، كيف يضرب مثل في كتاب يقال إنه مُنزل من الله يضرب فيه مثل بذباب أو بعنكبوت أو نحو ذلك، وكذلك ما تقدم في المثلين الكاشفين لحال المنافقين، ولهذا قيل ونُقل عن السلف في سبب النزول - سبب نزول هذه الآية - نُقل عنهم في الجملة قولان:
 الأول: أن هذا رد على من أنكر نزول المثلين المتقدمين في أول السورة. المثل المائي والمثل الناري.
والقول الثاني: أن الآية نزلت في رد من أنكر عموم الأمثال المضروبة في القرآن، وخاصة ما ضُرب فيه المثل بالذباب أو العنكبوت، أو نحو ذلك، جاء عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما وعن ناس من الصحابة رضي الله عنهم قالوا: "لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا)، وقوله (أو كصيب من السماء) - قال المنافقون: الله أعلا وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله (هم الخاسرون) وجاء عن قتادة وغيره قال: "لما ذكر الله في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة ما أراد الله من ذكر هذا؟ -يعني ذكر هذا الذباب أو ذكر هذه العنكبوت - فأنزل الله سبحانه وتعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)".
 ومعنى لا يستحي: أي لا يمنعه الحياء، لأن الله سبحانه وتعالى كما وصفه به نبيه حيي كريم سبحانه وتعالى، في حديث سلمان قال: (إن الله حيي كريم يستحي من عبده) فالحياء صفته، وعندما نقول الحياء صفته يجب علينا وجوبا حتما ألا ننظر إلى الحياء الذي هو صفة لنا، ولنستحضر قاعدة عظيمة مهمة في هذا الباب: أن ما يُضاف إلى الله سبحانه وتعالى من الصفات يليق بعظمته وكماله وجلاله، وما يُضاف لنا نحن المخلوقين من الصفات يليق بضعفنا وفقرنا وحاجتنا.
 يعني الآن مثلا لما يقال الله موصوف بالحياة وأنه حي، وفي الغالب المناهج الكلامية التي خاضت في رد كثير من الصفات يثبتون الحياة فهل هذه الحياة يثبتونه على وجه يشابه الحياة التي عليه المخلوق؟ يقولون لا هذه حياة مضافة إلى الله، فهي تليق بالله، هكذا يقولون، يُقال لهم في عموم الصفات القول في بعض الصفات كالقول في بعض الآخر ما يفرق بين المتماثلات، فالحياء صفة لله نؤمن بها كما جاءت في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونقول كما قال نبينا إن الله حيي، ونقول: يستحيي كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام.
 المتكلمون يقولون لا، هكذا يقول لا، ويؤولونها إلى معاني أخرى بعيدة. فالحاصل أن القول في بعض الصفات، كالقول في البعض، فكما أنهم يثبتون لله حياة لا كحياة المخلوقين، فالواجب أن يثبت له عموم صفاته على الوجه اللائق به، ولهذا أعيد فأقول عندما نقرأ مثل هذه النصوص لا يجوز أن يخطر في البال حياة المخلوقين، لأن إن خطر في البال حياة المخلوقين ما الذي سيحصل؟ سيشعر هذا الذي وقع في نفس هذا المعنى أن هذا الشيء الله منزه عنه، ونعم الله منزه عن مشابهة المخلوقين، لكن هذا فهمه هو للآية، فإذا فهم من الآية التشبيه اضطر إلى التحريف، تحريف الآية وصرفها عن معناها، وبهذا تدرك أن أهل السنة سلموا من التشبيه والتحريف معا على حد، يقول الله سبحانه وتعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) إذن قوله (إن الله لا يستحيي) أي لا يمنعه الحياء الذي هو صفته سبحانه، لا يمنعه جل وعلا الحياء الذي هو صفته أن يذكر للحق جل وعلا مثلا ماء بعوضة فما فوقها، يعني لا يستحيي في بيانه سبحانه وتعالى الحق أن يضرب المثل ولو بالشيء الحقير، طالما أن المثل ماذا؟ يُحق حقا، وماذا؟ يبطل باطلا، يعني انظر الآن المثل الذي ضرب بالعنكبوت، وسميت السورة بكاملها العنكبوت، سورة العنكبوت، سورة العنكبوت هذا علم على مثل ضُرب في السورة لبيان قبح حال المشركين (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) الآن العنكبوت تتخذ بيت، لكن هل يقي من حر؟ هل يقي من برد؟ هل يقي من عدو؟ أوهن بيت بيت العنكبوت، وسبحان الله عجيبة المعابد هذه، يعني عموم المعابد المتخذة من أصنام أو أحجار أو عموم المعابد لو نظر عابدوها إلى أسقُف جدران تلك المعابد، لوجدوا بيوتا توضح لهم وهاء الحالة التي هم عليها، وهي اتخاذ الأنداد مع الله (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) لو رفع رأسه ونظر لبيت العنكبوت معشعش في المعبد الذي اتخذ فيه معبودا من دون الله لكشف له الحالة القبيحة التي هو عليها (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) في سورة الرعد قال (كباسط) هذا مثل (كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) يعني لو رأيتم الآن رجل وثمة نهر، لكن بعيد عنه، مسافة بعيدة جدا ومد يديه، هو عطشان أشد العطش، ومد يديه من بعد من مسافة بعيدة، ينتظر أن يبلغ الماء فاه يسد عطشه، هذا مثل لحال المشرك، أو يقف على حافة بئر عميقة جدا، وفي أسفلها الماء وهو عطشان، فيقف على حافة البئر، ويمد يديه ينتظر أن يبلغ الماء الذي في البئر فاه. هذا حال هؤلاء.
