سورة الحج من أعاجيب السور
الجمعة، 30 مايو 2025
وقفات مع سورة الحج -اللقاء الأول-
الاثنين، 19 مايو 2025
الدرس الثامن والثلاثون | تفسير سورة البقرة: الآية (٢٦) (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة..)
تفسير سورة البقرة: الآية (٢٦) (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة..)
📖 فيقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: "قوله تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثل يُضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين* الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون).
يقول تعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما) أي مثلٍ كان بعوضة فما فوقها لاشتمال الأمثال على الحكمة وإيضاح الحق، والله تعالى لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله تعالى في ذلك، فليس ذلك محل اعتراض، بل هو من تعليم الله تعالى لعباده ورحمته بهم فيجب أن تُتلقى بالقبول والشكر ولهذا قال تعالى: (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم) فيفهمونها ويتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله تعالى لم يضربها عبثا بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ فيعترضون ويتحيرون فيزدادون كفرا إلى كفرهم كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال تعالى (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة، وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده وانفرد بالهداية والإضلال. ثم ذكر تعالى حكمته وعدله في إضلاله من يُضل، وأن ذلك عدل منه تعالى فقال (وما يضل به إلا الفاسقين) أي الخارجين عن طاعة الله تعالى، المعاندين لرسل الله الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضى فضله وحكمته هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال. والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان، كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)"
🎙بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أما بعد: يقول الله جل وعلا: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) هذه الآية الكريمة نزلت في بيان عظم شأن الأمثال المضروبة في القرآن الكريم وأن فيها عبرة لمن اعتبر، وفيها ردا على الجاحد المنكر، ففائدتها عظيمة.
قد تقدم معنا في علوم القرآن التي ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أنواعها، أن من أنواع علوم القرآن الأمثال المضروبة، وهي كثيرة جدا في القرآن وأكثرها في بيان التوحيد والتحذير من ضده الشرك بالله سبحانه وتعالى. وأيضا من الأمثال المضروبة بيان حال الكفار المبطلين والمنافقين الفاسقين.
قد تقدم معنا في أوائل السورة مثلين (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) ثم قال (أو كصيب من السماء) مثلين أحدهما مائي، والآخر ناري في كشف حال المنافقين. وجاءت أمثال كثيرة في القرآن، وقد يضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالشيء الحقير لبيان خسة الشرك وقُبح حال المشرك كقوله (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) وقوله (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) وضرب الله عز وجل المثل في بيان قبح حال من يأتيه الحق ويرى العلم فلا يعمل به قال: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار) وقال: (فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث)، وضرب أيضا مثل بالشيطان (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر) الأمثال كثيرة جدا في القرآن، وقد يضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالشيء الحقير، أو بالشيء الخسيس من ذباب أو عنكبوت أو مثلا مثل ما تقدم الشيطان (كمثل الشيطان) أو الحمار، وهذه الأمثال للمتدبر ولمن يعقل عن الله سبحانه وتعالى خطابه يدرك عظم نفعها، وكبير فائدتها، وأن فيها عبرة لمن أراد الاعتبار، وفيها رد على الجاحدين المنكرين ودحض باطلهم. والمثل إذا تضمن إحقاق الحق وبيانه، وإبطال الباطل ودحضه كان من أحسن الأشياء وأنفعها.
لما جاءت هذه الأمثال متوالية في القرآن ضاقت بها صدور المنافقين والضالين خاصة أنها كانت كاشفة لخزي ما هم عليه، وفساد ما هم عليه، وقبح ما هم عليه، جاءت كاشفة لذلك، ولهذا أخذوا يعترضون على هذه الأمثال، كيف يضرب مثل في كتاب يقال إنه مُنزل من الله يضرب فيه مثل بذباب أو بعنكبوت أو نحو ذلك، وكذلك ما تقدم في المثلين الكاشفين لحال المنافقين، ولهذا قيل ونُقل عن السلف في سبب النزول - سبب نزول هذه الآية - نُقل عنهم في الجملة قولان:
الأول: أن هذا رد على من أنكر نزول المثلين المتقدمين في أول السورة. المثل المائي والمثل الناري.