هذه أمثال عظيمة جدا، ولما كان وقع هذه الأمثال قوي في إحقاق الحق وإبطال الباطل، ماذا حدث؟ ضاقت بها صدور المنافقين والمشركين قالوا (ماذا أراد الله بهذا) ما هذه الأمثال؟ ذباب، عنكبوت  كذا ضاقت بها صدورهم، المؤمن لما يرى هذا المثل ما يقول مثل قولهم، أي شيء يقول؟ ما أعظم هذا المثل وما أعجبه، وما أعظم نفعه، وما أكبر وقعه، يهديه الله بالمثل، ويقف من خلال المثل على حقائق عظيمة جدا، نافعة في إبطال كفر الكافرين، وشرك المشركين، وضلال الضالين، قال (إن الله لا يستحيي) أي لا يمنعه حياؤه الذي هو صفته سبحانه وتعالى أن يضرب للخلق مثلا ما، (مثلا ما) أي، أي مثل كان، طالما أن فيه نفع وفائدة للناس.
 (أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) بعوضة فما فوق البعوضة، (فوق) هذا من الأضداد مثل (وراء) وراء تستعمل للأمام وللخلف (وكان وراءهم ملك) ما معنى (وراءهم ملك)؟ أمامهم، فهي من الأضداد، (فوق) كذلك، ولهذا اختلفت كلمة المفسرين في المراد فقيل في معنا (فوقها) قولان:
 قيل: فما فوقها أي فما دونها، ما معنى دونها؟ يعني أصغر من هذه البعوضة الصغيرة جدا، (إن الله لا نستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) أي فما دون البعوضة، ما هو أقل أيضا من البعوضة، قالوا مثل ماذا؟ - ما نحتاج لتكلفات المعاصرين - السلف قديما قالوا: كجناح البعوضة. وانظر ما يوضح لك ذلك الحديث الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة ماء) جناح بعوضة، هذا الآن مثل بشيء ماذا؟ أصغر وإلا أكبر؟ أصغر من البعوضة، جناح البعوضة، (فما فوقها) قالوا كجناح البعوضة، وضُرب فيها المثل كما جاءت بها السنة مثل لحقارة الدنيا.
 مثلا يقول قائل فلان جاهل  فيقول السامع هو فوق هذا، ماذا يقصد؟ أي أجهل، أو مثلا يوصف بصفات ذم فيقول هو فوق هذا، يعني أكثر من هذا الذي تصفونه به، فوقه يعني أكثر في هذه الصفات المذمومة، فهذا تحقير أشد له، هذا قول في معنى الآية. 
والثاني: (فما فوقها) أي ما هو أكبر منها، أكبر من البعوضة، قال أهل هذا القول لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. ويؤيد أن هذا المعنى هو المراد ما جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها) ما المراد بـ (ما فوقها)؟ أكبر منها، شوكة فما فوق يعني شوكة وخزه يسيرة في جسمه، أو جرح كبير، أو كسر في عظم أو كذا، فما فوقها، هذا كله المراد بقوله (فما فوقها)، (إلا كتب الله له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة).
 (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم) لأنهم على يقين بأن الله حق، وأن قوله حق، وأن الأمثال التي ضربها سبحانه وتعالى حق، وأن كتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
 (يعلمون) أي علم يقين لا شك فيه ولا ريب.
 (أنه الحق من ربهم) أي أنه حق منزل من رب العالمين، وأنه كلام الله سبحانه وتعالى ووحيه، وتنزيله جل وعلا، وأنه مشتمل على الحق كما تقدم في أول السورة (لا ريب فيه).
 (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) نوع الاستفهام هنا ماذا؟ استنكار، يستنكرون من هذه الأمثال، (ماذا أراد الله بهذا مثلا) والجواب: أن هذا المثل وهذه الأمثال التي ضربها، ضربها امتحانا واختبارا للعباد، ليميز المؤمن من الكافر، والمهتدي من الضال، ولهذا قال بعدها: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين).
 قال الشيخ رحمه الله تعالى: "يقول الله تعالى (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما) أي: أي مثل كان  هذا المقصود بـ (ما)، أي: أي مثل كان، يعني قليل أو كثير، كبير أو صغير، حقير أو عظيم، (ما) أي مثل كان (لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)
  البعوض: صغار البق صغيرة جدا، صغيرة جدا. (بعوضة فما فوقها) عرفنا كلام السلف ولا نحتاج إلى مزيد على كلام الصحابة وغيرهم، لأن الآن يتحدثون عن مكتشف فوق جناح البعوضة حشرات صغيرة جدا رؤية بالمجهر ولم تُر إلا في هذا الزمان بالوسائل الحديثة، على قول هؤلاء والأمثال تضرب بالشيء الواضح المحسوس لكشف المعاني الخفية، فهل يصح أن يضرب مثل بشيء ما يكتشف؟! (فما فوقها) قالوا: فوقها شيء ينبت أو ينمو، حشرات صغيرة جدا فوق جناح البعوضة يقولون هي المرادة بـ (بما فوقها) فعلى هذا المعنى الصحابة والأجيال الأول من الأمة ما عرفوا المعنى المراد بـ (بما فوقها) والأمثال إنما تضرب بالشيء المحسوس الواضح يُكشف من خلاله المعاني الخفية، لا يضرب بشيء خفي ما يُكتشف إلا بأزمنة متأخرة من الزمن، فهذا من التكلف في حمل معاني القرآن على غير المراد، هذا من التكلف الواضح، لكن لما يتحدث عن هذا المكتشف بعيد عن الآية،  ويبين عظمة الله.