والقول الثاني: أن الآية نزلت في رد من أنكر عموم الأمثال المضروبة في القرآن، وخاصة ما ضُرب فيه المثل بالذباب أو العنكبوت، أو نحو ذلك، جاء عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما وعن ناس من الصحابة رضي الله عنهم قالوا: "لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا)، وقوله (أو كصيب من السماء) - قال المنافقون: الله أعلا وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله (هم الخاسرون) وجاء عن قتادة وغيره قال: "لما ذكر الله في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة ما أراد الله من ذكر هذا؟ -يعني ذكر هذا الذباب أو ذكر هذه العنكبوت - فأنزل الله سبحانه وتعالى (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)".
ومعنى لا يستحي: أي لا يمنعه الحياء، لأن الله سبحانه وتعالى كما وصفه به نبيه حيي كريم سبحانه وتعالى، في حديث سلمان قال: (إن الله حيي كريم يستحي من عبده) فالحياء صفته، وعندما نقول الحياء صفته يجب علينا وجوبا حتما ألا ننظر إلى الحياء الذي هو صفة لنا، ولنستحضر قاعدة عظيمة مهمة في هذا الباب: أن ما يُضاف إلى الله سبحانه وتعالى من الصفات يليق بعظمته وكماله وجلاله، وما يُضاف لنا نحن المخلوقين من الصفات يليق بضعفنا وفقرنا وحاجتنا.
يعني الآن مثلا لما يقال الله موصوف بالحياة وأنه حي، وفي الغالب المناهج الكلامية التي خاضت في رد كثير من الصفات يثبتون الحياة فهل هذه الحياة يثبتونه على وجه يشابه الحياة التي عليه المخلوق؟ يقولون لا هذه حياة مضافة إلى الله، فهي تليق بالله، هكذا يقولون، يُقال لهم في عموم الصفات القول في بعض الصفات كالقول في بعض الآخر ما يفرق بين المتماثلات، فالحياء صفة لله نؤمن بها كما جاءت في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونقول كما قال نبينا إن الله حيي، ونقول: يستحيي كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام.
المتكلمون يقولون لا، هكذا يقول لا، ويؤولونها إلى معاني أخرى بعيدة. فالحاصل أن القول في بعض الصفات، كالقول في البعض، فكما أنهم يثبتون لله حياة لا كحياة المخلوقين، فالواجب أن يثبت له عموم صفاته على الوجه اللائق به، ولهذا أعيد فأقول عندما نقرأ مثل هذه النصوص لا يجوز أن يخطر في البال حياة المخلوقين، لأن إن خطر في البال حياة المخلوقين ما الذي سيحصل؟ سيشعر هذا الذي وقع في نفس هذا المعنى أن هذا الشيء الله منزه عنه، ونعم الله منزه عن مشابهة المخلوقين، لكن هذا فهمه هو للآية، فإذا فهم من الآية التشبيه اضطر إلى التحريف، تحريف الآية وصرفها عن معناها، وبهذا تدرك أن أهل السنة سلموا من التشبيه والتحريف معا على حد، يقول الله سبحانه وتعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) إذن قوله (إن الله لا يستحيي) أي لا يمنعه الحياء الذي هو صفته سبحانه، لا يمنعه جل وعلا الحياء الذي هو صفته أن يذكر للحق جل وعلا مثلا ماء بعوضة فما فوقها، يعني لا يستحيي في بيانه سبحانه وتعالى الحق أن يضرب المثل ولو بالشيء الحقير، طالما أن المثل ماذا؟ يُحق حقا، وماذا؟ يبطل باطلا، يعني انظر الآن المثل الذي ضرب بالعنكبوت، وسميت السورة بكاملها العنكبوت، سورة العنكبوت، سورة العنكبوت هذا علم على مثل ضُرب في السورة لبيان قبح حال المشركين (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) الآن العنكبوت تتخذ بيت، لكن هل يقي من حر؟ هل يقي من برد؟ هل يقي من عدو؟ أوهن بيت بيت العنكبوت، وسبحان الله عجيبة المعابد هذه، يعني عموم المعابد المتخذة من أصنام أو أحجار أو عموم المعابد لو نظر عابدوها إلى أسقُف جدران تلك المعابد، لوجدوا بيوتا توضح لهم وهاء الحالة التي هم عليها، وهي اتخاذ الأنداد مع الله (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) لو رفع رأسه ونظر لبيت العنكبوت معشعش في المعبد الذي اتخذ فيه معبودا من دون الله لكشف له الحالة القبيحة التي هو عليها (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) في سورة الرعد قال (كباسط) هذا مثل (كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) يعني لو رأيتم الآن رجل وثمة نهر، لكن بعيد عنه، مسافة بعيدة جدا ومد يديه، هو عطشان أشد العطش، ومد يديه من بعد من مسافة بعيدة، ينتظر أن يبلغ الماء فاه يسد عطشه، هذا مثل لحال المشرك، أو يقف على حافة بئر عميقة جدا، وفي أسفلها الماء وهو عطشان، فيقف على حافة البئر، ويمد يديه ينتظر أن يبلغ الماء الذي في البئر فاه. هذا حال هؤلاء.
هذه أمثال عظيمة جدا، ولما كان وقع هذه الأمثال قوي في إحقاق الحق وإبطال الباطل، ماذا حدث؟ ضاقت بها صدور المنافقين والمشركين قالوا (ماذا أراد الله بهذا) ما هذه الأمثال؟ ذباب، عنكبوت كذا ضاقت بها صدورهم، المؤمن لما يرى هذا المثل ما يقول مثل قولهم، أي شيء يقول؟ ما أعظم هذا المثل وما أعجبه، وما أعظم نفعه، وما أكبر وقعه، يهديه الله بالمثل، ويقف من خلال المثل على حقائق عظيمة جدا، نافعة في إبطال كفر الكافرين، وشرك المشركين، وضلال الضالين، قال (إن الله لا يستحيي) أي لا يمنعه حياؤه الذي هو صفته سبحانه وتعالى أن يضرب للخلق مثلا ما، (مثلا ما) أي، أي مثل كان، طالما أن فيه نفع وفائدة للناس.
(أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) بعوضة فما فوق البعوضة، (فوق) هذا من الأضداد مثل (وراء) وراء تستعمل للأمام وللخلف (وكان وراءهم ملك) ما معنى (وراءهم ملك)؟ أمامهم، فهي من الأضداد، (فوق) كذلك، ولهذا اختلفت كلمة المفسرين في المراد فقيل في معنا (فوقها) قولان:
قيل: فما فوقها أي فما دونها، ما معنى دونها؟ يعني أصغر من هذه البعوضة الصغيرة جدا، (إن الله لا نستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) أي فما دون البعوضة، ما هو أقل أيضا من البعوضة، قالوا مثل ماذا؟ - ما نحتاج لتكلفات المعاصرين - السلف قديما قالوا: كجناح البعوضة. وانظر ما يوضح لك ذلك الحديث الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة ماء) جناح بعوضة، هذا الآن مثل بشيء ماذا؟ أصغر وإلا أكبر؟ أصغر من البعوضة، جناح البعوضة، (فما فوقها) قالوا كجناح البعوضة، وضُرب فيها المثل كما جاءت بها السنة مثل لحقارة الدنيا.
مثلا يقول قائل فلان جاهل فيقول السامع هو فوق هذا، ماذا يقصد؟ أي أجهل، أو مثلا يوصف بصفات ذم فيقول هو فوق هذا، يعني أكثر من هذا الذي تصفونه به، فوقه يعني أكثر في هذه الصفات المذمومة، فهذا تحقير أشد له، هذا قول في معنى الآية.
(إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم) لأنهم على يقين بأن الله حق، وأن قوله حق، وأن الأمثال التي ضربها سبحانه وتعالى حق، وأن كتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
(أنه الحق من ربهم) أي أنه حق منزل من رب العالمين، وأنه كلام الله سبحانه وتعالى ووحيه، وتنزيله جل وعلا، وأنه مشتمل على الحق كما تقدم في أول السورة (لا ريب فيه).
(وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) نوع الاستفهام هنا ماذا؟ استنكار، يستنكرون من هذه الأمثال، (ماذا أراد الله بهذا مثلا) والجواب: أن هذا المثل وهذه الأمثال التي ضربها، ضربها امتحانا واختبارا للعباد، ليميز المؤمن من الكافر، والمهتدي من الضال، ولهذا قال بعدها: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين).
قال الشيخ رحمه الله تعالى: "يقول الله تعالى (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما) أي: أي مثل كان هذا المقصود بـ (ما)، أي: أي مثل كان، يعني قليل أو كثير، كبير أو صغير، حقير أو عظيم، (ما) أي مثل كان (لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها)
نعم، هذا أمر عظيم يبين عظمة الله، لكن لما يربط المثل به هذا. هذا محل نظر، ويعد نوع من التكلف في تفسير الآية وبيان معناها.
(إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما) أي: أي مثل كان بعوضة فما فوقها لاشتمال الأمثال على الحكمة وإيضاح الحق والله لا يستحي من الحق، لأن المثل إذا تضمن إحقاق حق وإبطال باطل فهو من أحسن الأشياء وأنفعها، وكأن في هذا جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة واعترض على الله في ذلك مثل ما تقدم في قول قتادة وغيره، لما ضرب الله المثل بالذباب والعنكبوت ونحوها، قالوا هذه أشياء حقيرة كيف تذكر في كلام الله؟! وكيف تضرب في القرآن الذي هو كلام الله؟! اعتراضه على ذلك، فليس في ذلك محل اعتراض بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم، فيجب أن تُتلقى بالقبول والشكر، وهذا الذي يحصل من المؤمن يجد فيها عبرة ويجد أنها كاشفة لكفر الكافرين، وشرك المشركين، وباطل المبطلين. فيحمد الله على نعمة الفهم ونعمة عقل المثل المضروب (وما يعقلها إلا العالمون) فيجب أن تُتلقى بالقبول والشكر، وهذا فيه الماحة مهمة جدا: أنك أيها المؤمن عندما تقرأ المثل في القرآن ويكون واضح لك وتفهمه، وتفرح بفهمك له هذه نعمة أشكر ربك عليها، نعمة أنعم الله بها عليك، تريد تُدرك عظم هذه النعمة؟ أنظر ماذا قال الضالون (ماذا أراد الله بهذا مثلا) أنت فرحت بهذا وعرفت معناه، وعرفت مدلوله، شرح الله صدرك وبصّرك وفهّمك وهداك (يهدي به) هذه هداية من الله، انتبه لهذا، حتى إذا فهمت لا تنظر إلى حدة فهمك ونباهتك، وإنما استحضر (يهدي به) أي المثل (كثيرا) هذه هداية من الله لك، هو الذي شرح صدرك، هو الذي علمك ما لم تعلم، هو الذي هداك سبحانه وتعالى، ولهذا ينبه الشيخ على ذلك أن تُتلقى بالقبول والشكر، ولهذا قال (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم) أي منزل من الله وحي، فيفهمونها، ويتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق وما اشتملت عليه حق وإن خفي عليهم وجه الحق فيها، قد لا يتضح بعض المعاني لبعض الناس، هي واضحة لكن قد لا تتضح لبعض الناس، من لم تتضح آمن بها إجمالا وأنها حق، وأنها مشتملة هداية حتى لو لم يتضح المعنى، وإن اتضحت معانيها له ازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه، ويقينا إلى يقينه. قال مجاهد رحمه الله: "الأمثال - يعني المضروبة في القرآن - صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها".