نعم، هذا أمر عظيم يبين عظمة الله، لكن لما يربط المثل به هذا. هذا محل نظر، ويعد نوع من التكلف في تفسير الآية وبيان معناها.
 (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما) أي: أي مثل كان بعوضة فما فوقها لاشتمال الأمثال على الحكمة وإيضاح الحق والله لا يستحي من الحق، لأن المثل إذا تضمن إحقاق حق وإبطال باطل فهو من أحسن الأشياء وأنفعها، وكأن في هذا جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة واعترض على الله في ذلك مثل ما تقدم في قول قتادة وغيره، لما ضرب الله المثل بالذباب والعنكبوت ونحوها، قالوا هذه أشياء حقيرة كيف تذكر في كلام الله؟! وكيف تضرب في القرآن الذي هو كلام الله؟! اعتراضه على ذلك، فليس في ذلك محل اعتراض بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم، فيجب أن تُتلقى بالقبول والشكر، وهذا الذي يحصل من المؤمن يجد فيها عبرة ويجد أنها كاشفة لكفر الكافرين، وشرك المشركين، وباطل المبطلين. فيحمد الله على نعمة الفهم ونعمة عقل المثل المضروب (وما يعقلها إلا العالمون) فيجب أن تُتلقى بالقبول والشكر، وهذا فيه الماحة مهمة جدا: أنك أيها المؤمن عندما تقرأ المثل في القرآن ويكون واضح لك وتفهمه، وتفرح بفهمك له هذه نعمة أشكر ربك عليها، نعمة أنعم الله بها عليك، تريد تُدرك عظم هذه النعمة؟ أنظر ماذا قال الضالون (ماذا أراد الله بهذا مثلا) أنت فرحت بهذا وعرفت معناه، وعرفت مدلوله، شرح الله صدرك وبصّرك وفهّمك وهداك (يهدي به) هذه هداية من الله، انتبه لهذا، حتى إذا فهمت لا تنظر إلى حدة فهمك ونباهتك، وإنما استحضر (يهدي به) أي المثل (كثيرا) هذه هداية من الله لك، هو الذي شرح صدرك، هو الذي علمك ما لم تعلم، هو الذي هداك سبحانه وتعالى، ولهذا ينبه الشيخ على ذلك أن تُتلقى بالقبول والشكر، ولهذا قال (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم) أي منزل من الله وحي، فيفهمونها، ويتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق وما اشتملت عليه حق وإن خفي عليهم وجه الحق فيها، قد لا يتضح بعض المعاني لبعض الناس، هي واضحة لكن قد لا تتضح لبعض الناس، من لم تتضح آمن بها إجمالا وأنها حق، وأنها مشتملة هداية حتى لو لم يتضح المعنى، وإن اتضحت معانيها له ازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه، ويقينا إلى يقينه. قال مجاهد رحمه الله: "الأمثال - يعني المضروبة في القرآن - صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها".
 قوله: "يؤمنون بأنها الحق ويهديهم الله بها" كله مأخوذ من السياق هنا لأنه قال (يعلمون أنه الحق من ربهم) ، ثم قال بعدها (ويهدي به كثيرا) أي أهل الإيمان، يهديهم به يعني بالمثل الذي ضربه سبحانه وتعالى في القرآن. قال: "فيفهمونها ويتفكرون فيها".
قال (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا) ما يقولون على وجه الاعتراض والإنكار لهذه الأمثال، ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ مثلها ما جاء في سورة المدثر (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) يعني أنزل الله هذه الأمثال لحكمة وغاية وهي كشف حقائق عظيمة جدا وفيها امتحان للعباد، فمنهم المؤمن بها، ومنهم المكذب الجاحد (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا).
 قال: "يقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يعترضون ويتحيرون فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا إلى إيمانهم"، قال: "ولهذا قال (يضل به كثيرا) (به) الضمير عائد على المثل، (ويهدي به) أي المثل (كثيرا). فهذه حال المؤمنين والكفار عند نزول الآيات القرآنية، وعند نزول أيضا الأمثال المضروبة في القرآن مثل قوله جل وعلا (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون* وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون). قال: "فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية" ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة، وضلال وزيادة شر إلى شرهم وهؤلاء الكفار والمنافقون، ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال. إقرأ

📖 "ثم ذكر تعالى حكمته وعدله في إضلاله من يضل، وأن ذلك عدل منه تعالى فقال (وما يضل به إلا الفاسقين) أي الخارجين عن طاعة الله، المعاندين لرسل الله، الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضى فضله وحكمته هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة. والفسق نوعان نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الآية"
🎙نعم، لما قال جل وعلا (يضل به كثيرا) ذكر الحكمة من ذلك وأنه عدل من الله سبحانه وتعالى في إضلاله من يضل، ولهذا قال (وما يُضل به إلا الفاسقين)، ومثلها قوله في سورة إبراهيم (ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء)، وقوله: في المنافقين (والله أركسهم) أي أوقعهم في الكفر (بما كسبوا) أي بسبب ما كسبوه من فسوق وضلال وزيغ، مثلها أيضا قوله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، ومثلها قوله (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة). فهذا في بيان الحكمة.
 قال (وما يضل به إلا الفاسقين) أي الخارجين عن طاعة الله، المعاندين لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، الذين صار الفسق وصفهم. المعنى: أن أعمالهم القبيحة وأوصافهم الشنيعة كانت سببا لإضلال الله لهم، فصار الفسق وصفهم فلا يبغون به بدلا. فاقتضت حكمة الله إذلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضى فضله وحكمته هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.
 ثم ذكر الشيخ رحمه الله أن الفسق المذكور في القرآن نوعان:
النوع الأول: الفسق الذي هو بمعنى الكفر، وهو المراد هنا (وما يضل به إلا الفاسقين) أي فسق الكفر، لأن الفسق نوعان أكبر وأصغر، أكبر يخرج من الملة مثل فسق هؤلاء، خروج عن الطاعة يعني عن الدين ليس خروج عن الطاعة، بوقوع في المعصية، هذا فسق لكنه أصغر، فالمراد بقوله (وما يضل به إلا الفاسقين) أي الكافرين. نوع مخرج من الدين وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان، كالمذكور في هذه الآية ونحوها مثل قوله (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)، وقوله في مواطن من القرآن (والله لا يهدي القوم الفاسقين) هذا جاء في مواطن (والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي الكافرين.
 ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ) هذه في سورة الحجرات، هذا الفسق هنا ليس الأكبر، وإنما هو الفسق الذي هو معصية، مثلها في السورة نفسها قال (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) جعل الفسوق شيء آخر غير الكفر وهو الكبائر، فالفسق منه أكبر وهو الناقل من الملة، ومنه أصغر وهو ما دون ذلك من المعاصي والذنوب التي لا تُخرج من الملة.
 هناك أثر يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما جميل غاية في بيان هذا المعنى  يقول رضي الله عنه: "كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم - مثل خاسر- فإنما يعني به الكفر" مثل خاسر، مثل ظالم، مثل فاسق مثل هذه الأسماء، قال: "مثل خاسر فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام -يعني من هذه الأسماء - فإنما يعني به الذنب" هذا كلام عظيم جدا وتعتبر قاعدة في هذا الباب. أعيدها مرة ثانية يقول: "كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب".
 نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا، وأصلح لنا شاننا كله، وهدانا إليه الصراط مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك، إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.. جزاكم الله خيرا.