قال: "يقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يعترضون ويتحيرون فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا إلى إيمانهم"، قال: "ولهذا قال (يضل به كثيرا) (به) الضمير عائد على المثل، (ويهدي به) أي المثل (كثيرا). فهذه حال المؤمنين والكفار عند نزول الآيات القرآنية، وعند نزول أيضا الأمثال المضروبة في القرآن مثل قوله جل وعلا (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون* وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون). قال: "فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية" ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة، وضلال وزيادة شر إلى شرهم وهؤلاء الكفار والمنافقون، ولقوم منحة ورحمة وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال. إقرأ
📖 "ثم ذكر تعالى حكمته وعدله في إضلاله من يضل، وأن ذلك عدل منه تعالى فقال (وما يضل به إلا الفاسقين) أي الخارجين عن طاعة الله، المعاندين لرسل الله، الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضى فضله وحكمته هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة. والفسق نوعان نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الآية"
🎙نعم، لما قال جل وعلا (يضل به كثيرا) ذكر الحكمة من ذلك وأنه عدل من الله سبحانه وتعالى في إضلاله من يضل، ولهذا قال (وما يُضل به إلا الفاسقين)، ومثلها قوله في سورة إبراهيم (ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء)، وقوله: في المنافقين (والله أركسهم) أي أوقعهم في الكفر (بما كسبوا) أي بسبب ما كسبوه من فسوق وضلال وزيغ، مثلها أيضا قوله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، ومثلها قوله (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة). فهذا في بيان الحكمة.
قال (وما يضل به إلا الفاسقين) أي الخارجين عن طاعة الله، المعاندين لرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، الذين صار الفسق وصفهم. المعنى: أن أعمالهم القبيحة وأوصافهم الشنيعة كانت سببا لإضلال الله لهم، فصار الفسق وصفهم فلا يبغون به بدلا. فاقتضت حكمة الله إذلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضى فضله وحكمته هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.
ثم ذكر الشيخ رحمه الله أن الفسق المذكور في القرآن نوعان:
ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ) هذه في سورة الحجرات، هذا الفسق هنا ليس الأكبر، وإنما هو الفسق الذي هو معصية، مثلها في السورة نفسها قال (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) جعل الفسوق شيء آخر غير الكفر وهو الكبائر، فالفسق منه أكبر وهو الناقل من الملة، ومنه أصغر وهو ما دون ذلك من المعاصي والذنوب التي لا تُخرج من الملة.
هناك أثر يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما جميل غاية في بيان هذا المعنى يقول رضي الله عنه: "كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم - مثل خاسر- فإنما يعني به الكفر" مثل خاسر، مثل ظالم، مثل فاسق مثل هذه الأسماء، قال: "مثل خاسر فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام -يعني من هذه الأسماء - فإنما يعني به الذنب" هذا كلام عظيم جدا وتعتبر قاعدة في هذا الباب. أعيدها مرة ثانية يقول: "كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب".
نفعنا الله أجمعين بما علمنا وزادنا علما وتوفيقا، وأصلح لنا شاننا كله، وهدانا إليه الصراط مستقيما... سبحانك اللهم وبحمدك، إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.. جزاكم الله خيرا.
الأحد، 4 مايو 2025
فوائد منتقاة من سورة يونس \ الآيات (٩٩- ١٠٩)
- يونس بُعث في نينوى من أرض الموصل من العراق، دعا قومه وتوعدهم بالعذاب ، كأن العذاب تأخر - على أظهر أقوال العلماء تركهم- لما تركهم ركب سفينة ، ما إن ركبها إلا والسفينة باقية والسفن غيرها تغدو وتروح، فلما كانت السُفن تغدو وتروح فالعلة ليست في الرياح، العلة في السفينة فأخذوا يتساءلون فيما بينهم قال والله هذا لا يكون إلا عبدا أبق من سيده فاقترعوا، فقبل أن يدخل معهم قال اللّٰه ( فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } (فساهم) غير (فأسهم)