الأحد، 4 مايو 2025

فوائد منتقاة من سورة يونس \ الآيات (٩٩- ١٠٩)

 - ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ امَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَتُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزِى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعَنَهُمْ إِلَى حِينٍ)
[ يونس: ]
* القرية في القرآن تطلق ويُراد بها المدينة كما تُطلق المدينة في القرآن ويُراد بها المدينة، فالقرية والمدينة في القرآن بمعنى واحد، ويونس -عليه السلام- هو يونس بن متى، ذُكر في القرآن في مواضع عدة، ذُكر باسمه وذُكر بلقبه قال الله- جل وعلا - ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) وقال هنا ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ }. وذكره في الأنعام في (تلك حجتنا)، وجاء بما اشتُهر به قال جل وعلا- ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا }، وقال في القلم (وَلَا تَكُن كَصَاحِبٍ الْحُوتِ ) وكلها تأتي على يونس.

- يونس بُعث في نينوى من أرض الموصل من العراق، دعا قومه وتوعدهم بالعذاب ، كأن العذاب تأخر - على أظهر أقوال العلماء تركهم- لما تركهم ركب سفينة ، ما إن ركبها إلا والسفينة باقية والسفن غيرها تغدو وتروح، فلما كانت السُفن تغدو وتروح فالعلة ليست في الرياح، العلة في السفينة فأخذوا يتساءلون فيما بينهم قال والله هذا لا يكون إلا عبدا أبق من سيده  فاقترعوا، فقبل أن يدخل معهم قال اللّٰه ( فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } (فساهم) غير (فأسهم)

"أسهم" بمعنى أعطى وشارك، و"ساهم" أي دخل في القرعة ، فوقعت القرعة عليه فأُلقي في البحر، والبحر والجو كلها ملك الله، فابتلعه حوت، والحوت هذا ذهب إليه بقدر اللّٰه، فلما ابتلعه أوحى اللّٰه إلى الحوت ألا تهشم له عظما ولا تأكل له لحما، فبقي مُستقرا في بطنه، فأخذه الحوت إلى قاع البحر فاجتمع عليه ظُلمة بطن الحوت وظُلمة الليل وظُلمة البحر. يقولون - والمعنى يقبله العقل- حرّك جوارحه فوجدها تتحرك فنادى - والله أثبت النداء - قال ربنا: ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) معنى ( فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) أي لن تُضيق عليه ، من التضيق وليس من القُدرة ، أي غلب على ظنه أنني رسول ونبي وهم الذين أغضبوني ، فلو تركتهم لن يُضيق اللّٰه عليّ، هم الذين لم يستجيبوا لي، وهو كأنه لم يستأذن ربه في الخروج ، (فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ } وهذا الذي جعله يعزم على المُضي ، لكنه لما وجد نفسه في بطن الحوت - من رحمة اللّٰه بأي عبد إذا أراد اللّٰه أن يقبله يعلمه كيف يُقبل على اللّٰه يُلقي في قلبه أن يتوب ثم يقبل التوبة، يدله كيف يتوب ثم يقبل منه تلك التوبة ثم يرحمه - فقال ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَٰتِ ) وذكر ثلاث جمل :

 الأولى : شهد لله بالوحدانية فقال - كما قال ربنا-: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ } وما خلق اللّٰه الخلق إلا من أجل هذه الكلمة، لا تُقام ساحة عرض يوم الحساب ولم يخلق اللّٰه السموات والأرض، ولم يُنصب سوق النار وسوق الجنة، ولم ينزل كتاب ولم تأتِ سنة إلا من أجل أن يُعبد اللّٰه وحده دون سواه ، فقهها يونس قال (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ )، ثم نزّه ربه عما لا يليق فقال ( سُبْحَانَكَ ) ومن أعظم العبادات تنزيه اللّٰه عما لا يليق بجلاله، ثم اعترف بخطيئته لأن في انكساره سببا عظيما لقبول توبته فقال (سُبْحَٰانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالِمِينَ ) فجمع ما بين ثلاثة أمور : ما بين توحيد اللّٰه وتنزيه اللّٰه عما لا يليق به، وما بين الاعتراف بالذنب والخطيئة  فقال اللّٰه: 

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) فحقق اللّٰه مراده فأمر اللّٰه الحوت أن يُلقيه خارج البحر، قال الله: ( فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ) لما مكث أياما خرج ضعيفا وكان بالإمكان أن يخرج سويا لكن اللّٰه لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، ثم استوى على سوقه أياما حتى رُدت إليه صحته، فذهب إلى قومه وكانوا لما تركهم يونس قد شعروا بقُرب العذاب، أظلهم العذاب فأصبح إيمانهم اضطراري".(١)

والإيمان نوعان : 

/ إيمان اختياري .

/ إيمان اضطراري. وهذا لا يقبله اللّٰه أبدا وله حالتان :

الحالة الأولى : عامة لم تأتِ وهي طلوع الشمس من مغربها والدليل عليه قول اللّٰه تعالى ( يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَٰتٍ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا ) مفعول به مقدم ( إيمَانُهَا ) فاعل يعني لا ينفع الإيمان النفس.

الحالة الثانية : إذا حق العذاب ونزل فلا يُقبل كما قال فرعون ( آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَائيلَ وَأنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ومع ذلك لم يقبل اللّٰه منه إيمانه.

فلما رأوا العذاب فالأصل أن اللّٰه لا يقبل توبة حينها لهذا قال اللّٰه (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) مستشنون من سَنن اللّٰه في خلقه.

هذه السنة الكونية العامة أخرج اللّٰه منها قوم يونس لحكم أخفاها اللّٰه، ولعل سبب هذه الخصوصية التي خُصّ بها قوم يونس أنه سبحانه علم صدقهم في إيمانهم وإخلاصهم في توبتهم والدليل أنهم لما رُفع عنهم العذاب لم يرجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر بل ثبتوا على الإيمان واستقاموا على التوبة حتى انتهت آجالهم .