"أسهم" بمعنى أعطى وشارك، و"ساهم" أي دخل في القرعة ، فوقعت القرعة عليه فأُلقي في البحر، والبحر والجو كلها ملك الله، فابتلعه حوت، والحوت هذا ذهب إليه بقدر اللّٰه، فلما ابتلعه أوحى اللّٰه إلى الحوت ألا تهشم له عظما ولا تأكل له لحما، فبقي مُستقرا في بطنه، فأخذه الحوت إلى قاع البحر فاجتمع عليه ظُلمة بطن الحوت وظُلمة الليل وظُلمة البحر. يقولون - والمعنى يقبله العقل- حرّك جوارحه فوجدها تتحرك فنادى - والله أثبت النداء - قال ربنا: ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) معنى ( فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) أي لن تُضيق عليه ، من التضيق وليس من القُدرة ، أي غلب على ظنه أنني رسول ونبي وهم الذين أغضبوني ، فلو تركتهم لن يُضيق اللّٰه عليّ، هم الذين لم يستجيبوا لي، وهو كأنه لم يستأذن ربه في الخروج ، (فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ } وهذا الذي جعله يعزم على المُضي ، لكنه لما وجد نفسه في بطن الحوت - من رحمة اللّٰه بأي عبد إذا أراد اللّٰه أن يقبله يعلمه كيف يُقبل على اللّٰه يُلقي في قلبه أن يتوب ثم يقبل التوبة، يدله كيف يتوب ثم يقبل منه تلك التوبة ثم يرحمه - فقال ( فَنَادَى فِي الظُّلُمَٰتِ ) وذكر ثلاث جمل :
الأولى : شهد لله بالوحدانية فقال - كما قال ربنا-: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ } وما خلق اللّٰه الخلق إلا من أجل هذه الكلمة، لا تُقام ساحة عرض يوم الحساب ولم يخلق اللّٰه السموات والأرض، ولم يُنصب سوق النار وسوق الجنة، ولم ينزل كتاب ولم تأتِ سنة إلا من أجل أن يُعبد اللّٰه وحده دون سواه ، فقهها يونس قال (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ )، ثم نزّه ربه عما لا يليق فقال ( سُبْحَانَكَ ) ومن أعظم العبادات تنزيه اللّٰه عما لا يليق بجلاله، ثم اعترف بخطيئته لأن في انكساره سببا عظيما لقبول توبته فقال (سُبْحَٰانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالِمِينَ ) فجمع ما بين ثلاثة أمور : ما بين توحيد اللّٰه وتنزيه اللّٰه عما لا يليق به، وما بين الاعتراف بالذنب والخطيئة فقال اللّٰه:
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) فحقق اللّٰه مراده فأمر اللّٰه الحوت أن يُلقيه خارج البحر، قال الله: ( فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ) لما مكث أياما خرج ضعيفا وكان بالإمكان أن يخرج سويا لكن اللّٰه لا يعجل لعجلة أحد من خلقه، ثم استوى على سوقه أياما حتى رُدت إليه صحته، فذهب إلى قومه وكانوا لما تركهم يونس قد شعروا بقُرب العذاب، أظلهم العذاب فأصبح إيمانهم اضطراري".(١)
والإيمان نوعان :
/ إيمان اختياري .
/ إيمان اضطراري. وهذا لا يقبله اللّٰه أبدا وله حالتان :
الحالة الأولى : عامة لم تأتِ وهي طلوع الشمس من مغربها والدليل عليه قول اللّٰه تعالى ( يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَٰتٍ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا ) مفعول به مقدم ( إيمَانُهَا ) فاعل يعني لا ينفع الإيمان النفس.
الحالة الثانية : إذا حق العذاب ونزل فلا يُقبل كما قال فرعون ( آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَائيلَ وَأنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ومع ذلك لم يقبل اللّٰه منه إيمانه.
فلما رأوا العذاب فالأصل أن اللّٰه لا يقبل توبة حينها لهذا قال اللّٰه (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) مستشنون من سَنن اللّٰه في خلقه.
هذه السنة الكونية العامة أخرج اللّٰه منها قوم يونس لحكم أخفاها اللّٰه، ولعل سبب هذه الخصوصية التي خُصّ بها قوم يونس أنه سبحانه علم صدقهم في إيمانهم وإخلاصهم في توبتهم والدليل أنهم لما رُفع عنهم العذاب لم يرجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر بل ثبتوا على الإيمان واستقاموا على التوبة حتى انتهت آجالهم .