قال الشيخ بن عثيمين - رحمه اللّه- " الحكمة أن يونس - عليه السلام - خرج من قومه مغاضباً قبل أن يؤذن له وكأنه لم يستكمل الدعوة فلم تقم عليهم الحجة الكاملة فصار لهم في هذا نوع عذر لهم ولهذا نجوا حين آمنوا بعد رؤية العذاب "

- رحمة اللّٰه تُستجدى بالانكسار، ومن طرائق الانكسار أن يُوفق الإنسان للفظ كلمة يقولها تُستدر بها رحمة اللهَ لذلك جبريل أبغض فرعون بغضا شديدا حين قال ( أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } فلما جاء فرعون في البحر جعل جبريل يأخذ الطين ويجعله في فم فرعون خوفا من أن يقول فرعون كلمة يستدر بها رحمة الله.

 

- ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُهُمْ جَمِيعًا ) 

"قال ابن عباس : إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يحرص أن يؤمن به جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره اللّٰه عز وجل أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له من السعادة في الذكر الأول، ولم يضل إلا من سبق له من اللّٰه الشقاء في الذكر الأول، وفي هذا تسلية للنبي- صلى الله عليه وسلم- لأنه كان حريصاً على إيمانهم كلهم فأخبره اللّٰه أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له العناية الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم وهو قوله سبحانه وتعالى: ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) ، ( وَمَاكَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ الَّلهِ وَيَجْعَلُ الرِّجسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ }

"إذنه" هاهنا قضاؤه وقدره لا مجرد أمره وشرعه، كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية .

وقال محمد بن جرير : " يقول جل ذكره لنبيه : وما لنفس خلقها من سبيل إلى أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك ،فلا تجهدن نفسك في طلب هداها، وبلغّها وعيد اللّٰه ثم خلّها فإن هُداها بيد خالقها، وما قبل الآية وما بعدها لا يدل إلا على ذلك .


- أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يُعلن ثباته على الحق واعتزازه به ( قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍ مِن دِينِى فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ).

إن كثرت ركام الباطل وانتشاره قد يُضعف من عزيمة بعض الدعاة وينال من حماسهم في حمل الدعوة ،وصمودهم في وجه تيارات الباطل، فتتزعزع ثقتهم ، وتضعف مقاومتهم ،ويجرفهم التيار فيأتي هذا الإعلان قوة معنوية تُمِد الداعية بالثقة والعزيمة فلا يلين ولا يضعف ولا يتوانى ولا يتخاذل.


- السبب الرئيسي لانحراف أكثر الناس عن عبادة اللّٰه وحده هو اعتقادهم أن غير اللّٰه تعالى قد يجلب لهم النفع أو يدفع عنهم الضور ولهذا قال سبحانه : ( وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ).


- " آية في سورة يونس تجعل المؤمن مطمئنا على رزقه متوكلا على ربه يعلم أن العباد لن يضروه أو ينفعوه إلا بما كتب اللّٰه له أو عليه، تأمل : ( وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، ففي الشر جاء به مسا ويكشفه، وفى الخير يصيب به العباد ولا يمنعه، وهو الغفور الرحيم لأنه سبحانه لو عامل الناس بما يفعلون لعاقبهم ولكنه سبحانه غفور ورحيم سبقت رحمته غضبه. "(٢)


- هل الضار النافع من أسماء اللّٰه؟(٣)

أولا: لم يثبت بدليل صحيح أن الضار من أسماء اللّٰه تعالى ، وإنما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي فيه تعداد الأسماء الحسنى ، وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وغيره، والمقرر عند أهل العلم أن أسماء اللّٰه تعالى وصفاته توقيفية ، أي لا يثبت منها شيء إلا بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة ، فإذا لم يثبت الاسم وكان معناه صحيحا فإنه يجوز الإخبار به عن اللّٰه تعالى فيقال : اللّٰه هو الضار النافع ، لأن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات ، لكن لا يتعبّد بهذا الاسم، فلا يقال : عبد الضار أو عبد النافع لأنه لم يثبت اسما لله تعالى . وأما ما يوجد في كلام بعض أهل العلم من تسمية اللّٰه تعالى بالضار النافع ، فلعل ذلك منهم اعتمادا على حديث الترمذي وقد سبق أنه حديث ضعيف والمعوّل عليه هو الدليل الصحيح من الكتاب أو السنة .