قال الشيخ بن عثيمين - رحمه اللّه- " الحكمة أن يونس - عليه السلام - خرج من قومه مغاضباً قبل أن يؤذن له وكأنه لم يستكمل الدعوة فلم تقم عليهم الحجة الكاملة فصار لهم في هذا نوع عذر لهم ولهذا نجوا حين آمنوا بعد رؤية العذاب "
- رحمة اللّٰه تُستجدى بالانكسار، ومن طرائق الانكسار أن يُوفق الإنسان للفظ كلمة يقولها تُستدر بها رحمة اللهَ لذلك جبريل أبغض فرعون بغضا شديدا حين قال ( أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } فلما جاء فرعون في البحر جعل جبريل يأخذ الطين ويجعله في فم فرعون خوفا من أن يقول فرعون كلمة يستدر بها رحمة الله.
- ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُهُمْ جَمِيعًا )
"قال ابن عباس : إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يحرص أن يؤمن به جميع الناس ويتابعوه على الهدى فأخبره اللّٰه عز وجل أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له من السعادة في الذكر الأول، ولم يضل إلا من سبق له من اللّٰه الشقاء في الذكر الأول، وفي هذا تسلية للنبي- صلى الله عليه وسلم- لأنه كان حريصاً على إيمانهم كلهم فأخبره اللّٰه أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له العناية الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم وهو قوله سبحانه وتعالى: ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) ، ( وَمَاكَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ الَّلهِ وَيَجْعَلُ الرِّجسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ }
"إذنه" هاهنا قضاؤه وقدره لا مجرد أمره وشرعه، كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية .
وقال محمد بن جرير : " يقول جل ذكره لنبيه : وما لنفس خلقها من سبيل إلى أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك ،فلا تجهدن نفسك في طلب هداها، وبلغّها وعيد اللّٰه ثم خلّها فإن هُداها بيد خالقها، وما قبل الآية وما بعدها لا يدل إلا على ذلك .
- أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- أن يُعلن ثباته على الحق واعتزازه به ( قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍ مِن دِينِى فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ).
إن كثرت ركام الباطل وانتشاره قد يُضعف من عزيمة بعض الدعاة وينال من حماسهم في حمل الدعوة ،وصمودهم في وجه تيارات الباطل، فتتزعزع ثقتهم ، وتضعف مقاومتهم ،ويجرفهم التيار فيأتي هذا الإعلان قوة معنوية تُمِد الداعية بالثقة والعزيمة فلا يلين ولا يضعف ولا يتوانى ولا يتخاذل.
- السبب الرئيسي لانحراف أكثر الناس عن عبادة اللّٰه وحده هو اعتقادهم أن غير اللّٰه تعالى قد يجلب لهم النفع أو يدفع عنهم الضور ولهذا قال سبحانه : ( وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ).
- " آية في سورة يونس تجعل المؤمن مطمئنا على رزقه متوكلا على ربه يعلم أن العباد لن يضروه أو ينفعوه إلا بما كتب اللّٰه له أو عليه، تأمل : ( وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، ففي الشر جاء به مسا ويكشفه، وفى الخير يصيب به العباد ولا يمنعه، وهو الغفور الرحيم لأنه سبحانه لو عامل الناس بما يفعلون لعاقبهم ولكنه سبحانه غفور ورحيم سبقت رحمته غضبه. "(٢)
- هل الضار النافع من أسماء اللّٰه؟(٣)
أولا: لم يثبت بدليل صحيح أن الضار من أسماء اللّٰه تعالى ، وإنما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي فيه تعداد الأسماء الحسنى ، وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وغيره، والمقرر عند أهل العلم أن أسماء اللّٰه تعالى وصفاته توقيفية ، أي لا يثبت منها شيء إلا بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة ، فإذا لم يثبت الاسم وكان معناه صحيحا فإنه يجوز الإخبار به عن اللّٰه تعالى فيقال : اللّٰه هو الضار النافع ، لأن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات ، لكن لا يتعبّد بهذا الاسم، فلا يقال : عبد الضار أو عبد النافع لأنه لم يثبت اسما لله تعالى . وأما ما يوجد في كلام بعض أهل العلم من تسمية اللّٰه تعالى بالضار النافع ، فلعل ذلك منهم اعتمادا على حديث الترمذي وقد سبق أنه حديث ضعيف والمعوّل عليه هو الدليل الصحيح من الكتاب أو السنة .