ثانيا: معنى الضار: الذي يقدّر الضر ويوصله إلى من شاء من خلقه، فالخير والشر من اللّٰه تعالى كما قال سبحانه :

( وَنَبْلُوكُم بِٱلتَّرِ وَالْخَيْرِ فِتنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء: ٣٥]، وقال: ( وَإِن يَمْسَسْكَ الَّلهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمسسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الأنعام: ١٧] ، وقال : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَٰوَتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشْفَٰتُ ضُرِّه أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَلُونَ) [الزمر: ٣٨] .

وروى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -- قال : قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم- : ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُول فِي صَبَاحٍ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ : بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وروى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ : ( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلَّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ). وصححه الألباني في صحيح الترمذي. قال ابن تيمية -رحمه اللّٰه-: "فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا اللّٰه ولا يضر غيره" .

ثالثا : لما كان الإخبار عن اللّٰه تعالى بأنه الضار قد يوهم نقصا بيّن أهل العلم أنه لا يذكر إلا مقرونا بالإخبار عنه بأنه النافع سبحانه وتعالى فيقال: الضار النافع كما يقال : القابض الباسط ، العفو المنتقم .

قال ابن القيم رحمه اللّٰه: " إن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره ، وهو غالب الأسماء كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم ، وهذا يسوغ أن يُدعى به مفردا ومقترنا بغيره ، فتقول : يا عزيز ، يا حليم ، يا غفور ، يا رحيم . وأن يفرد كل اسم ، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع، والضار، والمنتقم ، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل ، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله عطاء ومنعا ، ونفعا وضرا، وعفوا وانتقاما لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيه ؛ وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض ، ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه، فلو قلت : يا مذل ، يا ضار ، يا مانع ، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها " انتهى من "بدائع الفوائد" (١٣٢/١) باختصار .

رابعا: يجب أن يُعلم أن المطلوب من العبد في هذا المقام أن يُرى تفرد اللّٰه تعالى بربوبيته لخلقه ، سبحانه له الخلق والأمر فلا منازع له في سلطانه ، ولا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّٰه : " الرب سبحانه هو المالك المدبر ، المعطي المانع ، الضار النافع ، الخافض الرافع، المعز المذل ؛ فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته ، لكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطي الأول مثلا فيشكره على ما أولاه من النعم ، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافؤه عليه ؛ لأن النعم كلها لله تعالى كما قال تعالى: ( وَمَابِكُم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } وقال تعالى: ( كُلَّا تُمِدُّ هَؤُلَآءٍ وَهَؤُلَآءٍ مِنْ عَطَآءِ رَيِّكَ } فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة ؛ فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده ، فالمعطي هو الذي أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره ؛ فهو الأول والآخر .. ، وكذا جميع ما ذكرنا في مقتضى الربوبية، فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم ، وتجرد التوحيد في قلبه فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنور قلبه ؛ ومن توكل على اللّٰه فهو حسبه ". ولهذا قال الفضيل بن عياض - رحمه الله- : من عرف الناس استراح .يريد - والله أعلم - أنهم لا ينفعون ولا يضرون. والله أعلم.


- وجاءت الآية الأخيرة تُلخص كل ما سبق تقريره في السورة : ( قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَ كُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَبِكُمْ } ببعثة الرسل وإنزال الكتب فلا عذر لكم ( فَمَنِ اهْتَدَىٰ ) بالتصديق والقبول والإذعان ( فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِه ) لأن نفعه وثوابه يعود عليها (وَمَن ضَلَّ ) واختار الكفر والفجور ( فَإنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا ) لأَن وبال ضلاله وكفره على نفسه ، ( وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ) أي ما أنا مسئول عنكم ، إنما أنا بشير ونذير .


- ما على الدعاة إلا الاتباع والامتثال والاستمرار في الدعوة إلى اللّٰه تعالى مهما طال الزمن واشتدت المحن، واضعين نصب أعينهم التوجيه الحكيم من اللّٰه تعالى لنبيه الكريم (وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَٱصْبِرَ حَنَّى يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١- برنامج مع القرآن (١) / للشيخ صالح المغامسى

٢- د.نوال العيد

٣- موقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ / محمد المنجد