ثانيا: معنى الضار: الذي يقدّر الضر ويوصله إلى من شاء من خلقه، فالخير والشر من اللّٰه تعالى كما قال سبحانه :
( وَنَبْلُوكُم بِٱلتَّرِ وَالْخَيْرِ فِتنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء: ٣٥]، وقال: ( وَإِن يَمْسَسْكَ الَّلهُ بِضُرِ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمسسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الأنعام: ١٧] ، وقال : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَٰوَتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشْفَٰتُ ضُرِّه أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَلُونَ) [الزمر: ٣٨] .
وروى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -- قال : قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم- : ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُول فِي صَبَاحٍ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ : بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. وروى الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ : ( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلَّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ). وصححه الألباني في صحيح الترمذي. قال ابن تيمية -رحمه اللّٰه-: "فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا اللّٰه ولا يضر غيره" .
ثالثا : لما كان الإخبار عن اللّٰه تعالى بأنه الضار قد يوهم نقصا بيّن أهل العلم أنه لا يذكر إلا مقرونا بالإخبار عنه بأنه النافع سبحانه وتعالى فيقال: الضار النافع كما يقال : القابض الباسط ، العفو المنتقم .
قال ابن القيم رحمه اللّٰه: " إن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره ، وهو غالب الأسماء كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم ، وهذا يسوغ أن يُدعى به مفردا ومقترنا بغيره ، فتقول : يا عزيز ، يا حليم ، يا غفور ، يا رحيم . وأن يفرد كل اسم ، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع، والضار، والمنتقم ، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل ، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله عطاء ومنعا ، ونفعا وضرا، وعفوا وانتقاما لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيه ؛ وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض ، ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه، فلو قلت : يا مذل ، يا ضار ، يا مانع ، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها " انتهى من "بدائع الفوائد" (١٣٢/١) باختصار .
رابعا: يجب أن يُعلم أن المطلوب من العبد في هذا المقام أن يُرى تفرد اللّٰه تعالى بربوبيته لخلقه ، سبحانه له الخلق والأمر فلا منازع له في سلطانه ، ولا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّٰه : " الرب سبحانه هو المالك المدبر ، المعطي المانع ، الضار النافع ، الخافض الرافع، المعز المذل ؛ فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته ، لكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطي الأول مثلا فيشكره على ما أولاه من النعم ، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافؤه عليه ؛ لأن النعم كلها لله تعالى كما قال تعالى: ( وَمَابِكُم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } وقال تعالى: ( كُلَّا تُمِدُّ هَؤُلَآءٍ وَهَؤُلَآءٍ مِنْ عَطَآءِ رَيِّكَ } فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة ؛ فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده ، فالمعطي هو الذي أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره ؛ فهو الأول والآخر .. ، وكذا جميع ما ذكرنا في مقتضى الربوبية، فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم ، وتجرد التوحيد في قلبه فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنور قلبه ؛ ومن توكل على اللّٰه فهو حسبه ". ولهذا قال الفضيل بن عياض - رحمه الله- : من عرف الناس استراح .يريد - والله أعلم - أنهم لا ينفعون ولا يضرون. والله أعلم.
- وجاءت الآية الأخيرة تُلخص كل ما سبق تقريره في السورة : ( قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَ كُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَبِكُمْ } ببعثة الرسل وإنزال الكتب فلا عذر لكم ( فَمَنِ اهْتَدَىٰ ) بالتصديق والقبول والإذعان ( فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِه ) لأن نفعه وثوابه يعود عليها (وَمَن ضَلَّ ) واختار الكفر والفجور ( فَإنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا ) لأَن وبال ضلاله وكفره على نفسه ، ( وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ) أي ما أنا مسئول عنكم ، إنما أنا بشير ونذير .
- ما على الدعاة إلا الاتباع والامتثال والاستمرار في الدعوة إلى اللّٰه تعالى مهما طال الزمن واشتدت المحن، واضعين نصب أعينهم التوجيه الحكيم من اللّٰه تعالى لنبيه الكريم (وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَٱصْبِرَ حَنَّى يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١- برنامج مع القرآن (١) / للشيخ صالح المغامسى
٢- د.نوال العيد
٣- موقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ / محمد المنجد